مدونة الأستاذ على شرطاني

يوليو 30, 2007

خلفاء الإستعمار (3)

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 5:43 ص

خلفاء الإستعمار (3)

بقلـــــــم: علـــي شرطــــــاني – تونس                
 

- السلطان عبد الحميد وزعماء الإصلاح ومشروع الجامعة الإسلامية:
في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية، وقد انتهت إلى أسفل درجات العد التنازلي، وأصبحت لقمة صائغة في أفواه أعدائها التاريخيين المتربصين بها الدوائر، وينتظرون منذ زمان بعيد بلوغها حالة الضعف والإنهيار الذي تفقد معه كل قدرة على القيام والنهوض، فانقضوا عليها يمزقونها إربا إربا. فكان لكل من إمبراطورية النمساء وروسيا القيصرية وفرنسا وأنقلترا حظ وافر من تركة الإمبراطورية العثمانية الإسلامية. ومما سهل لهذه القوى الدولية الصليبية اقتسامها، هم أعداء الإسلام والمسلمين، وأعداء والجامعة الإسلامية من داخل الجسم العثماني نفسه، والذي يمثله العرب بمختلف معتقداتهم وطوائفهم، والأتراك الذين أبوا بقيادة منظمة الإتحاد والترقي إلا أن يكونوا طورانيين أتراك، وغير ذلك من الحركات والمنظمات والجمعيات الإنفصالية القومية والعرقية والطائفية. في هذه المرحلة، وجد تيار يختلف جذريا وجوهريا عن كل هذه الأطراف التي تلتقي في النهاية مع القوى الإستعمارية الصليبية واليهودية الصهيونية في القضاء على كل شكل من أشكال الوحدة الإسلامية أو العربية أو العربية الإسلامية.
كان هذا التيار عربيا إسلاميا بأتم ما تعنيه الكلمة من معنى، في زمن مازال التلازم فيه بين العروبة والإسلام ليس محل نظر ولا إعادة نظر. وكان يتزعمه علماء ومفكرون من خير ما أنجبت الأمة الإسلامية في ظل الحكم العثماني التركي الجائر، والذي كانوا يعلمون أنه كذلك. وكانوا يقولون بذلك. وكانوا يعملون بكل جد وحرص وإخلاص على إصلاحه. وهم الذين عرفوا بناء على ذلك وبمقتضاه بذلك، والمشار إليهم بزعماء الإصلاح، من أمثال رشيد رضاء ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي وجمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان ورفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين باشا وعبد العزيز الثعالبي وعرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد محرم وعثمان بك غالب وعمر بك لطفي والشيخ فضل الله ورفيق بقلادم ومحمد كرد علي وغيرهم من أهل العلم والورع والتقوى وأهل المروءة والشهامة والعزة.
وكانت هذه الرموز الفكرية والسياسية والعلمية تمثل تيارا فكريا سياسيا إصلاحيا يختلف كل الإختلاف عن غيره من القوى السياسية والفكرية التي عرفتها تلك الحقبة من تاريخ الأمة.
والمتفحص لرموز هذا التيار يلاحظ أن ما يجمع بينها ليس العروبة كغاية وهدف ووسيلة مثلما هو الشأن لدى القوميين في الحركة القومية، ولكن إذا كانت قد اختلفت في الجنس والعنصر والطرح، فإن الذي كان يجمع بينها كلها أو جلها على الأقل هو الإسلام كعامل أساسي وقاسم مشترك بين مختلف الأجناس والأعراق والأقوام والشعوب والأوطان يضمن جمع شتات الأمة ويوحدها، ويجعل منها قوة متضامنة ومتحدة إن لم تكن موحدة في مواجهة عدوها التاريخي المشترك ومن تحالف معه من قوى الردة التي جعل لها الإستعمار الصليبي الغربي من إخوانها غرباء ومن أصدقائها أعداء، وتوصل إلى إقناعهم تحت تأثير عاملي الخوف والطمع أن الخلافة العثمانية المسلمة على ما هي عليه من جور واستبداد وفساد إنما هي استعمار وخاصة للعرب. والغريب في الأمر أنهم قد قبلوا عليهم أن ذلك الذي أقنعوهم به واقتنعوا به فعلا لا يهم كل العرب ولا ينسحب عليهم جميعا. وأنه لا عرب معنيين بهذا المعنى للإستعمار ثم للإستقلال والوحدة الموعودة بعد ذلك إلا عرب الشرق الأوسط من الحجاز إلى بلاد الشام. وأي معنى للإستقلال يكون عندئذ إن لم يكن استعداد الحركة القومية للتنازل عن الأقاليم العربية الواقعة تحت نفوذ الخلافة العثمانية والتي من المفروض أن لا تكون الحركة القومية العربية غير معنية بها، لفائدة الدول الغربية الإستعمارية فعلا. ولا يمكن أن يوجد معنى للصلح كذلك إن لم يكن يعني قبول العثمانيين بالتنازل عن مناطق نفوذهم وجعلها تحت الحماية الأوروبية والتي مفادها ضمان الإستقلال عن تركيا.
إن عرب الشرق الأدنى وحدهم والذين انتظموا كلهم أو جلهم في الحركة القومية العربية وساهموا في قيام “الثورة العربية الكبرى ” هم الذين اقتنعوا بهذه المعاني للإستعمار والصلح والحماية والإنتداب، بخلاف ما هي عليه الحال في مناطق النفوذ الراجعة بالنظر للخلافة العثمانية كليا أو جزئيا، والتي كان تصدي الوطنيين فيها للهجمة الإستعمارية الغربية مباشرا وبدون مهادنة، رافضين الوجود الإستعماري الغربي رفضا مطلقا وتحت أي شعار كان، مثلما هو الشأن بالنسبة للجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان وغيرها من الأوطان التي لم يكن فيها من يملك استعدادا للقبول بوجود استعمار كالإستعمار الفرنسي أو الأنجليزي أو الإيطالي في المنطقة العربية الإسلامية خاصة.
كان زعماء الإصلاح وأنصار الجامعة الإسلامية يتحركون في هذه الظروف وفي هذا المناخ الذي أوجده الغرب الصليبي بالتنسيق مع الصهيونية العالمية والحركة القومية العربية والحركة الطورانية التركية وقد وجد من المتعاونين معهم من أصحاب النفوس الصغيرة ممن أغشى أبصارهم وأعمى بصيرتهم الجهل والطمع والغباء والخيانة، فكانت سباحتهم ضد التيار الإستعماري الصليبي الغربي الجارف ومن كان في انتظاره من اليهود والنصارى والعملاء من المتغربين المحسوبين على العروبة والإسلام، وما أشبه اليوم بالبارحة وما حصل مرة يمكن أن يحصل ألف مرة. وإذا كانت الحركة القومية العربية قد جاءت في ذلك الوقت على دبابات العدو الإستعماري البريطاني والفرنسي للإطاحة بالمنطقة العربية من نفوذ “الخلافة الإسلامية العثمانية” ليظل وضعها على صورة الإنقسام والتشتت الذي مازالت عليه بفعل ذلك، إلى أن عاد إليها الإستعمار مرة أخرى، فإن مكونات الشعب العراقي من الحركة العلمانية والطائفة الشيعية ومن القوميين الأكراد هي التي جاءت كذلك هذه المرة وبدعم من النظام العربي الفاسد والدولة الصفوية المذهبية في إيران “الثورة الإسلامية ” على دبابات القوات الأمريكية والبريطانية لغزو العراق. والذي استحال بمقتضى ذلك إلى ساحة صراع دولي وطائفي وعرقي وأثني لا يعلم إلا الله إلى ما يمكن أن ينتهي إليه أمره. وقد بدت حقيقة تقسيمه على أساس طائفي وعرقي، ونسف هويته العربية الإسلامية شبه مؤكدة إذا لم يرعاه الله بعنايته ويقيض له من الصالحين ومن الأسباب ما يحفظ له وحدة شعبه ووحدته الترابية.
ولم يكن يراد بدعوة الجامعة الإسلامية إقرار شرعية الخلافة العثمانية أو تبرئة ساحتها من الظلم والجور والإستبداد والفساد الذي أصبح من تقاليدها في الأقطار التي لها عليها سيطرة ونفوذ قوي، ولكنها دعوة تستهدف إصلاح ما فسد وتمثل ضجة في وجه الأعداء والخصوم، وصرخة لاستنهاض الهمم وتوعية الشعوب وتنبيهها وإشعارها بخطورة الوضع وبعظم الكارثة وبصعوبة المهمة. في نفس الوقت، ولذلك كان خطاب زعماء الإصلاح موجها لكل الشعوب ولكل أصحاب العزائم الصادقة يدعوهم للإنتباه، ويرسم لهم معالم طبيعة المعركة، وينبههم إلى عدوهم الحقيقي، وإلى خططه الجهنمية وأساليبه الخبيثة وخطابه الكاذب. هذه الخطط وهذه الأساليب وهذا الخطاب الذي استطاع العدو أن يقدم به نفسه لهذه الجهات المخدوعة الغبية على أنه ناصح وحامي لها، وأن يجعل به من رمز وحدة المسلمين وجمع شتاتهم، قوة استعمارية طالما أبقت عليهم تحت نير ظلمها واستبدادها على ذلك الأساس.
يقول شكيب أرسلان:
” إن الخلافة الصحيحة لم تقم إلا في عهد الراشدين .. وبعد ذلك فالخلافة لم تكن إلا ملكا عضوضا قد يوجد فيه المستبد العادل والمستبد الغاشم .. وما انقادت الأمة إلى هذا الملك العضوض المخالف لشروط الخلافة سواء أكان من العرب أو من الترك إلا خشية الفتنة من الداخل والإعتداء على الحوزة في الخارج”(1)
لقد كان هؤلاء الأعلام الأحرار يعلمون طبيعة المرحلة وحقيقة المعركة وطبيعتها. ولم يكن وقوفهم الذي يبدو مساندا لمركز الخلافة ومتمسكا بها إلا من قبيل الحفاظ على الشيء على سوئه مع العمل على إصلاحه حتى لا يحل محله الذي هو أسوأ منه. وهم يعلمون أن مواجهة الظالم المستبد لا تكون في الوقت الذي يكون فيه العدو المشترك بين الظالم والمظلوم في الموقع الذي يستفيد فيه من الصراع بين الطرفين، مما يتيح له الفرصة المناسبة للتدخل في النهاية لحسم الصراع لفائدته بأقل ما يمكن من الخسائر، أو بدون خسارة أصلا.
وفي هذا المعنى (يكتب محمد عبده لرشيد رضا: ” إن كثيرا من وجهاء المصريين يكرهون الدولة العثمانية ويذمونها وأنا أيضا أكره السلطان .. ولكن لا يوجد مسلم يريد بالدولة سوءا فإنها سياج في الجملة .. وإذا سقط
نبقى نحن المسلمين كاليهود بل وأقل من اليهود”.(2)
إن هؤلاء الأحرار حقا يعلمون أن القوى الإستعمارية الغربية الصليبية تجعل على رأس اهتماماتها ومن أهدافها الكبرى التي لا يتحقق لها شيء مما تصبوا إلى تحقيقه من أهداف بدون إسقاط الخلافة رمز  الثقافة والحضارة والوحدة. وهي إنما جاءت تستهدف الإسلام ووحدة المسلمين، لأن الصليبيين الإستعماريين يعلمون أن الخلافة لا تستمد قوتها ووثوق عرى وحدة شعوبها ومناطق نفوذها إلا من الإسلام. ولذلك كان نشاط وتوجه المصلحين في عملهم الإصلاحي على أساس الإبقاء والمحافظة على الجامعة الإسلامية بمثابة الصاعقة على رؤوس الإستعمار الصليبي الصهيوني.
” وفي الحقيقة شعر الأوروبيون بخطر هذه السياسة على نفوذهم .. وانبرى رجال لهم شأن في تاريخ
الإستعمار كالمسيو ” هانوتو “… واللورد كرومر واللورد غراي إلى مهاجمة الجامعة الإسلامية واعتبارها بؤرة للتعصب الديني ..  وأن ليس القصد منها سوى تحدي قوات الدولة المسيحية .. ودعوا الأمم الأوروبية إلى مراقبتها مراقبة دقيقة والحذر منها”.(3) 

يقول العقيد بارون سنة 1920 :” إن الشكل الذي عليه حركة الجامعة الإسلامية اليوم خطير بحيث أصبحت لها اتجاهات واقعية وأهداف عملية قابلة للإنجاز .. تطمح في النهاية إلى عدم فائدة وجود الوصاية الأوروبية على البلدان الإسلامية وقد أصبح كل المسلمين بجميع طبقاتهم يؤمنون بذلك”.(4)
إن مشروع الجامعة الإسلامية مشروع ثوري، ولكنه لم يجد آذانا صاغية ولا قبولا إلا لدى السلطان عبد الحميد الذي وقع لفت نظره له واقتراحه عليه ونصحه به. فلم يجد بدا من قبوله في تلك المرحلة من تاريخ الأمة الإسلامية التي جاءت أنباء مؤتمر برلين بتقسيمها بين الدول الإستعمارية. وأصبح حريصا على العم
به ويسنده في ذلك هذا التيار من العلماء والمفكرين الأحرار الذين كان يعز عليهم أن يروا البلدان الإسلامية ترصف في أغلال الإستعمار. ولقد كان تصورهم لهذه الدعوة متكاملا، ويحمل أفكارا جديدة بما يضمن بقاء
الأمة موحدة متضامنة في ظل الحكم االإسلامي. يقول جمال الدين الأفغاني في مجال شرحه لفكرة الجامعة الإسلامية:” لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا فإن هذا ربما كان أمرا عسيرا ولكن أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن ووجهة وحدتهم الدين وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع حياته بحياته وبقاءه ببقائه .. إلا أن هذا – بعد كونه أساسا لدينهم – تقضي به الضرورة وتحكم له الحاجة في هذه الأوقات”.(5)
لم يكن أحرار دعوة فكرة الجامعة الإسلامية عربا، بل كانوا مسلمين كما كان عرب الثورة العربية عربا وكانوا مسلمين وغير مسلمين، ولم يكونوا مسلمين كما كان دعاة الجامعة الإسلامية مسلمين. ولذلك فلا غرابة أن يكون التنازع قائما بينهم. وأن توجه إليهم أصابع الإتهام في المنطقة العربية خاصة، بالعمالة للنظام العثماني الذي يعتبره العرب في الحركة القومية العربية والدول الإستعمارية الغربية الصليبية استعمارا.
لم يكن السلطان عبد الحميد على ظلمه واستبداده كما تشير إلى ذلك المصادر التاريخية تركيا طورانيا، ولكنه كان تركيا مسلما. وكان على ظلمه واستبداده قادرا على أن يكون طورانيا تركيا فقط، في مرحلة اقتطع فيها الإستعمار الغربي أغلب الأقاليم الإسلامية من السيادة العثمانية: ” (يقول الدكتور “توفيق برو” : ” ولكن عبد الحميد كان يتبع سياسة تقضي بالإعتماد على كافة العناصر. مثلما كان ظلمه واستبداده يشمل كافة العناصر ولم يكن ينظر على الفوارق الجنسية والمذهبية .. فكنت ترى في الوزارة العثمانية وفي البلاط والمجالس المختلفة أفرادا من الألبان والعرب والترك والأرمن والإغريق .. وهذا دليل على أنه كان ينظر إلى الشعوب العثمانية بنظر واحد .. وأيضا لم يكن من سياسة عبد الحميد ترويج فكرة القومية التركية بل عمل على خنق كل صوت يخوض في بحث الفكرة والقومية التركية .. لا في مجال السياسة فقط .. بل في مجال الأدب أيضا .. وقد منع الخوض في قضايا اللغة التركية ونشر البحوث المتعلقة بذلك”).(6)
وهو الذي يكون قد قطع بذلك الطريق أمام جمعية الإتحاد والترقي الطورانية التكوين والأهداف والتي انتهت بالإطاحة به في انقلاب دستوري سنة 1908 والتفريط في كل ما كان السلطان عبد الحميد غير قابل للتفريق
فيه، مثل وحدة المسلمين، والتصدي للغزو الإستعماري الغربي، وتسليم البترول العراقي للأنجليز عندما عرض عليه توقيع الإتفاق، واقتطاع أرض فلسطين الإسلامية وتسليمها إلى اليهود الصهاينة عندما جاءت الإغراءات المادية في الوقت الذي كان فيه في أمس الحاجة إلى المال، وجاءت العروض الصهيونية المسيلة للعاب والتي يطلبونه فيها أن يبيع لهم فلسطين بأي ثمن يريد. وكان اليهود في تلك المرحلة من التاريخ قد أخضعوا كثيرا من البلدان الأوروبية خاصة لسلطانهم المالي تمهيدا لإحداث الضغط على الطرف المناسب فيها في الوقت المناسب لتحقيق هدفهم في إقامة وطن قومي لهم على أن يكون ذلك في فلسطين بالذات.
يقول ماري أليس الكاتب الأمريكي : ” …فإن أسرا يهودية عديدة قد ارتفعت في عدة بلدان في أوروبا خلال القرن التاسع عشر إلى مواقع ذات تأثير عظيم في المجال الإقتصادي وكمثال بارز البيت المصرفي روتشيلد تلك القوة المالية في ألمانيا وإيطاليا والنمسا وفرنسا وإنقلترا وأن أحد أبناء الأسرة المسمى ليونيل مد دزرائيلي بالأموال التي ساعدت الحكومة البريطانية في الحصول على حصة مهيمنة في قناة السويس وقد أصبح ليونيل
أول يهودي غير معمد يجلس في مجلس العموم كما أصبح ابنه ناثان ماير الذي منح لقب بارون روتشيلد أول عضو يهودي غير معمد في مجلس اللوردات “.(7)
كان السلطان عبد الحميد الذي أصبح قابلا بالإصلاحات التي دعاه إليها فرسان الجامعة الإسلامية ليس مستعدا للخضوع بسهولة على الأقل لكل ما تدعوه إليه البلدان الإستعمارية واليهود في الحركة الصهيونية

أبناء عمومة الشريف حسين وابنه فيصل الذين توجهما العرب في الحركة القومية العربية أكبر رموزها في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة والعالم، ولم يتاجر بالقضية الإسلامية ولم يبع فلسطين بالأموال الطائلة المعروضة عليه، ليسلمها القوميون العرب بعد ذلك للحركة الصهيونية مقابل خيانة الأمة وطعنها في ظهرها بالتحالف مع أعدائها التاريخيين : ” وفي سنة 1900 دخل قره صوه أفندي على السلطان بفضل الفريق عارف بك وأبلغه أنه موفد من قبل الجمعية الصهيونية وأنه قادم يطلب إليه إعطاء تلك الجمعية الأراضي الواقعة في المثلث القائم بين يافا وغزة والبحر الميت مقابل خمسة ملايين ليرة ذهبية عثمانية تدفعها الجمعية الصهيونية هدية إلى الخزينة السلطانية الخاصة. وعشرين مليونا تعرضها الجمعية إلى الحكومة دون فائدة لمدة تعينها الحكومة .. فغضب السلطان وطرده من حضرته.” (8)
هذا السلطان الذي تأكدت لديه أطماع حركة اليهود الصهاينة في فلسطين هو الذي أصدر سنة 1888 مرسوما بمنع الهجرة الجماعية اليهودية إلى أراضي الدولة كلها ومنها فلسطين، كما قرر عدم السماح للحجاج اليهود بعدم البقاء في فلسطين أكثر من ثلاثة أشهر.
لقد أدرك رجال الإصلاح أن الوضع يتطلب إصلاحات جذرية تتحقق بها الشورى والعدالة والحرية والمساواة، وكان السلطان عبد الحميد متفهما لهذا المسار الإصلاحي من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإمبراطورية المنهارة، وبدأت تداعى إليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
يقول محمد فريد: ” ثم أصغى لمشورة نبهاء وزرائه الميالين لمنح الدولة العثمانية نظاما دستوريا شوريا.. يحفظ لجميع رعايا الدولة حقوقهم .. ويكون بمثابة رابطة بين جميع الشعوب والملل المكونة منها المماليك العثمانية .. فيكون الجميع سواء في الحقوق والواجبات وتبطل بذلك المنافسات والضغائن الجنسية والدينية لاشتراك الجميع في نظر شؤون الدولة ووضع القوانين الملائمة لحالة الأهالي ودرجة ارتقائهم في سلم المدنية والعمران .. ويتنبه كل منهم إلى الدسائس ولفظ الخائنين من بينهم لفظ النواة”.  
” وقد ازداد تعلق جلالة السلطان الأعظم بتأييد النظامات الجديدة ووثق الأهالي ببلوغ أمانيهم ولم شعث الأمم المختلفة وإيجاد أمة واحدة عثمانية تكون كرجل واحد أمام العدو وحاجزا حصينا ضد تدخل الدول بحجة
إصلاح أحوال الشعوب المسيحية .. بما أن كل شعب يسن له بمعرفة النواب عن الجميع قوانين تلائم أحواله المذهبية ويعيش الكل في راحة ورغد بال”(9)
فبعد سياسة فرق تسد التي يذكر المؤرخون أن سلاطين الخلافة العثمانية كانوا يعتمدونها بمن فيهم السلطان عبد الحميد، نجح زعماء فكرة الجامعة الإسلامية إلى جر هذا الأخير إلى ما يمكن أن يتحقق به صلاح الأمة في وقت من التاريخ عصيب. وشرع السلطان عبد الحميد بمؤازرة طائفة من الأحرار في إقامة مؤسسات شورية. وأحاط نفسه بالرجال والطاقات البشرية المؤهلة في كل الميادين من كل الأجناس والقوميات والعقائد
والأديان والأقطار، مما جعل كل أطراف الدولة العثمانية تبتهج له وتسر به وتنشرح صدورها له، بما في ذلك العرب بمختلف طوائفهم، الشيء الذي جعل القوى الدولية الإستعمارية المتحالفة مع الصهيونية العالمية تضيق به وبحركة الإصلاح ورجالها من حوله ذرعا، وتجعل من جمعية الإتحاد والترقي التي كان من أبرز رموزها مصطفى كمال أتاتورك التركي الطوراني ذراعا تجعل بها حدا لإصلاحاته ولدستوره ولبرنامج الإصلاح الذي بدأ يتجه به لإنقاذ الموقف وصهر كل طاقات المسلمين وغيرهم من الملل والنحل من مكونات الدولة وجعلها في جبهة واحدة وعلى خط واحد لمواجهة عدو الأمة الحقيقي المتمثل في الإستعمار الصليبي الغربي وربيبته الصهيونية.
كانت هذه المرحلة من تاريخ الأمة والتي انطلقت فيها إصلاحات السلطان عبد الحميد الكبرى والتي أصبح يمثل فيها حجر عثرة أمام أطماع اليهود في محاولة إيجاد موطئ قدم لهم في فلسطين، سواء بمحاولة عروضهم المغرية بشراء فلسطين، أو ببرنامجهم القاضي بتنشيط الهجرة والإستيطان بها، وبكل محاولة للإستلاء على أي شبر من أراضي المسلمين، تمتاز من بين ما تمتاز به ظهور تيارين رئيسيين في أوطان شعوب الأمة العربية الإسلامية أحدهما حر أصيل والثاني هجين عميل.
1- تيار العرب المسلمين الإصلاحيين الأحرار:
   أ- وهو تيار الهوية والأصالة: وهو الذي أوجد البرنامج الإصلاحي الذي أقض مضاجع الإستعمار والصهيونية. وهو الذي وقعت الإشارة إليه في ما سبق، والذي كان يمثله زعماء الإصلاح وأنصار فكرة الجامعة الإسلامية التي جعل منها السلطان عبد الحميد برنامج عمل له كما أسلفت. فكانت الفكرة متكاملة

تهدف إلى العمل بكل أسباب القوة والتحرر والوحدة على كافة الأصعدة. فكانت حركة إسلامية أصيلة تدعو إلى التطور والنهوض مع المحافظة على الهوية والأصالة. يقول شكيب أرسلان: ” أنصح المغاربة أن يقتبسوا العلوم الأوروبية مع المحافظة على معتقداتهم وشخصياتهم، وأنا لا أعتقد أن هناك علما أوروبيا وعلما شرقيا فالعلم مشاع بين البشر أجمعين، واليابانيون أخذوا عن الغرب ما نفعهم وحافظوا على شخصيتهم
ودينهم والتفرنج في نظري شر الأشياء والأمم مهما كانت فمن شأنها أن تحافظ على كيانها فكيف بأمة عظيمة
لها تاريخ مجيد”(10)    
كان السلطان العثماني يواجه حركة إصلاح انتظمت في حركة تركيا الفتاة وكان فيها من المخلصين على حد ما يقرره المؤرخون الداعين إلى إصلاحات حقيقية في إطار المحافظة على الهوية الإسلامية للخلافة العثمانية. وكانت هذه المحاولة تجد في الأول مقاومة عنيفة من طرف المخابرات والأجهزة الأمنية السلطانية. وإلى جانب المخلصين فيها، يبدو أن الخلافة تفطنت إلى وجود اطراف لم تعد خيانتها للقضية العثمانية تخفى على العارفين بطبيعة الحركة والعالمين بأهدافها والذين لهم صلاة بالعناصر المنتظمة فيها والداعية إلى إصلاحاتها والعاملة على تحقيق أهدافها الرامية إلى إنقاذ الخلافة بالعمل بأسباب الوحدة والسعي إلى امتلاك أسباب القوة اللازمة لمواجهة الطامعين في اقتسام تركة الرجل المريض كما كان الغرب يسمي الخلافة العثمانية التي بدأ فيه نجمها في الأفول.
لقد أدام السلطان عبد الحميد الصراع مع هذه الحركة بما فيها من مصلحين ومن مخربين وخونة حتى تم له القضاء عليها سنة 1897. وهي التي انتهت بانسحاب المخلصين منها وانصرافهم عن الإطار التنظيمي الذي كان يجمعهم بالعناصر المشبوهة ذات الصلة بتحقيق أهداف الإستعمار والصهيونية. وبتسريع وتيرة النصح للسلطان عبد الحميد من طرف الكثير من المخلصين من المقربين له، ومن الذين لا يشك في صدقهم وإخلاصهم للخلافة وللإسلام، والذين لا يخفى على أحد حقدهم على الإستعمار وعملائه، وكراهيتهم له ومقتهم للصهيونية والدائرين في فلكها، وقد كان لهذا المزيج من المخلصين من الوزراء والمقربين ومن العلماء والمفكرين من دعاة الجامعة الإسلامية خاصة تأثير عليه، انتهى للقبول بالإصلاحات الدستورية الشورية والمضي قدما في تطبيقها.
2- تيار الطورانيين الأتراك الخونة الأشرار:
 أ- وهو تيار التغريب والعمالة: ولكن وتيرة عمل طابور الخيانة للأمة من المخلصين المخدوعين ومن الماسونيين والصهاينة وعملاء المخابرات الإستعمارية على ما يبدو كان أسرع. لأن إسراعها بالإنتظام في جمعية الإتحاد والترقي التي تأسست في بلغاريا كما يؤكد ذلك العارفون بالتاريخ، والمنبثقة عن فلول حركة تركيا الفتاة، لم تمهل السلطان عبد الحميد إلا قليلا حتى أطاحت به وأتت على إصلاحاته التي كانت تقض  
مضاجع الإستعمار والصهيونية سنة 1908، وطرحت دستورها الذي صاغته دوائر الإستعمار وختمته الحركة الصهيونية، للإنتهاء بخلع السلطان عبد الحميد سنة 1909 ونفيه بعد 33 سنة من الحكم ومبايعة السلطان رشاد خليفة صوريا للمسلمين، مما حدا بالزعيم الصهيوني بن غوريون أن يعتبر أن المناخ قد أصبح ملائما لانتقاله شخصيا إلى اسطنبول: ” وذلك لأن ثورة حزب الإتحاد والترقي في تركيا في هذا العام جعلت اليهود يأملون بالعمل في الإستيلاء على فلسطين بحرية لعلاقة الحكام الجدد بهم ورأوا أن باستطاعة بن غوريون وأمثاله من المهاجرين سرا أخد الجنسية التركية”(11)
ولم لا يفرك اليهود الماسونيون والصهاينة أيديهم فرحا واستبشارا وقد نجحوا بانخراطهم في جمعية الإتحاد والترقي وبالتسلل إلى الجيش المكون للقوة الإنقلابية على مركز الخلافة، في إزالة أكبر عقبة تقف في طريقهم  وتعطل بل تمنع هجرتهم إلى فلسطين، وترفض في أشد الظروف عجزا ماديا بيعها لهم.
لقد كان تيار المحافظة على الهوية والأصالة والإصلاح يتنقل في ساحات مزروعة ألغاما ومحاطة بأدوار من الأسلاك الشائكة، وكان المخلصون الأحرار يجذفون في بحر لا شاطئ له تدفعهم إليه رياح الإستعمار الغربي العاتية بدسائسه وقوته، وعواصف الصهيونية الماكرة بتخطيطها وتحالفاتها وتنظيماتها وإمكانياتها المادية الهائلة، وأعاصير المخدوعين والخونة والعملاء الذين أعطوا الدنية في دينهم وأرضهم وعرضهم وأمتهم من أبناء هذه الأمة الذين أبوا إلا أن يكونوا منفذين أمناء لجرائم الإستعمار والصهيونية في حقهم وفي حق إخوانهم من العرب والمسلمين من حيث يعلمون أو لا يعلمون ومن حيث يشعرون أو لا يشعرون، وهؤلاء هم خلفاء الإحتلال والإستعمار الذين استمر وجودهم بعده في المستعمرات على أنحاء مختلفة وبخلفيات مختلفة وبطرق وأساليب ومناهج ومذاهب مختلفة، ومازال وجودهم مستمرا حتى بعد أن فقد مبرره إن كان له عندهم في يوم من الأيام مبرر وبعد أن أصبحوا تجارب فاشلة ولم تجن الشعوب والأمة من خلال حكمهم لها إلا الفرقة والتخلف والمهانة والتبعية.
لم تكن الحركة القومية العربية في المشرق العربي خاصة في النهاية إلا إطارا لبعض مكونات الحركة العلمانية التي تباينت فيه عبر الوقت، وخاصة مع قوة الإستقطاب الإشتراكي الذي قدم فيه المعسكر الإشتراكي الشيوعي نفسه للعالم على أنه الأعدل، وأنه نصير المستضعفين والمساند والداعم لحركات التحرر في العالم، مع الحركة التقليدية التي كانت الإطار الأول عبر تعبيرات مختلفة الحاضن للحركة القومية العربية، وقد انقسم فيها العرب بين معسكري الغرب، بين تقدمي اشتراكي قد يمم وجهه المعسكر الشرقي، ورجعي ينح منحا ليبراليا قد يمم وجهه المعسكر الغربي الليبرالي الرأسمالي، وكان بأس الجميع بينهم شديدا. وهكذا أخذت الأمة طريقا لمزيد الإنقسام الجغرافي والبشري والإجتماعي والثقافي والفكري والسياسي. وحل محل الإنقسامات التقليدية المذهبية والطائفية والشعوبية القديمة التي كانت متآلفة في إطار الإسلام الجامع، انقسامات أخرى لا علاقة لها بالإنقسامات القديمة. وقد أصبح الحديث عن القومية والليبرالية الرأسمالية والإشتراكية والشيوعية وغيرها من الأصول التي لها تقسيماتها وفروعها، وليس لها كلها من إطار جامع إلا الولاء للمعسكر أو الإلحاق والتبعية الثقافية والحضارية للغرب، حتى أن اللغة العربية قد أضحت استثناء لفائدة لغات المحتل المستعمر، التي أصبحت ومازالت أصلا في النظام الإداري والمالي والعلاقات الخارجية، وفي برامج التعليم في أكثر من بلد عربي، وفي أكثر من مادة من مواد العلم والتدريس بالرغم من بعض المحاولات في أوقات مختلفة في بعض اوطان شعوب أمة العرب بالمنطقة العربية. ولقد كان التقليديون، والقوميون العرب في الحركة العلمانية، الأكثر جدية في هذا التوجه من الليبراليين والشيوعيين.
وفي وجه هذه التقسيمات الدخيلة الجديدة التي تجد لها مبررا عند أصحابها بأنها من مقتضيات مسيرة العصر والتطور والحداثة ومن مقتضيات الواقعية، ظلت حركة الأصالة والهوية العربية والإسلامية الخالصة الصادقة تعبر عن نفسها استمرارا لثقافة المقاومة والممانعة، ولحركة الإصلاح العربي الإسلامي، ولحركة أنصار الجامعة الإسلامية التي ليست بديلا منذ البداية عن الحركة القومية العربية، ولكنها تجاوزا لها باعتبارها الأشمل والأوثق والأعم، والرابطة الروحية والحضارية الجامعة لكل الأعراق والأجناس والألوان واللغات. وهي التي كان فيها لكل هذه الشرائح والجهات والأقوام والشعوب والأمم إسهام في البناء الحضاري الذي ليس الإسلام إلا الإطار الجامع لكل هذا التنوع بمختلف أديانه ومعتقداته وثقافاته ومواقعه الجغرافية وتاريخه وعاداته وتقاليده.
وبعد أن فرغت ساحة أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وخاصة المنطقة العربية من العالم الإسلامي،
من الصراع المباشر في كل المستويات وفي كل المواقع مع قوى الهيمنة الإستعمارية، حتى كانت كل هذه الساحات والمساحات مفتوحة أمام صراع داخلي بين التعريب والتغريب، بين الأصالة والهجانة، بين حركة الإصلاح وحركة الإفساد، بين الهداية والغواية، وفي كلمة بين الثقافة العربية الإسلامية التي هي ثقافة شعوب الأمة في كل أوطانها، والثقافة الغربية التي هي ثقافة الإستعمار بمعسكريه الشرقي والغربي، هذا الإختلاف الثقافي هو الذي يمثل اليوم محور الصراع  بين الحركة العربية الإسلامية والحركة العلمانية اللائكية. هذه الحركة التي أرادها المستعمرون خلفا له في أوطان أمة العرب والمسلمين. وهي التي تتكون من عناصر حرصت حركة الغزو الإستعماري أن تفسح لها المجال لإدارة الشأن العام في أوطان شعوب الأمة، وهي التي ساعدتها مقابل ذلك على الخروج ببعض ماء وجهها، وذللت لها الصعاب، وأذابت الجليد بين هذه الحركة الإستعمارية المستمرة والشعوب، بما يحقق مصالح هذه الأنظمة وبما يتحقق به من مصالح لهذه القوى الإستعمارية بعد خروجها أكثر مما كان يتحقق لها به قبله. ولتبق الشعوب هي الخاسر الوحيد في النهاية ، وقد ترك الإستعمار في تلك المستعمرات من الأوضاع ومن الخلفاء والصنائع ما يجعل هذه الشعوب أمام سياسة المكر بالليل والنهار، تتنازل مقتنعة أو مكرهة عن حقها في التعويض، وتنسى ما جرعها من مرارة وويلات ومن خسائر وحرمان. هذه هي مهمة خلفاء الإستعمار ووكلاءه الذين حرص على صناعتهم وتكوينهم والحفاظ عليهم وتكليفهم بمهمة رعاية مصالحه تحت عناوين مختلفة ومن مواقع مختلفة، وهو على أهبة الإستعداد دائما للتدخل لحمايتهم وتثبيتهم، وللوقوف بكل قوة في وجه كل من تسول له نفسه طرح نفسه بديلا وطنيا أصيلا عنهم.
وليس ما يحصل بالشيشان وأفغانستان، وبباكستان والعراق، وبالجزائر ومصر والسعودية، وبالكويت وفلسطين والصومال إلا خير مثال على ذلك.

(1) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(2) نفس المرجع.
(3)  نفس المرجع.

(4)  الحزب الحر الدستوري التونسي – يوسف مناصرية.
(5) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(6) نفس المرجع.
(7) الصهيونية ليست حركة قومية – بديعة أمين.

(8) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(9) نفس المرجع.

(10) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(11) نفس المصدر.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ملاحظة: يلاحظ القارئ لهذه الدراسة أني اعتمدت اعتمادا شبه كلي على كتاب: القومية والغزو الفكري: لـمحمد جلال كشك. ولمن أراد أن يتأكد من الغرض من هذا الإعتماد فسينتهي إلى حقيقة أني لم اعتمده للنقل منه ولكن للنقل عنه. 

يوليو 22, 2007

حركة النهضة وهيئة 18 اكتوبر للحقوق والحريات..أي علاقة وإلى أين ؟

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:30 م

حركة النهضة وهيئة 18 اكتوبر للحقوق والحريات
أي علاقة وإلى أين ؟

ميلاد هيئة 18 اكتو بر للحقوق والحريات: 
الإطار والظروف والدوافع:  
إن الذي يجب أن يعلمه من لا يعلم، والذي يجب أن يفهمه من لا يفهم، أن إضراب الجوع الذي انبثقت عنه ما سمي بهيئة 18 اكتوبر للحقوق والحريات، والتي كان من بين بواكير إنتاجها إعلان يوم 8 مارس الذي يصادف اليوم العالمي للمرأة ، وليس من الصدفة أن يكون هذا الإعلان في ذلك اليوم من طرف مكونات الهيئة التي أعتبر أن الإسلاميين كانوا متطفلين عليها، وليسوا إلا قلة لا تحترم حتى مواقفها مع من من المعلوم أنهم لا يعترفون حتى للأكثرية بأي حق ولا يحترمون لها ذلك بل لا معنى للأكثرية عندهم، وتاريخ المعسكر الشرقي وأنظمة الإستبداد في العالم الثالث كله تقريبا شاهد على ذلك، وقد قرأت في أحد أعداد صحيفة الطريق الجديد للمدعو صالح الزغيدي اليساري المعروف في تعليق له على ما حدث في قرغيزستان من تجاذب وصراع سياسي بين مكونات منظومتها السياسية من أجل السلطة قوله: “ليست الديمقراطية في فرض الشارع خياراته”،لأن الديمقراطية في فكر وثقافة اليسار اللائكي هي في فرضه خياراته وإن كان من قلة هو كما هي عليه الحال في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب – كان تتويجا لندوات ومحاضرات وتجاذبات فكرية في مواضيع مختلفة كان بعض إخواننا المتحمسين للعمل المشترك والعاملين على فك الحصار السياسي على الحركة، والمهتمين بالعمل على إنهاء معاناة من مازال نظام تحالف 7نوفمبر الرهيب يحتفظ بهم رهائن لديه من أبنائنا بسجونه وبالمنافي وبالداخل، بالتوسل والإستجداء الذي لم يقبل به النظام إمعانا في الإهانة والإذلال، والذي لم يكن مقبولا ولا يمكن أن يقبل عندنا، يجلسون أمام رموز اليسار الماركسي المدير للوضع العام ولسياسة الدولة، والمتعاونون معه منه في المعاضدة والمساندة والموالاة، يدرسونهم الإسلام والحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وهم كلهم لهم آذان صاغية، حتى أني لما بلغني أن الأخ علي لعريض وغيره من إخواننا الذين مازالت سياط هؤلاء كلهم تلهب ظهورهم، كانوا يهرعون لحضور ندوات كان اليسار المتصهين يقيمها في أماكن مختلفة، وكان من بين هذه الأماكن الوكر الذي أعده لهم المدعو صلاح الذين الجورشي الذي كان دائم الإرتماء ومنذ وقت مبكر في أحضان أي جهة يمكن أن يؤكد بها للنظام في مختلف مراحله براءته من الإسلام ومن الإنتماء إلى حركة كان يوما من الأيام عضوا فيها، والذي أطلق عليه إسم  منتدى الجاحظ ، يعلمونهم فيها الإسلام، ذلك الإسلام المستنير ليصرفوهم عن الإسلام الظلامي الذي هم متمسكون به. وكان من بين المدرسين الذين كانت عندهم القابلية للجلوس أمامه، وهو الذي كان ينبغي أن يكون من التاريخ لانتهاء صلاحيته، أحد كبار جلاديهم وجلادي الشعب المدعو محمد الشرفي،قلت كيف استطاع الأخوة أن ينسوا التاريخ الأسود لهذا الشبه الذي مازالت قضايا الفساد المالي والأخلاقي والإداري والسياسي تطارده، أن يقبلوا بذلك ويطيب لهم الجلوس أمام هذا الجلاد الذي كان طول حياته يشن حربا لا هوادة فيها على الإسلام والمسلمين وعلى الحركة الإسلامية ومشروعها الإسلامي التحرري النير من خلال الماركسية، وهو الذي يعتبر أحد أكبر حاخاماتها، وبصفته تلك ومن موقعه ذاك، الذي اشترط أن لا يكون قبوله على رأس أخطر وزارة سيادة في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب إلا على ذلك الأساس ومن موقعه وانتمائه ذاك، وكان له ما أراد طبعا. وهو الذي تواترت أحاديث عن حرقه لمكتبة والده الإسلامية. والذي انتقل من ذلك المكان عندما فشل وأعيته الحيل وسقط مشروعه وأصبح من التاريخ، وظهر الإسلام والمشروع الإسلامي، وأصبح يقود حركة الشعوب نحو التحرر والحرية والإستقلال والتحرير ومواجهة الإستبداد والإستعمار والإمبريالية والصهيونية ويستمعوا له. وقد تزامنت هذه الخطوات مع التوجه برسائل في أكثر من مناسبة بما فيها مناسبة النكبة التي حلت بالبلاد بعد الإطاحة بالمقبور بورقيبة، مناسبة 7 نوفمبر لعام2006 يهنئون فيها الجنرال بن علي بحلول هذه الذكرى المشؤومة. وهو الذي هرع إليه العلمانيون واللائكيون لإقامة نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب، للدوس بنعالهم من خلاله على الهوية الحقيقية والديمقراطية وحقوق الإنسان وعلى كتاب الله نفسه خاصة في السجون، وهذا ما عاشه إخواننا ويعلمونه جيدا أكثر من غيرهم.
وهكذا بدأ إخواننا الخطوات الأولى في سياسة الإستجداء التي لا يتحقق لهم بها نفع ولا مصلحة، ولا تبقى لهم بها مروءة ولا عزة. وهي العزة التي ظل خصومهم من المنافقين وأعداء الإسلام وهوية الشعب العربية الإسلامية بالبلاد ينظرون لهم من خلالها بعين التقدير ويحسدونهم عليها. وهي السياسة التي لا تؤتي نتائجها إلا لدى الرجال ومع الرجال ومع الشجعان وأصحاب الشهامة والجود.فقد كان ذلك والله نياشين شرف وكرامة معلقة على صدورنا وتيجان فضيلة يحملها نساءنا وبناتنا على رؤوسهن، لما كانت عزتنا بالله ورسوله. ولا شيء من ذلك لمن كانت عزته بغير الله ورسوله. وهكذا ومن هذه المواقع تم استدراجهم وأصبحوا هدفا سهلا وفريسة مستساغة لرموز الفكر التكفيري الظلامي في الحركة العلمانية اللائكية المتحصنة اليوم بآخر قلاعها وحصونها، والباحثة على خشبة نجاة تتعلق بها للبقاء ولو بعض الوقت قبل أن تلقى حتفها غرقا.
وكان ذلك مما لم يكونوا يطمعون به، وما كان يبدو غير ممكن لهم وغير مقبول عندنا، والذي أصبح اليوم وللأسف الشديد حقيقة بعد أن أوشكت المحنة على الإنتهاء، وبعد أن أصبح الوقت لصالحنا ولغير صالحهم. وبعد أن أصبح متأكدا لهم تورطهم في جرائم ذات بعد وطني وإنساني لا تسقط بالتقادم في حق الوطن وفي حق الشعب، وهم يعلمون ذلك ويدركونه.
وبهذه الخلفية وبناء على هذه الحقيقة أوهموا صاحبهم وكبيرهم ولكن كانوا هم الذين علموه السحر هذه المرة، أن الإفلات من العقاب والمحاسبة لا تكون إلا بتنقيح الدستور بعد أن حملوه وحده المسؤولية كاملة في ما حصل، وهو الذي كان يحكم البلاد بهم وهم الذين كانوا يحكمون البلاد من خلاله، وإجراء استفتاء صوري مزور ليستمر في السلطة بعد أن كان قد أنهى المدة القانونية المتاحة له بنص الدستور، وأوهموه – وهو الذي لا يفقه الكثير من الأمور – بأن التنصيص على المحافظة على الحصانة وعدم حصول أي متابعة في حقه من أي كان إذا ما امتد به العمر واستمر على قيد الحياة خارج سدة الحكم، يكون كافيا لضمان ذلك من الناحية القانونية. ولعل ذلك كان من قبيل الضمانات التي تم ترغيبه بها عساه يزهد في السلطة ويفسح لهم المجال في حياته، وهو الأمر المستحيل في عقل صاحب السلطة العربي. وليس ذلك في الحقيقة إلا إقرار بالجريمة، وثابت إشهاد عليه في التورط في ما هو مدخل تحت طائلة القانون في سيد القوانين بالبلاد.
ولم تكن هيئة 18 اكتو بر إلا تتويجا لهذا الإستدراج وفق حسابات البعض من رموز الحركة المحكومين بعقدة العزلة السياسية، والذين أصبحوا يبحثون عن الخروج منها بأي ثمن، ويتعلقوا بأي خشبة. وهو في الحقيقة موقف متهافت وغير واقعي وغير مدروس وفي غير صالح الحركة وأبنائها وقواعدها. وليس ذلك إلا لصالح حلفاء النظام من العلمانيين واللائكيين في هيئة 18 اكتوبر للحقوق والحريات وخارجها.
ولا أحسب إلا أن ذلك الذي حصل منهم هو ضعف إيمان وبعد عن الله، والبحث عن الحل الأسهل والطريق الأسلم، وإن كان ذلك مطلوبا، ولكن ليس مع هؤلاء ومع هذا النظام وفي هذا الظرف وفي هذا الوقت وبهذه الطريقة وبهذه التنازلات ،وقد وجدوا أنفسهم في ساحة لعلهم لم يفهموا جيدا إعادة تشكلها من أطراف معلومة ومعروف عنها عدم إرادة الخير لنا وللبلاد وللشعب وللأمة وللإنسان. وقد جعلتهم كما جعلت أبناء الحركة كلها بين ضغطين في عملية تقاسم أدوار بين من هم في السلطة منها وبين من هم خارجها، حتى إذا ما هربنا من الأفعى وقعنا في البئر. ضغط أمني وهرسلة بوليسية متواصلة يكون الهروب منها من مواقع الرباط والصمود والثبات على المبادئ والمحافظة على القيم والأصول رغم الجراحات والأدواء والمحن والفتن والصعوبات والضغوطات المتواصلة، إلى أحضان الطرف الآخر المنقسم على نفسه مبدئيا أو انتهازيا، تكتيكيا أو استراتيجيا، بين ملتحق بالهيئة وبين رافض ومقاطع لها.وذلك الذي انتهى إليه إخوتنا المنخرطون في هذه المؤامرة واللعبة القذرة المغشوشة بنواياهم الحسنة، والذين لا نحسبهم إلا صادقين ولا نحسبهم إلا متلمسين لطريق يريدون أن يكون فيه الخير والنفع للجميع. إلا أني أحسب أنهم مخطئون. وما كنت أحسب أنهم واقعون يوما في مثل هذه المصيدة، لأن ساحة عمل المسلم وميدان حركته وفعله هي الجماهير على أي نحو وبأي طريقة وفي أي مكان وفي أي زمان وبما هو متاح له وما هو قادر عليه وأمره في ما زاد على ذلك إلى الله.
في هذا الإطار وفي هذه الظروف، كان الطعم – لمن علموا أن إخوتنا قد أصبحوا محكومين بعقدة العزلة السياسية، وبدا لهم أن الأرض قد ضاقت عليهم بما رحبت، وقد يكونوا قد فقدوا ثقتهم بالله أو ضعفت فيهم تلك الثقة انتقالا من التوكل إلى التواكل، وهو الذي يجعل مخرجا لمن يتقيه-  العمل المشترك الذي كنا ننادي به، والذي كانت هذه الأطراف والجهات رافضة له وغير مؤمنة وغير قابلة به من قبل حين كان ممكنا وحين كان وحده المانع لحصول هذا التدهور الخطير الذي أتى على الأخضر واليابس، والذي أتى حتى على الذين كانوا رافضين له في الوقت المناسب، والذين أصبحوا وفق حسابات انتهازية لا وطنية قابلين ومؤمنين به اليوم وبعد فوات الأوان، والذين لم يقبلوا به ولم ينخرطوا فيه إلا مع النظام وبدرجات متفاوتة وبطرق وأساليب مختلفة وفق حسابات فئوية وحزبية، وحسابات لا وطنية ولا شعبية. وقد جاءت خطة تجفيف المنابع المجمع عليها، والتي مازالت نافذة المفعول إلى الآن، موضحة لذلك لمن أراد مراجعتها.
وعلى إخوتنا أن يعلموا أن هذه المعركة التي يخوضونها اليوم من مواقع الضعف والإستضعاف للخروج من العزلة بحثا عن العمل المشترك هي المعركة التي خضناها بنجاح وبحرفية وبثقة في النفس وبإيمان بالله أكبر وبتوكل عليه وبصدق وإخلاص على منابر الساحة الفكرية والثقافية والإعلامية يوم كنا ضعفاء وكان ذلك من أسباب نجاحنا وتفوقنا على خصومنا من أعداء الإسلام والهوية العربية الإسلامية لشعب تونس العربي المسلم الذي مازال مستعصيا على وكلاء الإستعمار المتغربين في الحركة العلمانية اللائكية. واستمرت المعركة بيننا وبينهم وكان لنا فيها النصر والتفوق، وكانت لهم الهزيمة والضعف والإنحدار والتي لم يكن لنا فيها من الإمكانيات إلا إمكانياتنا الذاتية الضعيفة، والتي كانوا يخوضونها ضدنا أمنيا وثقافيا وإعلاميا وسياسيا بإمكانيات المجموعة الوطنية كلها، وبدعم مختلف لا مشروط من طرف قوى الهيمنة الغربية المعادية في النهاية لو كانوا يعلمون للجميع. والتي لا تريد خيرا إلا لنفسها. ولا تريد في النهاية خيرا لأي جهة منا، وزادنا ذلك قوة، فأصبحنا بما فينا من نقص وبما كنا عليه من ضعف الأقوى، في وسط ضعيف يزداد ضعفا على ضعف.ولما علم خصومنا أن الخسران والهزيمة والإنحصار مآلهم تداعى الجميع- ولا أستطيع أن أستثني أحدا- وقد عشت كل تلك الظروف وكل تلك المرحلة بكامل الوعي، وتابعتها متابعة جيدة بكامل المسؤولية، وان اختلفت مساهماتهم وأساليبهم ومواقعهم، إلا من رحم ربك، من بعض الصادقين القلائل، أو بعض الغاضبين الذين كان يسوؤهم ما كان يحدث، والذين منهم من عبر عن ذلك وأعلن عنه في الوقت الذي كان لا يستطيع أحد أن يفعل ذلك، ومنهم من دفع ضريبة ذلك، ومنهم من لم يؤبه لكلامه ولمواقفه التي لا تغير من الأمر شيئا، لضربنا ضربة رجل واحد ضمن إعداد وتخطيط ممنهج ومنظم، ولم تأخذهم  رأفة ولا رحمة، لا بشيخ كبير ولا بطفل صغير ولا بإمرة مرضع ولا حامل ولا بوالد ولا بمولود ولا بكبير ولا بصغير ولا بجليل ولا بحقير. وكان الكل شركاء في هجمة إرهابية استئصالية ضد أوسع شرائح المجتمع. فكانت في الحقيقة حملة ضد الشعب كله قتلا وسجنا ونفيا وترويعا وتفقيرا وتجويعا وإفسادا وانحلالا وتمييعا.
فعل بنا ذلك لأننا كنا أقوياء وكانت أيدينا ممدودة للجميع طلبا للعمل المشترك الذي كان الكل في ذلك الوقت مهيأ له وقادر عليه، ولكن كل هذه الأطراف المنخرطة في هيئة 18 اكتوبر والملتحقة بها والمؤيدة لها كانت قد رأت في حينه أن الإلتحاق بالنظام والإشتراك معه في استئصالنا أو على الأقل إضعافنا أفضل عندها من تكوين جبهة معارضة تمنع وجود الإستبداد ومواجهته مبكرا قبل أن يستقر له القرار وقبل أن يقوى عوده.
وبعد أن مكنت للإستبداد وقوي عوده، وبعد أن أنهت المعارضة، هاهي اليوم تبحث عن الإسلاميين لتجعل منهم مرة أخرى حربة في وجه نظام مازال الجميع أقرب إليه منه من قربهم من غيره في المعارضة الإسلامية الضعيفة التي تبين أنها لا تعترف ولا تقبل بها إلا ضعيفة، وفزاعة تغيضه بها وتضغط بها عليه. وقد أصبحت الحركة كذلك، فهاهي تلك الأطراف نفسها تدير معها معركة وهي ضعيفة، وهي التي كانت قد خسرتها معها من قبل وهي على حال من ضعف النشأة والتكوين والتأسيس، وخسرتها معها من قبل كذلك وهي قوية مما كان سببا في إضعافها. ولقد اختارت هذه الجهات الوقت المناسب لتنفرد ببعض العناصر وهي على حال من الضعف في كل المستويات، لتدخل معهم في معركة غير متكافئة في أدق المسائل، وهي تعلم أن ذلك سيحدث اختلافات وانقسامات وتصدعات وصراع داخلي لا يزيد عناصرها إلا فرقة ولا يزيد وحدتها إلا تصدعا، ولا يزيدها هي إلا توحدا واقترابا بعضها من بعض ومن النظام ومكوناتها فيها ومن قوى الهيمنة الغربية الداعمة في النهاية لكل ما هو علماني لائكي والقابلة به والخاذلة لكل ما هو عربي إسلامي والمناهضة والرافضة له. وهي محاكمة فكرية ثقافية وسياسية كتلك التي أجرتها محاكم التفتيش في القرون الوسطى في أوروبا لمن كانوا على خلاف ديني ومذهبي وعلمي وثقافي وسياسي مع النظام الكنسي البابوي وما يقول به من حقائق الكتب المقدسة المتناقضة مع العقل والعلم.
فبكل انتهازية اختارت هذه الأطراف الظرف المناسب والوقت المناسب للتعامل مع الإسلاميين ضحاياهم بالأمس، بل مع بعض العناصر من حركة النهضة الإسلامية كصيغة تنظيمية ظلت رغم كل شيء الأفضل في الحركة الإسلامية بتونس، تعاملا مشروطا. ولا تتواصل معهم ومن خلالهم مع الحركة إلا بشروط، في وقت ليست فيه الحركة ولا البلاد في حاجة إلى ذلك.
وبكل تسرع وتهافت وهرولة، وربما بنوع من الغباء السياسي والغفلة، قبل بعض إخواننا في الداخل بذلك وأعانهم عليه وللأسف قوم آخرون من قيادات الحركة بالخارج.
أقول ذلك ليس رفضا لمحاولة الخروج من العزلة المبالغ فيها في الحقيقة، فغيرنا كان أشد حرصا على التساؤل عنا منذ وقت مبكر، وأشد حرصا على التحرك بملفاتنا وقضايانا التي أصبحت هي قضايا الوطن والشعب، وأكثر رغبة في الإلتحاق بنا، وليس رفضا للعمل المشترك على أساس ما تم الإتفاق على أن يكون على أساسه. ولكن رفضا للحياد عن البرنامج المتفق عليه والخروج عنه وتجاوزه لما لا حق لهذه الأطراف العلمانية اللائكية في مساءلتنا حوله والخوض فيه معنا في الهيئة في الوقت الحالي وفي هذه الظروف التي تعيشها البلاد لما له من مساس بالثوابت وبالمعلوم من الدين بالضرورة، والذي له عندهم معنى مختلف حتى عن المعنى الواضح في نصوصه الأصلية التي يتلاعبون بفهمها وفق ما تمليه عليهم أهواءهم وما يشبع غزائزهم وما يتحقق لهم به من مصالح.

الموقف من الإعلان:
ليس الإعلان إلا نسخة من حكم أصدرته محكمة التفتيش التي نصبتها ما يسمى بهيئة 18 اكتوبر ليس للفكر الإسلامي وللثقافة الإسلامية والشريعة الإسلامية وللهوية العربية الإسلامية لتونس فقط، ولكن لما هو ثابت ومعلوم من الدين بالضرورة مما هو ملك للشعب كله وللأمة العربية الإسلامية بما هي عليه وبما يمكن أن تكون عليه في ما هي مقبلة عليه من زمان إلى قيام الساعة.والإعتداء عليه هو اعتداء على كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وعلى الشعب التونسي كله وعلى أمة العرب والمسلمين قاطبة إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها، والتي كان رئيسها الرفيق حمة الهمامي ومستشاريه الحاج أحمد نجيب الشابي والرفيق مصطفى بن جعفر وكان ممثل الإدعاء العام فيها الدكتور منصف المرزوقي أو من يمثله وعمر المستيري مع تقديرنا للمجهودات التي قام بها مع من معه في المجلس الوطني للحريات وغيرهم ممن كان لهم دور في الجهد الكبير الذي بذلوه في توثيق المذبحة التي قام بها نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب للشعب التونسي، وإن كان لهم أو للبعض منهم على الأقل دور بطريقة أو بأخرى في ذلك، من خلال أبناء الحركة الإسلامية وبتعاون مع من كان منهم في حركة النهضة تحديدا، والرفيق مختار الطريفي وآخرون، وفي قفص الإتهام أحكام الإسلام وقيمه وشرائعه من خلال الأخوة علي لعريض وزياد الدولاتلي وحمادي الجبالي وآخرون، وأنا أكن لهم رغم كل ذلك كل الإحترام والتقدير، وبحضور بعض شهود الزور من الداخل والخارج الذين باركوا المحاكمة وقبلوا بصدور الحكم فيها وفي غياب تام للسان الدفاع، والذي كان إنجازا لأسوإ نخبة علمانية في الحركة العلمانية اللائكية الهجينة في ما نعلم في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين لم يكونوا يوما يحلموا بها باتجاه الموافقة على علمنة الإسلام والقبول بذلك، ليسهل عليهم علمنة الشعب بعد ذلك بعد أن كان العلمانيون واللائكيون بكل تجلياتهم وأطيافهم ومن كل مواقعهم وبكل الوسائل والإمكانيات قد أجازوا كل الوسائل للتصدي لما أسموه بعمل الحركة الإسلامية على أسلمة المجتمع المسلم في الحقيقة أصلا، وهي إشارة خبيثة يراد منها إيهام الرأي العام بأن الحركة الإسلامية تكفر الشعب وهم المدافعون عنه، وهم من لا يريده في الحقيقة كذلك، ويمكرون بالليل والنهار لعلمنته، وبذلك وبذلك فقط يكونوا قد حادوا به عن الإسلام أو يكونوا قد أخرجوه عنه بحكم الطبيعة التكفيرية للثقافة العلمانية ولأداتها الحركة العلمانية اللائكية.
إن قبول الحاضرين من الإسلاميين بمناقشة مسألة حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين بما ورد في الوثيقة والمصادقة عليها ومباركة قيادة الحركة بالمهجر لذلك هو أمر في منتهى الخطورة.
والذي زاد الأمر سوءا أن البيان الختامي للمؤتمر الثامن للحركة الذي يبدوا أن تحديد موعد انعقاده كان على خلفية ما يمكن أن تنتهي إليه نتيجة أعمال الهيئة بخصوص الموضوع المعلوم مناقشته وتدارسه سلفا، لم يعبر بوضوح عن المخالفات الحقيقية الواضحة لما هو معلوم بالضرورة من الإسلام ولنصوص من القرآن قطعية الدلالة قطعية الورود التي لا مجال للأخذ منها و الرد، ولا مجال للإجتهاد فيها، من قبيل تعدد الزوجات الواضح نصا قرآنا وقولا وفعلا وإقرارا والذي حوله من الإجماع ما لا يتطرق له شك، وهو من المسائل التي لا أدري كيف يجد فيها من يؤمن ويقبل بها حرج مع من يفرض ثقافة تفتح باب التعدد على مصراعيه بدون حدود وخارج إطار الشرعية القانونية والإسلامية وفي حل من أي مسؤولية مدنية وأخلاقية وإنسانية، ولم يقف الأمر فيها عند حد تعداد الرجال للنساء بل تعداه إلى تعداد النساء للرجال. ومن الحاضرين ولعل جلهم إن لم يكن كلهم كان قد عاش ومازال يعيش في وسط وتنظيم يرفع شعار “زوجة الرفيق للرفيق والإبن للجميع” ويجعل من ذلك قاعدة لاستقطاب الأنصار وجمع الناس من حوله على أساس إلغاء العقل ومخاطبة الغرائز فيهم…ولا يجد هؤلاء في مناقشة مثل هذه المسائل حرج. صحيح لأنهم لا يستحون ولا يحيون ولا يخجلون، ومن لم يستح يفعل ما يشاء. وإذا كان هؤلاء كذلك فكيف يخجل أو يتحرج من يدعوا إلى ثقافة وأحكام وقيم وشرائع دين يخاطبه فيه خالق الخلق من فوق سبع سماوات بقوله:” وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس..” “.وتزويج المرأة نفسها بنفسها هكذا مطلقا بدون ولاية من أحد. وزواج المرأة المسلمة من غير المسلم وغير ذلك من القضايا القابلة للمناقشة وللمراجعة والتدقيق.وإذا كنت أعجب من قبول إخواننا بالداخل بما ليس لأحد من المسلمين في العالم القبول به والتنازل عما ليس لمسلم الحق في التنازل عنه، فإني أعجب كل العجب لإخوان لنا كبار في قيادة الحركة نقدرهم ونجلهم وهم الأعلم فينا بالعلوم الشرعية وأحكام الشريعة وأصول الفقه وعلوم الحديث ولهم منزلة علمية وفكرية ورمزية تجاوزت حدود الوطن والأمة العربية والإسلامية إلى العالمية، ولم يسارعوا إلى إعادة الأمور إلى نصابها، وإلى تدارك الأمور قبل أن يكون لمن هم أقل منهم علما رأي في الموضوع وموقف من الإعلان.
وبالمناسبة فإني أتوجه بنداء إلى القائد المجاهد الشيخ راشد الغنوشي حفظه الله وأدام ظله ذخرا للوطن وللشعب وللأمة وللإنسانية كلها أن يتحرك بما علمناه فيه من مرابطة ومن ثبات على الحق ودفاع عنه وعن  والحرية والمساواة وحقوق الإنسان وعن الإسلام عموما والتمكين له وعن هوية هذا الشعب والأمة العربية الإسلامية قاطبة وأن يسارع بالخروج عن صمته ويتجاوز تردده، وبعض الحسابات السياسوية في ما لا يجوز لمثله أن يتردد أو يصمت فيه، وأن يحسم الموقف، وهو سياسي بالأساس وليس شرعيا،لأن الجانب الشرعي فيه لا يخفى على أحد والنصوص المحددة له لا خلاف حولها، انتصارا لله ولرسوله كما عهدناه، وغيرة على الدين وأحكام الإسلام، وتصديا للمغفلين والأغبياء والمتساهلين وإن كانوا صادقين، وللتكفيريين في الحركة العلمانية اللائكية كما كان دائما، وهو الأعلم بكتاب الله وسنة رسوله دون أن يخاف في الله لومة لائم، وكذلك الأخ الدكتور عبد المجيد النجار وغيرهما ممن لهم باع في العلوم الشرعية ومن لهم صيت في أوطان شعوب الأمة والعالم أن يقولوا القول الفصل في أمر ليس محل اجتهاد المجتهدين ولا تأويل المؤولين، وأن لا يكون لما هو مطلوب سياسيا من المباحات انعكاس على ما هو جنائي أو مدني أو من الأحوال الشخصية بالأساس، لأن السياسي هو الذي يجب أن يكون تبعا لمثل هذه القضايا والأحكام والشرائع، وليست هي التي يجب أن تكون تبعا له.
أقول هذا وأدعو الله ليس خوفا على الإسلام في تونس، فقد تجاوز منطقة الخطر رغم أنف العلمانيين حلفاء الإستعمار وخلفاؤه، ورغم تقصير الإسلاميين وتكاسلهم وتخاذل البعض منهم، ورغم الحرب المعلنة على الإسلام من طرف النظام و أعوانه، ورغم السلبية التي قابل بها الشعب الهجمة على الإسلاميين في الحركة الإسلامية. فللإسلام جنوده “وما يعلم جنود ربك إلا هو ” والله ناصر دينه بعز عزيز أو ذل ذليل ولو بعد حين ولو كره الكافرون ” وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم ” ولكني أطلق صيحة فزع على أنفسنا خاصة أولئك الذين نحسب أننا نذرنا أنفسنا لله تمكينا للإسلام في بلاد الإسلام من خلال العمل على استعادة العمل بالنظام الإسلامي وخارج بلاد الإسلام بالدعوة إليه، أن نلقى الله ونجد أننا قد فرطنا في جنبه، وأن نلقاه ونكون قد تركنا سابقة قد لا يكون قد سبقنا إليها أحد في تاريخ الإسلام تظل لعنتها تطاردنا مادامت السماوات والأرض ويظل وزرها يلاحقنا وينظاف إلى رصيد سيئاتنا إلى يوم القيامة، فنكب على وجوهنا في النار والعياذ بالله ويا لخيبة المسعى .ويجب أن نكون على يقين إذا ما استمرينا على ذلك مضرب أمثال السوء بين المسلمين في الدنيا، لأن هذا الدين ليس ملكا لنا وحدنا، بل هو ملك لكل أمة الإسلام، بل لكل البشر لمن آمن منهم به ومن لم يؤمن باعتبار أن الخطاب الإلهي قد جاء عاما ومخاطبا به كل الناس في الدعوة إلى الإيمان بالله الواحد الأحد، ” يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا …”وسيحاسب الله المؤمنين على قاعدة الإيمان به كما سيحاسب من لم يؤمن به على قاعدة الإستمرار على الكفر به إلى أن لقوه. وسيكون لا قدر الله كتاب الله شاهدا علينا لا شاهدا لنا لما نكون قد تنازلنا عنه مما لا يجوز التنازل عنه للتكفيريين في الحركة العلمانية الهجينة الذين يفرضون على الشعب بكل الوسائل والأساليب وبالقوة المفرطة المتواصلة ثقافة بديلة ونظاما سياسيا بديلا وأحكاما بديلة عن ثقافة الإسلام وعن النظام السياسي الإسلامي وعن الأحكام الإسلامية التي لا يعبد الله إلا بها.
 إنها والله لسابقة خطيرة ما كنت أحسب أننا آئلون إليها يوما من الأيام على أى مستوى من الضعف كنا. إن حرصنا على ما يراه ويعتبره البعض توجه ومحاولة للخروج من العزلة السياسية وإفشال لخطة النظام في ذلك، يمكن أن يكون حرص في محله ولكنه لم يكن على أساس التمسك بالثوابت التي طالما تمسكنا والتي يجب أن نظل متمسكين بها وعلى أساس المحافظة على الهوية الحقيقية للشعب، والتي يجب أن نظل متمسكين بها. ولكنه كان على حساب المبادئ والقيم والثوابت والأحكام والشرائع التي لا يعبد الله إلا بها، والتي لا تستقيم ولا تصح تلك العبادة إلا بها.
وأنا أقول أننا مازلنا في الموقع الصحيح الذي لمن كان صادقا في مواجهة الإستبداد والتصدي له ممن صنعوه وأيدوه وكانوا عونا له علينا وعلى الشعب وعلى الوطن أن يلتحق بنا وأن يتنازل عما كان به عونا للإستبداد على الشعب من تقديس للعلمانية وتدنيس للإسلام، وما كان به طرفا في المجزرة. وأن يراجع مواقفه وأدبياته وفكره. وأن يعتذر للشعب. وأن يعلن احترامه المطلق الصادق غير المغشوش وغير المشروط والمسؤول لهوية البلاد والشعب العربية الإسلامية هكذا بكل وضوح وصراحة، لا كما جاءت الإشارة إلى ذلك في الوثيقة “هويته الخصوصية “.وإذا كان لابد من محاكمة جهة لجهة أو طرف لطرف، أن يكون هو المستعد للوقوف في قفص الإتهام والمعني بالمحاكمة، لا أن يستمر الجناة في محاكمة الضحية، كما على هذه الضحية أن لا تقبل بأن تكون أو تظل كذلك، وأن لا تقبل إذا كان لا بد من محاكمة إلا بمحاكمة الجناة، رغم أننا في الأصل دعاة ولسنا ولا نقبل أن نكون قضاة بقدر ما نحن كذلك. ولا نقبل أن نكون قضاة إلا في إطار سلطة قضائية مستقلة في نظام ديمقراطي في مرحلة أولى، وهو الذي لا يمكن إلا أن يتحول تلقائيا عبر الوقت في إطار الديمقراطية وبتفويض شعبي واسع إلى نظام إسلامي. فالديمقراطية هي بداية نهاية النظام العلماني. وهي المفضية حتما بإذن الله لما يصبح الشعب هو سيد القرار وهو الحاكم إلى النظام الإسلامي الذي سيفرضه الشعب على من يريده وعلى من لا يريده. فالعلمانية في أوطان أمة العرب والمسلمين خاصة لا يمكن إلا أن تكون مرحلة انتقالية، وبالديمقراطية والديمقراطية وحدها يكون التحول التدريجي إلى النظام الإسلامي الذي يتنازل فيه الشعب تلقائيا عن حكمه لنفسه بالشريعة الشعبية البشرية إلى حكم نفسه بالشريعة الإسلامية التي هي روح النظام الإسلامي الذي هو النظام الطبيعي لشعوب أمة العرب والمسلمين.
فما كان لإخواننا أن يقبلوا بهذا ليجعلوا الحركة رهينة لدى هؤلاء الذين من المفروض أنهم هم الرهائن كما ما مازال إخواننا في السجون وفي المنافي وفي الداخل رهائن لدى النظام الذي هو من طبيعة نفس المكونات العلمانية اللائكية في هيئة 18 اكتوبر للحقوق والحريات.
وما كان لهم أن يقبلوا بالتنازل عن معلوم من الدين بالضرورة، ونحن الذين ليس لنا ما نتنازل عنه ليقبل بنا الآخرون الذين لا يمثلون إلا أنفسهم ولا يمثلون الشعب ولو في أدنى مستويات التمثيل. وهم الذين لا يقل عداءهم لهوية الشعب والبلاد عن عداء النطام، من أجل العمل المشترك. وهم الذين من المفروض أن يسعوا لقبولنا بهم على قاعدة القبول المعلن بهوية الشعب العربية الإسلامية الغير قابلة للنقاش.
إن حرص إخوتنا على فك العزلة عن الحركة لخدمة المشروع الإسلامي وعلى وضع قواعد وأسس للعمل المشترك مع مكونات هيئة 18 اكتوبر لا يجب أن يكون على حسابنا وعلى حساب الهوية العربية الإسلامية وعلى حساب الثوابت، التي للأسف الشديد، أصبحت محل قبول ورفض، ومحل جدل ومحل تجاذب بين مكونات الشعب المتجانس في الأصل عربيا وإسلاميا، والمنقسم علمانيا لائكيا. والمفارقة الغريبة أن يسود المنطق الذي يصبح به الإسلام الجامع محل نقاش وتشكيك، والعلمانية القامعة محل توافق وإجماع. ولا يجب أن يكون في إطار محاسبة ومحاكمة لنا لسنا مهيئينا لها لمجرد الدفاع فيها عن أنفسنا وعن المشروع الإسلامي الخالص وليحاسبنا وليحاكمنا فيها من من المفروض أنهم الجناة، وأنهم هم الذين من المفروض أن يحاسبوا ويحاكموا على قاعدة هوية الشعب والأمة، وأن نكون أكثر الجهات والأطراف استعدادا للتنازل، في الوقت الذي ليس لنا ما نتنازل عنه وفي الوقت الذي على قاعدة الهوية ومواجهة الإستبداد لهم الكثير الذي من حقنا عليهم ومن حق الشعب والوطن أن يتنازلوا عليه لصالح الشعب ولصالح الوطن.

قبول من لم يكن لهم قبول بالهوية العربية الإسلامية لتونس؟ !
بعد كل التنازلات المؤلمة وغير المقبولة التي وقع فيها بعض إخواننا ووفرت لهم القيادة بالمهجر غطاء في ذلك وحضيت بتزكية واضحة إلى حد الآن من شيخنا المجاهد راشد الغنوشي أدام الله ظله لولا تلك الإشارة الواضحة المحتشمة هي نفسها التي أوردها أخونا عبد المجيد النجار في القضية في مقال له، وهي دون المستوى المطلوب كذلك بالنسبة لمن هو في حجمه وفي موقعه من الفكر والثقافة والعلم الشرعي، يحلو لبعض إخواننا المنخرطين في هذه اللعبة أن الخطوة كان لها من الإيجابيات الكثير:
- فهي خطوة متقدمة باتجاه إخراج الحركة في الداخل من العزلة السياسية.
- وهي اختراق لخطة تجفيف المنابع باستقطاب أطراف من “المعارضة” العلمانية اللائكية والإبتعاد بها عن معسكر النظام .
- وهي أفضل محاولة عرفتها البلاد لإحداث تقاليد ورسم خطط ووضع آليات للعمل السياسي المشترك بين مختلف مكونات الطيف السياسي بالبلاد.
- وهي المرة الأولى التي استعدت فيها بعض مكونات الحركة اللائكية ذات الهوية اليسارية تحديدا للإعتراف بالهوية العربية الإسلامية للبلاد وللشعب التونسي والقبول بها.
ولمن أراد أن يكون أخلاقيا أن لا يدخل الحقل السياسي باعتبار السياسية عندهم قذارة، وتقتضي نزول كل المنازل القذرة ووقوف كل المواقف القذرة وعدم الإستنكاف من أي سلوك قذر…ولذلك يبدون حرصا مغشوشا ومكذوبا على عدم إلحاق الدين بالسياسة باعتبارها عندهم كذلك، وباعتبارها عندهم عادة وهي عندنا عبادة. وبما بيننا وبينهم من اختلاف ينتهي في معظم الأحوال وفي أغلب الحالات إلى التناقض في المفاهيم فإننا لا نستطيع في الأصل إلا أن نكون مبديين وصادقين وثابتين إلا ما كانت تقتضيه الخدعة في الحرب أو ما كان دافعا لضرر مؤكد أو محتمل أو جالب لنفع، ودفع الضرر مقدم على جلب المنافع. ولذلك آدابه وسياقاته وفنونه وأصوله وثوابته وشروطه ورخصه وأبواب فقهه. ولذلك لا يمكن شرعا أن نتورط مع أي كان في ما يمكن أن يكون حجة علينا في الدنيا وفي الآخرة، وباب التوبة مفتوح لمن عصى ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
والذي أدعو إليه وأنصح به أن نحذر من أن يقع جرنا إلى مستنقع القذارة حتى يزول الفرق بيننا وبينهم، وبين السياسة الشرعية باعتبارها عبادة والله أمر أن لا يعبد إلا بما أمر أن يعبد به، والسياسة التقليدية العلمانية اللائكية باعتبارها عادة، وإن لا ينسينا التزامهم بالكذب بالتزامنا بالصدق أمام الله وأمام الشعب الذي يعاني أزمة مستفحلة في الثقة هي من ثقافة وبرنامج وإنتاج وسياسة النخبة العلمانية التي سلطها عليه الإستعمار ومازال يدعمها ويرعاها، على قاعدة لست بالخب وليس الخب يخدعني كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه.ولذلك فالحذر كل الحذر أن يجرونا إلى التورط في ما يكون حجة علينا بين يدي الله، وما يهز من صورتنا لدى الناس بالداخل والخارج، لأن حتى التكتيك السياسي له آدابه وشروطه وفقهه، وإذا خرج عن ذلك أصبح فسادا سياسيا وغشا وخداعا ” والله طيب لا يقبل إلا طيبا “.
ولذلك لا ينبغي:
- أن نكون مثلهم في ما هم فيه وأن نحافظ على مصداقيتنا أمام الله ورسوله أولا ثم أمام الناس ثانيا ” وما النصر إلا من عند الله العزيز الحميد “.
- وأن نسلك طريق الصدق والمبدئية حتى يتحقق بتوفيق من الله بالصدق والحق أكثر مما يمكن أو يعتقد البعض أنه لا يتحقق إلا بالكذب والنفاق والخداع والباطل.
- وأن نظل دائما البديل النظيف الذي تريده شعوب الأمة والإنسان المستضعف والذي لا تريده النخبة العلمانية وقوى الهيمنة الدولية المنتجة للإستبداد في أوطان شعوب الأمة وعالم المستضعفين عموما والداعمة له ولا تريده مكونات هيئة 18 اكتوبر للحقوق والحريات من العلمانيين اللائكيين وتريد أن نكون في الفساد والقذارة سوى.
والذي آسف له أن ما حصل هو ما ينتهي بنا إلى هذه المحاذير. وإذا كان الذي حصل قد قربنا منهم، فالذي لا شك فيه أنه قد أبعدنا عن الإسلام وعن الله وعن الشعب وعن الأمة رغم حسن النوايا.
والذي لا شك فيه كذلك أن الذي حصل قد قربنا من العلمانية والعلمانيين الذين لا يزيدنا الإقتراب منهم في بعض الأحيان وفي بعض القضايا وفي بعض المواقف إلا بعدا عن الله وعن الناس وعن الإسلام والمسلمين.
وإذا كانت مكونات الحركة العلمانية اللائكية تريد من خلال اقترابها منا وقبول التواجد معنا على صعيد واحد للإقتراب من الناس ومن الرأي العام ومن الشعب  ونحن الذين لا نرى مانعا من ذلك دائما وهم الذين يرون مانعا في ذلك في أغلب الأحيان، فإن الذي حصل لا يمكن إلا أن يبعدنا عن الله ثم عن الناس وعن الشعب، وتكون النتيجة أنه إذا لم يتحقق لهم ما يريدون من القرب من الشعب يكون قد تحقق لهم ما يريدون من أن نكون سوى في ذلك أي من بعدنا عن الناس وعن الدين مثلهم.
والذي يجب أن يعلمه إخوتنا في ما أرى والذي كان ينبغي أن لا يكون غائبا عن أذهانهم:
- أن القواعد الإسلامية وغيرها من مسلمي أبناء الشعب في ما أعلم رافضة لهذه الأحزاب ولهذه الجمعيات باعتبار تورطها مع النظام في جريمة حرب الإبادة التي شنها ومازال يشنها على الحركة الإسلامية وعلى الإسلام وعلى الشعب من خلالها.
- وأن أي اقتراب منها أو تحالف أو تنسيق معها لا ينظر إليه في وضعها الحالي وفي علاقتها الحالية بقياداتها وبالوضع السياسي العام بالبلاد إلا على أنه تلميع لصورة هذه الأحزاب ورفع للحرج عنها وابتعاد منا عن الله ورسوله وكتابه، وأن أولويات الحركة في النهاية ليست هذه وسيكون ذلك فرصة سانحة لأن يملأ هذا الفراغ آخرون ويكون ذلك من أهم المبررات لالتحاق القواعد بهم.
- فاقترابنا من هذه الجهات والأطراف التي ليس لها من هجرة إلا إلى دنيا تصيبها أو امرأة تنكحها وبهذه الطريقة المسيئة لثوابت ديننا ولهوية الشعب والأمة ستكون نتيجته:
- ابتعاد من الحركة عن قواعدها وابتعاد من القواعد عنها، وابتعاد عن الشعب المسلم الذي يحارب لتوجهه إلى الإسلام ورفضه للعلمانية التي تفرض عليه فرضا وانفصال عنه.
- وابتعاد عن الثوابت والأصول وعن إجماع الأمة.
- وبعد عن الله ورسوله وكتابه وقرب من الشيطان وحزبه.
وعلى إخواننا في الداخل والخارج أن يعلموا أن مخالفتهم المؤكدة الصريحة والواضحة لكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في بعض ما تضمنته وثيقة الإعلان مفضية حتما إلى وثيقة الرؤية الفكرية والمنهج الأصولي المتفق عليه والتي ليس حولها خلاف في ما أعلم وإلى القانون الأساسي للحركة المنظم للعلاقات داخلها والمحدد لطبيعتها والذي يبدو أن الحياد عنهما قد بدأت معالمه تتضح باتجاه مجرد حزب سياسي ذي مرجعية إسلامية. ولعل ذلك توجه يقدر البعض أنه يمكن أن يكون حلا وسطا بين الطبيعة الإسلامية لحركة في شمول الإسلام ودعوته العالمية والكونية، وابتعاد ورفض لما هو مطلوب من أن تكون عليه في إطار رؤية البعض ومقترحاتهم لمشروع المصالحة الوطنية المختلف حوله، عسى أن يكون ذلك مقبولا لما يمكن أن يحضى به من رضا بعض الأطراف الداخلية والخارجية بالقدر الذي تنجح فيه هذه الأطراف المتقاسمة الأدوار بين من هم في السلطة ومن استعادوا موقعهم في المعارضة من مكونات الهيئة والقوى الدولية الراعية والتي هي تبع لها.
وأحسب أن الحركة في إطار هذه الحسابات وهذه التوجهات التي بدأت تعبر عن نفسها من هنا وهناك من بعض الرموز القيادية في الحركة وفي أعلى مستوى لها، قد بدأت تخرج عن الطبيعة المتفق عليها فيها وعما لم يكن في يوم من الأيام في ما مضى من حياتنا فيها محل خلاف بعد حسم هذا الموضوع منذ وقت مبكر من تأسيسها والإعلان عنها.
وبناء على ذلك فإن الإنقسام سيكون واضحا وكبيرا، وسيكون التحاكم في ما بيننا فيه على أساس:
- من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم أولا.
- وعلى أساس أدبيات الحركة والرؤية الفكرية لها ومنهجها الأصولي وبيانها التأسيس وقانونها الأساسي ولما لا البيانات الختامية لمؤتمراتها.
- وقد لا يكون اعتبار ولا مكان ربما فيها لغير من مازال متمسكا بذلك ومنضبطا له ،وقد لا يكون اعتبار ولا مكان فيها لا قدر الله لمن خالف ذلك مخالفة صريحة وقاطعة وأصر على ذلك ولم يراجع ولم يستعد للمراجعة، وله أن يبحث لنفسه في هذه الحالة عن مكان آخر، ويعيد النظر في كل هذه الأصول والوثائق وذلك ما لا نريده وما سوف لا ندخر أي جهد باتجاه تصحيح الأمور وإعادتها إلى نصابها بالمجادلة بالتي هي أحسن وإدامة النصح والتوجيه والترشيد حتى لا نبلغ ذلك الحد ولنحافظ على وحدة صفنا التي هي أساس قوتنا ووحدة حركتنا التي هي أهم عامل من عوامل إشعاعها وتواصلها والتمكين للإسلام في البلاد وفي الأرض من خلالها ومن خلال غيرها كذلك مع كل موحد وكل حر وكل مجاهد وكل منتصر لله ولكتابة ولرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
يقول تعالى:” واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تفلحون “
” وإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم “.
ومن كان لله دام واتصل ومن كان لغير الله انقطع وانفصل .
“اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلا وارزقنا اجتنابه”.
اللهم آمين.

وصل اللهم على سيدنا محمد الصادق الأمين وعلى آله وصبه ومن تبعهم إلى يوم الدين.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

بقلم:علي شرطاني                                 
تـــــونس

Hello world!

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:20 م

Welcome to WordPress.com. This is your first post. Edit or delete it and start blogging!

المدونة لدى WordPress.com.