خلفاء الإستعمار (3)
بقلـــــــم: علـــي شرطــــــاني – تونس
- السلطان عبد الحميد وزعماء الإصلاح ومشروع الجامعة الإسلامية:
في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة الإسلامية، وقد انتهت إلى أسفل درجات العد التنازلي، وأصبحت لقمة صائغة في أفواه أعدائها التاريخيين المتربصين بها الدوائر، وينتظرون منذ زمان بعيد بلوغها حالة الضعف والإنهيار الذي تفقد معه كل قدرة على القيام والنهوض، فانقضوا عليها يمزقونها إربا إربا. فكان لكل من إمبراطورية النمساء وروسيا القيصرية وفرنسا وأنقلترا حظ وافر من تركة الإمبراطورية العثمانية الإسلامية. ومما سهل لهذه القوى الدولية الصليبية اقتسامها، هم أعداء الإسلام والمسلمين، وأعداء والجامعة الإسلامية من داخل الجسم العثماني نفسه، والذي يمثله العرب بمختلف معتقداتهم وطوائفهم، والأتراك الذين أبوا بقيادة منظمة الإتحاد والترقي إلا أن يكونوا طورانيين أتراك، وغير ذلك من الحركات والمنظمات والجمعيات الإنفصالية القومية والعرقية والطائفية. في هذه المرحلة، وجد تيار يختلف جذريا وجوهريا عن كل هذه الأطراف التي تلتقي في النهاية مع القوى الإستعمارية الصليبية واليهودية الصهيونية في القضاء على كل شكل من أشكال الوحدة الإسلامية أو العربية أو العربية الإسلامية.
كان هذا التيار عربيا إسلاميا بأتم ما تعنيه الكلمة من معنى، في زمن مازال التلازم فيه بين العروبة والإسلام ليس محل نظر ولا إعادة نظر. وكان يتزعمه علماء ومفكرون من خير ما أنجبت الأمة الإسلامية في ظل الحكم العثماني التركي الجائر، والذي كانوا يعلمون أنه كذلك. وكانوا يقولون بذلك. وكانوا يعملون بكل جد وحرص وإخلاص على إصلاحه. وهم الذين عرفوا بناء على ذلك وبمقتضاه بذلك، والمشار إليهم بزعماء الإصلاح، من أمثال رشيد رضاء ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي وجمال الدين الأفغاني وشكيب أرسلان ورفاعة رافع الطهطاوي وخير الدين باشا وعبد العزيز الثعالبي وعرابي ومصطفى كامل ومحمد فريد وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وأحمد محرم وعثمان بك غالب وعمر بك لطفي والشيخ فضل الله ورفيق بقلادم ومحمد كرد علي وغيرهم من أهل العلم والورع والتقوى وأهل المروءة والشهامة والعزة.
وكانت هذه الرموز الفكرية والسياسية والعلمية تمثل تيارا فكريا سياسيا إصلاحيا يختلف كل الإختلاف عن غيره من القوى السياسية والفكرية التي عرفتها تلك الحقبة من تاريخ الأمة.
والمتفحص لرموز هذا التيار يلاحظ أن ما يجمع بينها ليس العروبة كغاية وهدف ووسيلة مثلما هو الشأن لدى القوميين في الحركة القومية، ولكن إذا كانت قد اختلفت في الجنس والعنصر والطرح، فإن الذي كان يجمع بينها كلها أو جلها على الأقل هو الإسلام كعامل أساسي وقاسم مشترك بين مختلف الأجناس والأعراق والأقوام والشعوب والأوطان يضمن جمع شتات الأمة ويوحدها، ويجعل منها قوة متضامنة ومتحدة إن لم تكن موحدة في مواجهة عدوها التاريخي المشترك ومن تحالف معه من قوى الردة التي جعل لها الإستعمار الصليبي الغربي من إخوانها غرباء ومن أصدقائها أعداء، وتوصل إلى إقناعهم تحت تأثير عاملي الخوف والطمع أن الخلافة العثمانية المسلمة على ما هي عليه من جور واستبداد وفساد إنما هي استعمار وخاصة للعرب. والغريب في الأمر أنهم قد قبلوا عليهم أن ذلك الذي أقنعوهم به واقتنعوا به فعلا لا يهم كل العرب ولا ينسحب عليهم جميعا. وأنه لا عرب معنيين بهذا المعنى للإستعمار ثم للإستقلال والوحدة الموعودة بعد ذلك إلا عرب الشرق الأوسط من الحجاز إلى بلاد الشام. وأي معنى للإستقلال يكون عندئذ إن لم يكن استعداد الحركة القومية للتنازل عن الأقاليم العربية الواقعة تحت نفوذ الخلافة العثمانية والتي من المفروض أن لا تكون الحركة القومية العربية غير معنية بها، لفائدة الدول الغربية الإستعمارية فعلا. ولا يمكن أن يوجد معنى للصلح كذلك إن لم يكن يعني قبول العثمانيين بالتنازل عن مناطق نفوذهم وجعلها تحت الحماية الأوروبية والتي مفادها ضمان الإستقلال عن تركيا.
إن عرب الشرق الأدنى وحدهم والذين انتظموا كلهم أو جلهم في الحركة القومية العربية وساهموا في قيام “الثورة العربية الكبرى ” هم الذين اقتنعوا بهذه المعاني للإستعمار والصلح والحماية والإنتداب، بخلاف ما هي عليه الحال في مناطق النفوذ الراجعة بالنظر للخلافة العثمانية كليا أو جزئيا، والتي كان تصدي الوطنيين فيها للهجمة الإستعمارية الغربية مباشرا وبدون مهادنة، رافضين الوجود الإستعماري الغربي رفضا مطلقا وتحت أي شعار كان، مثلما هو الشأن بالنسبة للجزائر وتونس وليبيا ومصر والسودان وغيرها من الأوطان التي لم يكن فيها من يملك استعدادا للقبول بوجود استعمار كالإستعمار الفرنسي أو الأنجليزي أو الإيطالي في المنطقة العربية الإسلامية خاصة.
كان زعماء الإصلاح وأنصار الجامعة الإسلامية يتحركون في هذه الظروف وفي هذا المناخ الذي أوجده الغرب الصليبي بالتنسيق مع الصهيونية العالمية والحركة القومية العربية والحركة الطورانية التركية وقد وجد من المتعاونين معهم من أصحاب النفوس الصغيرة ممن أغشى أبصارهم وأعمى بصيرتهم الجهل والطمع والغباء والخيانة، فكانت سباحتهم ضد التيار الإستعماري الصليبي الغربي الجارف ومن كان في انتظاره من اليهود والنصارى والعملاء من المتغربين المحسوبين على العروبة والإسلام، وما أشبه اليوم بالبارحة وما حصل مرة يمكن أن يحصل ألف مرة. وإذا كانت الحركة القومية العربية قد جاءت في ذلك الوقت على دبابات العدو الإستعماري البريطاني والفرنسي للإطاحة بالمنطقة العربية من نفوذ “الخلافة الإسلامية العثمانية” ليظل وضعها على صورة الإنقسام والتشتت الذي مازالت عليه بفعل ذلك، إلى أن عاد إليها الإستعمار مرة أخرى، فإن مكونات الشعب العراقي من الحركة العلمانية والطائفة الشيعية ومن القوميين الأكراد هي التي جاءت كذلك هذه المرة وبدعم من النظام العربي الفاسد والدولة الصفوية المذهبية في إيران “الثورة الإسلامية ” على دبابات القوات الأمريكية والبريطانية لغزو العراق. والذي استحال بمقتضى ذلك إلى ساحة صراع دولي وطائفي وعرقي وأثني لا يعلم إلا الله إلى ما يمكن أن ينتهي إليه أمره. وقد بدت حقيقة تقسيمه على أساس طائفي وعرقي، ونسف هويته العربية الإسلامية شبه مؤكدة إذا لم يرعاه الله بعنايته ويقيض له من الصالحين ومن الأسباب ما يحفظ له وحدة شعبه ووحدته الترابية.
ولم يكن يراد بدعوة الجامعة الإسلامية إقرار شرعية الخلافة العثمانية أو تبرئة ساحتها من الظلم والجور والإستبداد والفساد الذي أصبح من تقاليدها في الأقطار التي لها عليها سيطرة ونفوذ قوي، ولكنها دعوة تستهدف إصلاح ما فسد وتمثل ضجة في وجه الأعداء والخصوم، وصرخة لاستنهاض الهمم وتوعية الشعوب وتنبيهها وإشعارها بخطورة الوضع وبعظم الكارثة وبصعوبة المهمة. في نفس الوقت، ولذلك كان خطاب زعماء الإصلاح موجها لكل الشعوب ولكل أصحاب العزائم الصادقة يدعوهم للإنتباه، ويرسم لهم معالم طبيعة المعركة، وينبههم إلى عدوهم الحقيقي، وإلى خططه الجهنمية وأساليبه الخبيثة وخطابه الكاذب. هذه الخطط وهذه الأساليب وهذا الخطاب الذي استطاع العدو أن يقدم به نفسه لهذه الجهات المخدوعة الغبية على أنه ناصح وحامي لها، وأن يجعل به من رمز وحدة المسلمين وجمع شتاتهم، قوة استعمارية طالما أبقت عليهم تحت نير ظلمها واستبدادها على ذلك الأساس.
يقول شكيب أرسلان:
” إن الخلافة الصحيحة لم تقم إلا في عهد الراشدين .. وبعد ذلك فالخلافة لم تكن إلا ملكا عضوضا قد يوجد فيه المستبد العادل والمستبد الغاشم .. وما انقادت الأمة إلى هذا الملك العضوض المخالف لشروط الخلافة سواء أكان من العرب أو من الترك إلا خشية الفتنة من الداخل والإعتداء على الحوزة في الخارج”(1)
لقد كان هؤلاء الأعلام الأحرار يعلمون طبيعة المرحلة وحقيقة المعركة وطبيعتها. ولم يكن وقوفهم الذي يبدو مساندا لمركز الخلافة ومتمسكا بها إلا من قبيل الحفاظ على الشيء على سوئه مع العمل على إصلاحه حتى لا يحل محله الذي هو أسوأ منه. وهم يعلمون أن مواجهة الظالم المستبد لا تكون في الوقت الذي يكون فيه العدو المشترك بين الظالم والمظلوم في الموقع الذي يستفيد فيه من الصراع بين الطرفين، مما يتيح له الفرصة المناسبة للتدخل في النهاية لحسم الصراع لفائدته بأقل ما يمكن من الخسائر، أو بدون خسارة أصلا.
وفي هذا المعنى (يكتب محمد عبده لرشيد رضا: ” إن كثيرا من وجهاء المصريين يكرهون الدولة العثمانية ويذمونها وأنا أيضا أكره السلطان .. ولكن لا يوجد مسلم يريد بالدولة سوءا فإنها سياج في الجملة .. وإذا سقط
نبقى نحن المسلمين كاليهود بل وأقل من اليهود”.(2)
إن هؤلاء الأحرار حقا يعلمون أن القوى الإستعمارية الغربية الصليبية تجعل على رأس اهتماماتها ومن أهدافها الكبرى التي لا يتحقق لها شيء مما تصبوا إلى تحقيقه من أهداف بدون إسقاط الخلافة رمز الثقافة والحضارة والوحدة. وهي إنما جاءت تستهدف الإسلام ووحدة المسلمين، لأن الصليبيين الإستعماريين يعلمون أن الخلافة لا تستمد قوتها ووثوق عرى وحدة شعوبها ومناطق نفوذها إلا من الإسلام. ولذلك كان نشاط وتوجه المصلحين في عملهم الإصلاحي على أساس الإبقاء والمحافظة على الجامعة الإسلامية بمثابة الصاعقة على رؤوس الإستعمار الصليبي الصهيوني.
” وفي الحقيقة شعر الأوروبيون بخطر هذه السياسة على نفوذهم .. وانبرى رجال لهم شأن في تاريخ
الإستعمار كالمسيو ” هانوتو “… واللورد كرومر واللورد غراي إلى مهاجمة الجامعة الإسلامية واعتبارها بؤرة للتعصب الديني .. وأن ليس القصد منها سوى تحدي قوات الدولة المسيحية .. ودعوا الأمم الأوروبية إلى مراقبتها مراقبة دقيقة والحذر منها”.(3)
يقول العقيد بارون سنة 1920 :” إن الشكل الذي عليه حركة الجامعة الإسلامية اليوم خطير بحيث أصبحت لها اتجاهات واقعية وأهداف عملية قابلة للإنجاز .. تطمح في النهاية إلى عدم فائدة وجود الوصاية الأوروبية على البلدان الإسلامية وقد أصبح كل المسلمين بجميع طبقاتهم يؤمنون بذلك”.(4)
إن مشروع الجامعة الإسلامية مشروع ثوري، ولكنه لم يجد آذانا صاغية ولا قبولا إلا لدى السلطان عبد الحميد الذي وقع لفت نظره له واقتراحه عليه ونصحه به. فلم يجد بدا من قبوله في تلك المرحلة من تاريخ الأمة الإسلامية التي جاءت أنباء مؤتمر برلين بتقسيمها بين الدول الإستعمارية. وأصبح حريصا على العم
به ويسنده في ذلك هذا التيار من العلماء والمفكرين الأحرار الذين كان يعز عليهم أن يروا البلدان الإسلامية ترصف في أغلال الإستعمار. ولقد كان تصورهم لهذه الدعوة متكاملا، ويحمل أفكارا جديدة بما يضمن بقاء
الأمة موحدة متضامنة في ظل الحكم االإسلامي. يقول جمال الدين الأفغاني في مجال شرحه لفكرة الجامعة الإسلامية:” لا ألتمس بقولي هذا أن يكون مالك الأمر في الجميع شخصا واحدا فإن هذا ربما كان أمرا عسيرا ولكن أرجو أن يكون سلطان جميعهم القرآن ووجهة وحدتهم الدين وكل ذي ملك على ملكه يسعى بجهده لحفظ الآخر ما استطاع حياته بحياته وبقاءه ببقائه .. إلا أن هذا – بعد كونه أساسا لدينهم – تقضي به الضرورة وتحكم له الحاجة في هذه الأوقات”.(5)
لم يكن أحرار دعوة فكرة الجامعة الإسلامية عربا، بل كانوا مسلمين كما كان عرب الثورة العربية عربا وكانوا مسلمين وغير مسلمين، ولم يكونوا مسلمين كما كان دعاة الجامعة الإسلامية مسلمين. ولذلك فلا غرابة أن يكون التنازع قائما بينهم. وأن توجه إليهم أصابع الإتهام في المنطقة العربية خاصة، بالعمالة للنظام العثماني الذي يعتبره العرب في الحركة القومية العربية والدول الإستعمارية الغربية الصليبية استعمارا.
لم يكن السلطان عبد الحميد على ظلمه واستبداده كما تشير إلى ذلك المصادر التاريخية تركيا طورانيا، ولكنه كان تركيا مسلما. وكان على ظلمه واستبداده قادرا على أن يكون طورانيا تركيا فقط، في مرحلة اقتطع فيها الإستعمار الغربي أغلب الأقاليم الإسلامية من السيادة العثمانية: ” (يقول الدكتور “توفيق برو” : ” ولكن عبد الحميد كان يتبع سياسة تقضي بالإعتماد على كافة العناصر. مثلما كان ظلمه واستبداده يشمل كافة العناصر ولم يكن ينظر على الفوارق الجنسية والمذهبية .. فكنت ترى في الوزارة العثمانية وفي البلاط والمجالس المختلفة أفرادا من الألبان والعرب والترك والأرمن والإغريق .. وهذا دليل على أنه كان ينظر إلى الشعوب العثمانية بنظر واحد .. وأيضا لم يكن من سياسة عبد الحميد ترويج فكرة القومية التركية بل عمل على خنق كل صوت يخوض في بحث الفكرة والقومية التركية .. لا في مجال السياسة فقط .. بل في مجال الأدب أيضا .. وقد منع الخوض في قضايا اللغة التركية ونشر البحوث المتعلقة بذلك”).(6)
وهو الذي يكون قد قطع بذلك الطريق أمام جمعية الإتحاد والترقي الطورانية التكوين والأهداف والتي انتهت بالإطاحة به في انقلاب دستوري سنة 1908 والتفريط في كل ما كان السلطان عبد الحميد غير قابل للتفريق
فيه، مثل وحدة المسلمين، والتصدي للغزو الإستعماري الغربي، وتسليم البترول العراقي للأنجليز عندما عرض عليه توقيع الإتفاق، واقتطاع أرض فلسطين الإسلامية وتسليمها إلى اليهود الصهاينة عندما جاءت الإغراءات المادية في الوقت الذي كان فيه في أمس الحاجة إلى المال، وجاءت العروض الصهيونية المسيلة للعاب والتي يطلبونه فيها أن يبيع لهم فلسطين بأي ثمن يريد. وكان اليهود في تلك المرحلة من التاريخ قد أخضعوا كثيرا من البلدان الأوروبية خاصة لسلطانهم المالي تمهيدا لإحداث الضغط على الطرف المناسب فيها في الوقت المناسب لتحقيق هدفهم في إقامة وطن قومي لهم على أن يكون ذلك في فلسطين بالذات.
يقول ماري أليس الكاتب الأمريكي : ” …فإن أسرا يهودية عديدة قد ارتفعت في عدة بلدان في أوروبا خلال القرن التاسع عشر إلى مواقع ذات تأثير عظيم في المجال الإقتصادي وكمثال بارز البيت المصرفي روتشيلد تلك القوة المالية في ألمانيا وإيطاليا والنمسا وفرنسا وإنقلترا وأن أحد أبناء الأسرة المسمى ليونيل مد دزرائيلي بالأموال التي ساعدت الحكومة البريطانية في الحصول على حصة مهيمنة في قناة السويس وقد أصبح ليونيل
أول يهودي غير معمد يجلس في مجلس العموم كما أصبح ابنه ناثان ماير الذي منح لقب بارون روتشيلد أول عضو يهودي غير معمد في مجلس اللوردات “.(7)
كان السلطان عبد الحميد الذي أصبح قابلا بالإصلاحات التي دعاه إليها فرسان الجامعة الإسلامية ليس مستعدا للخضوع بسهولة على الأقل لكل ما تدعوه إليه البلدان الإستعمارية واليهود في الحركة الصهيونية
أبناء عمومة الشريف حسين وابنه فيصل الذين توجهما العرب في الحركة القومية العربية أكبر رموزها في تلك المرحلة الحرجة من تاريخ الأمة والعالم، ولم يتاجر بالقضية الإسلامية ولم يبع فلسطين بالأموال الطائلة المعروضة عليه، ليسلمها القوميون العرب بعد ذلك للحركة الصهيونية مقابل خيانة الأمة وطعنها في ظهرها بالتحالف مع أعدائها التاريخيين : ” وفي سنة 1900 دخل قره صوه أفندي على السلطان بفضل الفريق عارف بك وأبلغه أنه موفد من قبل الجمعية الصهيونية وأنه قادم يطلب إليه إعطاء تلك الجمعية الأراضي الواقعة في المثلث القائم بين يافا وغزة والبحر الميت مقابل خمسة ملايين ليرة ذهبية عثمانية تدفعها الجمعية الصهيونية هدية إلى الخزينة السلطانية الخاصة. وعشرين مليونا تعرضها الجمعية إلى الحكومة دون فائدة لمدة تعينها الحكومة .. فغضب السلطان وطرده من حضرته.” (8)
هذا السلطان الذي تأكدت لديه أطماع حركة اليهود الصهاينة في فلسطين هو الذي أصدر سنة 1888 مرسوما بمنع الهجرة الجماعية اليهودية إلى أراضي الدولة كلها ومنها فلسطين، كما قرر عدم السماح للحجاج اليهود بعدم البقاء في فلسطين أكثر من ثلاثة أشهر.
لقد أدرك رجال الإصلاح أن الوضع يتطلب إصلاحات جذرية تتحقق بها الشورى والعدالة والحرية والمساواة، وكان السلطان عبد الحميد متفهما لهذا المسار الإصلاحي من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه من الإمبراطورية المنهارة، وبدأت تداعى إليها الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها.
يقول محمد فريد: ” ثم أصغى لمشورة نبهاء وزرائه الميالين لمنح الدولة العثمانية نظاما دستوريا شوريا.. يحفظ لجميع رعايا الدولة حقوقهم .. ويكون بمثابة رابطة بين جميع الشعوب والملل المكونة منها المماليك العثمانية .. فيكون الجميع سواء في الحقوق والواجبات وتبطل بذلك المنافسات والضغائن الجنسية والدينية لاشتراك الجميع في نظر شؤون الدولة ووضع القوانين الملائمة لحالة الأهالي ودرجة ارتقائهم في سلم المدنية والعمران .. ويتنبه كل منهم إلى الدسائس ولفظ الخائنين من بينهم لفظ النواة”.
” وقد ازداد تعلق جلالة السلطان الأعظم بتأييد النظامات الجديدة ووثق الأهالي ببلوغ أمانيهم ولم شعث الأمم المختلفة وإيجاد أمة واحدة عثمانية تكون كرجل واحد أمام العدو وحاجزا حصينا ضد تدخل الدول بحجة
إصلاح أحوال الشعوب المسيحية .. بما أن كل شعب يسن له بمعرفة النواب عن الجميع قوانين تلائم أحواله المذهبية ويعيش الكل في راحة ورغد بال”(9)
فبعد سياسة فرق تسد التي يذكر المؤرخون أن سلاطين الخلافة العثمانية كانوا يعتمدونها بمن فيهم السلطان عبد الحميد، نجح زعماء فكرة الجامعة الإسلامية إلى جر هذا الأخير إلى ما يمكن أن يتحقق به صلاح الأمة في وقت من التاريخ عصيب. وشرع السلطان عبد الحميد بمؤازرة طائفة من الأحرار في إقامة مؤسسات شورية. وأحاط نفسه بالرجال والطاقات البشرية المؤهلة في كل الميادين من كل الأجناس والقوميات والعقائد
والأديان والأقطار، مما جعل كل أطراف الدولة العثمانية تبتهج له وتسر به وتنشرح صدورها له، بما في ذلك العرب بمختلف طوائفهم، الشيء الذي جعل القوى الدولية الإستعمارية المتحالفة مع الصهيونية العالمية تضيق به وبحركة الإصلاح ورجالها من حوله ذرعا، وتجعل من جمعية الإتحاد والترقي التي كان من أبرز رموزها مصطفى كمال أتاتورك التركي الطوراني ذراعا تجعل بها حدا لإصلاحاته ولدستوره ولبرنامج الإصلاح الذي بدأ يتجه به لإنقاذ الموقف وصهر كل طاقات المسلمين وغيرهم من الملل والنحل من مكونات الدولة وجعلها في جبهة واحدة وعلى خط واحد لمواجهة عدو الأمة الحقيقي المتمثل في الإستعمار الصليبي الغربي وربيبته الصهيونية.
كانت هذه المرحلة من تاريخ الأمة والتي انطلقت فيها إصلاحات السلطان عبد الحميد الكبرى والتي أصبح يمثل فيها حجر عثرة أمام أطماع اليهود في محاولة إيجاد موطئ قدم لهم في فلسطين، سواء بمحاولة عروضهم المغرية بشراء فلسطين، أو ببرنامجهم القاضي بتنشيط الهجرة والإستيطان بها، وبكل محاولة للإستلاء على أي شبر من أراضي المسلمين، تمتاز من بين ما تمتاز به ظهور تيارين رئيسيين في أوطان شعوب الأمة العربية الإسلامية أحدهما حر أصيل والثاني هجين عميل.
1- تيار العرب المسلمين الإصلاحيين الأحرار:
أ- وهو تيار الهوية والأصالة: وهو الذي أوجد البرنامج الإصلاحي الذي أقض مضاجع الإستعمار والصهيونية. وهو الذي وقعت الإشارة إليه في ما سبق، والذي كان يمثله زعماء الإصلاح وأنصار فكرة الجامعة الإسلامية التي جعل منها السلطان عبد الحميد برنامج عمل له كما أسلفت. فكانت الفكرة متكاملة
تهدف إلى العمل بكل أسباب القوة والتحرر والوحدة على كافة الأصعدة. فكانت حركة إسلامية أصيلة تدعو إلى التطور والنهوض مع المحافظة على الهوية والأصالة. يقول شكيب أرسلان: ” أنصح المغاربة أن يقتبسوا العلوم الأوروبية مع المحافظة على معتقداتهم وشخصياتهم، وأنا لا أعتقد أن هناك علما أوروبيا وعلما شرقيا فالعلم مشاع بين البشر أجمعين، واليابانيون أخذوا عن الغرب ما نفعهم وحافظوا على شخصيتهم
ودينهم والتفرنج في نظري شر الأشياء والأمم مهما كانت فمن شأنها أن تحافظ على كيانها فكيف بأمة عظيمة
لها تاريخ مجيد”(10)
كان السلطان العثماني يواجه حركة إصلاح انتظمت في حركة تركيا الفتاة وكان فيها من المخلصين على حد ما يقرره المؤرخون الداعين إلى إصلاحات حقيقية في إطار المحافظة على الهوية الإسلامية للخلافة العثمانية. وكانت هذه المحاولة تجد في الأول مقاومة عنيفة من طرف المخابرات والأجهزة الأمنية السلطانية. وإلى جانب المخلصين فيها، يبدو أن الخلافة تفطنت إلى وجود اطراف لم تعد خيانتها للقضية العثمانية تخفى على العارفين بطبيعة الحركة والعالمين بأهدافها والذين لهم صلاة بالعناصر المنتظمة فيها والداعية إلى إصلاحاتها والعاملة على تحقيق أهدافها الرامية إلى إنقاذ الخلافة بالعمل بأسباب الوحدة والسعي إلى امتلاك أسباب القوة اللازمة لمواجهة الطامعين في اقتسام تركة الرجل المريض كما كان الغرب يسمي الخلافة العثمانية التي بدأ فيه نجمها في الأفول.
لقد أدام السلطان عبد الحميد الصراع مع هذه الحركة بما فيها من مصلحين ومن مخربين وخونة حتى تم له القضاء عليها سنة 1897. وهي التي انتهت بانسحاب المخلصين منها وانصرافهم عن الإطار التنظيمي الذي كان يجمعهم بالعناصر المشبوهة ذات الصلة بتحقيق أهداف الإستعمار والصهيونية. وبتسريع وتيرة النصح للسلطان عبد الحميد من طرف الكثير من المخلصين من المقربين له، ومن الذين لا يشك في صدقهم وإخلاصهم للخلافة وللإسلام، والذين لا يخفى على أحد حقدهم على الإستعمار وعملائه، وكراهيتهم له ومقتهم للصهيونية والدائرين في فلكها، وقد كان لهذا المزيج من المخلصين من الوزراء والمقربين ومن العلماء والمفكرين من دعاة الجامعة الإسلامية خاصة تأثير عليه، انتهى للقبول بالإصلاحات الدستورية الشورية والمضي قدما في تطبيقها.
2- تيار الطورانيين الأتراك الخونة الأشرار:
أ- وهو تيار التغريب والعمالة: ولكن وتيرة عمل طابور الخيانة للأمة من المخلصين المخدوعين ومن الماسونيين والصهاينة وعملاء المخابرات الإستعمارية على ما يبدو كان أسرع. لأن إسراعها بالإنتظام في جمعية الإتحاد والترقي التي تأسست في بلغاريا كما يؤكد ذلك العارفون بالتاريخ، والمنبثقة عن فلول حركة تركيا الفتاة، لم تمهل السلطان عبد الحميد إلا قليلا حتى أطاحت به وأتت على إصلاحاته التي كانت تقض
مضاجع الإستعمار والصهيونية سنة 1908، وطرحت دستورها الذي صاغته دوائر الإستعمار وختمته الحركة الصهيونية، للإنتهاء بخلع السلطان عبد الحميد سنة 1909 ونفيه بعد 33 سنة من الحكم ومبايعة السلطان رشاد خليفة صوريا للمسلمين، مما حدا بالزعيم الصهيوني بن غوريون أن يعتبر أن المناخ قد أصبح ملائما لانتقاله شخصيا إلى اسطنبول: ” وذلك لأن ثورة حزب الإتحاد والترقي في تركيا في هذا العام جعلت اليهود يأملون بالعمل في الإستيلاء على فلسطين بحرية لعلاقة الحكام الجدد بهم ورأوا أن باستطاعة بن غوريون وأمثاله من المهاجرين سرا أخد الجنسية التركية”(11)
ولم لا يفرك اليهود الماسونيون والصهاينة أيديهم فرحا واستبشارا وقد نجحوا بانخراطهم في جمعية الإتحاد والترقي وبالتسلل إلى الجيش المكون للقوة الإنقلابية على مركز الخلافة، في إزالة أكبر عقبة تقف في طريقهم وتعطل بل تمنع هجرتهم إلى فلسطين، وترفض في أشد الظروف عجزا ماديا بيعها لهم.
لقد كان تيار المحافظة على الهوية والأصالة والإصلاح يتنقل في ساحات مزروعة ألغاما ومحاطة بأدوار من الأسلاك الشائكة، وكان المخلصون الأحرار يجذفون في بحر لا شاطئ له تدفعهم إليه رياح الإستعمار الغربي العاتية بدسائسه وقوته، وعواصف الصهيونية الماكرة بتخطيطها وتحالفاتها وتنظيماتها وإمكانياتها المادية الهائلة، وأعاصير المخدوعين والخونة والعملاء الذين أعطوا الدنية في دينهم وأرضهم وعرضهم وأمتهم من أبناء هذه الأمة الذين أبوا إلا أن يكونوا منفذين أمناء لجرائم الإستعمار والصهيونية في حقهم وفي حق إخوانهم من العرب والمسلمين من حيث يعلمون أو لا يعلمون ومن حيث يشعرون أو لا يشعرون، وهؤلاء هم خلفاء الإحتلال والإستعمار الذين استمر وجودهم بعده في المستعمرات على أنحاء مختلفة وبخلفيات مختلفة وبطرق وأساليب ومناهج ومذاهب مختلفة، ومازال وجودهم مستمرا حتى بعد أن فقد مبرره إن كان له عندهم في يوم من الأيام مبرر وبعد أن أصبحوا تجارب فاشلة ولم تجن الشعوب والأمة من خلال حكمهم لها إلا الفرقة والتخلف والمهانة والتبعية.
لم تكن الحركة القومية العربية في المشرق العربي خاصة في النهاية إلا إطارا لبعض مكونات الحركة العلمانية التي تباينت فيه عبر الوقت، وخاصة مع قوة الإستقطاب الإشتراكي الذي قدم فيه المعسكر الإشتراكي الشيوعي نفسه للعالم على أنه الأعدل، وأنه نصير المستضعفين والمساند والداعم لحركات التحرر في العالم، مع الحركة التقليدية التي كانت الإطار الأول عبر تعبيرات مختلفة الحاضن للحركة القومية العربية، وقد انقسم فيها العرب بين معسكري الغرب، بين تقدمي اشتراكي قد يمم وجهه المعسكر الشرقي، ورجعي ينح منحا ليبراليا قد يمم وجهه المعسكر الغربي الليبرالي الرأسمالي، وكان بأس الجميع بينهم شديدا. وهكذا أخذت الأمة طريقا لمزيد الإنقسام الجغرافي والبشري والإجتماعي والثقافي والفكري والسياسي. وحل محل الإنقسامات التقليدية المذهبية والطائفية والشعوبية القديمة التي كانت متآلفة في إطار الإسلام الجامع، انقسامات أخرى لا علاقة لها بالإنقسامات القديمة. وقد أصبح الحديث عن القومية والليبرالية الرأسمالية والإشتراكية والشيوعية وغيرها من الأصول التي لها تقسيماتها وفروعها، وليس لها كلها من إطار جامع إلا الولاء للمعسكر أو الإلحاق والتبعية الثقافية والحضارية للغرب، حتى أن اللغة العربية قد أضحت استثناء لفائدة لغات المحتل المستعمر، التي أصبحت ومازالت أصلا في النظام الإداري والمالي والعلاقات الخارجية، وفي برامج التعليم في أكثر من بلد عربي، وفي أكثر من مادة من مواد العلم والتدريس بالرغم من بعض المحاولات في أوقات مختلفة في بعض اوطان شعوب أمة العرب بالمنطقة العربية. ولقد كان التقليديون، والقوميون العرب في الحركة العلمانية، الأكثر جدية في هذا التوجه من الليبراليين والشيوعيين.
وفي وجه هذه التقسيمات الدخيلة الجديدة التي تجد لها مبررا عند أصحابها بأنها من مقتضيات مسيرة العصر والتطور والحداثة ومن مقتضيات الواقعية، ظلت حركة الأصالة والهوية العربية والإسلامية الخالصة الصادقة تعبر عن نفسها استمرارا لثقافة المقاومة والممانعة، ولحركة الإصلاح العربي الإسلامي، ولحركة أنصار الجامعة الإسلامية التي ليست بديلا منذ البداية عن الحركة القومية العربية، ولكنها تجاوزا لها باعتبارها الأشمل والأوثق والأعم، والرابطة الروحية والحضارية الجامعة لكل الأعراق والأجناس والألوان واللغات. وهي التي كان فيها لكل هذه الشرائح والجهات والأقوام والشعوب والأمم إسهام في البناء الحضاري الذي ليس الإسلام إلا الإطار الجامع لكل هذا التنوع بمختلف أديانه ومعتقداته وثقافاته ومواقعه الجغرافية وتاريخه وعاداته وتقاليده.
وبعد أن فرغت ساحة أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وخاصة المنطقة العربية من العالم الإسلامي،
من الصراع المباشر في كل المستويات وفي كل المواقع مع قوى الهيمنة الإستعمارية، حتى كانت كل هذه الساحات والمساحات مفتوحة أمام صراع داخلي بين التعريب والتغريب، بين الأصالة والهجانة، بين حركة الإصلاح وحركة الإفساد، بين الهداية والغواية، وفي كلمة بين الثقافة العربية الإسلامية التي هي ثقافة شعوب الأمة في كل أوطانها، والثقافة الغربية التي هي ثقافة الإستعمار بمعسكريه الشرقي والغربي، هذا الإختلاف الثقافي هو الذي يمثل اليوم محور الصراع بين الحركة العربية الإسلامية والحركة العلمانية اللائكية. هذه الحركة التي أرادها المستعمرون خلفا له في أوطان أمة العرب والمسلمين. وهي التي تتكون من عناصر حرصت حركة الغزو الإستعماري أن تفسح لها المجال لإدارة الشأن العام في أوطان شعوب الأمة، وهي التي ساعدتها مقابل ذلك على الخروج ببعض ماء وجهها، وذللت لها الصعاب، وأذابت الجليد بين هذه الحركة الإستعمارية المستمرة والشعوب، بما يحقق مصالح هذه الأنظمة وبما يتحقق به من مصالح لهذه القوى الإستعمارية بعد خروجها أكثر مما كان يتحقق لها به قبله. ولتبق الشعوب هي الخاسر الوحيد في النهاية ، وقد ترك الإستعمار في تلك المستعمرات من الأوضاع ومن الخلفاء والصنائع ما يجعل هذه الشعوب أمام سياسة المكر بالليل والنهار، تتنازل مقتنعة أو مكرهة عن حقها في التعويض، وتنسى ما جرعها من مرارة وويلات ومن خسائر وحرمان. هذه هي مهمة خلفاء الإستعمار ووكلاءه الذين حرص على صناعتهم وتكوينهم والحفاظ عليهم وتكليفهم بمهمة رعاية مصالحه تحت عناوين مختلفة ومن مواقع مختلفة، وهو على أهبة الإستعداد دائما للتدخل لحمايتهم وتثبيتهم، وللوقوف بكل قوة في وجه كل من تسول له نفسه طرح نفسه بديلا وطنيا أصيلا عنهم.
وليس ما يحصل بالشيشان وأفغانستان، وبباكستان والعراق، وبالجزائر ومصر والسعودية، وبالكويت وفلسطين والصومال إلا خير مثال على ذلك.
(1) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(2) نفس المرجع.
(3) نفس المرجع.
(4) الحزب الحر الدستوري التونسي – يوسف مناصرية.
(5) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(6) نفس المرجع.
(7) الصهيونية ليست حركة قومية – بديعة أمين.
(8) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(9) نفس المرجع.
(10) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.
(11) نفس المصدر.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) ملاحظة: يلاحظ القارئ لهذه الدراسة أني اعتمدت اعتمادا شبه كلي على كتاب: القومية والغزو الفكري: لـمحمد جلال كشك. ولمن أراد أن يتأكد من الغرض من هذا الإعتماد فسينتهي إلى حقيقة أني لم اعتمده للنقل منه ولكن للنقل عنه.