مدونة الأستاذ على شرطاني

أكتوبر 31, 2007

الشعب التونسي يدافع عن نفسه

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 11:05 م

الشعب التونسي يدافع عن نفسه

من الشائع في أوساط النخبة سواء داخل السلطة وخارجها وفي اللأوساط الشعبية ،عبارات متداولة فيها اساءة للشعب، تصفه بالجبن وبالوشاية والخنوع والذل. وهي من قبيل الثقافة التي بتداولها ويشيعها بين الناس أولئك الذين لم يقدموا له أي شيء، والذين يريدون منه ان يقدم لهم كل شيء. وبين أولئك، الذين يبررون به استقالتهم وقعودهم وقبولهم بالأمر الواقع وعدم الانخراط في أي عمل تغييري، وأولئك الذين يبحثون لأنفسهم عن ذرائع يبرئون به أنفسهم عما يلحقونه بغيرهم من أبناء الشعب المقهور من أذى ، ومن أولئك المستفيدين من أوضاعه السيئة ويلحقون به اللعنة لأنه لم يتحرك للخروج منها حين لا يستطيعون أن ينكروا على أنفسهم وعلى القائلين

بضرورة التغيير والعاملين عليه، رداءة الأوضاع وضرورة التغيير، وان كان ذلك لغير صالحهم

إلا ان التاريخ القديم والحديث يثبت أن شعبنا كان دائم الدفاع عن نفسه، على سوء أوضاعه، وعلى تخلف الحركة الثقافية بالبلاد، وعلى عدم تحمل النخبة سواء التقليدية أو التحديثية فيه مسؤوليتها الكاملة في قيادته الى احداث النقلة النوعية التي لا تحدثها في الأوطان الا الشعوب باتجاه حياة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية أفضل في ميادين الصناعة والتجارة والزراعة والعلم والإعلام

وها هي حركته التي أجهضت مشروعه النهضوي والإصلاحي والثوري طيلة فترة التسعينيات وبعدها وأهدرت مكتسباته وحصاد سنين الستينيات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي تعمل اليوم على

استعادة نفوذها ومواقعها واد وارها بالبلاد

هذه الحركة الاحتجاجية السلمية المتحضرة النابذة للعنف والتي هي ضحيته وهدفا له من خلال السلطة التي ليس لها ايمان الا بنفسها ، والتي لا ايمان لها بالشعب ولا قبول لها به الا حين يكون الى جانبها سامعا مطيعا والتي ابتلعت المجتمع ولم تعد لها من لغة تخاطبه بها الا لغة العنف والإرهاب و هي التي تمثلها اليوم:

1- الأحزاب السياسية المعارضة:

هذه الأحزاب والحركات والتيارات السياسية والثقافية والفكرية المختلفة المشارب هي التي تمثل رافدا مهما من روافد حركة الشعب في الدفاع عن نفسه والتعبير عن رفضه للتسلط والاستبداد والفساد المالي والإداري والإقصاء السياسي والتهميش الاجتماعي والتعتيم الإعلامي والإصرار على المصالحة والإصلاح والمطالبة بالعفو التشريعي العام والمشاركة الحقيقية في ممارسة السلطة في اطار من الشفافية والحرية والديمقراطية التي هي الأداة المثلى للتداول السلمي على السلطة

- هي الأحزاب والحركات والتيارات المؤمنة بالحوار والإصلاح والديمقراطية هي التي تمثل اليوم حركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه، وعن مكاسبه، وعن ماضيه وحاضره ومستقبله. والتي بقد رما هي ماضية في تأكيد ايمانها بالحوارو المجادلة بالتي هي أحسن وبالإصلاح الحقيقي ، بقدر ما تبدي السلطة ومن خلال الأحداث اليومية اصرارا على مواجهة هذه الثقافة الحضارية الراقية بثقافة العنف والقمع والإرهاب المتوحشة المتخلفة . فالشعب لا يعبر عن نفسه من خلال السلطة لأن الحكم الصالح لا يعبر عن نفسه إلا من خلال الشعب، وأما الحكم القامع له ولحركته التي تمثلها الأحزاب والجمعيات والمنظمات الأهلية الحرة فإنه لا يكون معبرا عن نفسه من خلال جمعه لهما ولكن من خلال قمعه لهما . ولا تعبير للشعب عن نفسه تعبيرا صحيحا وصادقاالا من خلال هذه الأحزاب والجمعيات المستقلة. سواء في إطار الحكم الصالح الجامع له، أو في إطار الحكم الفاسد القامع له. فإذا كانت حركة الشعب هي حركة المجتمع المدني ومؤسساته ومنظماته الحرة المستقلة فان حركة المجتمع السياسي لا يمكن أن تكون ممثلة تمثيلا حقيقيا لحركة الشعب، باعتباران حركة المجتمع المدني هي حركة سلمية جامعة في حين ان حركة المجتمع السياسي غالبا ما تكون حركة عنيفة قامعة

و من ثمة فان حركة الشعب هي حركة المجتمع المدني السلمية المتحضرة في مواجهة حركة المجتمع السياسي العنيفة المتوحشة.

- أما العنف والقمع والاستبداد فهو النتيجة الحتمية لابتلاع الدولة للمجتمع ولتضخم المجتمع السياسي على حساب المجتمع المدني والهيمنة عليه. ولا قيمة للاحزاب السياسية اذا لم تكن معارضة للحكم، وإذا لم تكن مستقلةوحرة واذا لم تكن ممثلة لحركة المجتمع المدني السلمية واذا لم تكن في مواجهة المجتمع السياسي الظالم ،واذالم تكن ممثلة لحركة الشعب في الدفاع عن نفسه من هيمنة السلطة والمجتمع السياسي عليه .

هذه الحركة التي تعبر عن نفسها في بلادنا اليوم بعد الاحزاب كذالك من خلا ل: 2 ـ هيئة المحامين :

فبعد السنين العجاف التي تبين فيها للشعب من خلال قواه الفاعلة أنه قد خدع ،وأن ثقته في الحكم ودعمه له كانا في غير محلهما بدأ قطاع المحاماةـ الذي يكون فاقدا لكل قيمة اذا لم يكن ضمن حركة الشعب في الدفاع عن نفسه .هذا القطاع الحيوي جدا والحساس لما له من علاقة مباشرة يومية بالمواطن وبمؤسسة السلطة التي فقد فيها القضاء استقلاليته وانتزعت منه صفة السلطة ليتم اخضاع القضاة من طرف السلطة التنفيذية الى ما يشبه السخرةـ في ما يؤمن به من مواجهة في حركة الشعب التي تعمل على استعادة دورها في كل مرة تبين فيها لقواه الفاعلة و الواعية الجادة و المسؤولة ان الواجب الوطني أصبح يدعوها للدفاع عن نفسها وعن الشعب ،في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها البلاد على مستوى محاصرة ومصادرة الحريات العامة والخاصة والتي أصبح فيها المجتمع المدني الآخذ في التشكل من جديد مرة أخرى يبحث لنفسه عن موقع في ساحات النضال السياسي والاجتماع والحقوقي والإنساني والثقافي والإعلامي ،لم يتخلف المحامي التونسي الوطني الحر عن التصدي للمظالم التي كانت تطال ـ و على امتداد فترة نظام تحالف 7نوفمبرـ المظلومين والمضطهدين والمقهورين من مختلف فئات الشعب وعلى رأسهم ضحايا الخلاف في الرأي والمعارضة السياسية والمدافعين عن الحريات الخاصة والعامة في القضايا ذات الأبعاد الحقوقية والإنسانية والسياسية والاجتماعية والإعلامية فكانوا دائمي التصدي للمحاكمات الجائرة وللمحاكم الاستثنائية وللقوانين الظالمة كقانون الصحافة وقانون الأحزاب والجمعيات وقانون الإرهاب وغسيل الأموال وكل منظومة القوانين اللادستورية والمخالفة للقوانين والمواثيق الدولية المصادقة عليها سلطة الإشراف نفسها .

لم يتخل هذا القطاع الحيوي من النخبة التونسية يوما عن دوره في القيام بمهامه النبيلة وبدوره الوطني في الوقوف إلى جانب ضحايا القمع و الإرهاب ، والتصدي للمخالفات القانونية والتطبيق التعسفي للقانون، وان كان قد ضعف آداءه في مرحلة ما من النصف الأول من العقد الأخير من القرن الماضي

وهاهو اليوم يعود بقوة مدافعا عن نفسه أولا وقد وجد أنه أضاع الكثير من مكتسباته وفقد الكثير من هيبته وغمط في الكثير من حقوقه ، ثم مدافعا عن المظلومين والمضطهدين وعن القانون وعن استقلاليية القضاء وعن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان وعن الشعب ضمن حركته في الدفاع عن نفسه 

3 – جمعية القضاة :

هذه الجمعية التي انحازت هذه المرة للحق والعدل والتي التحقت بباقي مكونات المجتمع المدني في حركة الشعب في دفاعه عن نفسه ، مدافعة عن استقلالية القضاء وعن القانون وعن مصداقية القضاء والقضاة والسلطة القضائية ، وعن الدفاع الذي هو طرف في السلطة القضائية ، وهو من أسرة القضاء ، وهو الذي يكتمل به آداءها القضائي ، وهو الذي يمثل حظورها المباشر في الساحة الوطنية في كل تجلياتها.

و هي الجمعية التي رفع فيها القضاة عقيرتهم هذه المرة في بيانهم الصادر يوم 2 مارس2005 ليقولوا لا

لمنع السادة المحامين وعميدهم من الاتصال بمكتب التحقيق وممارسة واجبهم في الدفاع عن منوبهمالأستاذ محمد عبو واعتبروا ذلك اعتداء مباشرا على الحرمة المعنوية للمحكمة وتعديا على حق الدفاع وتجاوزا للاحترام الواجب للمحامين وهو موقف ليس مساندا للمحامين فقط ، ولكنه موقف وطني يدافع فيه القضاة من خلال جمعيتهم عن السلطة القضائية الوطنية الحرة المستقلة ، وعن حرمة القضاء الذي لا يمكن أن يكون في خدمة الحق والعدل والحرية والمساواة وفي خدمة الوطن والشعب إلا أن يكون مستقلا وفق ما جاء دستور البلاد ناصا عليه .

4 – الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان :

وهي الجمعية الأكثر حيوية ونشاطا منذ تأسيسها سنة 1977. والتي كانت على الدوام من أنشط مؤسسات المجتمع المدني، والتي واصلت دورها في التصدي لانتهاكات حقوق الإنسان من أي جهة كانت ومن أي مصدر كان. فهي التي كانت دائما الى جانب المضطهدين والمظلومين من كل شرائح المجتمع وبيئاته ومن مختلف مواقعهم ومستوياتهم المهنية والمعيشية والثقافية والاجتماعية والسياسية . وهي التي كانت في مقدمة قوى المجتمع المدني في دفاع الشعب التونسي عن نفسه من خلالها منذ آخر السبعينيات حتى أوائل التسعينيات. ويعد الحياد بها عن مسارها وتحويل وجهتها في فترة مهمة من تسعينيات القرن الفائت- والتي أغمضت فيها عينيها عن أفضع مشهد من مشاهد الانتهاك لحقوق الإنسان في تاريخ تونس- هاهي اليوم تستعيد عافيتها وتعود مرة أخرى لتتصدر بمواقفها وبتدخلاتها و بنشاطاتها الفكرية وندواتها الثقافية الحقوقية والإنسانية حركة المجتمع المدني في حركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه . وهي التي تتظافر جهودها اليوم مع باقي مكونات المجتمع المدني لحماية حقوق الإنسان والدفاع عنها منادية بضرورة اصدار قانون للعفو التشريعي العام كمفتاح للانفراج السياسي وكضرورة لمصالحة وطنية حقيقية تقضيها اليوم مصلحة الوطن والمواطن وهي التي تتصدر القوى السياسية والحقوقية والإنسانية في المطالبة بإخلاء السجون من المساجين السياسيين. وهي التي كانت دائما في مقدمة المدافعين عن حقوق الإنسان وعن المضطهدين من مختلف فئات المجتمع التونسي. وهي التي تضم صوتها لصوت المحامين في الدفاع عن أنفسهم وعن حقوقهم وعن حقوق المظلومين من أبناء الشعب والى صوت القضاة المدافعين عن حرمة القضاء واستقلاليته. والى أصوات الصحافيين العاملين على ارساء قواعد عمل صحفي مستقل وشفاف ، والى صوت أساتذة التعليم العالي في اضرابهم وفي صراعهم من أجل مطالبهم البيداغوجية والمهنية ودورهم في الحياة الجامعية

وهي من أهم المكاسب الوطنية التي يجب على قوى المجتمع المدني وأبناء الشعب جميعا أن يحافظوا عليها و وأن لا يبخلوا عنها بأي نوع من أنواع الدعم والمساندة والتأييد ، مع الحرص على العمل على ابعاد غير المؤمنين بحقوق الإنسان والعناصر الإستئصالية منها لما في ذلك من اساءة اليها ولما يمكن أن يلحق المجتمع والشعب والإنسان عموما منها من أذى وأضرار وقد أثبت التاريخ القريب جدا ذلك

5- نقابة الصحفيين:

وهي الجمعية التي نشأ ت في ظل هذا التشكل الجديد للمجتمع المدني الذي انهار في فترة التسعينيات من القرن الماضي ملتحقا بالسلطة لتكوين مجتمع سياسي قوي .فكان نتيجة ذلك الانهيار وذلك الالتحاق ـ لتعزيز نظام

كان يعتقد انه نظام جديد ،وسرعان ما تبين أن وعوده كانت كاذبة وأن شعاراته كانت خادعة ـ هذا التردي وهذا التقهقر وهذه المأساة التي يشهد بها اليوم المخدوعون والمغرورون والمتراجعون ليبدؤوا الطريق من بدايتها ،في مرحلة جديدة من بداية ملحمة جديدة يقوم بها الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه وعن وطنه وحريته وكرامته وهويته وسيادته واستقلاله

وهي احدى لبنات المجتمع المدني التي أفرزها واقع اعلامي بلغ من السوء والرداءة ما لم يبلغه من قبل ، وهي التي تعمل اليوم على أن يكون الفعل الصحفي جادا وهادفا ومسؤولا ، من أجل صحافة حرة ومستقلة ،ديمقراطية وشفافة . وهي التي تعمل اليوم كذلك الى جانب باقي مكونات المجتمع المدني على أن يكون الصحفي الوطني الديمقراطي الحر والصحافة الحرة الجادة النزيهة في خدمة الوطن والمواطن والشعب والإنسان بعيدا عن صحافة الابتذال والتملق والخداع والكذب والارتزاق

هذه الصحافة التي لم يعد لها مكان في عالم اليوم إلا في البلاد الأكثر تخلفا بالوقوع تحت طائلة الأنظمة المستبدة المدعومة بالنخبة العلمانية والتقليدية الأكثر تخلفا طبعا ومنها وللأسف بلادنا

ان حركة شعبنا في الدفاع عن نفسه تتجلى في رفضه لمثل هؤلاء الصحافيين ولمثل هذه الصحافة التي تعول على الإعلانات في تمويلها وعلى الدعم الرسمي لها لنجدها بعد ذلك ملقاة في المزابل وسلات المهملات وبين يدي باعة الخضر والغلال وفي محلات الإسكافيين لتلف بها البضاعة والأحذية المستملة المستصلحة

هذه الجمعية هي الواقعة اليوم تحت الحصار وتمارس عليها الضغوط وممنوعة من النشاط ومن الانخراط بحرية في حركة الشعب التي يجب أن تكون هي الباقية فعلا، وهي المنتصرة في النهاية حتما بإذن الله رغم

كيد الكائدين وغدر الغادرين واحتيال المحتالين ورغم قوى الجذب الى الخلف التي لا تريد بهذا الوطن ولا بهذا الشعب خيرا

6 ـ نقابة التعليم العالي:

هذه النقابة المنبثقة عن مؤتمر أميلكار المنعقد يوم 14 جوان 2003 تحت اشراف المركزية النقابية للاتحاد العام التونسي للشغل هي التي تمثل أحد أهم مكونات المجتمع المدني الذي يمثل حركة المجتمع التونسي في الدفاع عن نفسيهما بكل الطرق السلمية من أجل الحرية والسيادة والاستقلال من أجل مطالب مشروعة ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإعلامية خاصة وعامة

هذا القطاع الذي هو قطاع أساتذة التعليم العالي الذي ظل بعيدا عن الأحداث و عن حركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه عقودا إلا من رحم ربك، يريد اليوم ان يعبر عن نفسه، وان يخرج عن صمته الذي طال ويغادر مواقع الانحناء والقبول بالأمر الواقع، ومواقع الانتظار على قوائم الذين يطمعون في كل تغيير وزاري ان تقع دعوتهم لحمل حقائب وزارية يحوزون بها ومن خلالها على امتيازات وحقوق و فوائد و مصالح أكثر

لقد كانت نخبة أساتذة التعليم العالي في مجملها، واستنادا الى ما تزخر به من طاقات، والى كثرة عدد ها الاقل نفعا للشعب التونسي خارج حدود تخصصها في حركته في الدفاع عن نفسه. والأقل انخراطا في معركة الحريات الديمقراطية في مواجهة الاستبداد والمجتمع السياسي الذي كان

الظاهرة الابرز في مرحلتي نظام بورقيبة من تاريخ تونس.

واسأل الله ان تكون هذه المبادرة النقابية صحوة ضمير واستفاقة تقتضيها مصلحة القطاع و مصلحة الوطن والشعب في مرحلة من ادق مراحل التحولات الكبرى في العالم، وفي ظل ا لهجمة الامبريالية الصهيونية على عالم المستضعفين في العالم وعلى امة العرب والمسلمين بصفة خاصة. ولانسحب إلا ان هذه القومة هي حركة ناضجة وواعية مسؤولة في اطار حركة المجتمع المدني المدافع عن نفسه وعن الشعب وعن الوطن من الإهانة والإذلال والتهميش والتفقير ، وليست سحابة صيف سريعة الانقشاع وممكنة الاجهاض والتمييع والإفراغ، لتعود بحليمة الى عادتها القديمة.

وبعيدا عن الماضي والمستقبل، فان التحركات النقابية للأساتذة الجامعين في الوقت الحاضر هي تحركات تذكر لهم فتشكر من اجل مطالبهم المشروعة في تعميم مبدأ انتخاب نوابهم في الهيئات العلمية البيداغوجية وانتخاب رؤساء الجامعات،وفي انتخاب مديري المدارس والمعاهد العلياوفي ضبط سلم المعايير البيداغوجيةوفي اعادة النظر في القانون الاساسيوفي فتح مفاوضات حول الأجوروفي تمكينهم من تغطية اجتماعية مناسبةوفي مراجعة نظام الدراساتوفي النهوض بالبحث العلمي وفي الدفاع عن الجامعة العموميةوأخيرا وليس آخرا: الغاء سلك الأمن الجامعي الذي جاء به نظام تحالف 7 نوفمبر، وحضي بقبول ورضا الجامعة والجامعيين والطلبة، والذي مازال يحضى بقبول الاتحاد العام لطلبة تونس والرضاء به، لأنه مازال للجهات المهيمنة عليه مصلحة في بقائه والإبقاء عليه لتوفير الحماية اللازمة لها. وللإبقاء على الجامعة على أسوا وضع من الرداءة هي عليه . وليظل لها عليها سلطان ولو موهوما ولقطع الطريق امام أي محاولة لعودة الاسلاميين الى الاطر الطلابية ومنابر الجامعة.

كان ينبغي ان يكون هذا المطلب مطلبا طلابيا ومن خلال الاتحاد العام لطلبة تونس الذي اصبح لا يمثل في الجامعة اليوم حتى نفسه. وإذا كان هذا التحرك النقابي بهذا الحجم لنقابة اساتذة التعليم العالي كافيا لتأكيد تخلص ابناء هذا القطاع المهم من أ بناء الشعب من عقدتي الخوف والطمع. فان قطاعات اخرى كثيرة مازالت تسيطر عليها هذه العقدة، ومنها الاتحاد العام لطلبة تونس - للأسف الشديد- اذا ما استثنينا بعض التحركات المعزولة والتي تأتي في اطار المزايدة او دفع ا لحرج ومن موقع المضطر، او لصالح جهات معينة ولفائدتها وبإيعاز ودفع منها، بما يمثل خذلانا كبيرا لحركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه،وبما يمثل انقساما حادا في مكونات وتركيبة المجتمع المدني ليكون ذلك في النهاية عائقا له في تحركاته وفي تظاهراته واحتجاجاته واعتصاماته من اجل حقوقه ،وبما يعزز صف المجتمع السياسي ويقوي موقفه سواء ارادت هذه الاطراف او لم ترد ،وسواء قصدت او لم تقصد وسواء أخطأت او اصابت

ولا يمكن النظر لهذا التحرك المهني المنظم والمنضبط والمسؤول إلا انه بادرة خير من صفوة المجتمع التونسي ، و التحاق بحركة الشعب في الدفاع عن نفسه وعن مطا لبه المشروعة في العيش بعزة وكرامة في وطنه الحر المستقل.

7- حركة مختلف القطاعات:

يكون واهما من يعتقد ان شعبنا انقطع يوما عن الدفاع عن نفسه. فرغم التخاذل والخذلان، ورغم انتهازية النخبة في مجملها وعدم تحمل مسؤوليتها في مواصلة نشاطها النضالي في كل المستويات في اطار حركة الشعب في الدفاع عن نفسه، ورغم تعزيزها لصف السلطة التي ابتلعت المجتمع والشعب والوطن وفرضت ثقافة الخوف والقمع في كل مكان، فان كانت هذه الحركة قد ضعفت إلا انها لم تمت. وما تواصل المحاكمات والاعتقالات والمراقبة الادارية والبوليسية اللصيقة للآلاف من الاحرار من ابناء هذا الشعب، وما تواصل الاضرابات والاعتصامات والاحتجاجات في السجون والمعتقلات من اجل الحرية والحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وما سقوط عشرات من الشهداء في مختلف الساحات وبمختلف الوسائل، وما استماتة الكثير من الحقوقيين وذوي المنازع الانسانية في الوقوف الى جانب المظلومين والمضطهدين والمحرومين والدفاع عنهم ومساندتهم على امتداد اكثر من عقد ونصف من الزمن، إلا دليلا على تواصل هذه الحركة التي لا ينهيها إلا العدل والمساواة والأمن ووحدة المجتمع، لتتحول من حركة دفاع عن النفس الى حركة نماء وبناء وتشييد وفعل سياسي واجتماعي واقتصادي وثقافي من طرف كل ابناء الشعب لصالحهم ولصالح الوطن وهي الغاية القصوى والهدف الاسمى الذي يمكن ان تنتهي اليه حركة أي شعب في الدفاع عن نفسه. وإذا كانت قد ضلت متواصلة ولكن على حال من الضعف فان صفوفها بدأت تتعزز اليوم بانضمام الكثير من القطاعات اليها، بعد ان بلغت احوالها من السوء ما لم تبلغه من قبل،و قد دفعت ضريبة الصمت والقبول بالأمر الواقع والخوف والطمع وتصديق الوعود الكاذبة والخداع وتزوير الحقائق وقلبها لتمرير سياسة النهب والفساد المالي والإداري التي اصبحت لا تخفى اليوم على احد.

هذه الاضرار التي لحقت كل فئات المجتمع، فعمت البطالة وتدهورت المقدرة الشرائية للمواطن وفسدت سياسة التغطية الاجتماعية وتم الشروع وبسرعة في التفويت في القطاع العام واطرد ومازال يطرد الالاف من العمال من شغلهم وتم تعزيز القطاع الخاص بما يعنيه ذلك من جشع واستغلال فاحش واستغناء عن اليد العاملة المختصة وغير المختصة الى جانب انهاء أي دور للشعب في الحياة السياسية الحرة وانتهاج سياسة التهميش والاستثناء والإقصاء وتكميم الافواه وقمع كل صوت حر،وفسح المجال لثقافة الميوعة والانحلال والتغييب والاستقالة والهروب

هي التي جعلت هذه الفئات وهذه القطاعات تلتحق بحركة الشعب التي لم تنقطع يوما في تاريخ هذا البلد،

لما كان شعبنا يعانيه من مظالم طيلة اكثر من قرن ونصف من الزمن، بدءا بعصور الانحطاط ،ومرورا بفترة حركة الاستعمار الغربي لشعوب العالم المستضعف ،وانتهاء بنظام الدولة العلمانية الاستبدادية الحديثة .

فحركة دفاع الشعب التونسي عن نفسه مستمرة وان كانت متراوحة بين القوة والضعف الا انها لم تمت يوما ولن تموت بإذن الله ما دام على الارض حياة .

هذه الحركة التي تعبر عن نفسها اليوم في انقسام فئة شباب الشعب وعماده وامتداده في الزمان والمكان الى: 1- باحثين عن الهجرة في قوارب الموت.

2- وعاطلين عن الشغل يعيشون على هامش الحياة من مختلف المستويات الاجتماعية والعلمية.

3- ومنقطعين عن الدراسة للبحث عن فرص مبكرة للشغل قبل فوات الاوان.

4- ومنخرطين في عالم الجريمة والمخدرات والانحراف والاختلاس واليأس من الحياة.

5- ومن استهوتهم المقاومة في فلسطين والعراق وأخذت قلوبهم تهفوا للالتحاق بها امام انسداد الافاق السياسية والاجتماعية والثقافية وفساد الحياة الاقتصادية بالبلاد .

وهذه كلها قنابل موقوتة لا يعلم إلا الله - في ظل تواصل الاوضاع التي انتجتها – متى وكيف تنفجر.

والتي تدخل كلها في هذه الحركة سلبا وإيجابا. ولا بد لحركة المجتمع المدني ان ترصدها وتتابعها وترشدها وتعمل على اصلاحها وتوجيهها والدفاع عنها لتجنيب البلاد ما يمكن ان تصيبها منها من مفاجآت غير سارة، وتحميل السلطة مسؤولية هذا التدهور الاخلاقي والسياسي والاجتماعي والثقافي والاقتصادي الذي عادة ما يكون سببا في ردود افعال متوترة وعنيفة يكون المتضرر فيها عادة الوطن والشعب ليجيرها اركان الحكم في النهاية لصالحهم وهم الذين كانوا قد وفروا لها كل اسباب وجودها.

وإذا كانت حركة الشعب قادرة على التعبير عن نفسها من خلال فئات الشباب والنخبة والقطاعات المتعددة والمختلفة، فهي التي تعبر عنها سلسلة الانشقاقات والاستقالات من اتحاد الكتاب، وتعدد الاعتقالات لمجموعات من الشباب المهمش بتهمة الارهاب، ورفض الهيئة الادارية للاتحاد العام التونسي للشغل المشاركة في انتخابات مجلس المستشارين، الذي يعتبر مجلس الشيوخ في العهد القرطاجي افضل منه بكثير باعتباره يتمتع بالصيغة التقريرية والمشاركة الفعلية في الممارسة السياسية في زمن ليس فيه وجه من اوجه المقارنة بينه وبين زماننا.

وفي الاضرابات والاعتصامات المتعددة في مناطق متعددة من البلاد التي يقوم بها العمال والأهالي في الدفاع عن انفسهم والمطالبة بحقوقهم الطبيعية في المأكل والمشرب والملبس والمسكن والتغطية الاجتماعية اللازمة: وذلك ما عبر عنه متساكنوا منطقة الحسيان من معتمدية جرجيس من اجل حقهم في الماء الصالح للشراب، وما عبر عنه سكان حي السرور بقفصة يوم السبت 21 ماي 2005 من اجل حقهم في السكن، ومن قبلهم سكان حي المروج 2 بقصر قفصة، و ما يعبر عنه بالإضرابات والاعتصامات عديد العمال بعديد القطاعات بمدينة صفاقس، سواء في مجمع الصحة العمومية، أو مصنع أبو الوليد لتكرير الزيت بعقارب، أو عمال الملاحة تضامنا مع عمال مصنع ستيل، وأعوان مركز التصوير الطبي، أو عمال مصنع سيراميك للآجر بعقاربأو عمال و عاملات شركة فنطازيا بتونس، او في نداء عائلات أول مجموعة ضحايا قانون الارهاب و غسيل الاموال للمطالبة بإطلاق سراح أبنائهم. الى ما هنالك من تحركات مختلفة في مناطق مختلفة مهنية و حقوقية وإنسانية وسياسية وفي قطاعات اجتماعية مختلفة دفاعا عن النفس وعن المكتسبات، ومطالبة بالحقوق من خلال اطر قانونية وبطرق سلمية يقابلها في اغلب الاحيان رفض وعنف وإرهاب من طرف السلطة.

فتلك هي حركة الشعب التونسي في الدفاع عن نفسه. ومن يحتقر الشعب ويستعلي عليه لا يفيده ولا يستفيد منه. وهي من قضاء الله وقدره ولا راد لقضاء الله وقدره إلا هو.

نشر هذا المقال بتصرف بجريدة الموقف لسان حا ل حزب التجمع الديمقراطي التقدمي بالعددين :

321 و322 بتاريخ 15 و22 جويلية 2005 .

علي شرطاني – قفصة – تونس

النقابة العامة للتعليم الثانوي .. وبيان حركة النهضة الإسلامية

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:59 م

النقابة العامة للتعليم الثانوي

وبيان حركة النهضة الإسلامية

إن من أسوء العمليات التي لا يجب أن تظل ملازمة لعقلية وسلوك الشعوب إذا ما أرادت أن تتقدم في العلوم والمدنية هي عملية تحويل اختلاف نخبها المختلفة وزعاماتها وقياداتها ومثقفيها وجهات نظرها في القضايا المختلفة وفي القضية الواحدة وتباين مواقفها منها إلى عداء ونقمة واستعداد للإقصاء والتصفية.

وسوف لن يشهد التاريخ والواقع لهذه المجتمعات والشعوب بعقلية زعاماتها و قياداتها ومثقفيها ونخبها تلك بالحضارة حتى تتخلى نهائيا عن هذه العقلية و هذه المواقف ،وعن هذه السلوكيات والممارسات ،وعن هذه الصفات اللئيمة وتقطع مع ثقافة الإنحطاط والتخلف والثأر والعداء.

وليس من الغرابة في شيء أن يكون الضجيج الإعلامي والمساجلات الفكرية والإحتكاك الثقافي والجدل الطويل على النحو الذي هو عليه في بلادنا هذه الأيام. وقد كان ذلك أساسا في مناسبتين متقاربتين:

- الأولى:الحملة الإنتخابية الجنائزية للإنتخابات التشريعية الإستثنائية التي انتهت بتزوير إرادة الشعب وسقوط الديمقراطية المزعومة يوم:2 أفريل 1989 وما تلا ذلك من تباين في الصفوف ووضوح في موازين القوى، وما ترتب عنهما من مواقف وممارسات عدوانية إقصائية مخجلة.

- أما الثانية فهي:بيان حركة النهضة الصادر بتاريخ:2 أكتوبر1989 والذي قالت فيه كلمتها ووضحت فيه موقفها من واحدة من أخطر القضايا الوطنية، تلك التي كانت تتعلق بإصلاح التعليم في بلادنا في غير غطرسة ولا انتهازية ولا اعتبار للمصالح الحزبية ولا الفئوية ولا الجهوية ولا الطبقية ولا الشخصية الضيقة عندما تأكد لديها بما لا يدعو مجالا للشك أن المصلحة الوطنية مهددة، وأن هوية الشعب العربية الإسلامية التي لا هوية له غيرها ،وليس ممكنا أن يكون له ذلك، أحب من أحب أوكره من كره، تصلب على مرأى ومسمع منه، والذي ارتفعت الحركة بخطابها فيه إلى حد المطالبة بإقالة وزير التربية والتعليم والبحث العلمي اليساري الأصولي محمد الشرفي، إيمانا منها بأن تلك ممارسة حضارية عالية تقتضها المصلحة الوطنية وتقبل بها الأوساط الديمقراطية وعلى أنه موقف دون الجريمة عندها على الأقل.

وليست المشكلة في تألب أقلام النخبة العلمانية واللائكية المتغربة على البيان- فكل حزب بما لديهم فرحون- ولكن المشكلة في أولئك الذين يحرمون على الآخرين ما يحلون لأنفسهم ،ويسمحون لأنفسهم بما لا يسمحون به لغيرهم ،ويجيزون لأنفسهم ما لا يجيزون لغيرهم باسم الديمقراطية والتقدمية والعقلانية والعلمية والحداثة والمعاصرة والإستقلالية وغيرها من الشعارات المزعومة الكاذبة المضللة الخادعة.

وليست المشكلة كذلك في الذين كانت لهم مواقف من خلال مواقعهم الحزبية المختلفة، أو من خلال قناعاتهم الفكرية في إطار الحوار الفكري الهادف البناء أو حتى في إطار الصراع الفكري الزائف.

ولكن المشكلة في الذين يسلكون إلى مؤسسات الشعب والمجتمع أي طريق- والغاية عندهم تبرر الوسيلة دائما طبعا- ليمارسوا من خلالها قناعاتهم الحزبية الضيقة باسم الشعب أو باسم فئة من فئاته، وهم حريصون على ذلك وقادرون عليه ،خاصة إذا كانت مواقفهم وقناعاتهم تتفق أو قريبة من التوافق مع مواقف و قناعات السلطة، وإذا كانت تستهدف كذلك طرفا سياسيا أو فكريا أو اجتماعيا مستهدفا من طرف السلطة، مثلما كان الشأن هذه المرة بالنسبة للنقابة العامة للتعليم الثانوي التي أبت إلا أن تكون لها مساهمة متميزةفي المعركة السياسية الدائرة بين الأطراف والفعاليات السياسية بالبلاد.

وليس العيب في إبداء الرأي وتحديد المواقف ولو بمنطق السوقة وعدم التنزه عن قول ما لا فائدة من قوله من بذيء الكلام والإفتراء على الخصوم أحيانا، لأن حرية التعبير حق وأسلوب الصياغة أدب من آداب الذين صاغوا البيان. ولكن العيب في تسللهم إلى هياكل المنظمة الشغيلة باسم الإستقلالية مبرزين أنفسهم على أنهم الحراس الأمناء على استقلالية المنظمة حتى لا ينقض عليها أعداء الديمقراطية وأعداء العمل النقابي الذين أصبحوا حسب زعمهم يمثلون خطرا كبيرا على مستقبل البلاد السياسي والإجتماعي والثقافي خاصة، وتنصيب أنفسهم أوصياء على الشعب كله، وعلى كافة أبناء القطاع. وإصدار المواقف السياسية من خلال الإطار النقابي باسم الشعب - الذي أثبتت الإنتخابات التشريعية والرئاسية من نفس السنة أن مثل هؤلاء لا يمثلون إلا نسبة (صفر فاصل)من مجموع الناخبين - وباسم القاعدة الأستاذية للتعليم الثانوي.وقد جاء بالبيان الصادر يوم 7 أكتوبر سنة 1989 بإمضاء أحمد الكحلاوي وعبيد البريكي تحت عنوان:”بيان توضيحي إلى الرأي العامما يلي:”هذا المشروع الذي يكرس التخلف في أعلى مظاهره ويضرب أحد مطامح جماهير الشعب إلى تعليم نير وتقدمي يقطع مع الغيب والخرافة ويتصدى للمشروع الظلامي الهادف إلى قتل المواهب وتجميد الفكر وتعطيل ملكة النقد والإبداع لدى الناشئة وعموم المواطنين …”.

فأي مطلب نقابي يتضمن هذا الخطاب ؟

علما وأن الرفاق من أعضاء النقابة العامة للتعليم الثانوي لم تكن لهم الشجاعة الكافية لنشر هذا البيان أو توزيعه حتى داخل القطاع على أوسع نطاق ،وربما كان إيمانا منهم هم أنفسهم بأنه انتهازية، وضرب لاستقلالية العمل النقابي، ووصاية سياسية منهم على القطاع الذي لم يرشحهم نيابة عن القاعدة إلا للمهمة النقابية البحتة، ولما يمكن أن يكون لهم من مواقف سياسية في بعض ما لا يلحق ضررا باستقلالية العمل النقابي ولا بالوحدة النقابية والعمالية.

إنه بيان سياسي فيه انحياز واضح لطرف سياسي دون آخر باسم أبناء القطاع بمختلف قناعاتهم وانتماءاتهم. وهو مخالف تماما لموقف المنظمة الحضاري هذه المرة، والذي رأى فيه مكتبها التنفيذي الموسع أن تلزم الحياد في هذه المعركة السياسية بين أبناء الوطن الواحد.ولكن على المنظمة كذلك ومن خلال مكتبها التنفيذي أن تتحمل مسؤوليتها في ما عجت به جريدة الشعب لسان حال المنظمة من مواقف سياسية لا تعبر في النهاية عن الحياد الذي بدا من خلال مكتبها التنفيذي ومكتبها التنفيذي الموسع. والموقف يحسب عليها خاصة إذا لم تعلن موقفا واضحا من البيان الشاذ للنقابة العامة للتعليم الثانوي .

وإذا كان الكل يعلم إن حركة النهضة لم تقدم أي مشروع لإصلاح التعليم في بيانها، فعن أي مشروع يتحدث بيان الرفاق؟ وهم يتكلمون باسم الشعب واسم أبناء القطاع.

فلماذا المغالطة والخداع؟ ولماذا لا يتقدمون إلى الشعب ويعلنوا ما أثبتوه في تصورهم للسياسة التعليمية في أيامهم الدراسية لسنوات:82 -85 -88 و89 من إلغاء لمادة التربية الإسلامية أصلا من برامج التعليم؟

وما كلامهم في البيان عن المشروع الظلامي إلا إشارة إلى هذه المادة تحديدا ودون غيرها وما يتصل بها من علوم ومعارف بقطع النظر عما يعنيه من الإشارة إلى كل ما تدعو إليه حركة النهضة الإسلامية.

وهي عندهم دون غيرها من المواد المعنية بالإصلاح في السياسة التعليمية مشروع النهضة، ولا ينبغي أن تكون خيارا وطنيا أصيلا لا سبيل إلى التراجع فيه، ومن خلاله تتحدد ملامح الهوية العربية الإسلامية للشعب.وتتأكد دعوتهم إلى إلغاء هذه المادة في مشروعهم الظلامي فعلا من خلال قولهم في البيان:”لقد دعا المشروع المذكور إلى تركيز تعليم وطني شعبي وديمقراطي قوامه العقل وخلق جيل واع ملتزم بقضايا مجتمعه والوطن العربي قادرا على التعامل مع الحياة تعاملا علميا عقلانيا…”

ذلك أن مادة التربية الإسلامية عندهم وفي بعدها العقائدي الغيبي والسياسي والإجتماعي خاصة إنما تكرس الجهل والجمود والتخلف والخرافة والتحجر والإنغلاق وغير ذلك من المعاني الدالة على الإنحطاط والقهر والسخافة والإستبداد، وليس من قناعاتهم ولا ينبغي أن يكون لهم ذلك يوما، أن هذه المادة إذا ما أحسن إصلاحها وأحكمت مناهج تدريسها كفيلة بتحقيق المجتمع المشار إليه بالفقرة الواردة بالبيان، والتي يعتبرون فيها أن هذا المجتمع لا يصبح ممكن التحقيق إلا باعتماد مشروعهم الذي يسعون إلى تمريره وإسقاطه على الشعب ،والذي لا مكان لمادة التربية الإسلامية وما يتصل بها من علوم مختلفة فيه.

أنظر كيف ضربوا لك المثال فظلوا فلا يستطيعون سبيلا“.

ألم تر كيف أنهم يعيبون على الوزير تمرير مشروع الوزارة وإسقاطه على الهياكل وأبناء القطاع ،وقد بدت موافقتهم الضمنية على المشروع شكلا ومضمونا. وما معارضتهم لإصلاح التعليم إلا لأن الوزارة لم تستشرهم في ذلك ولم تقبل بمشروعهم ،ولم يكن الإصلاح خاصة بخصوص هذه المادة في المستوى الذي يرقى به إلى ما ضمنه الرفاق في الهياكل النقابية أو خارجها وفي النقابة العامة للتعليم الثانوي تحديدا لمشروعهم أو قريبا منه على الأقل.

وقد جاء في البيان النقابي السياسي“:”وفي هذا الوقت الذي تحاول فيه الوزارة تمرير مراجعة جزئية وظرفية للنظام التربوي…”ما فيه تأكيد على ضرورة مراجعة المشروع وإحداث تغييرات جوهرية فيه ترتقي به إلى مستوى الإصلاح الشامل. وهو الذي لا يمكن أن يبلغ حد الشمول المطلوب إلا إذا أصبح متجانسا مع مشروعهم الساعين إلى فرضه باسم الشعب وباسم أبناء القطاع الذين لا يكادون يعرفون عن المشروع شيئا.

فأي معنى عند هؤلاء بعد كل هذا الذي نسمع ونرى للديمقراطية والحرية واستقلالية العمل النقابي داخل الإتحاد العام التونسي للشغل؟ 

على شرطاني –  قفصة تونس

أكتوبر 30, 2007

وأخيرا ترجل “الفارس”

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 8:12 م

بسم الله الرحمان الرحيم

 

أما آن لهذاالفارسأن يترجل؟ !

 

فإذا كان من تقاليد القضاء الموظف في خدمة السلطة التنفيذية في أنظمة الإستبداد أن لا تمر أي محاكمة من محاكمات الرأي التي هي من خصوصياتها وثوابتها بدون إنزال العقوبة بكل من يتم تقديمه من الضحايا من طرف البوليس السياسي صاحب اليد الطولى بالبلاد والذي منحه نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب بتونس تفويضا كاملا وصلاحيات واسعة بل غير محدودة لإحضار في أي وقت من أراد لمجرد الإشتباه في مخالفته نظام الحكم في الرأي، والقيام بأي نشاط لا يرضى عنه ولو كان ذات صبغة إنسانية تجاه من يستحق العون من المجتمع، فإن مسلسل المحاكمات لا يمكن أن ينتهي ما دام هناك من لم تثبت إدانته بما يستوجب إنزال العقوبة البدنية أو المالية أو الإدارية أو بعض هذه العقوبات أو كلها من نفس دوائر القضاء الموجه، بل وما دام هناك إمكانية لإعادة محاكمة نفس الأشخاص من أجل نفس التهم بعد أن يكونوا قد أنهوا مدة العقاب الصادر ضدهم في محاكمات سابقة.

ولا أحد يدري إذا كان استمرار المحاكمات في القضية الواحدة لسنوات طويلة لنفس الأشخاص من أجل نفس التهم هذه المرة هو من قناعة بعض الأطراف التنفيذية ذات النفوذ في نظام تعددت فيه مراكز القوة وكثرت فيه التجاوزات، والتي لا أحد يستطيع أن يضع حدا لاستغلال نفوذها وتجاوزاتها، أو هو قناعة بعض الجهات القضائية الأشد حرصا من الجهات التنفيذية صاحبة النفوذ الأكبر في الأصل في هذا الإتجاه، والتي لها مصلحة في ذلك أو تلبية لرغبة من رغباتها أو استجابة لقناعة من قناعاتها أو إرضاء لجهة من الجهات أو طرف من الأطراف أو فئة من الفئاتعلى عدم إفلات أي كان خاصة حين يكون إسلامي المرجعية من العقوبة ولو كان بريئا، ولو استمرت نفس المحكمة في مواصلة القضاء في شأنهم بعدم سماع الدعوى لعدم توفر الأدلة وعدم ثبوت الإدانة.

وسواء كان هذا أو ذاك، فإن الأمر واحد. والشيء بالنسبة للمتضررين واحد. وتبقى السلطة التنفيذية هي المسؤولة أولا وآخرا عن تحول السلطات التي جاء الدستور موضحا ومعلنا الفصل بينها، واستقلال بعضها عن بعض إلى سلطة واحدة وإن اختلفت التسميات والوظائف باختزال كل السلطات في شخص فرد واحد الذي هو رئيس الدولة والقائد العام للقوات المسلحة ورئيس المجلس الأعلى للقضاء ورئيس الحزب الحاكم الذي ابتلع الدولة كلها. ليكون هذا الرئيس هو الدولة وهو الوطن والشعب. والكل خادم له وله عليه واجبات ولا حق لأحد عليه إلخ…..

في هذا الإطار تتنزل المحاكمة التي تمر هذه المرة بعامها الخامس. وهي التي انطلقت يوم13/11/2002 والتي أصدرت فيها مختلف مراحل المحكمة بمدينة قفصة حكما جائرا بالسجن مدة 13 شهرا حضوريا على اثنين ممن كانت حقيقة التهمة الموجهة إليهما مد يد المساعدة لزوجة السجين السياسي عبد الحميد الوحيشي الذي كان يقضي بسجون نظام بن علي حكما بالسجن لمدة 14 سنة، والذي ظل طيلة هذه المدة لا يعرف أبناءه الذين تركهم يوم تم إيقافه بتهمة الإنتماء إلى حركة النهضة الإسلامية سنة1990 صغارا لم يبلغوا بعد مرحلة التمييز من العمر ولا يعرفونه، والتي تم تحويلها إلى جمع أموال بدون رخصة والمحافظة على جمعية غير مرخص فيها: وهما علي شرطاني والتلميذ مضر بن جنات الذي لم يكن قد تجاوز الخامسة من عمره لما شن تحالف نظام7 نوفمبر الرهيب الحملة الإرهابية لاستئصال الحركة المتهم بالإحتفاظ بها، وإنهاء تنظيمها وأي نشاط لها بالبلاد، وغيابيا على كل من السيد سيد فرجاني وعباس الشيحي بالمنفى والحكم بعدم سماع الدعوى على من سواهم.

ومنذ انتهاء محكمة الإستئناف بقفصة من النظر في القضية يوم19/3 /2002، أي ليلة أول هجوم عسكري لقوات التحالف الصليبي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية على العراق وغزوه، والقضية متواصلة في الحضور على رزنامة القضاء الذي كان ينظر فيها على امتداد أكثر من أربع سنوات ما يقارب الـ15 مرة والنيابة العمومية مصرة على الإبقاء على القضية الباطلة والمنتهية أصلا منذ البداية حية ومتواصلة. وهي بالتعبير عن عدم رضاها بالحكم لا تريد من المحكمة في ما يبدو إلا أن تتراجع في تبرئة ذمة بقية الأخوة الأبرياء والمظلومين حقا من التهم الموجهة إليهم، والحكم مجددا بإدانتهم. ويبدو أنها لا ترضى بدون معاقبتهم بالرغم من كل شيء.

ولذلك فقد كان لها من طول النفس ما جعلها محتفظة بملف القضية الذي ستكون الجلسة المقررة ليوم الجمعة1 ديسمبر 2006 قد استنفذت بها حقها القانوني في التعقيب.وهي المرة الوحيدة التي تنهي فيها النيابة العمومية المرا ت الثلاث المخولة لها قانونا بالتعقيب. والتي تتواصل الدعوة فيها بالحضور لكل من الأخوة الذين مازالت المحكمة ترى أن عدم إدانتهم كان لعدم توفر الأدلة بما يوجب معاقبتهم قانونا وهم:لطفي داسي ومحسن النويشي ورضا عيسى ومحمد فوراتي والدكتور عبد الحليم الزواري وكلهم في حالة سراح بالداخل وسيد فرجاني وعباس الشيحي بالمنفى بالخارج.

وفي ما طلب الدفاع تأخير المحاكمة للإطلاع طلبت النيابة ذلك كذلك لتغيب كل من محسن النويشي والصحفي اللامع محمد الفوراتي الذين لم يحضرا بسبب عدم بلوغها الإستدعاء وباستجابة المحكمة لطلبهما فقد تم تأخير المحاكمة ليوم 22 ديسمبر 2006 .

فإلى متى يمكن لمسلسل محاكمات الرأي الذي لا مبرر لها في بلادنا منذ البداية أن يستمر؟

ولصالح من استمراره ومن المستفيد؟

أفما آن لهذا الفارسأن يترجل ولهذه الحملة أن تنتهي؟ !

بقلم:علي شرطاني

قفـصـــــــــــة

تونـــــــــــــس

 

بسم الله الرحمان الرحيم

وأخيرا ترجل “الفارس”

كنت قد كتبت بعد تعقيب النيابة العمومية، بعد أكثر من عامين وبعد ان ساد الإعتقاد لدى الجميع أن القضية لدى أصحاب العقول وأولي الألباب وأصحاب المروءات وأهل العدل الثقات قد أصبحت في حكم الماضي، الحكم الصادر عن محكمة الإستئناف بقفصة يوم 19 مارس 2002 بحق كل من الأخوة لطفي داسي ورضا عيسى ومحسن النويشي والصحفي محمد فوراتي، والتي كانت قد قضت فيه بعدم سماع الدعوى وإخلاء السبيل، وقبل صدور الحكم مجددا في شهر ديسمبر 2006 بإقرار الحكم، مقالا بعنوان – أما آن لهذا “الفارس ” أن يترجل – في إشارة إلى هذا التواصل المحموم والمستمر للمحاكمات السياسية في بلادنا. وهي التي جعل الطواغيت والمستبدون من تاريخها الحديث تاريخ محاكمات سياسية ومحاكمات من أجل الخلاف في الرأي، وهو الذي كانت مأمونة عواقبه أكثر أثناء وجود الغزاة الفرنسيين المحتلين لبلادنا، والذي أصبحت عواقبه كحق وكظاهرة طبيعية وخيمة في ظل حكم خلفائهم لها من بعدهم، والذي كان من أهم إنتاج نظام 7 نوفمبر الرهيب، ومن أكبر إنجازاته التي تذكر فتكفر على الإطلاق، والتي إذا ذكرت لعن، والتي تحسبها جماعات 7 نوفمبر من حلفاء النظام ومكوناته من مختلف بطون الطائفة العلمانية اللائكية في تونس من المكاسب الحريصة إلى الآن على المحافظة عليها، وتحسبها له ولا تحسبها عليه. وهو الذي بدأ بها الحياة السياسية في البلاد على طريق سلفه الهالك بورقيبة، الذي أصبح إذا ذكر حتى في بعض الأوساط الكارهة له يشكر، أو لا يذم على الأقل بالرغم من تاريخه الدموي، والذي يبدو أنه لا يريد بل لا يراد له أن ينتهي إلا بها.

وبالجلسات التي انطلقت من شهر ديسمبر سنة 2006 ،والتي انتهت كسابقاتها بصدور الحكم بعدم سماع الدعوى، أعادت النيابة العمومية تعقيب القضية للمرة الثانية، والتي بإعادتها إلى محكمة الإستئناف مجددا، وبعد تحديد تاريخ الجلسة الأولى، وبعد استجابة هيئة المحكمة لطلب الدفاع التأخير مرتين متتاليتين للإطلاع، وفي انتظار وصول مدد الدفاع المتطوع الذي كان في ما مضى يرافق في كل مرة الأخ الصحفي بجريدة ” الموقف ” محمد فوراتي، والذي بغيابه وبمغادرته البلاد للشغل بدولة قطر غاب المدد المتطوع من الدفاع الذي كان لحضوره تأثير كبير على مداولات المحاكمات السابقة، وباستماتته في الدفاع وقدرته القانونية على إثبات براءة منوبيه، لم يكن أمام الهيئات القضائية المختلفة للمحكمة إلا الإستجابة لطلبه بإقرار الحكم والقضاء بالبراءة وعدم سماع الدعوى،وحلول موعد الجلسة الثالثة التي تقررت ليوم 13 مارس 2007 ،والتي لم يعد مقبولا بها وبعدها طلب التأخير، بل والتي لم يكن لمن يمكن أن يتقدم بهذا الطلب، حتى لو كان ممكنا قانونيا، من الدفاع وجود. ليجد الأخوة أنفسهم بقاعة المحكمة كالأيتام في مأدبة اللئام، مجردين من أي سلاح للدفاع عن أنفسهم وإثبات براءتهم أمام قضاء مرتهن تابع لا حول له ولا قوة، المظنون فيه عنده مدان حتى تثبت براءته، وهي التي سبق أن ثبتت أمامه بل وأثبتها هو نفسه من قبل ثلاث مرات بالأحكام الصادرة عن المحكمة الإبتدائية، ثم بالحكم الصادر عن محكمة الإستئناف، ثم الحكم المعقب في المرة الأولى من طرف النيابة العمومية والصادر ثانية عن نفس المحكمة، والتي قضت هذه المرة وفي هذه الظروف بتسليط أشد العقاب على المتهمين، وإصدار الحكم عليهم بعقوبة السجن لمدة 13 شهرا:

- استجابة لطلب الإدعاء العام.- ونكالة في المتهمين المنكل بهم أصلا لطلب الدفاع التأخير مرتين للإطلاع ولم يحضر.- واستفادة من غياب الدفاع بالجملة غيابا كاملا.- ونيلا لرضا الجهات الأمنية الجهوية واستحسان ذلك منها.

- ونزولا عند رغبة محكمة التعقيب نفسها التي اتضح ميلها لإثبات الإدانة بقبول تعقيب الإدعاء العام الحكم مرتين.

وفي الوقت الذي كانت فيه محكمة التعقيب سريعة الإستجابة لطلب النيابة العمومية بقبول التعقيب شكلا ومضمونا مرتين، بالرغم من صدور الأحكام بالبراءة لفائدة المتهمين دائما، وبالرغم من فراغ ملف القضية من أي عامل ولا دليل من عوامل وأدلة الإدانة، وبعد أن كانت النيابة العمومية قد استنفذت كل حقها القانوني في التعقيب، وكانت المحكمة مصرة على مشاطرتها الرأي وتكسير الأحكام القائلة بالبراءة والمتجهة نحو تأكيد العقوبة البدنية، وهي التي قبلت طلبها تعقيب الحكم مرتين متتاليتين. وضمن عملية حسابية ربما، كان ينبغي أن يصدر الحكم هذه المرة وفق ما تريد النيابة العمومية، ووفق طلبها، ووفق رغبة محكمة التعقيب نفسها، لأنها المدة التي انتهى فيها دورها وحقها القانوني في التقاضي، وكانت الفرصة سانحة للمحكمة، للظروف المشار إليها سالفا، للحكم بالعقوبة وإنهاء مسلسل النظر في هذه القضية، وحتى لا تكون النيابة العمومية هي المعقب للمرة الثالثة، التي إذا قضت فيها المحكمة بالعقوبة لم يعد للمتهمين فرصة للطعن في الحكم، ويبدو المشهد وكأنهم هم المهضومو الجانب، لم يكن لها نفس الإستعداد ونفس الإستجابة لطلب المتهمين الطعن في حكم العقوبة الذي لم يسبق أن صدر ضدهم ولو مرة واحدة، لتقر في جلستها المنعقدة يوم 19 اكتوبر 2007 ذلك الحكم، جاعلة بذلك نهاية لنظر محكمة الإستئناف في القضية للمرة الأخيرة .

ويتأكد أن الأصل في القضاء التابع في أنظمة الإستبداد :- أن المتهم مدان حتى تثبت براءته.- وأن الأصل في الشيء هو العقوبة.- وأنه لا براءة في الأصل بمحاكم دوائر القضاء التابع في القضايا السياسية ومسائل الخلاف في الرأي.- وأن القانون لا يصلح إلا للعقوبة وإلا ليصادر للناس حقوقهم وإقرار المظالم في حقهم.- وأنه لا يصلح لجلب المصالح ونيل الحقوق ولا يدافع لهم عنها ولا يحميها لهم.ولأن القضية قضية سياسية بالأساس، ولأن الخصم يحاكم خصمه، ولأن الحكم كان سياسيا وليس قضائيا قانونيا، فقد جاء حكم الدائرة القضائية في محكمة التعقيب بتونس يوم 19 اكتوبر 2007 لاغيا لكل الأحكام القضائية السابقة القائلة بالبراءة، ومقرا لحكم سياسي واحد قضت فيه محكمة الإستئناف بقفصة في ظروف استثنائية، فيها من الإنفعال والشماتة وردود الأفعال ربما ما فيها، بالإدانة، وإيقاع العقوبة القاسية على من ثبت لديها أكثر من مرة براءتهم، ليكون بذلك “الفارس” الذي ظل ممتطيا صهوة جواده قرابة خمس (5) سنوات، أي بعد ما يقارب نصف العقد من الزمن قد ترجل، بعد أن أهلك وظلم وألحق أضرارا لا تعالج، وجراحا لا تندمل بالرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا إلا سبيل الصبر والمصابرة والشكوى إلى الله ظلم العباد.

ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار* مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء” (سورة:إبراهيم)

قفصة في:19 شوال 1428 30 اكتوبر2007 علــــي شرطــــــــــــــاني

دور القضاء التابع في النظام العلماني المغشوش للدولة في تونس العروبة والإسلام

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 3:50 م

دور القضاء التابع في النظام العلماني المغشوش للدولة في تونس العروبة والإسلام 

روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال: “القضاة ثلاث:قاض في الجنة وقاضيان في النار قاض علم الحق وعمل به فهو في الجنة وقاض لم يعلم الحق ولم يعمل به وقاض علم الحق ولم يعمل به فهما في النار” أو كما قال صلى الله عليه وآله وسلم.

كان ينبغي على العاقل في تونس النظام العلماني الهجين ذات الأصول الإستعمارية، خاصة منذ أن أصبح الوضع بالبلاد تحت سيطرة العقلانيين، أن يلغي عقله أو ينساه وأن يضعه جانبا، لأنه لا يستحقه كثيرا، خاصة في ما يتعلق بحاجته وتأملاته به في الشأن العام أو العناية به فيه وفي إدارته ومديريه وتدبيره ومدبريه، لأن الأمور تتجه هنا دائما خلافا لطبائع الأشياء، ولما يمكن حتى لا أقول إلى ما يجب أن تكون عليه الأوضاع وأن تتجه إليه وفق منطق العقل ووفق ما يمكن أو يجب أن تتجه إليه الأمور عندما يكون العقل حاضرا وهو المعتمد في إدارة الأمور والأوضاع والشأن العام بالبلاد.

فحين تكون صاحب عقل، واستنادا إلى منطق الأشياء وإلى طبائعها، وما يمكن أو يجب أن تكون عليه وفق ما يتحقق به من مصالح وما يدرأ به من مفاسد، واستنادا إلى المعطيات التي على أساسها يقيم العقل تصوره ويعتمدها في إصدار أحكامه وفي تقرير النتائج التي تقتضي تلك المعطيات الواقعية أن تكون عليها، فإن الوضع بالبلاد يحتم على أصحاب العقول والألباب مراجعة المواقف والسياسات والبرامج، وإعادة النظر في الخيارات السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والإعلامية والأمنية وغيرها. إلا أنك وأنت صاحب عقل، وأنت في تونس نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب الذي التحق فيه الوطنيون العقلانيون التقدميون “الخونة بالأمس” في نظر وفي خطاب الدستوريين و”العملاء الرجعيون” في نظر اليسار التقدمي الثوري الماركسي والقومي العربي “الوطنيون اليوم” بعضهم ببعض، تجد وترى أن كل شيء يتجه إلى خلاف ما يجب أن تكون عليه أحكام العقل، وإلى ما يقول به العقلاء، وتجد في النهاية أنه لا حاجة لك بهذا العقل في قراءتك به للوضع وإدارة الشأن العام بالبلاد، وأن عليك أن تصادره وأن تلغيه إلا في ما تستحقه من إدارة بعض الشأن الخاص وفي حدود ما، وفي بعض القضايا التي ليست وثيقة العلاقة بإدارة الشأن العام وتنظيمه، أعني بحالة الفوضى التي هو عليها والتي أبى الظالمون والمستبدون والمفسدون إلا أن يكون عليها.

- فإذا كان من العقل والعقلانية ومن المصلحة العامة، أن يتمتع أبناء الشعب بالحياة والعيش بوطن خالية سجونه من المساجين السياسيين ومن مساجين الرأي في ظل نظام يزعم لنفسه أنه نظام ديمقراطي تعددي، وأنه نظام قانون ومؤسسات مدعوما من القوى الديمقراطية الدولية، ينبغي أن لا يكون كذلك عقلا، وقياسا لما عليه الأوضاع في الأنظمة الديمقراطية الأصيلة لأوطان الشعوب التي يتمتع فيها الإنسان بالمواطنة الكاملة غير المنقوصة، والتي لها عليها السيادة الكاملة من حولنا، وليس لنا من ذلك شيء، ولا نرى أثرا لذلك في وطننا وعلى شعبنا.

- وإذا كان من العقل والعقلانية ومن المصلحة الوطنية العامة والخاصة أن تكون منظمات وهيئات المجتمع المدني والسياسي تنعم بالحرية والإستقلالية، وليس لأحد عليها سلطان إلا سلطان القانون العادل المتفق عليه من طرف الجميع وبالتراضي بما يحقق الأمن والإستقرار والمصالح والحريات العامة والخاصة، وفق ما يقتضيه الذوق السليم، وما تحتمه علاقة الإحترام المتبادل بين مختلف مكونات المجتمع، وفي كل أوساطه وبيئاته، وبين كل أفراده من رجال ونساء، ومن فتيان وفتيات، ومن كبار وصغار في إطار ثقافة المرجعية العربية الإسلامية للشعب،ولا يرى العاقل من كل ذلك شيئا سوى المضايقات والمنع والمحاصرة والأذى النفسي والبدني والعقلي، والمصادرة والإلغاء والحل والقرصنة والإفتكاك، مثلما حصل ومازال حاصلا للرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان التي أصبحت في مهب الريح، وما حصل لجمعية القضاة، ولنقابة التعليم العالي، ولجمعية المحامين الشبان، ولجمعية النساء الديمقراطيات (التي انتهت أزمتها بإغداق الأموال عليها من الجهات الأجنبية الممولة ومن سيادة رئيس الدولة الذي “من” عليها بخمسين ألف دينار من أموال الشعب لتظل داعما لمشروعه الثقافي الهادم لأحكام الشريعة الإسلامية وللمشروع الثقافي العربي الإسلامي المعبر عن هوية الشعب والأمة، وهي الجمعية التي كما هو معروف ما زلت داعمة لمبدإ العمل بالمنشور رقم 108، والرافضة للدعوة للعفو التشريعي العام وإطلاق سراح المساجين السياسيين، والجادة في الدعوة إلى ما تدعيه مناضلاتها ومن هم من ضلعهن من الشخصيات والجمعيات والأحزاب “التقدمية الديمقراطية” ويعتبرونه من المساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، والقائلون بحقوق الشواذ وبالزواج المثلي…والمدافعون عن ذلك) وعدم الإعتراف بوجود مساجين رأي في سجون البلاد، ومن عدم اعتراف للجمعيات والأحزاب بحقها في التنظم والوجود القانوني، كالمرصد الوطني للقضاء، والجمعية الدولية للمساجين السياسيين، وجمعية مناهضة التعذيب، والمجلس الوطني للحريات، وجمعية الصحافيين الأحرار، وحركة النهضة، والمؤتمر من أجل الجمهورية، وحزب العمال الشيوعي التونسي، وما يسمى بالحزب الديمقراطي اليساري، وحزب تونس الخضراء، والحزب الوطني الديمقراطي، ومن السعي المستمر إلى الإلتفاف على الأحزاب المعترف بها لاحتوائها وتدجينها وتهميشها أو العمل على إلغائها واقعا وموضوعا، كالهجمة التي يتعرض لها الحزب الديمقراطي التقدمي هذه الأيام في محاولة من طرف النظام لانتزاع مقره الرئيسي منه، ومصادرة صحيفة “الموقف” منبره الإعلامي، بعد انتزاع العديد من مقراته الفرعية في جهات مختلفة من البلاد، بحشر القضاء كسلطة أصبحت فاقدة للإستقلالية في كل أو جل هذه المشاكل

 والقضايا، وغير ذلك من الجمعيات والأحزاب المستقلة ومن مختلف مكونات المجتمع المدني.

- وإذا كان من الحكمة التي لا تصدر إلا عن أولي الألباب وأصحاب العقول الحرة النيرة وأصحاب البصيرة النافذة، أن يتم التخلي عن إحكام السيطرة على الجامعة من طرف البوليس والإشراف المباشر له عليها، والتنسيق مع الإدارة ومع بعض مكونات الإتحاد العام لطلبة تونس لتنعم الجامعة بالحرية والراحة ويتخرج منها رجال أحرار فاعلون ووطنيون جادون.

- وإذا كان النظام وتوابعه وملحقاته ومكوناته تزداد إصرارا على خنق الطالب بالجامعة والتضييق عليه لألا يتخرج منها إلا المتميعون المستهترون والمستقيلون الذين لا قيمة علمية ولا سياسية ولا معرفية لهم، والذين لا مستقبل لهم ولا مستقبل للبلاد بهم، إلا أن الكثير من أبناء شعبنا قد سفهوا هذه الأحلام وكانوا على قدر من الوعي والمسؤولية والوطنية بما كانوا به على خلاف ما كان يراد أن تكون عليه نتائج ذلك البرنامج المرسوم لذلك، ويحسبون ذلك مكسبا وخطوة متقدمة باتجاه جعل ما رفع شعارا في الهجمة التي شنت ومازالت تشن على طلبة الجامعة وعلى الجامعة عموما بكل مكوناتها وتركيبتها”الجامعة للعلم والدراسة” وليس للنضال والسياسة. وقد تشكلت في ذلك الغرض لجنة ما سمي في حينه “لجنة إنقاذ الجامعة” والتي كان قد ترأسها المدعو محمد مواعدة، وكان الإتحاد العام لطلبة تونس طرفا مهما ونشيطا فيها، لتصفية الوجود الإسلامي العلمي والنقابي والإداري والسياسي والبشري الطلابي فيها.

- وأين الإحتواء الكامل للإتحاد العام التونسي للشغل من العقل ومن العقلانية ومن المصلحة الوطنية في وقت  كانت البلاد والعمال فيه في أشد الحاجة لمنظمة عمالية حرة ومستقلة تذود عن حقوق العمال التي أصبحت مهددة منذ بداية هذا النظام الفاسد الفاقد للعقل والعقلانية، بعد أن التحق به جل إن لم يكن كل العقلانيين والحقوقيين والنقابيين المؤمنين بالحرية والإستقلالية، وهو الذي نشأ حرا مستقلا، والذين كانوا يزعمون دائما أنهم  منحازون للعمال والفلاحين، ومدافعون عن حقوق الإنسان، وارتباطه المباشر بنظام العولمة الجائر الذي حرم العمال من كل حقوقهم وجردهم من كل أسلحتهم حتى أصبحوا عرضة للطرد الجماعي والتسريح من المؤسسات الإنتاجية. وهو الذي جاء لاغيا للقطاع العام وواضعا كل اقتصاد البلاد بين يدي سماسرة المال والأعمال، وتمكين أصحاب رؤوس الأموال في القطاع الخاص من كل التسهيلات القانونية والإدارية والجمركية والبنيوية، ومن كل الحوافز والتشجيعات والإمتيازات، لطرد وتسريح أكثر ما يمكن من العمالة، والقبول بأقل ما يمكن من اليد العاملة المنتجة بأكثر وقت ممكن وبأقل أجر ممكن وبدون الحد الأدنى من الحقوق والضمانات.فإنك لا ترى عقلا ولا حكمة في ما ترى في هذه البلاد وتسمع. فماذا يصنع العاقل في بلد كهذا بعقله؟  بل فما حاجة العاقل في بلد كبلادنا في نظام كهذا النظام المحتكر لكل شيء بها حتى للعقل، بعقله؟

- فأي مكان للعقل وللعقلاء في زمان ومكان أسند فيهما الأمر لغير أهله، وأصبح فيهما زعيم القوم أرذلهم، وتولى فيهما الرويبضاء ( الرجل التافه)أمر العامة والتحدث فيه وأسند فيه الأمر لغير أهله؟

من ذلك أني قرأت في الصحيفة الإلكترونية “أخبار تونس  tunis-news العدد: 2491 ليوم 18 مارس 2007 الأكثر انتشارا في بلادنا خاصة، أن المحكمة الإبتدائية بالعاصمة التونسية قد أصدرت يوم 24 فيفري 2007  حكما بالسجن على خمس طالبات من أجل علاقة غير شرعية مع شخصية من بلد مجاور قضت فيه بسجن إحداهن سنة، والأربع الباقيات بأربعة أشهر لكل واحدة منهن، ثم أسعفتهن بتأجيل التنفيذ. وكانت الثقافة العامة للنظام السياسي في تونس، والثقافة القضائية التي هي تبعا لها، متجهة نحو التساهل في العقوبة بخصوص كل قضايا الفساد والإنحراف والإنحطاط الأخلاقي في فترة حكم “حامي الحمى والدين”، ومتجهة نحو التشدد ومزيد التضييق والزجرية والقسوة في العقوبة في القضايا السياسية وقضايا الخلاف في الرأي، وقضايا الفضيلة والعفة والإصلاح والإستقامة التي من المفروض أنه لا جريمة ولا عقوبة فيها أصلا، في مواجهة الثقافة العربية الإسلامية والثقافة الجادة الملتزمة بقيم الحق والعدل والحرية، في إطار صراع الثقافات وصراع الهوية المحتدم في تونس منذ دخول الغزاة الفرنسيين لبلادنا سنة 1881، والذي ازداد شدة وضراوة بعد ذلك في إطار ما يسمى بالدولة الوطنية الإقليمية القطرية الحديثة التي لم يرد لها إلا أن تكون استمرارا للمشروع الثقافي والإداري والتشريعي الإستعماري، الذي كان أكثر وضوحا بالتحاق مختلف مكونات طائفة الحركة العلمانية من يسار ماركسي وقومي عربي باليمين الدستوري بعد تدخل المخابرات الأمريكية لإنقاذ نظام بورقيبة مما تعتبره خطرا إسلاميا أصوليا كان يتهدده، والمجيء بزين العابدين بن علي رئيسا للبلاد، والذي كان من أولى أولوياته بعد أن عززت موقفه ومركزه بالمشار إليهم من باقي مكونات الحركة العلمانية التي تم استيعبها واحتوائها لتتحول من المعارضة إلى المساندة والمعاضدة والمولاة  والإلتحاق بالسلطة، إعلان الحرب على الحركة الإسلامية بجل مكوناتها، ومن خلالها إعلان الحرب على الشعب في ثقافته الأصلية الأصيلة وفي عقيدته وفي تاريخه وحضارته وفي ماله وعرضه ودمه

- في هذا الإطار تتنزل هذه الأحكام الشكلية على المنخرطين في مشروع ثقافة الإستبداد والرذيلة والإنحلال والفساد، الذي هو مشروع الحركة العلمانية اللائكية التكفيرية الدخيلة في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب.

وظل الصراع مستمرا ومازال متواصلا بين الثقافتين، وبين أصحاب النمطين الإجتماعيين والحضارتين المختلفتين في البلد الواحد، أي بين أصحاب الثقافة العربية الإسلامية التي هي ثقافة الحق والعدل والحرية والأخوة والتعايش والتسامح والفضيلة والعفة، التي هي ثقافة الشعب الأصلية، وأصحاب النمط الإجتماعي العربي الإسلامي العادل المتوازن، مجتمع التقوى والإحسان والتعاون والتضامن والأخوة…والحضارة الإنسانية، حضارة العلم والمعرفة والإيمان بالله والكفر بالطاغوت، حضارة التعارف والتدافع من أجل الإصلاح والصلاح، من أجل الأمن والإستقرار والسلام، وبين أصحاب الثقافة الغربية الدخيلة على الشعب، ثقافة العنف والقمع والإرهاب والنهب والعنصرية، ثقافة الباطل والقيد والجور والتنابذ والصراع والكراهية والرذيلة، ثقافة الظلم والحيف والقهر والإستعمار والإستبداد، وحضارة العلم والتقنية والمادة على حساب إنسانية الإنسان وسحقها، وتأكيد حيوانيته من حيث التشديد على أنه ليس مستقلا في النشأة والخلقة والتكوين، وأن مرجعه استنادا إلى قانوني التطور والإنتخاب الطبيعي يعود إلى أصول حيوانية، انتهت بعض الأبحاث المتقدمة في التاريخ إلى التأكيد على أنه من أصل  إحدى فصائل القردة.     

وفيه تتنزل المحاكمات السياسية والثقافية والفكرية المتواصلة في إطار الصراع الثقافي والحضاري الذي تديره الدولة العلمانية الحديثة الهجينة المغشوشة بين أبناء الوطن الواحد في البلد الواحد من الأمة الواحدة. - المحاكمة العجيبة وغريبة الأطوار: من هذه المحاكمات، المحاكمة العجيبة والغريبة التي وقعت يوم 3 مارس 2007 بمحكمة الإستئناف بقفصة والتي تعود جذور القضية فيها إلى أكثر من أربع سنوات مضت “والتي اقتربت من السقوط بالتقادم” وهي القضية التي كانت المحاكم التونسية بقفصة قد أصدرت فيها علي كعنصر رئيسي فيها بعد أن ألحقت بي الأخ مضر بن جنات حكما بالسجن لمدة 13 شهرا، قيل من أجل “المحافظة على جمعية غير مرخص فيها وجمع أموال بدون رخصة”. وهي القضية التي اشتد حرص النيابة العمومية فيها على عدم الرضا بالأحكام الصادرة فيها بحق الأخوة الذين لا تكاد تكون لهم علاقة تذكر بالقضية، ما لم تكن قاضية فيها بسجنهم. ولعلها المرة الوحيدة في ما نعلم من تاريخ القضاء التونسي، إذا كان يستقيم الحديث عن وجود قضاء حقيقي في تونس الدولة العلمانية الحديثة، التي استنفذت فيها حقها القانوني الكامل في التعقيب حرصا منها على ضرورة إنزال العقوبة البدنية في ما بدا للمحاكم عدم وجود أي سند قانوني لفعل ذلك في حق المتهمين لطفي داسي ورضا عيسى ومحسن النويشي ومحمد فوراتي. وهي التي أصدرت قبل ذلك في حقهم ثلاثة أحكام بعدم سماع الدعوى، لتصدر في حقهم في المرة الرابعة في نفس الحكم الذي أصدرته مع بداية انطلاق القضية في حق من اعتبرتهم الجهات “الأمنية”والدوائر القضائية في حينه العنصرين الرئيسيين، مستفيدة هذه المرة من غياب كامل للدفاع المتطوع عن المحالين على القضاء من أجل قضايا في الخلاف في الرأي وقضايا سياسية وحقوقية، وعدم قدرة المحالين على التعويل على أنفسهم في تكليف محامين يتولون الدفاع عنهم. - مقاربة قضائية:في النظر في قضايا الفضيلة والرذيلة: والنتيجة واحدة؟ !لقد كان كل هذا يحصل:

- في ظرف لا يملك فيه النظام الإستبدادي الجائر أي مقوم من مقومات القوة إلا طبيعته البوليسية القمعية، و”النجاح” الذي حققه وأعانه عليه قوم آخرون ممن أصبحوا هم أنفسهم من ضحاياه اليوم، في إنهاء أي بديل سياسي يطرح نفسة بالطرق السلمية أو بأي طريقة وبأي وسيلة بدلا عنه. وهو الذي كان دائما منتجا للمشاكل، وأعجز ما يكون عن تقديم أي حل حقيقي صحيح وجاد لأي من مشكلات البلاد والعباد. ولم يكن له إلا أسلوب واحد في التعامل مع قوى المجتمع المدني وقوى الإصلاح، ومع الحركة السياسية المدنية السلمية، وهو أسلوب الإكراه بالقوة البوليسية، وإسكات وإخماد كل نفس حر وجاد ومسؤول.

- وفي ظرف قريب من حملة واسعة النطاق كان رئيس الدولة نفسه على رأس كل الجهات والأطراف والمؤسسات الرسمية، يقود معركة، بل قل حربا وهجمة على الشعب التونسي من أجل إصراره على التحصن بعقيدته ودينه والتمسك بهويته العربية الإسلامية، التي كانت سلاحه الأقوى في مواجهة الإستعمار وفي إدارة المعركة معه، وتحقيق النصر الذي سرق منه، والذي لم يتحقق له من خلاله بمقتضى ذلك الإستقلال الحقيقي الذي كان يطمح ويسعى له ويعمل من أجله، والتي كان من مظاهرها الأكثر شكلية اللباس الشرعي لبالغات المحيض من النساء العربيات المسلمات ممن اقتنعن بذلك واخترنه طاعة لله ولرسوله بتونس العروبة  والإسلام.

- ومن صدامات مسلحة حصلت في بعض الأماكن المتفرقة والمختلفة من البلاد بين مجموعات من الشباب التونسي المسلم الذي دفعه الإنغلاق والإستبداد والإنسداد السياسي، وتغول الدولة وتهور السلطة وعلاقة التناقض التي كانت دوما  سائدة بين الشعب والنظام السياسي، وسط اعتداء مباشر ومستمر للسلطة على الشعب وعلى هويته وثقافته ودينه ومكتسباته، إلى اختيار العنف سبيلا للتعبير عن رفضه لما يحصل، ودفاعا عما يؤمن به من قيم ومبادئ. فكان من العقل والعقلانية والحكمة والمصلحة الوطنية لكل وطني أن يسلك سياسة تخفف من حدة التوتر والإنقسام والقطيعة داخل تركيبة المجتمع، وفي العلاقة بالحاكم والمحكوم. وبعيدا عن الوطنية وعن مصلحة الشعب، فإن في ذلك مصلحة النظام نفسه، وهو الذي لا مصلحة فيه إلا لقلة قليلة من المستفيدين منه وفيه. ولكن لا مكان للعقل ولا للمصلحة العامة والخاصة في كل الذي حصل، والذي مازال حاصلا، والذي يمكن أن يحصل لا قدر الله، طالما ظل هذا النظام قائما ومستمرا في الوجود.

في هذا الإطار وفي هذه الظروف، كانت المحكمة الإبتدائية بتونس، والتي وقف فيها القضاء إلى جانب الرذيلة، وكان داعما فيها لسياسة السلطة التنفيذية صاحبة السلطان والسيطرة عليه والإخضاع له، وقد غاب فيها قاضي الجنة الذي يعلم الحق ويحكم به، وحضر فيها القاضيان الذان هما في النار، والذين كان أحدها يعلم الحق ولم يحكم به، والآخر الذي لا يعلم الحق ولا يحكم به. وهي نفس الظروف ونفس الإطار الذي تعامل فيه القضاء التابع مع قضية الأخوة في ما نسب إليهم من تهمة “المحافظة على جمعية غير مرخص فيها وجمع أموال بدون رخصة ” وهي قضية فضيلة وعفة وحق وتعاون ومؤازرة وتضامن، والتي وقف فيها القضاء المأمور إلى جانب الظلم والفساد والقمع والإرهاب والإستبداد، وكان داعما فيها للسلطة التنفيذية، مؤتمرا بأوامرها ومنتهيا بنواهيها. وهو الخاضع كذلك للإكراه والمجبر على القيام بذلك الدور وبتلك المهام. وكان القاضي الذي هو في الجنة والذي يعلم الحق ويحكم به هو الغائب. وحظر فيها القاضيان اللذان هما في النار وفق ما هو واضح في ظاهر نص الحديث النبوي الشريف، ليكونا عونا للظالم على ظلمه، وخاذلا وظالما للمظلوم في مظلمته. وتلك في الحقيقة طبيعة وحقيقة الشريعة العلمانية ومؤسسات النظام العلماني الجائر الذي كان ثالث أهم عامل من عوامل انحطاط شعوب الأمة وتخلفها، بعد عصور الإنحطاط، وعصر الإستعمار. وليكون تواصلا للإنحطاط والتخلف وللإستعمار. ولتبقى مهمة التحرير حتى الإستقلال الحقيقي قائمة. وعندها وعندها فقط ، يكون الحديث عن بداية الطريق في العمل على الخروج من الإنحطاط والتخلف ممكنا ومقبولا. - أصحاب الرذيلة:

لقد كانت هذه الأحداث تجري في بلد عربي إسلامي أغتصب في أعز ما يملك، في هويته وعقيدته ودينه وثقافته الأصلية الأصيلة، ويتعرض فيه شبابه إلى المحاكمات والمطاردة بالداخل والخارج، والملاحقة القضائية الجائرة التي كان قاضي الجنة الذي يعلم الحق ويحكم به قد سجل فيها بصفة مستمرة غيابا دائما، والذي لم يكن فيها من حضور دائم ومستمر إلا لقاضيا النار الذين هما بين عالم للحق ولا يحكم به، وغير عالم للحق ولا يحكم به، حتى أصبحت بلادنا من البلدان التي لا مكان فيها للعقل ولا للعقلانية ولا لأصحاب العقول وأولي الألباب، ولا للمصلحة الخاصة والعامة.

فكان القضاء التابع الجائر، وإن كان مدعوا للتعامل مع أصحاب الرذيلة وقضايا الرذيلة والفساد والإفساد بتساهل وتسامح، وبنوع من الرفق والتخفيف، خاصة في ما يتعلق بالقضايا الأخلاقية، كالعقوق والمخدرات والدعارة والزنا وكل ما له علاقة بالمتعة الجنسية المحرمة المفسوح لها المجال لمضاعفة فرص الإصابة بالأمراض المزمنة القاتلة، كالإيدز والزهري والسيلان وغيرها مما يعلمه العالمين بالطب والعاملين في مجال الصحة، وانتهاك الأعراض والإعتداء على الحرمات والحقوق الزوجية، والمتسببة في الخلافات بين الجنسين المفضية للقتل، وفي العداوة والتباغض والخصومات بين مختلف الأوساط العائلية، وقتل الإحساس بالعزة والكرامة والرجولة، وإزهاق الأنفس البريئة للأسقاط والأنغال من أبناء السفاح. فقد جاء في جريدة الصباح اليومية في تونس الصادرة بتاريخ 29 أوت 2007 “منعها والدها من السهر خارج المنزل فاعتدت عليه بسلسلة حديدية” وقد جاء بالجريدة “ أن المتهمة وهي فتاة في العقد الثاني من عمرها وتقطن بجهة الوردية وبالتحديد حي النور قد تعودت السهر خارج المنزل ومخالطة المنحرفين وأصبحت تدخن وتشرب الخمر وذات مرة طلب منها والدها الكف عن السهر ومنعها من الخروج فاغتاظت وقامت بتعنيفه وبعدما تقدم بشكاية ضدها تم إيقافها وأحيلت في البداية على مركز الأمن واعترفت بأطوار الواقعة وبتعنيفها لوالدها وبعد ختم المحضر وإحالتها على انظار الدائرة الجناحية بالمحكمة الابتدائية بتونس قضت المحكمة بثبوت إدانتها وسجنها 6 اشهر وبعد انقضاء المدة المحكوم بها عادت تلك الفتاة من جديد وتشاجرت مع والدها من أجل نفس السبب وقامت بتعنيفه بسلسلة حديدية فتقدم ضدها مرة اخرى بشكاية.

واثر ايقافها اعترفت امام باحث البداية فأحيلت على المحكمة من جديد ولم يحضر والدها ولم يقدم كتب اسقاط دعوى كما أنها تراجعت في تصريحاتها رغم معارضة القاضي لها بمعاينات باحث البداية لآثار العنف البادية على والدها. وبعد المفاوضة الحينية قررت المحكمة سجنها مدة عام”.

وفي مقال بنفس العدد من نفس الصحيفة تحت عنوان:”رفضت والدته تسليمه النقود لشراء المخدرات فشوه لها بشفرة حلاقة” جاء فيه” أن المتهم أدمن تناول الاقراص المخدرة المدرجة بالجدول «أ» وكانت والدته تسلمه في كل مرة النقود لشراء تلك المواد السمية، وفي احدى المناسبات رفضت تسليمه المال لشراء الاقراص
وعاتبته على ذلك وأعلمته أنها عجزت عن توفير المال الكافي لإعالته وأنها لم تعد قادرة على منحه المال لشراء تلك السموم فثارت ثائرته وهاج وماج وتسلح بشفرة حلاقة وقام بتشويه يد والدته غير مبال بالعواقب.

وبتوجه والدته الى مركز الأمن بحي الانطلاقة تم ايقاف ذلك الابن العاق وحرر محضر بحث في الغرض وخلال التحرير عليه اعترف بادمانه على تناول الاقراص المخدرة وذكر أنه عاطل عن العمل وأن والدته تسلمه النقود لشراء المخدرات وذات يوم طلب منها تسلمه المال لكنها رفضت وطلبت منه البحث عن عمل وإعالة نفسه بعد أن عجزت عن توفير ذلك.

وبمزيد التحرير مع المتهم ذكر أن والده متوف وأن والدته التي كرست حياتها لتوفر له لقمة العيش وطلب المتهم العفو. وخلال إحالته على المحكمة من أجل جنحتي استهلاك المواد المخدرة واعتداء الخلف على السلف حضر موقوفا وحضرت والدته وقدمت كتب اسقاط في حقه فقضت المحكمة بعد المفاوضة الحينية بسجن المتهم مدة عام من أجل الاستهلاك وفي خصوص جنحة الاعتداء على السلف أجل القاضي التصريح بالحكم فيها بعد الجلسة”.                                

وتحت عنوانين آخرين بنفس العدد من نفس الصحيفة الأول: “عنفت أمها من أجل “الزطلة” جاء فيه أن:” فتاة في مقتبل العمر وهي من ذوات السوابق العدلية أحيلت مؤخرا على انظار هيئة محكمة الاستئناف بتونس لمقاضاتها في قضية استهلاك المخدرات وقضية عقوق.
وحسب الوقائع فإن المتهمة عمدت الى ضرب والدتها ضربا مبرحا بعدما رفضت تسليمها المال لشراء «الزطلة» لأنها أدمنت على استهلاكها. وبإحالتها على هيئة محكمة الدرجة الثانية أنكرت ضرب والدتها واعترفت باستهلاكها المخدرات وبعد المفاوضة قضت المحكمة بسجنها مدة سنة و6 اشهر.

والثاني:”…وآخر أطرد والده من المنزل”وقد جاء فيه كذلك” أقدم شاب عاق آخر على طرد والده من المنزل فما كان من والده الا أن تقدم بشكاية ضده صرح فيها أن ابنه شتمه وطرده من منزله الذي أفنى عمره لانشائه والسبب في ذلك نهيه له عن مخالطة اصحاب السوء.
وبإيقاف الابن وإحالته على ابتدائية تونس انكر ما نسب اليه فقضت المحكمة بسجنه مدة سنه ونصف”.

والمعلوم، ليس انطلاقا من المحاكمة المشار إليها سالفا ولا من القضايا والمحاكمات اللاحقة التي أوردتها صحيفة الصباح ، أن سياسة السلطة التنفيذية وخيارات النظام في هذا المجال متجهة وبوضوح لا غبار عليه نحو التخفيف من العقوبات خاصة تلك المتعلقة بالدعارة وتعاطي المخدرات والجنس خارج إطار الزوجية وخاصة على النساء، وهو الذي جعل منهن باسم حرية المرأة كما يراها وكما يريدها لها، لا كما تراها وكما تريدها لنفسها، وكما يمكن أو يجب أن تكون عليها، وتمكينها من كل حقوقها ومساواتها الكاملة بالرجل،أكبر ضحايا المجتمع وعلى القضاء أن يتلقى الأوامر في صيغة قوانين أو أوامر أو نواهي أو توصيات أو قرارات أو مناشير أو نحو ذلك، وأن يجريها على المتورطين في حق الناس في مثل هذه القضايا…وهم من ضحايا الخيارات السياسية والثقافية والأخلاقية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية الفاسدة لنظام انخرطت فيه كل مكونات الحركة العلمانية الهجينة، ولم يعد صالحا لشيء كصلاحه لإنتاج المفاسد والمظالم، دون أن يعني ذلك إعفاء كل من انساق مع هذه الخيارات والبرامج الفاسدة من المسؤولية الكاملة في ما يحصل وفي ما يلحق البلاد والعباد من أضرار وخسائر ودمار…

فالفتاة التي منعها والدها من السهر خارج المنزل حتى اعتدت عليه بسلسلة حديدية من أجل ذلك، والشاب الذي شوه لأمه بشفرة حلاقة لرفضها تسليمه النقود لشراء المخدرات، والتي عنفت أمها من أجل “الزطلة”، والشاب الذي طرد والده من المنزل، والطالبات الخمسة اللائي ثبت تورطهن في علاقة غير شرعية مع شخصية من بلد مجاور،هم جميعا رمز الفئة من الشباب المستهتر الفاسد العاق الذي يمارس الرذيلة والفاحشة ويتعاطى المخدرات في المخابئ وفي الساحات العامة وفي الشارع العام على مرأى من كل الناس دون حرج أو خجل أو وجل، وقد شاهدت ذلك مرارا وتكرارا كما شاهده ويشاهده كل الناس تقريبا اليوم وخاصة وسط العاصمة، وقد فسح له المجال في ذلك، متحديا الذوق العام والأعراف المحافظة السائدة والتقاليد الصحيحة والخلق الكريم، انسجاما مع سياسة السلطة ومشروعها الثقافي والسياسي والإجتماعي التغريبي التكفيري الذي تعمل جادة وبتخطيط ومنهجية منظمة للتمكين له، وفاسحة المجال له باتجاه الدمار الأخلاقي والنفسي والبدني والعقلي والأسري والعائلي والإجتماعي والمعرفي…خاصة بعد التحاق النخبة من اليسار الماركسي والبعض من نخبة اليسار القومي العربي باليمين الدستوري، وتكوين نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب في مواجهة برنامج وخيارات وثقافة الفضيلة التي يريدها الشعب وتتصدر أولويات الحركة الإسلامية، وهي الفئة التي يجب أن تحاكم ويجب أن تشدد عليها العقوبة. - ولكن من يحاكم ويعاقب من؟! إن الذي نعلمه ونراه والذي يعلمه الشعب التونسي بخاصته وعامته، أن كبار المجرمين والمفسدين هم الذين يسلطون العقوبات على ضحاياهم من المجرمين والمفسدين الصغار والكبار. وهم الذين يجب في الحقيقة أن يحاكموا ويعاقبوا جميعا. ولذلك تراهم، باتجاه مزيد التمكين لمشروعهم، يصخرون القضاء التابع للتعامل مع مثل هذه القضايا ومثل هذه الجرائم بالتخفيف المطلوب عوض عدم اعتبارها كذلك، وحتى لا يكون الأمر متروكا على الغارب، ولا تكون اللعبة مكشوفة لكل من يعلم ومن لا يعلم، ولكل من هب ودب، وهم الذين مازالوا ليسوا في حاجة لمثل هذا السلوك، الذي في إطار البرنامج المستقبلي، مازال سابقا لأوانه، ودون أن يكون هذا التخفيف معطلا لمشروع ثقافة الفساد والإفساد التي جعلتها مكونات الحركة العلمانية في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب، وتلك المساندة والمعاضدة والداعمة والموالية له من مواقع أخرى من قناعاتها ومن ثقافتها التي تتحقق لها بها مصالحها الذاتية والحزبية والفئوية، وهي تعتبر نفسها موفقة وناجحة بقدر ما تلحق بالمجتمع والشعب من دمار وخراب وأضرار وخسائر…ولعهم يحسبون أنهم يحسنون بذلك صنعا.

فجيل السلطة والشباب الجانية علية بثقافة الرذيلة والإثارة والعقوق، وبفسح المجال للإشباع الجنسي المحرم خارج إطار الزواج الشرعي لكل من هب ودب، وبصرف الشباب خاصة إلى ساحات الفساد والغفلة والبطالة والفقر والتهميش، وإهدار طاقاته في الخمر والميسر والمخدرات والجنس…وعدم الإنشغال بحقوقه السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية، هو جيل مشروع المهادنة والتخلف والهزيمة والإنحطاط والخذلان، الذي يضمن للمفسدين واللصوص والمجرمين في مواقع أخذ القرار وإدارة أزمات الشأن العام بالبلاد البقاء والإستمرار في مواقع الفساد والإفساد. هؤلاء الذين يمكنون لثقافة الفساد والدعارة والعقوق والضياع والتهميش، هم الذين يسخرون كل إمكانيات البلاد ومكاسب الشعب وممتلكاته لخدمة مشروعهم الذي لا تتحقق به إلا مصالحهم هم وغاياتهم وأهدافهم، من ذلك نجاحهم في تسخير القضاء والسلطة القضائية والمؤسسات القضائية لتحقيق ذلك، وهم ينفقون من الأموال لأقامة كل المؤسسات المناسبة لذلك، ما لو أنفق في الإصلاح ومعالجة قضايا ومشاكل الشباب ومختلف فئات الشعب في مختلف أنحاء الوطن، لكانت البلاد في وضع أفضل بكثير من الوضع السيء الذي هي عليه.فقد أعد هؤلاء المسؤولون على ما يحدث بالبلاد من جرائم ومفاسد، سواء تلك التي يقومون بها أو يقوم بها غيرهم من المستجيبين لهذه الثقافة، من المؤسسات والفضاءات والساحات والمناشط ما يكفي لصرف الأنظار عن جرائمهم ومظالمهم ومفاسدهم، وما يغرق الآخرين ومن فئات الشباب خاصة في متاهات الجريمة والفساد التي يخضعونهم أحيانا للمحاكمة من أجلها، وإجراء القانون، الذي لا يعاقبهم به القضاء التابع من أجل نفس الجرائم والمفاسد التي يعاقب عليها غيرهم من ضحاياهم.

فكانت الحانات المفتوحة بالليل والنهار ومواقع الدعارة من المواخير وقاعات الليل والمراقص والفضاءات الخاصة والعامة وأوكار المخدرات، هي الحاضنة لمثل هذه الفئة من الشباب الذي زج به فيها اختيارا أو اضطرارا، عن وعي أوعن غير وعي، عن إدراك أو عن غير إدراك، وهي المفسوح المجال للتحول إليها وارتيادها بدون قيد ولا شرط ذكورا وإناثا كبارا وصغارا.وهي مؤسسات النظام العلماني اللائكي التكفيري، والروافض والنواصب(1) في نفس الوقت من الطائفة العلمانية اللائكية الهجينة التي يتم التمكين من خلالها لمشروعه الثقافي التغريبي الدخيل، وقد زين لهم الشيطان سوء عملهم وهو وليهم يوم القيامة وهم لا ينصرون. وهم من يقنعون أنفسهم ويقنعون ضحاياهم من شباب الوطن والشعب بأنهم إنما يريدون به بذلك خيرا، ويوفرون له من المتعة ما هو في حاجة إليه وما هو حق له وما تكتمل به في ثقافتهم حقوق الإنسان، دون اعتبار للمخاطر القاتلة التي تتهدد كل من تنطلي عليه الحيلة، ويجعل من قناعاته التعاطي مع هذه الثقافة، والتفاعل مع مؤسساتها وفضاءاتها وساحاتها من أمراض قاتلة ومن هلاك النفس واعتلال الجسد وإتلاف الأموال والعقول  وقتل الأجنة والترميل والعنف والتثكيل والتيتيم من خلال ما يحصل في إطار ذلك وبذلك من طلاق وقتل وإهمال عيال. فلا ينظر هؤلاء المجرمون لحقوق الإنسان، ولا يعملون للتمكين للثقافة الدخيلة التي يديرون على أساسها الشأن العام، إلا من خلال المتعة الرخيصة المحرمة التي ليس لها من نتائج إلا تلك المشار إليها سالفا، والتي يلحق دمارها المجتمع كله والبلاد كلها.هؤلاء هم الذين يحاكمون أولئك ويعاقبونهم.  - أصحاب الفضيلة:لقد حصل انقسام كبير وخطير في تركيبة المجتمع. وقد كان الإنقسام ناتجا عن ثلاثة عوامل تاريخية رئيسية:1- عامل الإنحطاط الذي اقتضته سنة تداول الأيام بين الناس. وهو الذي حل بالأمة في آخر العهد العثماني لأسباب كثيرة ومتعددة ومتنوعة، كان على رأسها الإنقلاب على نظام الخلافة الراشدة وفرض نظام الملك العضوض منذ وقت مبكر من تاريخ الإسلام.2- عامل الإستعمار والإجتياح الغربي الغازي لبلاد العرب والمسلمين وسائر شعوب وأمم الإستضعاف في الأرض.  3- عامل البديل الإستعماري الغربي الصليبي الذي فرضه في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وهو النظام المزيف والمغشوش للدولة العلمانية الحديثة، وإنهاء العمل بالنظام الإسلامي سواء على صورته الشورية الصحيحة أو على صورته الملكية المغشوشة في عالم: أ- فقد فيه المسلمون زمام السيطرة والتفوق والنفوذ والمبادرة الحضارية

. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) هم الرافضون للنظام الإسلامي والمناصبون له العداء من العلمانيين واللائكيين ذوي الأصول الإسلامية السنية والشيعية على قاعدة حقيقة رفض الشيعة لشرعية الخلافة الراشدة ودعواهم مناصبة أهل السنة والجماعة أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم العداء.

 ب- واستلم فيه الغرب الصليبي اليهودي الصهيوني قيادة العالم حضاريا وعلميا وعسكريا وثقافيا…ج- وأصبح فيه لليهود بعد أكثر من ثلاثة آلاف سنة دولة في أرض العرب والمسلمين.د- وأصبح فيه للفرس مرة أخرى دولة مذهبية جعلت من الإسلام عنوانا لها وأصبح بها للشيعة لأول مرة بعد الدولة الفاطمية والدولة الصفوية دولة قوية جاعلة من أوكد مهامها تصحيح عقائد الناس من غير الشيعةوالثأر لما يعتبرونه تاريخيا مظلومية أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهم الذين يعتبرون أنهلا إسلام خارج التشيع. وليس مسلما من لم يكن شيعيا وعلى عقيدة أهل الشيعة.وكان لكل هذه العوامل التأثير المباشر والبالغ على تركيبة المجتمع وعلى العلاقات التي تحكمه. ويكون

الإنقسام بقدر ما يكون التأثير والتأثر الثقافي والفكري في العلاقة:

1- بثقافة التغريب والإلحاق والتكفير التي اتخذت منها النخبة العلمانية اللائكية الهجينة في أوطان أمة العرب والمسلمين وأماكن سائر المستضعفين في الأرض ملاذاها وحصنها الذي تتحصن به. وهي الثقافة التي أقامت عليها بدعم ومساندة ومساعدة من القوى الإستعمارية ومن الصهيونية العالمية نظام الحكم الذي ورثته عن هذه القوى نفسها.

2- وبقدر ما يكون التأثير والتأثر بالثقافة الأصلية الأصيلة التي هي الثقافة العربية الإسلامية التي هي ثقافة شعوب أمة العرب والمسلمين، وهم المدعوون شرعا للتمكين لها لتكون ثقافة العالم بمختلف شعوبه وأممه من خلال القيام بواجب الدعوة إلى الإسلام وإبلاغه لكل الناس المعنيين فيه بالخطاب والمدعوين ليكونوا على عقيدة التوحيد التي يريد الله من فوق سبع سماوات أن يكونوا عليها.

وتحت تأثير هذا الإنقسام الثقافي ببلادنا المدعومة فيها ثقافة التغريب والإلحاق الحضاري بالنظام السياسي العلماني المغشوش، والتي جعل منها مشروعه الثقافي، والمعرضة فيه الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة بمقتضى ذلك، وهي ثقافة الشعب والأمة، إلى الهدم والإستئصال والإلغاء وتجفيف المنابع من قبل الجهة التي من المفروض أنها ثقافتها، وهي المخولة والمكلفة بالحفاظ عليها والدفاع عنها وتطويرها والتمكين لها.وظل هذا الإنقسام في إطار هذه العوامل وتحت طائلة عاملي التأثير والتأثر بالمشروع الثقافي الإستعماري للنخبة العلمانية اللائكية الهجينة في نظام الدولة العلمانية الحديثة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وفي العالم المستهدف بالإلغاء والإضعاف من قبل الدولة القطرية العلمانية اللائكية، والقوى الدولية الإستعمارية الغربية الصليبية والصهيونية العالمية ودولة الإسلام الشيعي نفسها، التي تجد نفسها أقرب إلى هذه القوى منها لقوى وتنظيمات ومكونات وفصائل الحركة العربية الإسلامية المكونة لحركة التحرر  العربي الإسلامي في العالم اليوم.

- في ظل كل ذلك كان أصحاب الرذيلة من مختلف فئات ومكونات الشعب المنحازين عن قصد أو عن غير قصد، وعن وعي أو عن غير وعي، عن علم أو عن غير علم، للمشروع الثقافي للدولة العلمانية الإستبدادية الحديثة، وهم ضحايا ذلك المشروع، عرضة لتسليط القضاء التابع ولقضاة النار فيه عليهم وفق ما بيناه سابقا.

- وفي ظل كل ذلك، كان كذلك أصحاب الفضيلة من الشباب خاصة ممن يؤمنون بالعقل – في بلد أصبح لا كبير حاجة للإنسان فيه بعقله لما يجد عليه نفسه من حيرة وارتباك وتخبط حيث لا مكان لما هو عقلاني في إطار العقل، ولا مكان لما هو غير عقلاني في إطار اللاعقل، حيث الإرتباك والفوضى والإرتجال والعبث وعدم الإكتراث والإهمال واللامبالاة، وكل ما لا علاقة له بالعقل ولا بالعلم، في عصر يراد فيه للإنسان أن يؤمن بأن لا مكان فيه لشيء لا مكان ولا دور للعقل وللعلم فيه، فهو عصر العقل في مجال العلم والتقنية بدون منازع، وهو عصر الفوضى في الكثير من المجالات غيرهما -  من ضحايا النظام وخياراته، وكان إيمانهم بذلك هو أحد جرائمهم، وممن يؤمنون بثقافتهم وهويتهم العربية الإسلامية وبعقيدتهم التي هي عقيدة التوحيد، وبذاتيتهم وخصوصيتهم، وبمقومات شخصيتهم الذاتية وبتميزهم الثقافي والحضاري والتاريخي، وكان ذلك أكبر جرائمهم في بلد يريد وكلاء وخلفاء الإستعمار أن تكون العلمانية الدخيلة الوافدة هي الأصل والإسلامية الأصلية الأصيلة هي الإستثناء. وفي بلد أصبح لا مكان فيه لغير المستبد والفاسد، ولغير قاضي النار في القضاء التابع غير المستقل مكانا.

- في ظل هذا الوضع شديد التعقيد والإنقسام الفكري والثقافي والسياسي والإجتماعي الذي تغذيه قوى الهيمنة الدولية مباشرة وعن طريق خلفائها وامتداداتها وأزلامها ممن لا دين ولا هوية ولا وطن لهم، ولا كرامة ولا قيمة إنسانية لهم، إلا القيمة التي يستمدونها من أوليائهم ومن إلغاء للمستضعفين من النساء والرجال والولدان واضطهادهم والتنكيل بهم سجنا وتشريدا وتعذيبا وتجويعا واستغلالا إلى حد الصخرة، يسام ضحايا مشاريع التغريب التي هي مشاريع السلطة ومكونات الطائفة العلمانية اللائكية خارجها، من شباب الفضيلة من أبناء شعب تونس العروبة والإسلام العذاب، ويتم إخضاعهم لمحاكمات جائرة بالوكالة عن الإستكبار العالمي الأمريكي باسم محاربة الإرهاب الذي هم في الحقيقة من ضحاياه، وبقانون الإرهاب وغسيل الأموال الصادر عن البيت الأبيض الأمريكي وعن المؤسسات التشريعية الأمريكية، وهم من الشباب الذي يجب أن لا يحاكم من أجل ذلك وتحت طائلة ذلك القانون، بل يجب أن يرشد ويوجه وأن يستفاد من طاقاته وقدراته ومهاراته وإبداعاته.

- في هذه الظروف التي تعيشها البلاد ويشهدها العالم، يشن النظام العلماني اللائكي الأمريكي الغربي ااصهيوني في تونس حملة ضد أبناء الشعب العربي المسلم من أجل إيمانه وتمسكه بثقافة المقاومة والحق والعدل والحرية والأخوة والوحدة والفضيلة والتسامح والشهادة والإستشهاد، من أجل الأصالة والهوية والعقيدة والخلق القويم، ويصدر عليه قاضيا النار بالقضاء التابع، واستنادا إلى الشرائع الغربية الصليبية الصهيونية والشريعة الأمريكية تحديدا، أحكاما قاسية. وهي محاكمات لا مجال فيها للبراءة حتى لمن ثبت لهذا القضاء التابع الذي هو قضاء قاضيا النار ذلك، وقضت محاكمه في بعض قضاياهم مرارا بعدم سماع الدعوى وترك السبيل مثلما حصل في محكمة الإستئناف بقفصة يوم 03 مارس 2007 .

وإذا كانت محاكمات أصحاب الرذيلة من فئة الشباب خاصة الذين هم ضحية مشروع ثقافة الدعارة والرذيلة الذي هو مشروع وبرنامج مكونات الحركة العلمانية التكفيرية هي محاكمة ضحايا الإستبداد الذي ألقى بهؤلاء من شباب أبناء الأمة في وحل ومستنقع الرذيلة والفساد ثم يعاقبهم عليها، وهو المخطئ في حقهم وفي حق البلاد والشعب كله، وهو الذي من المفروض أن تحاكم عناصره ومكوناته، وتسلط عليهم أشد العقوبات، فإن محاكمات أصحاب الفضيلة من الشباب خاصة من أجل الفضيلة الذين هم كذلك ضحية نظام الإستبداد والظلم والقهر والفساد والإفساد، هي في الحقيقة محاكمة مشروع المقاومة والممانعة والصمود الذي هو مشروع المستقبل، وهو مشروع مستقبل البلاد والشعب والأمة والإنسان المستضعف أين ما كان ولو كره الظالمون والكافرون والمنافقون جميعا.وذلك وعد الله والله لا يخلف الميعاد.

- فإذا كان مشروع المهادنة الذي هو مشروع أصحاب الرذيلة، والذي يستهدفون به الشباب خاصة، وغيرهم من باقي مختلف العناصر في المجتمع، والذي هو مشروع السلطة الذين هم ضحاياه، والذين تعاقبهم عليه، كان من صناعة وصياغة النظام الإستبدادي، وهو الذي وفر له المؤسسات والساحات والفضاءات المنظمة على أساس الشريعة العلمانية والتشريع الغربي الصهيوني الأمريكي، فإن مشروع المقاومة والصمود والتصدي، هو مشروع أصحاب الفضيلة والذي أصبح عماده الشباب الذي هو شباب العروبة والإسلام في الحركة الإسلامية وخارجها، وهو مشروع الشعوب المستضعفة عموما والشعوب العربية الإسلامية في أوطان أمة العرب والمسلمين خاصة، في حركة التحرر العربية الإسلامية.فهو مشروع مستقبل الأمة والإنسان المستضعف.

- فهو مشروع معارضة السلطة والنظام الإستبدادي وحلفائه ومؤيديه والمتحالفين معه الهادمون لثقافة العروبة والإسلام التي هي ثقافة شعوب الأمة وثقافة شباب الفضيلة والمعارضة الصادقة الجادة للإستبداد والظلم والحيف والإستهتار، ومقاومة العدو والمحتل والغزاة بكل ما تحتمل كلمة الغزو من معنى.

- وهو المشروع الذي لم تكتف الطائفة العلمانية الهجينة المحتضنة للمشروع الثقافي العلماني الإستعماري الإستبدادي التكفيري بالعمل على إلغائه وهدمه كمضمون ثقافي وفكري نظري، وكإطار حضاري وكنمط مجتمعي، وكفهم ومجد تاريخي، بل تجاوز ذلك إلى هدم المؤسسات والفضاءات والساحات الحاضنة له، ومحاصرته ومراقبة كل ما بقي ممكنا التعويل عليه منها، وإلا ما فقد السيطرة عليه وما لا طاقة له بمصادرته أو مراقبته أو التضييق أو التأثير والضغط عليه.

فالمساجد مغلقة ومعطلة عن آداء الدور الذي أوجدها الله لتقوم به. والمضايقة الأمنية للشباب المرتاد لها مستمرة. وقد انتهت عملية الهدم المستمرة إلى قلب شروط الإمامة في الصلاة، باستبدال الشروط الشرعية بالشروط السياسية التي يتصدرها الولاء للسلطة والدعوة لمشاريعها الظلامية الظالمة المتناقضة مع الدين والمخالفة له المحلة لحرامه والمحرمة لحلاله، والمنقضة لعراه عروة عروة. حتى أصبح يشترط في الإمام أن يكون أولا وقبل كل شيء مخبرا، وإلا فهو غير المرغوب فيه وغير الموثوق في أمانته وصدقه وإخلاصه وولائه للطاغوت.وهو الذي لا مكان له بذلك في هذه الخطة…

- ومقاهي الأنترنات (شبكة المعلومات العالمية) تحت الرقابة البوليسية المشددة، وجل المواقع، خاصة تلك ذات الصلة بثقافة الأصالة والمجادلة بالتي هي أحسن، وخاصة تلك الأكثر اعتدالا وأكثر وسطية وأكثر تسامحا، مغلقة في وجه مرتاديها. ولعل بعض المواقع المشار إليها بالتطرف والعنف والإرهاب، هي التي يتم الإبقاء عليها أكثر قربا من قرائها ومحبيها ومتابعتها، لتكون مصيدة يسهل على البوليس اصطياد الشباب من خلالها، ليكون ذلك كافيا لتقديم من تثبت أو يشتبه في أي علاقة له بها للمحاكمة من أجل ذلك، محافظة من النظام الإستبدادي الفاشل على علاقة معينة، وارتهان لقوى الهيمنة الدولية التي يظل سعيدا بتقديم نفسه لها باستمرار على أنه في الموعد وعلى العهد دائما في مقاومة ما أسمته تلك القوى المعادية المعتدية الإرهابية، الإرهاب الذي أصبح لا معنى له غير الإسلام المعارض لأنظمة الإستبداد والفساد والمقاوم للإحتلال والغزاة والمنحاز للشعوب وللمظلومين والمضطهدين والمستضعفين.

 وهو الذي أعد من الأطر القضائية في النظام القضائي التابع الذي لا يكون قضاته إلا قاضيان، واحد علم الحق ولم يعمل به وآخر لم يعلم الحق ولم يعمل به وهما في النار، ما يكفي لإلحاق البلاد بضرر لا يعادله ضرر. وليس ثمة من الأضرار ما هو أكبر وأشد خطرا على مستقبل أي بلد من إهدار طاقاته البشرية في ما لا طائل من ورائه، وفي مستوى شباب الفضيلة الذي كان من خيارات نظام الإستبداد والفساد ومن أولوياته تدميره وإلحاق أكثر ما يمكن من الأضرار والخسائر به…                                          

علـــي شرطــــــاني

قفصة في :22 رمضان 1428

 4 اكتوبر 2007

أكتوبر 22, 2007

شكر واعتذار ودعاء

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:34 م

شكر واعتذار ودعاء

أن يكون الأمر الواجب متخلفا خير من أن لا يكون.

فلئن كان متخلفا عن الأوان نظرا للظروف الصعبة الخاصة التي حالت دون المتابعة الدائمة والمسترسلة للأحداث والعلاقات الإعلامية والسياسية والفكرية الثقافية المختلفة فإنه وبتوفر ظروف أفضل من فضل الله لا يفوتني أن أتقدم عبر الصحيفة الإلكترونية “تونس نيوز”المباركة إلى كل الأخوة وإلى كل الأحرار بالداخل وفي بقاع مختلف من العالم بالشكر على صيغ وتعبيرات المعايدة المختلفة التي وردت علي سواء عبر الهاتف أو عبر عنواني الإلكتروني والصادرة عن الأخوة محمد شمام وأحمد قعلول وحسين الجندوبي والأستاذ نورالدين البحيري ومحسن الجندوبي والأخ المجاهد المرابط لسعد الجوهري وغيرهم بمناسبة عيد الفطر المبارك لهذا العام وأعتذر لهم على عدم المبادرة “وخيركم من بدأ صاحبه بالسلام”كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وعلى عدم الرد على ذلك بالمثل أو بما هو أفضل منه في الوقت المناسب وأقول لهم بوركتم وبارك الله فيكم وسدد خطاكم وأثابكم وغفر الله لكم وأسأله أن يجمع بيننا في عالم الشهادة في بلدنا لحبيب تونس العروبة والإسلام والحضارة والتقدم  أرض الرباط والمرابطين كما أسأله أن يجمع بيننا في فسيح جنانه ونيل رضوانه بعد أن ينزع ما في قلوبنا من غل إخوانا على سرر متقابلين.

                        ــــــــــــــــــــ

تفــــاصيـل الحـــــــــادثة

أما بخصوص انشغال بعض الأخوة جازاهم الله خيرا بالإعتداء علي بالضرب والعنف اللفظي من قبل أجهزة نظام 7 نوفمبر الرهيب القمعية ليلة 17 رمضان 1428 أمام مقر التجمع الديمقراطي التقدمي بمدينة قفصة وطلب تفاصيل ذلك فقد كنت قد وصغت ذلك في إبانه في بيان حالت الظروف الخاصة دون أن يجد طريقه إلى النشر ووضعه بين يدي الرأي العام في ذلك الوقت وأصبح من الواجب ومن الضروري القيام بذلك اليوم وبناء على طلب الأخوة المهتمين بالأمر والمعنيين وهو البيان الذي جاء بعد التقدم لقيادة الجهة للحزب الديمقراطي التقدمي ببيان مساندة ودعم باسم حركة النهضة والذي على إثره كان الإعتداء علي من طرف البوليس السياسي بقيادة وإشراف المدعو بلقاسم الرابحي رئيس فرقة الإستعلامات (الفرقة المختصة) بقفصة.

وبهذه المناسبة وبناء على طلب التفاصيل وتوضيح الصورة والموقف وإن كان الأمر متأخرا فإني أضع بين يدي القارئ نص البيانين:    

بيان دعم ومساندة

يشرف على الهيمنة على الحياة السياسية في تونس حزب يسمي نفسه “الحزب الدستوري الديمقراطي”من ثقافته في الخطاب والممارسة معاداة الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات والتنظيمات الوطنية الديمقراطية العلمانية منها والإسلامية ومصادرة الحريات واحتكار العنف ودوام التضييق على كل مكونات المجتمع المدني.

- وإذا كان ضحاياه كثيرين، وتاريخه تاريخ محاكمات سياسية وقضايا الخلاف في الرأي.

- وإذا كان قد خسر معركة الإستئصال مع حركة النهضة ومعركة التهميش والإقصاء مع حزب العمال الشيوعي التونسي غير المعترف بهما فهاهو يتجه اليوم إلى إدارة المعركة مع الحزب الديمقراطي التقدمي المعترف به هذه المرة :

- لأنه في ما نعلم وفي هو عليه اليوم من خيارات وتوجهات وما يرفعه من شعارات حزب معارض مقابل أحزاب المعاضدة والمساندة والموالاة.

- ولأنه مستميت في التأسيس للديمقراطية والدفاع عن الحريات وحقوق الإنسان والمواطن.

- ولأنه يؤسس لثقافة التعايش السياسي على قاعدة احترام الخلاف في الرأي وحرية التعبير.

- ولأنه يعمل على الجمع بين التونسيين وعدم التفريق على أي أساس.

- ولأنه من الأحزاب الرئيسية المهيكلة والمعترف بها قانونيا في قيادة المعارضة السياسية في مواجهة الإستبداد.

- ولأن مقراته مفتوحة لإيواء كل المعارضين السياسيين والحقوقيين وملاذا للمظلومين والمضطهدين من كل فئات المجتمع.

- ولأنه جعل من صحيفته “الموقف” منبرا حرا مفتوحا لكل الأقلام الحرة والجادة المهتمة بالشأن العام والمعبرة عن مشاغل ومشاكل واهتمامات مختلف فئات الشعب.

فسوف لن تكون المعركة الأخيرة التي يخسرها الحزب الحاكم بإذن الله.

ولأن الحزب الديمقراطي التقدمي كذلك، فإنه لا يمكن أن يكون بمنأى عن المضايقة والإضطهاد والمحاصرة والمصادرة من طرف نظام 7 نوفمبر الإستبدادي المعادي للديمقراطية والحرية والهوية وحقوق الإنسان .

ولذلك فليس غريبا أن يلتجئ لكل الأساليب الخسيسة المتخلفة في المصادرة وخنق الأصوات الحرة وإنهاء التوجهات والمسارات والمحاولات الجادة للخروج بالبلاد من حالة الإختناق والإنسداد والفساد السياسي والمالي والإنحلال الإخلاقي والإنحراف الثقافي التي انتهى بها إليها.

وما المحاولات المتكررة لاستهداف سلطة 7 نوفمبر للحزب الديمقراطي التقدمي كما استهدفت العديد من منظمات المجتمع المدني، وما محاولة افتكاك مقره المركزي منه هذه المرة بعد نزع العديد من مقراته الفرعية بأساليب متخلفة وبحشر سلطة القضاء فيها كما سبق أن حشرتها من قبل في قضايا أخرى سابقة لن تكون هي الأخيرة، إلا أكبر دليل على طبيعته القمعية الإستبدادية.

ولذلك فإننا في حركة النهضة بقفصة:

- لا يمكن إلا أن نكون سندا للحزب في معركته من أجل البقاء ومن أجل الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان ومن أجل الوطن والشعب، وللسيدة مية الجريبي الأمينة العامة للحزب والأستاذ أحمد نجيب الشابي مدير صحيفة “الموقف” في إضراب الجوع المفتوح الذي دخلا فيه منذ يوم 20 / 09 / 2007 بالمقر المركزي للحزب.

- ندعوا كل الأحرار لتقديم كل أنواع المساندة والدعم للحزب ولقيادته ولمساندة إعلامه الحر والمستقل والوقوف معه في وجه هذه الهجمة الشرسة عليه من قبل النظام “القمعقراطي”في تونس لإلحاقه بالرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وبجمعية القضاة وبجمعية المحامين الشبان وبجمعية الصحافيين الأحرار وبحزب تونس الخضراء وبالمجلس الوطني للحريات وصحيفة “كلمة” وغير ذلك من المنظمات الوطنية والمنابر الإعلامية المستقلة.

- نحمل النظام السياسي مسؤولية ما يمكن أن يلحق قيادة الحزب وإدارة صحيفته “الموقف” وسائر منابره الإعلامية من أضرار وما يمكن أن يهدد سلامتها الجسدية والنفسية والعقلية والمادية  والمعنوية عامة.

- كما نحملها المسؤولية الكاملة في ما يمكن أن تنتهي إليه تداعيات الإستمرار في الإجراءات الإدارية والقضائية الظالمة لحرمان الحزب من مقره الرئيسي ومن باقي مقراته في مختلف الجهات ومن تعطيل صدور صحيفته التي هي اليوم صحيفة كل الأحرار وكل التونسيين الجادين.

- كما ندعوا القيادة السياسية بالبلاد لإنهاء مثل هذا السلوك ومثل هذه الممارسات غير الحضارية التي لا تليق بشعبنا ولا ببلادنا في مستهل الألفية الثالثة في التعامل مع المعارضة السياسية الجادة والمسؤولة ومع كل مكونات المجتمع المدني.

قفصة في:22 /09 /2007 .

 علي شرطاني

بــسم اللـــــــه الرحمـــــان الرحيـــــــم

هــذا بيــان للنــاس

في إطار الحملة الأمنية المتواصلة بالبلاد منذ سنة 1990 والتي كانت السلطة ومازالت تشنها على مكونات المجتمع المدني من جمعيات وأحزاب وحركات وشخصيات وطنية سياسية وحقوقية وإعلامية مستقلة في شهر رمضان المعظم لهذه السنة وإلحاق بها أضرارا مادية ومعنوية، نفسية وجسدية، بينما كنت متوجها إلى مقر الحزب الديمقراطي التقدمي بمدينة قفصة لأداء واجب المساندة والدعم له ولقيادته ولإعلامه في المظلمة المسلطة عليه لافتكاك مقراته الجهوية ومقره المركزي بالعاصمة حيث إدارة صحيفة الموقف الناطقة باسمه  وحيث تعتصم السيدة مية الجريبي الأمينة العامة للحزب والأستاذ أحمد نجيب الشابي مدير الصحيفة، وقد دخلا في إضراب عن الطعام احتجاجا على ذلك، ودفاعا عن حقهم القانوني في المحافظة على مقر حزبهم وإدارة صحيفتهم، منذ يوم 20 سبتمبر 2007 ،حتى اعترض سبيلي مجموعة كبيرة من عناصر البوليس السياسي ودعوني إلى عدم العودة إلى سلوك هذا الطريق مستقبلا ليلا أو نهارا وأعادوني على أعقابي. وفي ليلة 17 رمضان 1428 الموافق لـيوم 28 سبتمبر 2007 وحال وصولي، وبينما كنت أهم بوضع دراجتي النارية أمام مقر الحزب، حتى أسرع عدد كبير من نفس العناصر التي منعتني من الوصول ليلة 15 رمضان الموافق لـيوم 26 سبتمبر، ولم تكن المعاملة هذه المرة كسابقتها، ولكنهم انهالوا علي ضربا وسبا وشتما بكل وخشية وغل وحقد، وأجبروني على المغادرة تحت فرط استعمال العنف المادي واللفظي.

وبحلولي بعد لحظات بمقهى النورس القريب من مكان الإعتداء علي انتهت الترتيبات الأمنية السريعة والميدانية إلى تكليف عنصرين منهم بمتابعتي ومراقبتي عن قرب حتى غادرت وسط المدينة إلى مدينة القصر القريبة حيث إقامتي، وهما يقتفيان أثري على متن سيارة مدنية إلى هناك.وقد تبين أنهم كانوا يستهدفونني شخصيا بالمنع استهدافا خاصا، بعدما تناء إلى علمي بعد ذلك، أنه لم يتم منع أحد غيري من الوصول إلى المكان المذكور للمشاركة في الإجتماع المقرر لتلك الليلة لتدارس الوضع والبحث في ما يلزم لمجابهة المظلمة.

- لذلك وبعد رفضي للطريقة الهمجية التي عوملت بها،  وإدانتي للعنف الذي كنت عرضة له، والذي مارسته ضدي وتمارسه ضد غيري العصابات الأمنية، والتمسك بحقي في التنقل بحرية بالمدينة كما في البلاد، وبكل ما يمنحني القانون من حقوق.

- فإني أطلب من أصحاب المسؤوليات على حماية الأفرد والممتلكات والمكاسب ومن أصحاب النفوذ، إلزام الجهات والعناصر الأمنية الراجعة لها بالنظر باحترام الذوات البشرية وحقوق الناس وبما يلزمهم به القانون.

- أدعوا إلى إنهاء مسلسل عنف السلطة ضد مدنييها وضد نشطاء حقوق الإنسان والمعارضة السياسية السلمية.

- كما استنكر وأنبه إلى خطورة هذا التمييز في المعاملة على أي أساس كان بين مواطني الشعب الواحد في الوطن الواحد.

- ومن موقع المنخرط في الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان أدعوا فرعها بقفصة إلى إصدار موقف من الإعتداء بالعنف اللفظي والبدني على أحد منخرطيه وتمييزه بالمنع مما لايمنع منه غيره ومما لا يمنعه منه القانون، وباستهدافه استهدافا خاصا بذلك.

- وأخيرا وفي إطار التمييز في المعاملة ووضوح خطة الإستهداف الخاص لشخصي بدون سبب وفي غير وجود لأي مخالفة للقانون من طرف أعوان البوليس السياسي أحمل السيد وزير الداخلية المسؤولية الكاملة في ما يمكن أن يمثل خطرا على حياتي أو تهديدا لها يمكن أن تكون الجهات الأمنية الراجعة إليه بالنظر من ورائه.

قفصة في:01 اكتوبر 2007

 علي شرطاني         

الروافض والنواصب الجدد

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 1:07 م

الروافض والنواصب الجدد

 

- الآثار الزمنية على مدلولات المعاني:


ليس المراد إحياء النعرات القديمة ولا تجديد العمل بها، ولا دعوة لإعادة تقسيم مجتمعاتنا، ولا لمزيد تقسيمها كما يتبادر إلى بعض الأذهان، أو كما قد يذهب إليه بعض المغرضين والمرجفين أو بعض الصادقين المخلصين، ولا تأكيدا لبعض المضامين القديمة التي لم يعد من المصلحة الحفاظ على ديمومتها لما فيها من سلبيات، ولما تحمله من دلالات لم تعد الأمة والعالم في حاجة إليها، ولكن لما مازالت عليه من حضور في الثقافة والأدب السياسي العربي الإسلامي، أحببنا أم كرهنا، شئنا أم أبينا، ولما أصبحت تحمله من دلالات لم تعد تاريخية فقط ،ولكن الإنقسام الذي أصبحت عليه مجتمعات وشعوب الأمة في العصر الحديث، هو الذي أصبح يقتضي أن تكون لهذه المعاني مدلولاتها التي تتجاوز ما كانت عليه حين كان الإنقسام الأبرز والأكبر والذي اتضح اليوم أكثر من أي وقت مضى بين الشيعة والسنة، لما اقتضى الأمر والواقع التاريخي الذي فرضه الإنهيار الحضاري العربي الإسلامي والصعود الحضاري الغربي الصليبي، ظهور الطائفة العلمانية اللائكية سليلة الإستعمار والصهيونية، والتي تستمد عناصرها من مجتمعات شعوب أمة العرب والمسلمين من سنة وشيعة وعيرهما من التقسيمات المذهبية والطائفية والعرقية والأثنية الأخرى التي كان الإسلام هو الجامع لها والتي انفرط العقد الناظم لها بانفراط عقده  كنظام سياسي للأمة.   

   
فإذا كان لمعاني الروافض والنواصب مدلولاتها التاريخية في ما قد حصل وفي ما هو حاصل من تجاذب وخصومة وشجار واختلاف سياسي بالأساس وفي الأصل، ليضع له من عرفوا تاريخيا بالشيعة أصولا عقائدية وفقهية وأصولية وسنية…فإن الوقت قد حان لتكون لهذه المعاني مدلولات أخرى في عالم جديد:
- انهارت فيه حضارة الإسلام، وتراجع فيه المسلمون إلى الدرك الأسفل من سلم الحضارة والإبداع والتقدم.


- وأصبح فيه الغرب الصليبي العلماني اللائكي الأصيل في العلمانية واللائكية، والتي تجد لها أصلا في أديانه وعقائده وفكره وثقافته، هو صاحب المبادرة الحضارية ورمز الإبداع والتقدم، بعد أن أصبح الدين في مكونات بعض ثقافته وعند بعض مثقفيه ومفكريه وفلاسفته وباحثيه رمزا للظلم والإستبداد والتخلف والإنحطاط والتصادم مع العقل ومع العلم، بعد الصراع العنيف الذي دارت رحاه بين نظام الكنيسة الكاتوليكية في العصور الوسطى، وبين العلماء والمفكرين والمصلحين العقلانيين في بداية عصر النهضة الأوروبية، والذي انتهى بهزيمة نظام الكنيسة وسقوطه، خاصة في فرنسا وبدرجة أقل في كل من ألمانيا وإيطاليا، وانتصار العقل والعلم على ما اعتبر انتصارا للعقل على النقل وانتصارا للعلم على الدين، والذي كانت نتائجه أن أصبح ينظر إلى الدين على أنه رمز التخلف والإنحطاط والظلم والإستبداد والظلمة، وإلى العقل على أنه رمز التقدم والعدل والمساواة والعلم والنور. وتم سحب ذلك على كل الأديان وعلى كل الثقافات وعلى كل العقول والعلوم…


- وأصبح فيه لليهود منذ 800 سنة قبل الميلاد وبعد انقضاء قرون التيه في الأرض كشعب بلا أرض، دولة من أقوى الدول في العالم، متحصنة بقوة من بين أقوى ترسانات أسلحة الدمار الشامل في العالم وفي المنطقة العربية من العالم الإسلامي.


- واستعاد فيه الفرس مجدا، كان قد ضاع طويلا، في إطار عقيدة التشيع الرافضة لمبدإ الشورى بين المسلمين، والقائلة بمبدإ التعيين في الخلافة والإمامة في الإسلام. وقد تشكل وجودهم على ذلك الأساس، وعلى أساس رفض خلافة الصديق أبي بكر، والفاروق عمر بن الخطاب، وذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنهم جميعا وعدم الإعتراف بشرعيتها، ولا شرعية عندهم لما قبل خلافة أبي التراب على بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه ولا لما بعدها. وأصبح لهم فيه، ولأول مرة في التاريخ كذلك بعد العهد الفاطمي، دولة قوية. وتعمل بكل الوسائل لكسب أكثر ما يمكن من القوة. ولتكون من الدول المستعصية على الأعداء والخصوم والمخالفين…
 
- النواصب الجدد وثقافة الطائفة العلمانية اللائكية الجديدة الدخيلة:


في هذا العالم المشكل على هذه الصورة وعلى هذا النحو، أوجدت القوى الإستعمارية والصهيونية العالمية طائفة أخرى استمدت وجودها من العنصر البشري العربي المسلم وغير المسلم وغير العربي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وهي طائفة الذين نجح الإستعمار والصهيونية في غزو عقولهم أثناء وبعد غزو العالم الإسلامي الذين جعلا من وطنه أوطانا ومن أمته الواحدة شعوبا ومن “نظامه الإسلامي” أنظمة علمانية وتقليدية استبدادية قهرية، والذين كانوا ومازالوا أمناء على ثقافتهما وعلى نظامهما السياسي الذي أقاماه بقوة السلاح بعد إنهاء العمل بالنظام الإسلامي، واعتبار ذلك غير ممكن الوجود والتطبيق وغير صالح لأهل هذا الزمان، وقد ولى كما يؤكد لهم ذلك عالم الإجتماع اليهودي الأصل دوركايم عهد الأنظمة السياسية على أساس من الدين، وهم الذين انتهوا إلى القول بعدم وجود لمثل هذا النظام أصلا، ويعتبرون أنه ليس للقائلين به والداعين لإقامته واستعادة العمل به أي دليل على ذلك ولا أي سند لهم في ذلك، وهم القائلون اليوم بفصل الدين عن الدولة مرددين “القاعدة” والشعار الممجوجين”الدين لله والوطن للجميع”، وبقراءة النصوص المنزلة المقدسة قراءة نقدية وتاريخية (قرآنا وسنة) كأي نص من النصوص القديمة، وهم الذين من خلال قول ذلك وفعله يناصبون الإسلام من خلال مناصبتهم النظام الإسلامي العداء، وهم النواصب لوقوفهم في وجه القوى الشرعية وصاحبة الحق الشرعي والتاريخي والحضاري في قيادة الأمة والإنسانية ومنعها من ذلك، والإصرار على المحافظة على النظام العلماني التكفيري الإستعماري العنصري والعض عليه بالنواجذ، والإستماتة في الدفاع عنه.
 
- الرافضة المسلمون السنة في وجه العلمانية والتشيع:


ويكون الإسلاميون في الحركة الإسلامية وخارجها هم الروافض لرفضهم النظام العلماني اللائكي في غير عداء له ولا مناصبة أهله والمؤمنين به العداء، وإيمانهم بنظام الشورى الإسلامي، مع رفضهم المطلق لثقافة التغريب والإلحاق والولاء للأجنبي، والإيمان بالإستفادة من هذه الثقافة ومن هذا النظام والقبول بذلك، كما قبل أسلافهم الإيمان بثقافة الشعوب والأمم الأخرى، والقبول بالإستفادة منها ومن الأنظمة السياسية والإجتماعية التي كانت قائمة عليها وهم في أوج عطائهم الحضاري وفي أوج قوتهم وتفوقهم.


وإذا كان معنى الرافضة من الشيعة لنظام الشورى الإسلامي صحيحا، وليس ذلك معرة لهم لأنهم لا يخفون رفضهم لخلافة الخلفاء الراشدين والقول بعدم شرعيتها، ويبدون إيمانهم بأحقية علي بن أبي طالب في الإمامة باعتباره الموصى له بذلك نصا كما يروق لهم أن يفهموا النصوص، وهي المرة الأولى التي يستغل فيها الموقف السياسي من خلال الموقع السياسي لأول معارضة في الإسلام لفهم النص القرآني، إخضاعا له لذلك الموقف، ليتواصل فهم النص من خلال الموقف والموقع، عوض أن يكون البحث في الموقف وفي الموقع من خلال النص، فهم على نفس منهج العلمانيين في النظر للنص القرآني والسني، ولكن بآليات مختلفة، ومن خلال أصول وثوابت مختلفة، فإن معنى النصب الذي يطلقه هؤلاء على أهل السنة والجماعة يعتبر إساءة مقصودة، وافتراء وكذبا وبهتانا وزورا واضحا، لأنهم لا يستندون إلى دليل من أي جهة ومن أي فرد، ولا يستطيعون أن يأتوا على امتداد القرون الطويلة لنظام الخلافة الإسلامية خطأ وصوابا، عدلا وجورا وفي أسوإ حالات الإنحدار في المرحلة الطويلة من تاريخ الملك العضوض الذي اغتصب من الأمة حق اختيار قيادتها، وأنهى العمل بمبدإ الشورى، وانحرف بالإسلام انحرافا مازالت الأمة والبشرية كلها تعاني من تداعياته، ولا لإي حجة واضحة دامغة على مناصبة أهل السنة والجماعة العداء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يعدوا إلا أن يكون ذلك افتراء من عند أنفسهم، ويقولون على الله وعلى الناس الكذب وهم يعلمون.


ولذلك، فإذا كان الشيعة روافض، فإن أهل السنة والجماعة، حتى الذين ظلموا منهم، لا يستطيع أحد أن يقيم عليهم الدليل القاطع على أنهم إنما كانوا يناصبون أهل البيت عليهم السلام العداء، إلا أن يكون ذلك محاكمة للنوايا واستخلاصات لا يسقط فيها عادة من في قلبه مثقال حبة من تقوى يخشى أن يلقى الله وهو فاقد لها.


وإذا كان القول بأن مظالم قد حصلت في حقهم كما حصلت في حق الكثيرين من غيرهم بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبعد الإنقلاب على نظام الخلافة الراشدة من بعد خلافة الإمام علي رضي الله عنه صحيحا، فإن القول بمناصبتهم العداء ليس صحيحا.


وإذا كان رفض الإسلاميين للنظام العلماني الفاسد صحيحا، فإن القول بمناصبتهم العلمانيين العداء كما يناصب بعض العلمانيين واللائكيين منهم خاصة الإسلاميين العداء من أجل ذلك، ليس صحيحا.


وإذا كان رفض الإسلاميين للنظام العلماني المغشوش صحيحا، مع القبول بالتعاطي والتعامل معه والإستفادة مما هو مفيد فيه وهم الرافضة، وهم الذين يختلف رفضهم للنظام العلماني مع رفض الشيعة لنظام الشورى الإسلامي، لأنه رفض لمفهومين للنظام السياسي في إطار نفس المرجعية الفكرية والعقائدية والثقافية والتاريخية والحضارية، فإن نصب الحركة العلمانية اللائكية العداء للنظام الإسلامي وللإسلام من خلال ذلك، هو كرفض الشيعة لنظام الخلافة في الإسلام، ومناصبتهم العداء من خلال ذلك لأهل السنة والجماعة وتكفيرهم واستحلال دمائهم وأعراضهم وأموالهم، وهو يختلف عنه، لأن العلمانيين واللائكيين وهم النواصب، يشتدون في مناصبتهم العداء للإسلام من خلال الإسلاميين ومن خلال الحركة الإسلامية ومشروعها وبرنامجها السياسي، وخطابها ونمط المجتمع الذي تدعو إليه وتعمل على إيجاده استنادا  إلى مرجعية عقائدية وفكرية وثقافية وتاريخية وحضارية غير مرجعية الإسلام ومرجعية الحركة الإسلامية العقائدية والفكرية والثقافية والتاريخية والحضارية.
 
- مقاربة في الرفض والنصب في إطار تطور مدلولات المعاني عبر التاريخ:
وإذا كان الروافض الشيعة يلتقون في رفضهم لنظام الشورى الإسلامي ونظام الخلافة الراشدة ما لم يكن
على أساس العصمة والوصاية، مع النواصب العلمانيين في مناصبتهم العداء للنظام الإسلامي وللروافض الإسلاميين في الحركة الإسلامية للنظام العلماني الطبقي البورجوازي الرأسمالي، وممارسة الأنظمة العلمانية للقمع والإرهاب عليهم، والتهميش والإقصاء لهم، وتعاطيها الخاطئ مع الحركة التي تمثل اليوم وعن جدارة بما فيها من سلبيات وما ترتكبه أحيانا من أخطاء، حركة التحرر العربي الإسلامي، استحلالا للدماء والأعراض والأموال، فإن الرافضة الإسلاميين يختلفون مع الشيعة في رفضهم لنظام الخلافة الراشدة ونظام الشورى الإسلامي، ويختلفون معهم في إيمانهم بنظام الوصاية والعصمة الذي لا يجدون عليه في الإسلام دليلا قطعي الدلالة قطعي الورود، كما لا يستطيع الشيعة سليلو السبئية إثبات ذلك، بعيدا عن المقاصد أو التأويلات الخاطئة، وهم من يؤسس مسألة العقيدة والإعتقاد على غير أدلة صحيحة وواضحة وقطعية، ويظل الإسلاميون في الحركة الإسلامية الوسطية المعتدلة يختلفون مع الطائفة العلمانية، سليلة الإستعمار الغربي ثقافة وسياسة، في مناصبتها العداء للإسلام ولنظام الشورى الإسلامي ومرجعيته الإسلامية، وهم يختلفون معها كذلك في قولها مناصبتهم العداء للنظام العلماني اللائكي، وهم الرافضون له فقط ،في غير عداء له وفي غير مناصبة المؤمنين به من أهله الأصليين في الغرب ومن غير أهله المؤمنين به في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين تحديد االعداء من أجل ذلك.


- وإذا كان انتهاء الشيعة عند رفض الخلافة الراشدة ونظام الشورى ومعارضتهم له مقبولا، فإن القول بنظام الوصاية والكهنوت والإمامة على أساس العصمة يبقى غير مقبولا.
- وإذا كان انتهاء العلمانيين للقبول بالنظام العلماني مقبولا، لأنه ليس لأحد الحق في إجبارهم على غير ذلك، ولا منعهم من الإيمان والقبول بذلك، فإن مناصبتهم العداء للنظام الإسلامي وللإسلام وقيمه ومبادئه وعقيدته وشريعته وللإسلاميين في الحركة الإسلامية ومواصلة استحلال دماءهم وأموالهم وأعراضهم غير مقبولا.


- وإذا كان العلمانيون يلتقون مع الشيعة في رفض الأوائل ومناصبتهم العداء للنظام الإسلامي وللإسلام ويقولون به، وفي استحلال أموال وأعراض ودماء أهل السنة والجماعة والحركة الإسلامية ومشروعها الإسلامي، فإن الإسلاميين في الحركة الإسلامية المعتدلة الوسطية الأكثر انتشارا واتساعا لأهل السنة والجماعة، وإن كانوا يرفضون النظام العلماني ونظام الملك والوصاية والعصمة الشيعي فهم يختلفون معهم أي مع الطرفين في العلاقة القائمة بينهم. وهم يؤمنون بعدم مناصبة العداء لأي كان ولأي جهة، وبعدم استحلال الدماء والأعراض والأموال لأي كان ولأي جهة من هذه الجهات. وهذا هو الرأي الغالب على مدرسة أهل السنة والجماعة وفي الحركة الإسلامية المعتدلة الوسطية المعاصرة، إلا ما كان إستثناء أو شذوذا عن الأصل وعن القاعدة.


- وإذا كان الشيعة يريدون أن نكون على كلمة سواء بيننا في نفس الإطار العقائدي التوحيدي والثقافي العربي الإسلامي والتاريخي والحضاري فإنه عليهم أن ينتهوا عن مناصبة أهل السنة والجماعة العداء وقولهم عليهم مناصبتهم العداء لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم باعتبار مخالفة ذلك للحقيقة ومجانبة ذلك الصواب، ولهم أن يظلوا على معارضتهم السياسية لنظام الخلافة والشورى الإسلامي وعدم اعترافهم بشرعية خلافة من سبقوا الإمام علي عليه السلام في ذلك، ومناصبتهم العداء لأهل السنة والجماعة إذا كان هناك إصرار منهم على ذلك. وإذا لم يكن عندهم استعداد لأن يعتبروا أن الذي حصل بينهم هو مجرد خلاف سياسي تاريخي من أجل إيمانهم بذلك وفهمهم له وقبولهم به، ورفضهم لنظرية الوراثة والوصاية والإمامة على أساس العصمة.ولهم أن يظلوا على موقفهم ذاك وفهمهم له وقبولهم به، وهم غير القادرين على ذلك في النهاية، وفي عصر الشعوب، أي في عصر أصبح فيه للشعوب توق شديد ورغبة ملحة واستعداد دائم للتمسك بحقها في المشاركة السياسية المباشرة، وفي اختيار الحكام ومراقبتهم ومحاسبتهم، مثلما كان اختيار المسلمون الأوائل من السلف الصالح حتى انتهاء خلافة الإمام علي رضي الله عنه لحكامهم، وفق ما كان ممكنا ومتاحا ومعلوما من صيغ وآليات الإختيار في ذلك الزمن، ومتابعتهم ومحاسبتهم. وهم من وضعوا حدا لسلالة أهل البيت المعصومين من الأئمة الأطهار ممن يعتبرونهم أصحاب أولوية مطلقة في السلطة والحكم والخلافة والإمامة، وهم وحدهم أصحاب الحق الشرعي في ذلك دون غيرهم من باقي المسلمين، لألا يبقى أمامهم بذلك إلا القول باستمرار وجود نظام الحكم الإسلامي على النحو وعلى الفهم الذي عمل ويعمل به وفهمه ومازال يفهمه أهل السنة والجماعة، وهم من فرضت عليهم الأحوال والظروف نبذ عقلية وثقافة الإنتظار التي ظلت تحكمهم قرونا من الزمن حتى ظهور المهدي المنتظر المعصوم الغائب الموهوم الذي يعتقدون بظهوره…


- وإذا كان النواصب الروافض العلمانيون التغريبيون التكفيريون يريدون أن يكون لهم دور في جمع شتات الأمة، وإعادة الإعتبار لها واستعادة مجدها الضائع، أن ينتهوا عن القول بفصل الدين عن الدولة، إلا أن يكون الدين المطلوب فصله عنها غير الدين الإسلامي، وتكون الدولة المطلوب فصل الدين عنها غير الدولة الإسلامية، وعن ترديد تلك الإسطوانة المشروخة الممجوجة القائلة: “الدين لله والوطن للجميع” لأن المحصلة النهائية في الأمر كله، أن الدين والوطن والخلق كله، وليست الشعوب وحدها لله، وليس للناس وللشعوب بعد ذلك من كل ذلك شيء .وعدم الإعتراض على ضرورة قيام نظام الشورى الإسلامي، والإلتقاء والإلتحاق بالروافض غير النواصب الإسلاميين في الحركة الإسلامية على المعنى المشار إليه سالفا، لإقامة نظام الشورى أو النظام الديمقراطي الذي يراد له أن يسود العالم، والذي يقوم على الإختيار الحر المباشر للحاكم على أساس من البرامج والتصورات والرؤى التي يتحقق بها العدل والمساواة، وتتحقق بها الحرية وتصان بها حقوق الإنسان، دون تمييز في ذلك بين شيعي وسني، وعلماني من أصول سنية أو شيعية، ولا فرق فيها بين كافر ومسلم، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين أصفر وأحمر، ولا بين عربي ولا أعجمي.  


- وإذا كان يجمع بين العلمانيين والشيعة رفضهم الخلافة والنظام الإسلامي الشوري، ومناصبة الإسلاميين وأهل السنة والجماعة عموما العداء من أجل رفضهم للنظام العلماني وإيمانهم بنظام الشورى الإسلامي، ومن أجل رفضهم لنظام الكهنوت والوصاية الذي ابتدع أسسه وأصوله وقيمه ومبادئه وشريعته وعقيدته اليهود عبر حركة عبد الله بن سبأ اليهودي الذي يؤمن به الشيعة، والذي جعلوا عنوانه الإمامة والعصمة، فإن أهل السنة والجماعة على أي نحو كانوا وعلى ما ارتكبوا في الإسلام من أخطاء وعلى ما حصل في عهدهم من مظالم ومن مخالفات ومن اجتهادات خاطئة ومن قصد وعمد لا يراد به من بعض الجهات والأطراف والأشخاص وجه الله، وقد حصل كل ذلك وبأقدار مختلفة في تاريخه الطويل، وعلى أي فهم للإسلام سواء تقليديا ماضويا متحجرا كان، أو حديثا واقعيا وسطيا متسامحا حداثيا، بقدر ما هم رافضون للنظام العلماني ولنظام العصمة الشيعي. فإنهم لا يناصبون أحدا من هؤلاء جميعا العداء.وإنهم وإن كانوا روافض فإنهم ليسوا نواصب. فهم محبون لإهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ومحبون لمن يحبهم بصدق وإخلاص وأمانة في غير مغالات ولا تطرف ولا تزمت أعمى، ولا يناصبوا أحدا العداء إلا من شذ وعمى وصم وناصبهم العداء بغير علم ولا دليل ولا حجة ولا برهان ولا هدى من الله.

وهم وإن كانوا مبغضون للعلمانية وللعلمانيين المتطرفين المتعصبين، ورافضون للنظام العلماني، إلا أنهم لا يناصبون خصومهم والمخالفين لهم والمختلفين معهم من العلمانيين العداء كما يناصبونهم، ولا يستحلون أموالهم وأعراضهم ودماءهم كما يستحلون دماءهم وأعراضهم وأموالهم، وهم مكتفون بالمعارضة لهم  والإختلاف معهم والرفض لمشروعهم ذات الأصول الإستعمارية مع الإيمان والحرص على الإستفادة بكل ما هو مفيد من أي معين، حتى استعادة الحق المسلوب بتحقق الإستقلال الحقيقي للشعوب والسيادة على الأوطان، والذي ليس ممكنا إلا بقيام نظام الشورى الإسلامي الجامع لكل الأعراق والعقائد والألوان والثقافات والأديان والأفكار، والذي لا حرية ولا كرامة ولا عدل ولا مساواة ولا أمن ولا أمان ولا سلم ولا سلام للإنسان، وليس للعرب والمسلمين فقط ،في العالم بدونه.


- وإذا كان الشيعة روافض لرفضهم لنظام الشورى الإسلامي ونواصب لمناصبتهم العداء لإهل السنة والجماعة وكل من خالفهم في عقيدة التشيع، وإذا كان أهل السنة والجماعة روافض لرفضهم نظام الوصاية والإمامة على أساس العصمة وولاية الفقيه الحديثة، وللنظام العلماني اللائكي، فهم غير نواصب ولا يناصبون أحدا من هذه الجهات والأطراف المختلفين معها العداء، بما يترتب عن ذلك من استحلال للدماء والأموال والأعراض، فإن العلمانيين اللائكيين طائفة من النواصب والرواض كذلك معا، لرفضهم للنظام الإسلامي، ولمناصبتهم العداء للإسلام وللإسلاميين في الحركة الإسلامية الوسطية المعتدلة ولحركة التحرر العربي الإسلامي. 

  
- وإذا كانت مكونات مجتمعات شعوب أمة العرب والمسلمين مشكلة اليوم من أهم هذه الطوائف الرئيسية الثلاث، دون استثناء باقي المكونات من الأقليات العرقية والدينية والأتنية الأخرى طبعا.
فإن وحدة الأمة ليست ممكنة شرعا وواقعا إلا بتقارب هذه المكونات الرئيسية الثلاث في المجتمع العربي الإسلامي، والإتفاق على عقد وبيعة للتعايش والتداول السلمي على السلطة في مختلف أوطان الأمة، تتحقق بهما فيها تلك الوحدة، ويكون بها الإستقلال الوطني المطلوب الذي لا يكتمل إلا بإقامة شعوب الأمة للنظام الإسلامي الشوري الوحدوي التوحيدي الإنساني العادل.


وليست هذه الوحدة ممكنة، وليس ذلك الإستقلال ممكنا، إلا على أساس ضرورة مراجعة الطائفة العلمانية اللائكية موقفها من الإسلام ومن النظام الإسلامي، والإنتهاء عن رفض مطلب النظام الإسلامي والطعن والتشكيك فيه، وعن مناصبة أصحاب المشروع الإسلامي في الحركة الإسلامية وخارجها العداء، وعلى أساس مراجعة الشيعة موقفهم من نظام الخلافة ومن نظام الشورى الإسلامي، ومن رفضهم له والإكتفاء بمعارضته إن شاءوا، بعد أن لم يعد مكان للعصمة ولمعصوم بين المسلمين حتى إشعار آخر، وعدم مناصبتهم أهل السنة والجماعة وأصحاب المشروع الإسلامي في حركة التحرر العربية الإسلامية في مواجهة أصحاب المشروع العلماني الدخيل العداء، وعلى أساس اعتراف أهل السنة والجماعة بالإنحرافات والأخطاء والمظالم والمفاسد التي حصلت في التاريخ الإسلامي، وعدم الإستمرار في تبريرها والدفاع عنها وعن أصحابها، والإنتهاء عن تقديس الأشخاص، الذي لا يختلفون فيه عن تقديس الشيعة للأئمة ولنوابهم من الإئمة والعلماء، وعلى أساس عدم تقديس العلمانيين واللائكيين الذين ندعوهم للتوبة والأوبة والإنابة ومراجعة الحق عوض التمادي في الباطل، لأفكارهم ومشاريعهم ومفكريهم، وعن احتكار العقل والعلم وامتلاك الحقيقة، ليجتمع الجميع على كلمة سواء رغم الخلافات والتباينات في المواقف والآراء، ليكون الجامع هو الإسلام، الذي به ينتهي كذلك رفض الإسلاميين وأصحاب المشروع الإسلامي في أوطان أمة العرب والمسلمين وفي العالم للعلمانيين وللمشروع العلماني، الذي يجب أن لا يظل مطروحا بديلا عن النظام الإسلامي، ولكن يجب أن يظل مصدرا من مصادر الإستفادة مما جادت به فيه العقول من حكم يعتبر المسلمون أنفسهم أحق الناس بها أينما وجدوها. 


قفصـــة في:03 شوال 1428 
اكتوبر 2007
علـــــــي شرطــــاني
  

أكتوبر 20, 2007

خلفاء الإستعمار(2)

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 3:06 م

خلفاء الإستعمار(2)

علـــــي شرطـــاني

قفصـــــة / تـــونس

- أي فهم للإستعمار في قاموس الحركة القومية العربية؟:

إن فكرة الإستعمار العثماني أو التركي لكثير من الشعوب التي يجمعهم بها الإسلام هي فكرة دخل بها الإستعمار الصليبي الغربي المنطقة العربية، وخاطب بها الشعوب الرازحة تحت الظلم والجهل والفقر والمرض، والمشبعة بالإنحطاط، المكونة للإمبراطورية العثمانية، لتكون له عونا على نفسها وعلى بعضها، وإقناع الشعوب الإسلامية بضرورة العمل من أجل التحرر والإنفصال، والقبول به كصديق لا يريد بهم إلا خيرا، وهو على أتم الإستعداد لحمايتهم من كل عدو متربص بهم، سواء كان داخليا أو خارجيا. وهو الذي كان مستعدا وقادما أصلا لحمايتهم من إخوانهم الذين قدمهم لهم على أنهم أعداء. وهم الذين أصبحوا يعتبرون ذلك كذلك أيضا. ولكنه ليس مستعدا لحمايتهم من العدو الإستعماري الذي هو أخوه وشريكه في الحضارة، والذي لم  يكن قادما لحمايتهم منه، ولكنه لم يأت إلا بعد أن كان قد تقاسم معه المنطقة كما تقاسم معه غيرها من مناطق  النفوذ في العالم، بما يجعل وجوده العسكري داخل تلك المناطق والأوطان له ما يبرره، إضافة إلى المهمة الحضارية التي جاء من أجلها، والتي كانت كل هذه الشعوب المتخلفة في حاجة إليها. وهي إقامة أسس المدنية الحديثة على تلك الأراضي القاحلة من أي طلع حضاري، والإرتقاء بالإنسان إلى مستوى الشعارات الخلابة الخادعة التي رفعتها الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية فالثورة البلشفية في ما بعد.

وبذلك تكون كل الجرائم التي ارتكبت ومازالت ترتكب في حق الشعوب إنما تجد لها مبررا في زعم سعي هذه القوى الإستعمارية لحماية حقوق الإنسان والديمقراطية وحق الشعوب في تقرير المصير وتحقيق الأمن وإقرار السلام.

فبالرغم من صفتها وطبيعتها الإستعمارية، إلا أنها لا تعتبر نفسها ولا يعتبرها الكثير من المفتونين بها على أنها كذلك، خاصة بالنسبة لبعض الشعوب الواقعة خارج النفوذ العثماني. وأنه يمكن اعتبارها حركة تحديثية حضارية لإيصال المدنية والعلم والمعرفة والحداثة إلى هذه الشعوب المتخلفة والموغلة في البدائية والبربرية والتوحش. وعلى فرض أنها كذلك فإن ذلك لا يكون مبررا على أية حال للجرائم التي ارتكبت في حق تلك الشعوب التي لم تكن هذه الحركة في الحقيقة أقل بربرية فيها من أولئك الذين جاءت مدعية إخراجهم من حالة التوحش والحيوانية التي كانوا عليها، إلى حالة المدنية والإنسانية التي يدعي الرجل الأبيض أنه قد أصبح يمثلها، والذي يعتبر الحركة الإستعمارية هي وسيلته وأداته لتعميم تلك الحالة من النهوض والمدنية على العالم. وهم يعتبرونها كما تعتبر نفسها على أنها ليست استعمارية. وكان الأمر كذلك بالنسبة للشعوب الواقعة تحت النفوذ العثماني كذلك أو القريبة منه. ولكنها قوة حماية وتحرير لها من الظلم والإستبداد ومن القوة الإستعمارية العثمانية المهيمنة عليها قرونا من الزمن.

وقد جاء في اتفاقية وزيري خارجية فرنسا وأنجلترا جورج بيكو وسايكس والتي عرفت في التاريخ باتفاقية سايكس بيكو ما نصه: ” تتفق الحكومتان الإنجليزية والفرنساوية بصفتهما حاميتين للدول العربية على ألا تمتلكا ولا تسمحا لدولة ثالثة أن تمتلك أقطارا في شبه جزيرة العرب أو تنشئ قاعدة بحرية في الجزائر على ساحل البحر الأبيض الشرقي على أن هذا لا يمنع تصحيحا في حدود عدن قد يصبح ضروريا بسبب عداء الترك الأخير”.(1)

فلئن كانت دولة “الخلافة” العثمانية ظالمة وجائرة ومستبدة فإن ظلمها وجورها واستبدادها لا ينسحب على كافة الأقطار الراجعة إليها بالنظر، باعتبار أن كثيرا من الأقطار كانت تتمتع باستقلال ذاتي أو شبه ذاتي أو تام أو شبه تام. فلماذا لم تعالج هذه الأقاليم ظاهرة الجهل والفقر، وتعمل على الخروج من وضع الإنحطاط إلى وضع الترقي ؟

وكيف يمكن أن تعتبر بهذه الصفة مستعمرة من قبل العثمانيين حتى يصبح الحديث عن التحرر من الإستعمار العثماني بشأنها مستساغا؟ علما وأن الإستعمار الغربي نفسه قد قسم العرب خاصة إلى عرب عثمانيين هكذا ! وعرب غير عثمانيين. وجعل كل من تونس والجزائر والمغرب التي هي حصة فرنسا، وليبيا وهي حصة الطليان ثم مصر والسودان واليمن وجنوب الجزيرة العربية والخليج العربي حصة لبريطانيا في خانة العرب غير العثمانيين، وجعل العرب العثمانيين هم أولئك الواقعون تحت النفوذ الفرنسي في كل من سوريا ولبنان، وأولئك الواقعون تحت النفوذ البريطاني في كل من العراق والأردن وفلسطين فقط في ظل زعامة قائد الثورة

العربية الكبرى الشريف حسين بن علي شريف مكة، وإبنيه:

- فيصل الذي جعله الغزاة البريطانيون ملكا على العراق.

- وعبد الله الذي توجوه ملكا على الأردن التي اقتطعت منها فلسطين لتسلمها بعد ذلك لليهود الصهاينة.

ولسائل أن يسأل كيف أمكن لهذه الصفة أن يستمر سحبها على “الخلافة” العثمانية من قبل المتغربين والعلمانيين العرب في الحركة القومية العربية وفي الحركة العلمانية عموما في جل إن لم يكن في كل مكوناتها وإن كانت ظالمة مستبدة. وهم الذين عرفوا الإستعمار ومازالوا يعرفونه وعاشوا ومازالوا يعيشون

أوضاعه وجرائمه، وليس ظلمه واستبداده فقط. وهم الذين أوكل لهم مهمة إدارة الشأن العام من بعده، وقبل

ورضي بهم في ظل انقسام حصل في ما بينهم، بين رجعيين تقليديين ظل ولاءهم دوما للإمبريالية الرأسمالية الغربية، وتقدميين ثوريين أصبح ولاءهم للإمبريالية الإشتراكية والشيوعية الشرقية وفق ما كان عليه العالم الغربي من انقسام بين معسكرين متنافسين غربا وشرقا غربيا، وليسا متنازعين نزاعا مباشرا. وهم الذين كانوا أكثر انحيازا، وخاصة اليساريين الشيوعيين والقوميين منهم أو أصحاب الميولات والمنازع القومية، للمعسكر الشرقي الغربي، بالرغم مما كان يمثله من استبداد ودكتاتورية ومن منطلق مبدئي. فكانت كل الأنظمة التي أقاموها في الدولة القطرية، وهم الوحدويون بدون منازع وبحسب ما يزعمون، وفق التقسيم الإستعماري للمنطقة العربية وللعالم الإسلامي وللعالم، أنظمة استبدادية قهرية ظالمة، بدا الظلم العثماني الذي صنفوه أو صنف لهم من على أنه استعمار لا كبير حرج فيه. وهم الذين كانوا قادرين على المقاربة على الأقل بين ما كان اعتباره في التاريخ القديم والحديث استعمارا، وما لم ولا يمكن اعتباره كذلك- علما وأن مصطلح الإستعمار هو المصطلح الذي أطلقه الغزاة الغربيون على أنفسهم في الوقت الذي كانوا وهم يقومون بعملية تخريب الأوطان ونهب الثروات وإبادة الإنسان من الأعراق والأجناس والألوان الدونية الأخرى حسب التصنيف التفاضلي للأعراق كما يراها فلاسفتهم ومفكروهم وزعمائهم، لإظهار وتأكيد تفوق العرق الغربي الأبيض، ولتعمير أوطانهم فقط، يرفعون شعار إعمار الأراضي والأوطان التي احتلوها، وإبلاغ المدنية للبرابرة والمتوحشين والمتخلفين من باقي الشعوب والأمم والأعراق الدونية . ومعنى الإستعمار الذي يريدونه لأنفسهم ويطلقونه عليها لا يستقيم إلا إذا أطلق على حركة الفتح الإسلامي تحديدا وعلى “الخلافة العثمانية” بقطع النظر عما كانت عليه وما انتهت إليه من ظلم وفساد واستبداد، لأنها كانت في الأصل حركة تحرير وإعمار وتعمير. وبالتالي فهي التي يصح إطلاق مصطلح الإستعمار عليها بمعناه الإيجابي الذي أطلقه الغزاة الغربيون على أنفسهم، وهم الذين يصح إطلاق ذلك المصطلح بمعناه السلبي عليهم. إلا أن الغرب المعتدي استطاع أن يحول المعنى الإيجابي الذي كانت عليه “الخلافة ” العثمانية للإستعمار إلى معنى سلبي، وأن يثبت المعنى السلبي الذي كان هو عليه إلى معنى إيجابي، وأن يقنع القوميين العرب والعلمانيين واللائكيين المتغربين باعتبار الإستعمار العثماني لهم سيء ومضر وفاسد يجب التخلص منه، وباعتبار استعماره لهم إيجابي يمكن الإستفادة منه ولا بأس من القبول به.

- أتراهم لم يفعلوا ذلك لأنهم تغريبيون وعلمانيون وليكون الإستعمار الغربي أفضل عندهم من الإستبداد العثماني الذي رفعوه إلى درجة الإستعمار تأثرا بالظاهرة القومية العالمية.  

- أم لأنهم لا يعتبرون الحملة الإستعمارية الغربية التي اجتاحت العالم ليست في بعض جوانبها استعمارا؟

- أم لأنهم كل ذلك، ولا استعمار في تلك المرحلة على الأقل إلا الإستعمار العثماني كما طاب لجلاديهم وأسيادهم الإستعماريين اعتباره .

ولقائل أن يقول: لما لا يكونوا تغريبيين وعلمانيين عرب، وتكون الحركة الغربية وحدها عندهم استعمارا؟

وهم الذين كانوا في الحقيقة كذلك إلا أن ذلك لم يرفع عندهم صفة المستعمر عن “الخلافة ” العثمانية ذات الصفة الإسلامية للعرب.

ولاستجلاء حقيقة هذا الأمر فإنه لا مفر من إخضاع هذه الصفة للمقارنة، ولكن ليس قبل تقديم صورة موجزة على صعود العثمانيين الأتراك إلى قمة هرم السلطة في الإمبراطورية الإسلامية.

- العثمانيون والإنقاذ الإسلامي:

لقد كان سقوط بغداد عاصمة الخلافة الإسلامية مصابا جللا في تاريخ الإسلام والمسلمين. وقد كان ضربة قاسمة للعرب خاصة، وقد انقضى آخر عهدهم بالمسك بزمام الخلافة الإسلامية التي طالما طالها التنازع بينهم والموالي. وقد كان العرب يعتبرون دوما أنهم أحق من غيرهم بها. حتى أن البعض كان يذهب إلى أن القرشية هي إحدى شروط الخليفة. وبذلك يكون العقد الذي كان ينتظم فيه أكثر أو جل المقاطعات والإمارات والسلطنات الإسلامية قد انفرط. وأن أكثر الذي ورث الضعف في الأمة الإسلامية هو استعانة ملوكها وسلاطينها وأمرائها وقياداتها المختلفة ومن مختلف المواقع بعضها على بعض بالأجنبي منذ وقت مبكر من التاريخ. مما سهل على الغزاة الصليبيين قديما سقوط الخلافة العباسية ثم الأموية في الأندلس ثم العثمانية في التاريخ الحديث. وقد كانت الحركتين القوميتين الطورانية والعربية من أهم الأسباب الداخلية التي عجلت بسقوطها، وانتهت بتداعيات ذلك السقوط إلى هذه الأوضاع التي لا نحسد عليها، سواء في المنطقة العربية أو في العالم الإسلامي كله. ومازالت هذه الإستعانة به متواصلة بما أسقط فلسطين بيد اليهود الصهاينة، وبما أسقط إمارة أفغانستان الإسلامية بيد التحالف الغربي الأمريكي الصليبي، وبما أسقط العراق بيد قوات التحالف الأمريكي البريطاني، وبما أسقط المحاكم الإسلامية في الصومال لصالح العملاء والخونة والإنتهازيين بتدخل عسكري أثيوبي بغطاء أمريكي بعد أن حسمت الأمر بالبلاد لصالح أمن واستقرار الشعب الصومالي الذي كان فاقدا لهما منذ أكثر من ستة عشر سنة.         

” بل نحن نذهب إلى القول أنه لم تكن هناك خلافة حقيقية منذ سقوط بغداد”(2)

ذلك أن الإنقسام قد وجد في وقت مبكر من تاريخ المسلمين، ولكنهم ظلوا مع ذلك محافظين على وحدتهم الإسلامية العقائدية والفكرية والثقافية والإجتماعية، مع تواصل حركة الفتح لتزيد في اتساع رقعة الأرض التي يسيطرون عليها، والتي أعطت للشعوب فرصة اعتناق الإسلام اقتناعا وبعيدا عن أي إكراه، وبعيدا عن الخوف في ذلك من أي جهة، والتخلص من الأنظمة الإستبدادية التي تسيطر عليها وتستعبدها وتكرهها وتمنعها من الإختيار الحر في الإنتماء والإعتقاد، وقد استهواها العدل الإسلامي والحرية الإسلامية والمساواة التي جاءت عقيدة التوحيد الإسلامية داعية لها قبل أن يصلها المد الإسلامي المتنامي.

 فكانت وحدة رائعة وتعايش سلمي بين مختلف العقائد والأديان والأجناس والثقافات واللغات لم يعرف له التاريخ مثيلا .

وإذا كانت اللغة العربية هي السائدة، فليس لأن المسلمين فرضوها وصادروا ما زاد عنها من لغات الأجناس والأعراق المختلفة اللغات، بل لأن اغلبهم قد أصبح يدين بعقيدة الإسلام الذي هو الدين عند الله، والذي أراده للناس كافة، والذي يستوي في مطالبة الله جميع عباده بالإيمان والقبول به، سواء من قبل منهم بذلك أو من لم يقبل. فمن آمن به وعمل صالحا فسيجد الله وهو عنده مأجور. ومن كفر به فسيجد الله وهو عنده مأزور. وتصبح بذلك اللغة العربية التي نزل بها القرآن للناس كافة لغة كل المسلمين وليست لغة العرب الذين أصبحوا قلة بالنظر إلى ما أصبح عليه المسلمون من مختلف الأجناس والألوان والأعراق من كثرة.

فاللغة العربية لم تعد منذ نزول القرآن بها لغة العرب وحدهم، بل كانت قد أصبحت بذلك لغة عالمية وكونية. يقول تعالى: ” وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ” وقد جاء في سورة الجن قوله جل في علاه: ” قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا *يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا “. ومن حق كل من يبلغه الإسلام ويعتنقه أن يمتلكها وتصبح لغته، لا باعتبارها لغة العرب بل باعتبارها لغة القرآن، والإسلام لا يلزمه أن تكون على حساب لغته الأصلية إن أراد الإبقاء عليها.

قلت أنه لم يتحقق للمسلمين بعد سقوط بغداد قيام خلافة قوية قادرة على حماية الثغور وجمع شتات المسلمين، مما جعل مرافئهم هدفا للقراصنة الفرنجة وبضاعة تجارهم غنيمة لسفن تجارهم. وأخذوا يعبثون بالسواحل ويأسرون التجار ويقضمون المدن ويسيطرون على السواحل. وقد كثر تحرش الدول الإفرنجية بأقاليم الخلافة الإسلامية التي كانت ممسكة بزمام أمرها الخلافة العباسية وعاصمتها بغداد. والتي أصبحت منشغلة بالصراع الداخلي أكثر مما هي منشغلة بحماية الثغور، فضلا على مواصلة حركة الفتح والتوسع لإزالة المعوقات أمام الشعوب وإعطائها فرصة التعرف على الإسلام، والإختيار الحر بين اعتناقه أو البقاء على ما هي عليه من الإعتقاد والثقافة واللغة.

إنها الفترة التي استجمعت فيها دول الفرنجة قوتها، واستطاعت أن تسقط غرناطة مركز الخلافة الأموية التي نقلها عبد الرحمان الداخل إلى الأندلس بعد استيلاء العباسيين على السلطة في المشرق العربي.

فقد أصبح العرب في هذه الفترة الحرجة من التاريخ مهددين باحتلال الفرنجة لهم كل يوم . وفي الوقت الذي سقطت فيه غرناطة وضاعت فيه الأندلس قلعة العلوم والحرف والفنون، وبعد مكث للمسلمين فيها دام ثمانية قرون من الحضارة. كان العرب في المشرق يداهمهم خطر حقيقي يتمثل في استعداد الفرنجة لاحتلالهم وحذفهم من الوجود يوم تتحقق لهم الغلبة عليهم كما حذفوهم من الأندلس، ويفعلوا بهم مثلما فعلوا بالمسلمين

وبمن خالفهم في العقيدة من واليهود هناك ومن “الهراطقة” المسيحيين بعد ذلك وقبله ممن لم يكونوا على رأي رجال الكنيسة الكاتوليكية خاصة في أوروبا كلها. وقد أنشأ أنو سنت الثالث في ما بين سنة 1160 و1216 محاكم التفتيش الشهيرة، فكانت مذبحة القسطنطينية ومذبحة جنوب فرنسا ضد من أطلق عليهم

الهراطقة من أتباع ماني الأقذار والإخوان الألبيجان. ثم أنشأت محكمة إسبانيا سنة 1480 لتواصل محاكم التفتيش عملها في كامل أوروبا حتى عام 1834 أي منذ تاريخ مبكر من اجتياح الحركة الإستعمارية الغربية الحديثة العالم وبعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1830 .

ففي الوقت الذي سقطت فيه الأندلس واطرد منها المسلمون واليهود الذين كانوا لا ينعمون بالأمن والإستقرار إلا مع المسلمين وفي ظل حكم الإسلام، وتعرضوا إلى أبشع أنواع الإبادة، وفي الوقت الذي بلغ فيه العرب بعد سقوط الخلافة الحقيقية في بغداد حدا من الضعف أصبحوا لا يملكون حياله حتى القدرة على الدفاع الشرعي عن النفس، كان سليم شاه بن عثمان يكتسح جنوب غرب آسيا ويحقق الإنتصارات ويلحق الهزائم بالقوات الصليبية المتربصة بالمسلمين، حتى حضي بشرف إسقاط أكبر قلعة رومانية ظلت ممتنعة على  السقوط بيد المسلمين مدة ثمانية قرون. وقد تم له فتح القسطنطينية سنة 1453 على يد القائد العسكري محمد الفاتح. فطبقت بذلك شهرته الآفاق، وغدا حديث الرجل والركبان، مما حدا بالعرب وهم على الحال الواقعة الإشارة إليها سلفا من الضعف والخوف من احتلال الفرنجة لهم، إلى القبول بالإنضواء تحت سلطته حفاظا منهم على أنفسهم قبل أن يكون ذلك غيرة وحفاظا منهم على الدين واستعادة نظام الخلافة. لأن سليم شاه بن عثمان لم يكن إذا صحت الرواية التي يؤكدها المؤرخون ذلك الرجل التقي الورع العالم، وإنما كان كما يقول ابن إياس ” أما سليم شاه بن عثمان هذا عنده جهل زائد ويحب إقامة الفتن وكان سفاكا للدماء فقتل إخوته وأولادهم وكان منهم من هو مرضع عما قيل من جهله “.

” وكان القاضي الذي قرر بن عثمان أن يحكم في الصالحية أجهل من حمار وليس يدري شيئا في الأحكام الشرعية ويضيع على الناس حقوقها ” “… كان مشغولا بلذته وسكره وإقامته لوزرائه بما يختارونه… فكان لا يظهر إلا عند سفك دماء المماليك الجراكسة…”(3)

ورغم ما كان عليه هو وجنوده، إذا صحت هذه الروايات، من فسق وانحلال وميوعة وعدم التزام بعقيدة الإسلام وبالتكاليف الشرعية، فإنه أول من استطاع أن يوحد الأمة الإسلامية بعد حالة التشرذم والفرقة التي أصبحت عليها بعد سقوط عاصمتها بغداد بيد التتار بمساعدة وتواطئ وخيانة من ابن العلقمي على خلفية عقيدته الشيعية. وهي التي لم تسقط بعد ذلك إلا بيد البريطانيين بفعل الحركة القومية العربية وبتخطيطها وفكرها وعلاقاتها. ولتسقط بعد ذلك أيضا بيد الإمبراطورية الأمريكية والتحالف الغربي الصليبي الصهيوني، وبتواطئ من النظام العربي العميل الإستبدادي الفاسد، وبتنسيق وتعاون مع نظام الدولة الصفوية في إيران ” الثورة الإسلامية” بفعل وحماقات وغباء وفساد رؤية نظام البعث القومي العربي بالعراق بقيادة صدام حسين المجيد التكريتي في أقل من يومين في مارس سنة 2002 .

وظلت “الخلافة” العثمانية بذلك تمثل سدا منيعا للكيان الإسلامي كله. وكانت بذلك قد أخرت الإجتياح الأوروبي الصليبي للمنطقة العربية والعالم الإسلامي أربعة قرون. وكانت تتمتع بهيبة يهابها من خلالها الأعداء ويطمئن لها بها الأصدقاء. وأمنت الكيانات الإسلامية التي ظلت مستقلة أو شبه مستقلة حتى آخر عهد هذه الخلافة.

ويحدثنا التاريخ عن انضمام الكثير من المقاطعات والبلدان إليها طواعية واختيارا مثل الجزائر في عهد خير الدين بارباروس وتلاها في ذلك تونس وطرابلس وكان ذلك عام 1556 .

ولئن كان الخلفاء والملوك والسلاطين والأمراء الذين يمثلون رموز السلطة في كل إمبراطورية إسلامية لا يمثلون الإسلام من المنظور الأصولي الشرعي الصحيح والصادق، ولا تتمثل فيهم الشروط الشرعية اللازمة ليكونوا ممثلين للإسلام والمسلمين تمثيلا حقيقيا وصادقا وصحيحا بما يرضي الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن حياة المسلمين في عمومها كانت وظلت منتظمة على أساس من العقيدة والشريعة الإسلامية تصورا وفكرا وسلوكا، ولم يكن الملوك والأمراء والخلفاء والسلاطين الذين يمثلون القيادة السياسية هم المشرفون على تنظيم حياة المجتمعات الراجعة إليهم بالنظر إشرافا مباشرا، ومثلما يجب أن يكون عليه الحال في الأصل، وإنما كان يضطلع بهذه المهمة أكثر من كان يضطلع بها ويتحملون المسؤولية المباشرة فيها هم العلماء والفقهاء والأئمة والقضاة. وهم الذين كانوا قائمين على تنظيم حياة المجتمع، وعلى علاقة مباشرة  بالجماهير. وهم الذين يتراوحون والحال هذه بين العمق الإجتماعي المدني ومشاكله، والقيادة السياسيةالمراقبة للوضع العام، والتي كان أكثر اهتمامها منصبا على تنظيم الفتوح وإخماد الثورات والقلاقل الداخلية لتحقيق الأمن والإستقرار والوحدة. أما حركة المجتمع ومشاغله ومشاكله اليومية فإن اهتمامهم بها كان عبر الولاة والقضاة وخزنة بيت مال المسلمين والعلماء المجتهدين والمفكرين …

 

إن الذي نريد إن نخلص إليه في القول، أن وحدة المسلمين ومنعتهم وهيبتهم قد تحققت وظلت محفوظة على أساس انتظام حياة المسلمين على الإسلام رغم جهل سليم شاه عثمان وتهوره وعدم انضباطه للقيم والشرائع والأحكام الإسلامية.لأن أفسد ما كان في مكونات المجتمع الإسلامي بعد وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنذ انقضاء الخلافة الراشدة وحلول الملك العضوض مكانها على يد الطلقاء أبناء الطلقاء، هي القيادات السياسية فيه. تماما مثلما هي عليه الحال اليوم في الكثير إن لم يكن في كل مجتمعات شعوب أمة العرب والمسلمين، وإن كان قد أضيف لقياداتها السياسية الكثير من المؤسسات التابعة لها، وطابورا خامسا من المفسدين من مكونات الحركة العلمانية التكفيرية المتغربة الدخيلة التابع لها والملتحق بها، مما ازدادت به الأوضاع السيئة أصلا سوءا.

فأي علاقة أو وجه شبه بين الخلافة العثمانية على ما هي عليه من انحراف ومظالم وفساد، والزحف الصليبي الغربي الغازي ؟

فالتاريخ يشهد أ ن الخلافة الإسلامية العثمانية قد انبعثت في وقت كان المسلمون في أمس الحاجة لمن يجمعهم بعد تشتت، ويوحدهم بعد فرقة، ولمن يؤمنهم بعد خوف، ولمن يقويهم بعد ضعف. وصارت تحكم الشعوب والأجناس والأعراق التي أخضعتها لسلطتها وجعلتها تحت نفوذها بما تحكم به المسلمين، شأنها في ذلك شأن

كل أنظمة الخلافة الإسلامية السابقة لها، بدءا بالخلفاء الراشدين، ومرورا بالخلافة الأموية، وانتهاء بالخلافة العباسية، مع الوقوف وقفة إجلال وتكريم وتقدير لخلافة عمر بن عبد العزيز الراشدة رضي الله عنه التي أريد للخلافة الأموية الظالمة المستبدة أن تستمر بعدها ما شاء لها الله أن تستمر…وفي ذلك ينقل لنا محمد جميل بيهم قول رينيه بينوف:” لا يخفى أن الدولة العثمانية ما حاولت قط تتريك العناصر في بلادها الأوروبية .. لذلك فحيث حافظ هؤلاء على أديانهم استطاعوا أن يحتفظوا أيضا بلغاتهم وبتواريخهم وبشعورهم الوطني حتى إذا جلا عن بلادهم الأتراك عادوا إلى ما كانوا عليه قبل العهد العثماني وعادت الفسيفساء التي كانت تزين كنائس الروم بعد أن طلاها الأتراك بالكلس والجير  إخفاء للرسوم المحرمة عندهم عادت إلى الظهور برونقها وجمالها إذ رفع الطلاء عنها وكانت تاريخهم في زوايا الأديرة لا تفتأ تصون شعورهم الوطني”(4)

إذا كانت هذه معاملة العثمانيين للأجناس والأعراق والشعوب التي أوقعوها أو اختارت الوقوع تحت نفوذهم بأديانها وثقافاتها ولغاتها وتاريخها- والحق ما شهدت به الأعداء- فكيف كانت معاملة الصليبيين للمسلمين الذين أصبحت الغلبة لهم عليهم في نفس الفترة التاريخية وقبلها وحتى من بعدها، وكلما كانوا قادرين عليهم، مقابل ذلك؟. ذلك ما تؤكده وتسجله الدكتورة سيجريد هونكه في معرض حديثها عن سقوط الأندلس من أيد المسلمين واستعادة الكاردنال د. بيدروجوانزليس ده مندوتا لها وهي تقول في ذلك: ” وتعرضوا للإضطهادات الشنيعة فقد حرم عليهم الإسلام وتعاليمه وأوامره كما حرم عليهم استخدام اللغة العربية وحتى نطق كلمة عربية أو أغنية عربية أو شعر عربي. كما حرموا عليهم حتى العزف على الآلات الموسيقية العربية واستخدام الأسماء العربية وارتداء لباسهم القومي وزيارة الحمامات وفرض المسيحية على من يخالف هذا من المسلمين أشد العقوبات من سجن وطرد وحرق المسلم وهو على قيد الحياة وهكذا تم النصر على العروبة وذلك عن طريق مختلف أنواع الإضطهاد من حرق وقتل وتعذيب”(5)     

وإذا كان في ذلك ما يصلح لمنتحلي الأعذار أن يقولوا أن تلك كانت ممارسة إنسان القرون الوسطى ولا تصلح بذلك أن تكون دليلا لتعصب إنسان القرن التاسع عشر أو إنسان القرن العشرين والواحد والعشرين وحقده ودمويته، ولا يصلح أو يصح أن يكون ذلك حجة عليه، وهو اليوم صانع أعظم حضارة عرفها التاريخ، فإننا نوجه عناية الإنسان المعاصر إلى النظر في ما يورده جميل بيهم في ما يتعلق ببعض ما جاء في المعاهدة المبرمة بين الروس والعثمانيين سنة 1829 بعد الحرب التي دارت بينهما بقوله: ” ألم يعتبر العثمانيون بمعاهدة سنة 1829 التي أبرمت بينهم وبين الروس عقب الحرب بين الدولتين ؟ فقد تقرر في ذيل تلك

المعاهدة عملا بمشيئة روسيا ترحيل جميع السكان المسلمين من الأفلاق والبخدان وبيع ما لهم فيها من عقار وأثاث خلال ثمانية عشر شهرا فقط”.

وحتى إذا كانت نهاية العقد الثالث من القرن التاسع عشر تطويحا في التاريخ، فإننا نستطيع أن لا نذهب بعيدا لينتهي بنا التطواف إلى خطط الدول الإستعمارية الحديثة، وهي تمعن في قتل الشعوب وإبادة الأجناس، مبررة ذلك بمثل ما جاء في الإنذار المؤرخ في 27/9/1911 الذي وجهته إيطاليا لحكومة الباب العالي تخطرها فية بعدم معارضتها لاحتلال طرابلس، وقد جاء في الإنذار ما يلي :”إن السبب في الهجوم هو إهمال الدولة العثمانية لهذا القطر لذا فإن الدولة الإيطالية تريد أن تفتح أبواب هذه البلاد للمدنية الغربية .. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنها تريد المحافظة على مصالح الإيطاليين فيها وإنقاذهم من الخطر المحيق بأرواحهم

بسبب التحريض العام عليهم بدافع من التعصب الديني الذي يظهره الموظفون الترك وضباطهم نحوهم”.(6)

وقد كلف الشعب العربي المسلم في ليبيا عدم قدرته على استيعاب درس تلقينه المدنية الغربية من طرف الصليبيين الفاشست الطليان، وإصراره على البقاء رازحا تحت نير “الإستعمار” والإستبداد التركي العثماني من الخسائر ما يورده لينين في مقال نشره في جريدة البرافدا العدد 129 يوم 28 أفريل 1912 يقول فيه:” من أي نوع كانت هذه الحرب ؟.. لقد كانت حماما داميا متمدنا ومجزرة قتل فيها العرب بواسطة أحدث الأسلحة..

وعلى سبيل العقاب ضرب حوالي 3000 عربي حتى الموت وقتلت عائلات بأسرها وذبح الأطفال والنساء بدون سبب .. وشنق حوالي 1000 عربي .. بلغت خسائر العرب 14800 رجل بالرغم من الصلح فالحرب لم تتوقف لأن القبائل العربية في قلب أفريقيا في مناطق بعيدة جدا عن الشاطئ تأبى الإستسلام ولمدة طويلة من الزمن سوف يجري تمدينها بالبنادق والحراب والمشانق والحرائق والسياط”.(7)

إن أحقية العرب بمنصب الخلافة ليست شرطا شرعيا، وإنما كان ذلك من البدع الكثيرة التي أقرها الطلقاء أبناء الطلقاء الذين أمعنوا في نقض عرى الإسلام عروة عروة. وكانوا وراء كل الظروف والأحداث التي كانت سببا في الثورة على الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه وقتله، واستولوا على السلطة وأعلنوا قيام الملك العضوض وأحلوه محل الخلافة الراشدة الواجب قيامها على مبدإ الشورى، وجعلوه في العرب، واعتبروا أنه لا حق لغيرهم فيه. فالله تعالى يقول في كتابه العزيزإن أكرمكم عند الله أتقاكم ” وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله:” لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى “.

وإذا كان من النصوص الشرعية ما يعتمد لإثبات أفضلية العرب على من سواهم من الأعاجم فليس ذلك مطلوبا لذاته، وإنما يظل ذلك صحيحا ومقبولا وشرعيا بقدر ما يتحقق به للإسلام والمسلمين وللإنسان عموما من نفع وصلاح. أما إذا كان الحاصل خلاف ذلك، فيجب أن يكون الأفضل شرعا هو الأكثر صلاحا وتقوى. والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول:” أحب العرب لثلاث: لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي “.(8)

وأحاديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في هذا السياق واضحة، وتتضمن دعوة صريحة وواضحة إلى حب العرب وتفضيلهم:

- لعلاقتهم بالإسلام باعتباره نزل بلغتهم أولا.

- ولأن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان منهم ثانيا.

- ولأن لغة القرآن التي هي اللغة العربية هي كذلك لغة أهل الجنة في الجنة.

 فيصبح القول بذلك أن يكونوا الأصلح لإقامة الإسلام والحفاظ عليه على النحو الذي يرضي الله ورسوله.

وهل ينطبق هذا التفضيل والتكريم والتبجيل والحب عليهم حتى حين يخونوا الأمانة ويخذلوا الإسلام ويثخنوه

تبديلا وزيادة ونقصانا، ويمعنوا في نقض عراه عروة عروة كما سبقت مني الإشارة إلى ذلك. هذا ما لا تحتمله النصوص ولا تقره ولا تدعوا إليه. بل وهذا ما تمنعه وتنهى عنه ولا تجيزه.

ويصبح العربي الذي تنطبق عليه النصوص هو كل مسلم عالم بلغة القرآن من أي جنس كان، وهو حافظ للأمانة التي عرضها الله “على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقنا منها وحملها الإنسان إنه

كان ظلوما جهولا”.

وهناك أحاديث للنبي صلى الله عليه وآله وسلم مفادها أنه يصبح عربيا من فقه لغة القرآن وحذقها. وإذا كان كل المسلمين مدعوين لتعلم لغة القرآن، فإنهم يصبحون كلهم عربا لسانا ومسؤولين بنفس الدرجة على إقامة الإسلام عقيدة وشريعة. ومتى كان معيار الإستحباب والتفضيل هو العروبة إذا كان العرب هم أول من قاوم دعوة الإسلام وحاولوا وأدها في المهد ولم يدخروا جهدا في محاصرتها والقضاء عليها. ولكن وعد الله حق وقد وعد نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يمكن لهذا الدين ولو كره الكافرون. وقيض له من الصادقين من العرب ومن كان معهم من الموالي من هبوا لنصرته ولم يخافوا في الله لومة لائم ومكنوا له بأموالهم وأنفسهم.

والعرب هم الذين أعلنوا بمجرد بلوغ خبر وفاة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إليهم ردتهم، وكانت حرب الردة باليمامة التي خاطب فيها سهيل بن عمرو المرتدين قائلا:” يا أهل قريش لا تكونوا آخر من أسلم وأول من ارتد”. 

ثم كانت: المرحلة الثالثة: وهي الأشد خطورة. وكان العرب حاضرين هذه المرة للإنقضاض على الإسلام نهائيا ولم يبقوا منه إلا على ظل خافت وأثر بعد عين. وقد نسفوا منه مبدأ الشورى وقضوا على حرية التفكير والتعبير فيه، وكرسوا سيادة العرب وإقصاء الموالي والأعاجم … إلى آخر ذلك من الجرائم التي ارتكبت في حق الإسلام والمسلمين. حتى أن ابن رشد ” كان يعد معاوية الذي أنشأ الحكم الأوتوقراطي في الإسلام مسؤولا عن الإطاحة بهذا المثل الأعلى وفتح الباب أمام جميع الكوارث التي حلت في ما بعد بالمسلمين “(9)

وكان يعتبر أن الحكومة الإسلامية التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين “هي الجمهورية المثالية التي حلم بها أفلاطون”.(10)

أما المرحلة الرابعة: فكانت تتميز بوقوف عرب الشام والعراق في وجه الفتح الإسلامي متحالفين مع الروم تارة ومع الفرس أخرى.” وتكون غزوة تبوك في العام التاسع الهجري …ويقبل على النبي صاحب أيلة يوحنا بن رؤبة فيصالح الرسول ويكتب له عهده ويقبل ناس من أهل جرباء وأذرح فيصالحهم كذلك ويكتب لهم عهودهم .. ولكن عرب الشام لا يستيقضون لدعائه ولا يستجيبون لدعاته ولا يبادرون لنصرته وتأييده “.

” وأن الروم كانت تضرب البعوث على العرب الضاحية وكانت تستفزهم فينفر إليها من بهراء وكلب وسليح وتنوخ ولخم وجذام وغسان وكانت تحارب بهؤلاء المستنفرين في المواقع المختلفات .. بل إنها كانت تجد منهم من تستخدمه في التجسس والتطلع “.

لم يكن خالدا ليلقى الفرس وحدهم ولكنه كان يلقى العرب والفرس ، بل كان يلقى في هذه المواقع التي دارت على طرف الفرات الغربي مجاورة للبادية من العرب فوق ما يلقى من الفرس ولعل العرب كانوا يقاتلونه (خالد بن الوليد) أحيانا وحدهم من دون أعاجم كما في عين التمر”.(11)

وبذلك يصح القول أن أحقية العرب بالخلافة ليست حكما مطلقا ولا شرطا غير قابل للإسقاط، ولكنها مرتبطة بالورع والتقوى والصدق في الحكم بما أنزل الله دون تبديل ولا تغيير. وذلك هو العربي الذي يكمن أن يقدم لمنصب الخلافة، وإلا فإن من هو أفضل منه وأقدر على حمل الأمانة هو أولى منه بها ولو كان من الموالي أو الأعاجم نسبا، فهو عربي لغة ولسانا وقرآنا وعلما وقدرة.

فالعروبة وحدها لا تبوء العربي إلى مكان الصدارة والجلوس على كرسي الخلافة:

- لأن الإسلام ليس عربيا.

- ولأن العرب ليسوا كلهم مسلمين.

- وليس كل المسلمين منهم صادقين، والصادقون منهم لا تتوفر فيهم كلهم الشروط.

وإذا ما أصبحوا قلة بين الأجناس والأعراق المكونة للأمة الإسلامية، فإن حضوضهم قد تكون أقل من حضوض الكثير ممن سواهم ممن يصبحوا بذلك على الأقل أحق بخلافة المسلمين، وليس لمجرد أن يكون الرجل عربيا ليكون ذلك كافيا له حتى يكون مقدما بهذه الصفة فقط على غيره.

واللغة بما هي مقوم من مقومات الأمة، فإن اللغة العربية لم تعد لغة العرب ولا هي ملك لهم وحدهم منذ أن نزل بها القرآن الذي أراده الله الرسالة الخاتمة للناس كافة. ولتكون بمقتضى ذلك لغة الناس كافة. ولكنها أصبحت لغة كل المسلمين ممن سبقوا للإسلام من كل الأجناس والأعراق من أصحاب اللغات الأخرى، إلى المسلمين المعاصرين، وانتهاء إلى المسلمين اللاحقين إلى قيام الساعة، حين تكون لغة أهل الجنة في الجنة من مختلف الألسن والألوان الذين خلقهم الله من نسل آدم عليه السلام.

فاللغة العربية التي لم يستطع العرب منذ نشأتهم أن يخرجوا بها من الجزيرة العربية، قد أصبحت لغة عالمية منذ أن أنزل الله بها القرآن للناس كافة. بل أصبحت بذلك كونية بعد أن نزل بها ملك الوحي جبريل عليه السلام على محمد صلى الله عليه وآله وسلم،، وأخذت الجن بها القرآن عليه. قال تعالى في سورة الجن: ” قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا”.

ولذلك، فلئن كان فضل العرب عليها كبيرا، ففضل الإسلام كان عليها أكبر، لأنه أخرجها من حاجة العرب وحدهم إليها إلى حاجة كل المسلمين إليها. حتى إذا كانت لغتهم في الدنيا فإنها تصبح لغتهم في الآخرة كذلك، حيث تكون لغة كل من كان أهلا للجنة ممن خلق الله من الملائكة والجن والإنس.

ولذلك فإن الذين يعتبرون أن العثمانيين قوة استعمارية كما يحلو للدول الإستعمارية الصليبية الغربية أن تظهرهم، حجتهم داحضة، لأن العثمانيين المشار إليهم من طرف جهات لها علاقة معلومة ومعلنة بالغرب الصليبي ليسوا إلا قوة أوجدها الإسلام الذي حمله إليهم وأبلغهم إياه العرب المسلمون ومن أسلم معهم من

الأعاجم الذين جعل الإسلام منهم أمة وقوة ما كان ليكون لهم وجود كالذي كانوا عليه بدونه.

فإذا كان العثمانيون الأتراك قوة أوجدها الإسلام في وقت كانت الأمة الإسلامية بما فيهم العرب في أمس الحاجة إليها كما يتأكد ذلك من خلال التاريخ، كما أوجد الأمة العربية التي يؤكد التاريخ أنه ما كان يمكن أن يكون لها وجود بدونه، فكيف يستقيم القول أن تكون الثانية مستعمرة للأولى، وهي التي تشترك معها في مصدر القوة والنشأة والتكوين الذي هو الإسلام وأبلغته إليها؟

أليس من باب أولى وأحرى إذا كان لا بد من مستعمر ومستعمر أن يعتبر العرب المسلمون في هذه الحالة هم القوة الإستعمارية الأولى التي فرضت على الأتراك دينها ولغتها وثقافتها وذلك ما كان عليه موقف الأتراك بعد أن تمكنوا من إنهاء الخلافة والذي أكد عليه كبيرهم الذي علمهم السحر كمال أتاتورك في موقفه من استبدال الأحرف العربية للغة التركية بالأحرف اللاتينية؟ وكرس حياته كاملة في محو كل أثر للعروبة والإسلام من تركيا عاصمة الخلافة الإسلامية على امتداد قرونا عديدة من الزمن.

ولأن المستعمر كما هو معلوم يكون شديد الحرص على فرض دينه وعقيدته ولغته وثقافته، فهل كان شيء من ذلك مما فعله العثمانيون الأتراك ضد العرب أو حتى ضد غيرهم من الأمم والشعوب المكونة للأمة في الأقاليم التابعة ” للخلافة ” والمحسوبة عليها. 

إن هذه الخدعة لم يكن لها في تاريخ المسلمين وجود، عدى ذلك الصراع المحموم الذي نشب بين العرب والموالي من أجل طموح ورغبة وسعي كل طرف للإنفراد بموقع القيادة السياسية في الخلافة الإسلامية، دون اعتبار هذا الطرف أو هذا الفريق أن ذاك الطرف أو ذاك الفريق مستعمر له.

فالمتأكد يقينا أن سحب فكرة النزعة الإستعمارية على الخلافة العثمانية التركية كانت من صنع الأنظمة الإستعمارية الغربية مستفيدة من:

1- غباء وسذاجة وطمع العرب في ذلك الوقت وجهلهم، وانحطاطهم الأخلاقي والحضاري.

2- جور الأتراك واستبدادهم ومصادرتهم للحق والعدل والحرية، وهي من القيم والمبادئ التي لا يصح الإسلام ولا الحكم الإسلامي الشوروي الصالح إلا بها.

3- استفادة قوى الهيمنة الإستعمارية من النزعة الشعوبية التي كانت تعلم أنها كانت تحكم العلاقة بين العرب وغيرهم من الموالي والأعاجم الذين ينازعونهم دوما قيادة الأمة.

4- نفي الدول الغربية الإستعمارية صفة الإستعمار عن نفسها باعتبارها قوة حماية وانتداب وإلحاقها وإلصاقها بالعثمانيين الأتراك المسلمين.

5- انتحالها صفة المنقذ والحامي للعرب وخاصة لمن أسمتهم بالعرب الأتراك أو العرب العثمانيين، وهم الذين جندتهم وقادتهم في حرب عربية إسلامية ضد العرب والأتراك المسلمين، أي في حرب عربية إسلامية عربية إسلامية بإشراف وتمويل وقيادة أنقليزية وصهيونية مباشرة. وبذلك يكون قد تحقق استكمال هيمنة كل من أنقلترا وفرنسا على المنطقة وفق اتفاقية سايكس بيكو الفرنسية البريطانية. وهكذا تكون قد توفرت كل الشروط، وأصبحت كل الظروف مناسبة لاستلام الصهيونية لأرض العرب والمسلمين فلسطين، وجعلها وطنا قوميا لهم.

لا يشك أحد من العرب أو من المسلمين أو من العرب المسلمين في إسلام العثمانيين الأتراك. ولا يشك أحد أنهم قد حكموا المسلمين بمثل ما حكمهم به من استبد بأمر الخلافة ممن سبقهم من العباسيين والأمويين من قبل، إذا استثنينا خلافة عمر بن عبد العزيز الراشدة، حتى إذا قيل أنهم أتراك ومستبدون، فإننا نستطيع القول أن العرب والمسلمين قد عرفوا الإستبداد والظلم والطغيان بالحياد عن تعاليم الإسلام وألفوه من قبل ومنذ وقت مبكر، سواء في ظل وجود الموالي على رأس الخلافة، أو في ظل وجود العرب سواء بسواء. ويكونوا بذلك  ليس أول عهد لهم بذلك.

فمن المفارقات الغريبة أن يتخلد بذهن المسلمين العرب، أن يكون أخوة لهم في الدين، مهما كانت درجة الإستبداد التي كانوا أو يمكن أن يكونوا عليها مستعمرين لهم، ويعاملونهم معاملة المستعمر فعلا. لقد سقط العرب في أسوإ ما يسقط فيه الأقوام والأجناس والأعراق والأمم والشعوب، لما استعانوا بعدو تاريخي معلوم، جاء في إحدى حملاته المتكررة في التاريخ غازيا ليحتل الأرض ويغتصب الأرزاق ويصادر الحريات ويتفنن في القتل والحرق والإبادة. ويفرض دينه ولغته وثقافته على شق من الأمة يشاركونهم عقيدة الإسلام ويتكلمون لغة القرآن التي هي لغة العرب أنفسهم، وأقروا الثقافة العربية الإسلامية، وفسحوا المجال لتطور العلوم والفنون والمعارف في إطارها، ولم يصادروا من أحد أرضا، ولم يحتلوا وطنا، ولم يبيدوا شعوبا ولا أعراقا ولا أجناسا ولا ألوانا، ولم يرضوا بغير نظام الشريعة الإسلامية نظاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا. يقول الأمير مصطفى الشهابي” ومن محاسن الدولة العثمانية في نظر الشعوب التي كانت تحكمها تلك الدولة أن الترك كانوا أقل استعدادا للأخذ بوسائل المدنية من الشعوب المذكورة، ولذلك لم يستطع الترك فرض لغتهم على بلاد العرب مثلا ولا نشر ثقافتهم عليهم لأنه لم يكن للترك ثقافة صالحة لأن تنشر على الناس “.(12)

إن العثمانيين الأتراك الذين خططت الدول الإستعمارية الغربية لأن تجعل منهم في نظر العالم، وجعلت منهم في نظر العرب للأسف أو بعض الأطراف العربية على الأقل، استعمارا، هم الذين لاذوا من بأس القائد قتيبة

بن مسلم الباهلي، بالإسلام ودانوا به، حتى ” صاروا في ما بعد أحمى حماته وأمضى سيوفه “(13) قد جاءوا ليوحدوا العالم الإسلامي بعد أن كان ممزقا. وجعلوا لغة القرآن هي لغة جميع المسلمين عربا كانوا أو عجما لمن أراد منهم ذلك. ولم يغتصبوا أرضا لأحد لأن عادة المسلمين في فتوحاتهم وفق تعاليم الإسلام أن يبقوا الأجناس والأعراق والشعوب والقبائل على أراضيها، وفي مواطنها وأوطانها، وأن يظلوا متمتعين عليها بكامل حقوقهم مقابل دفع الزكاة لمن أسلم، والخراج والجزية لمن يرد أن يبق على دينه، ويظل في ذلك يتمتع بكامل حقوقه المشروعة في إطار عدل النظام الإسلامي. في حين جاء الإستعمار الغربي الجشع ليضرب وحدة الشعوب والأجناس والأعراق والأوطان. ويزرع التباغض والتعصب والعنصرية، لضمان نجاح تنفيذ أغراضه الدنيئة في فرض لغته ومصادرة لغات الأقوام والأعراق والأجناس والشعوب الأخرى. وفرض دينه بمصادرة أديان وعقائد الآخرين، أو على الأقل إفسادها عليهم وإخراجهم منها. وتأكيد ثقافته التي لم تخدم إلا مصلحته العنصرية والأنانية. وليس من قبيل المصادفة أن يدخلوا من باب العروبة لضرب الوحدة الإسلامية والعربية الإسلامية.ولكنهم كانوا خبيرين بالوضع السياسي والجغرافي والعرقي والديني، وكانت مراهنتهم على القومية العربية والقومية الطورانية التركية في زمن القوميات في الغرب مدروسة دراسة جيدة، ويتضح ذلك من قول القائد العسكري للحركة القومية العربية لورانس في معرض تعليقه على بداية الثورة” لقد كنت أومن بالحركة العربية إيمانا عميقا وكنت واثقا قبل أن أحضر إلى الحجاز أنها هي الفكرة التي ستمزق تركيا شذر مذر”.(14)

إن لورانس يعلم كما سبق أن أشرت أن العرب ليسوا في النهاية كلا متجانسا موحدا دينيا وطائفيا ومذهبيا على الأقل، رغم رابطة العنصر القومي الذي يبدو جامعا بينهم، ولكن يمكن أن ينقسموا في النهاية أشتاتا، فيكون:

- منهم العرب المسلمون السذج الذين يغلب عليهم الجهل والغباء.

- ويكون منهم العرب المسلمون الذين أداروا ظهورهم للإسلام خوفا أو طمعا وقد نسوا الله فأنساهم أنفسهم، واتخذوا من القومية العربية مرادفا للإسلام وبديلا عنه، في وقت لم يكن فيه أي معنى للعروبة خارج الإسلام وبعيدا وبديلا عنه.

- ومنهم المسلمون العرب وهم الذين لا يرون للعرب بديلا عن الإسلام نظاما، ولا قيمة بل ولا وجود لهم ولا معنى بدونه. ولا مستقبل لكل العرب والمسلمين خارج إطار الوحدة العربية الإسلامية والتضامن العربي الإسلامي. وهؤلاء هم فرسان الجامعة الإسلامية الذي كان مشروعا أقض مضاجع الإستعمار. ومنهم العرب المسيحيون والعرب اليهود، وقد عولت وراهنت الحركة الإستعمارية على كل هذه الأطراف العربية المشار إليها، بعد أن انفرط عقدها الديني والثقافي والتاريخي والحضاري الإسلامي الجامع والموحد، ما عدا الطرف المسلم العربي الذي سعى إلى التأكيد على الجامعة الإسلامية، بل الإبقاء عليها والدفاع والذود عنها. وكان يمثله زعماء الإصلاح من أمثال جمال الدين الأفغان ومحمد رشيد رضا وعبد الرحمان الكواكبي وشكيب أرسلان والشيخ عبد العزيز الثعالبي وابن أبي الضياف وخير الدين باشا وغيرهم.  

وإذا كانت دوافع القوميين العرب المسلمين هي الحرص على قيام الوحدة العربية التي كانت قائمة في إطار “الخلافة ” العثمانية، والتي لم تتحقق بعدها، وتحقيق الإستقلال الذي كان متحققا في ظلها، والذي لم يتحقق خارجها، عن ما اعتبروه أو بالأحرى ما أملاه عليهم الأوروبيون الغزاة والصهاينة، الإستعمار العثماني، فإن دوافع القوميين العرب المسيحيين واليهود هي إضافة إلى ما تقدم، هي السعي إلى الوجود خارج النظام الإسلامي الذي هو نظام الخلافة، والإلتحاق والإرتباط ببني عقائدهم وأديانهم من الغزاة الغربيين، وهذا رأي لورانس”العرب” في الوحدة العربية الذي يقول فيه: ” بعض السوريين يصرخون في طلب إقامة مملكة عربية وهؤلاء عادة هم من المسلمين… وأما المسيحيون الكاتوليك فعلى العكس يطالبون بحماية أوروبية من النوع الذي يمنح امتيازات دون أن يربط بقيود”. وأما جميل بيهم فيقول : ” على أن وجهات نظر البيروتيين كانت مختلفة خصوصا لوجود فئة ذات وزن كانت حريصة على التخلص من الحكم العثماني وتعمل بالإتفاق

مع فرنسا في جمعية سرية … كان قنصل فرنسا أحد أعضائها لضم مدن الساحل إلى لبنان وللسعي لاستقلاله تحت حماية فرنسا”.(15)

أما بخصوص العرب اليهود ومن ورائهم القومية اليهودية قاطبة ممثلة في الحضور الأنجليزي المباشر، وفي الحركة الصهيونية النشيطة، والتي وضعت كل ثقلها المادي المغري على ذمة كل من هو مستعد ليسلك بها الطريق إلى فلسطين العربية الإسلامية. وكل ثقلها السياسي والعسكري والإعلامي، إلى جانب كل القوى الإستعمارية الغربية. وسعت لإيجاد علاقة وثيقة مع كل من له صلة أو يمكن أن تكون له بأرض الحجاز وسوريا حيث الأمل معقود، والمساعي جارية لاقتطاع ما يعتبرونه وطنهم القومي فلسطين. وقد وجدوا في الزعيم الروحي للثورة العربية وأبناءه وخاصة إبنه فيصل خير متفهم لقضيتهم وخير معين على تسهيل كل الخطوات وتذليل كل الصعوبات التي يمكن أن تعترض سبيل الحركة الصهيونية في طريقها لاغتصاب أرض المسلمين في فلسطين.

فقد بدا واضحا أن القومية العربية من خلال ما جاء في حديث الملك فيصل للورد روتشيلد، ومن خلال إحدى رسائله إلى عضو الوفد الأمريكي في مؤتمر الصلح والمتحدث الرسمي باسم الصهيونية السيد فرنكفورت، هي الحليف الإستراتيجي للقومية اليهودية المتمثلة في الحركة الصهيونية العالمية. بل إن العرب اليهود كانوا يمثلون النسبة العالية والأوفر إمكانيات إذا ما أضيفت إليهم كل جحافل القوميين العرب على اعتبار أن الحركتين هما حركتين قوميتين وليستا حركتين استعماريتين، وعلى اعتبار أنه لا غنى للواحدة عن الأخرى حسب رأي الملك فيصل ابن قائد الثورة العربية الكبرى الشريف حسين. وقد بدا واضحا وبما لا يدعو مجالا للشك كذلك أن الحركة القومية العربية التي أشعلت ما يسمى ثورة 1919 وقد صدر إعلان وعد بلفور الذي يمنح وطنا قوميا لليهود في فلسطين، كانت تعلم أن الحركة الصهيونية قد أصبحت مؤهلة كوريث أوحد لفلسطين من الكيان الإستعماري البريطاني، والتي هي جزء من التركة الكبيرة للرجل المريض الذي تحالف بعض ورثته الشرعيين، الذين انتظموا في الحركة القومية العربية، مع أعدائه وأعدائهم لقتله، باعتباره في نظرهم مستعمرا لأرض لهم حق فيها وليس له فيها حق . وهم من تجاهل خطورة ادعاء أعدائه وأعدائهم أن لهم كذلك نفس الحق فيها. فما كان من الجود القومي العربي والعدل العربي إلا أن يعيد لكل ذي حق حقه. وأن يمد العرب الجياد والعدول يد العون والمساعدة لأبناء عمومتهم اليهود في الحركة الصهيونية لاغتصاب أرضهم وطردهم منها بعد أن أطلقوا أيديهم فيهم قتلا وتشريدا. وهكذا يكون الجود والعدل. وقديما قال المتنبي:

جود الرجال من الأيد وجودهم        * * *     من اللسان فلا كانوا ولا الجود

ولسائل أن يسأل:

- كيف يمكن للعرب أن يحرزوا استقلالا أو يحققوا وحدة، إذا كانوا بين جاهل وغبي وخائن للقضية العربية

والعربية الإسلامية؟

- ومتى كانت قيم الجهل والغباء والخيانة تمثل أصلا وأساسا لأي مهمة وطنية وحضارية وإنسانية؟

- ومتى كان الإستقلال الوطني غاية وهدفا ممكن التحقيق عند أطراف تتقاذفها أهواء ونزعات وغايات مختلفة، وتجمع بينها الفرقة أكثر مما تجمع بينها الوحدة والإئتلاف، وولاءها الظاهر والمعلن لأعدائها أكثر من ولائها لبعضها ولأوطانها ولأمتها؟

ولذلك فإن العارفين بطبيعة المعركة، وبطبيعة المرحلة، وبطبيعة كل الأطراف والأجناس والأعراق والطوائف، وبطبيعة كل القوى المتواجدة على الساحة العسكرية والسياسية والإجتماعية والثقافية من أمثال لورانس الذي كان قد أصدر حكما في تلك الفترة التي كان يدعي فيها البعض أنه كان بصدد إنجاز ثورة عربية لتحقيق الإستقلال العربي وقيام الوحدة العربية، وتحقيق الحلم العربي في امتلاك أسباب القوة والرفاه بتدفق أموال اليهود على المنطقة وبمهاراتهم وخبراتهم وحيازتهم للعلوم الغربية يؤكد فيه على أساس الجزم والقطع استحالة قيام أي وحدة عربية لا في ذلك الوقت ولا في الأوقات التي تليه. وما واقع العرب إلى الآن وبعد كل الذي حصل إلا خير دليل على ذلك.

———————-
(1) القومية والغزو الفكري. – محمد جلال كشك .
(2) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك.  
(3) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك. 

(4) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك. 
(5) نفس المرجع.
(6) القومية والغزو الفكري (الهامش) – محمد جلال كشك.
(7) نفس المرجع.
(8) رواه الحاكم والطبراني والبيهقي.     
(9) حرية الفكر – محمد العزب موسى.
(10) نفس المرجع.
(11) حركة الفتح الإسلامي  في القرن الأول: – شكري فيصل. (الطبعة الثالثة).
(12) القومية والغزو الفكري: محمد جلال كشك.
(13) نفس المصدر.
(14) نفس المصدر.
(15) القومية والغزو الفكري – محمد جلال كشك
     

التنمية في ظل استشراء مظاهر الفساد المالي .. أي معنى؟

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 3:00 م

التنمية في ظل استشراء مظاهر الفساد المالي

 أي معنى؟
فلكم ظلت ولاية قفصة مثلا معولا فيها على قطاع مناجم الفسفاط ، بدون أن تتم معاضدته بأي قطاع زراعي وتربية للماشية في بيئتها الطبيعية، ومن ثمة أي نشاط صناعي وتجاري حيوي آخر…فحتى بعض المعالم التاريخية التي يعول عليها في القطاع السياحي، لم تتم العناية بها بما يجعلها أكثر استقطابا للزوار والسياح. فقد ظل محافظا على الإحاطة بالجفاف لهذه المناطق المنتجة للفسفاط إلى أن اختفت فيها الكثير من الحيوانات البرية والطيور النادرة بالهجرة أو بالإنقراض، وبعض الحيوانات الأهلية بالإستغناء عنها وتهميش العناية بها رغم مناسبة البيئة لها، ورغم عدم كثرة كلفتها، ورغم صلاحيتها لتزويد السوق باللحوم وبعض ما توفره على مربييها على الأقل من ألبان، كالإبل التي نشأ توجه جديد في السنوات الأخيرة لإعادة الإعتبار لها وإرسال قطعانها مرة أخرى مثلما كانت عليه من قبل وقبل عقود من الزمن .


فالتنمية: وطنية أولا، ثم عناية وجدية وحزم وصدق في التعامل مع قضاياها وقطاعاتها ومجالاتها، والعمل باجتهاد ومسؤولية ومثابرة على استكمال شروط نجاحها بدءا بالإنسان وانتهاء بالبيئة برا وبحرا وجوا، وبأغطيتها الخمسة المعروفة المكونة من الغطاء المائي، والهوائي، والنباتي، والصخري، والحيواني .
ـ فقد كان القطاع الزراعي  بولاية قفصة مثلا، قابلا للتطور ووفرة الإنتاج و توفير عامل الجودة أيضا. إلا أن مسالك توزيع المنتوج ومصارف الإيداع وضيق مساحات الترويج أعاقته، وكانت من العقبات الكأداء في طريقه. إضافة الى ارتفاع الكلفة من خلال ارتفاع أسعار قطع الغيار والبذور الحية التي زادها التعديل الجيني وعدم قدرة الفلاح على التعامل الإيجابي معها خطورة وتعقيداـ بعد أن تم التفريط في بذورنا الحية الطبيعية ـ إضافة الى ما يمكن أن يترتب عنها من أمراض ومخاطر مازالت محل اختلاف نفيا وإثباتا  بين الخبراء والمعنيين بهذا الموضوع ـ  والإرتفاع المستمر للوقود والأسمدة، والمكوس المسلطة على المنتوجات الزراعية النازلة بالأسواق الأسبوعية خاصة، تلك التي تم التفويت فيها من قبل البلديات للخواص، الذين رأيت بأم عيني أن أعوانهم يتعاملون مع المنتجين  وكأنهم شركاء معهم في منتوجهم. وغيرها من العمليات والضروريات اللازمة لهذا القطاع مما جعله يتراجع الى أدنى حد له. وأخذ الفلاحون في الأرياف يبحثون عن التخلص من زراعتهم التي أصبحت بذلك غير مربحة بما فيه الكفاية وقد أصبح منهم من ليس محافظا على مكانه إلا اضطرارا ، ويبحثون عن مناشط تجارية أخرى أكثر ربحا وأوفر حظوظا في النجاح فيها، مما يزيد حركة النزوح سرعة، ويزيد الفئات المهمشة حول المدن كثافة …أضف الى ذلك نقص الإمكانيات المادية التي عادة ما تكون في شكل قروض غالبا ما يجد الفلاح نفسه مضطرا لإنفاق الجانب الكبير منها  على عياله، وهو الفقير المدقع الفقر، ويفلح بالباقي ما يستطيع فلحه في أرضه على أي نحو كان تقسيط الجهات المانحة لها له والتي لا يستطيع في النهاية لها  إرجاعا. وهو الذي يستثمر ذلك الباقي من الأقساط  في زراعة الخضر التي غالبا ما يبيعها للمستهلك مباشرة، أمام منافسة ووفرة في الإنتاج في عرض يفوق الطلب  بكثير أحيانا، إضافة الى ضعف المقدرة الشرائية للمستهلك، فيكون مردودها بذلك أقل مما يجب أن يتوفر له من الربح، مما يغطي مصاريفه، وما ينفق منه على معاشه، وما يستطيع أن يسدد به منه الديون المتخلدة بالذمة في مواعيدها أو حتى في غير مواعيدها .

تلك هي الصورة التي عليها واقع الكثير من المناطق الريفية أو مناطق الريف كلها في إطار حركة التنمية الريفية خاصة، في بلادنا سواء في ميدان الزراعة أو تربية الماشية أوالصناعات التقليدية، على خلفية تنمية تلك المناطق، وتعزيز حركة الإقتصاد الوطني، وتثبيت أهاليها وأصحابها فيها، في محاولة لمنع أو الحد على الأقل من النزوح، فان المنح والقروض الموجهة لهذه المناطق، والمسندة لطالبيها من أصحاب هذه الجهات الريفية في مختلف مستوياتها، والى مختلف الجهات الفقيرة أصلا، عادة ما يتم صرفها في غير ما منحت لصرفها فيه، لتكون النتيجة أن لا يقع العثور في النهاية على الأموال والعينات المسندة للجهات الممنوحة، ولا على المشاريع المطلوب إقامتها لإحداث التنمية الجهوية والريفية، ولا تعاد الإعتمادات المالية أوالعينية الى الجهات المانحة، ولا تبرأ ذمة المدان المقترض من الدين، ليظل في مواجهة العجز المستمر لسدادها، ولتذهب بذلك الأموال الى غير رجعة. ولعل ملاحقة هؤلاء بالعقوبة البدنية يكون واردا، من يدري ؟

وليظل الفقر والفاقة والبطالة والنزوح أسياد الموقف في تلك الأوساط والربوع   دون أن يعني ذلك عدم وجود بعض حالات النجاح والتوفيق.

فلا بد والحال هذه من البحث عن حلول صحيحة وأكثر جدية، وان بمزيد الإنفاق على ذلك، وفي إطار حياة سياسية حرة وديمقراطية وعادلة، تحفظ الأموال، وتحدث التنمية المطلوبة، وتتقدم خطوات في حل مشاكل البطالة والفقر، وتفرض الإستقرار، وتنهي النزوح…

ولعل بعض الحلول الممكنة حين لا يوجد أفضل منها وأقوم، وان كان بما يكلف المجموعة الوطنية المزيد من النفقات، ولكن لا بأس بذلك، إذا كان ذلك مما يمكن أن يكون من الممكن أن نتدارك به السلبيات والنقائص، بل والخسائر التي سبقت منا الإشارة إليها سالفا. وهو أن تتدخل الجهات المانحة أو المقرضة لإنجاح برامج التنمية عموما، والتنمية الريفية خصوصا، بصفة خاصة لتشغيل الأطراف والأفراد الممنوحين أو المقترضين في أراضيهم أو مشاريعهم بأجور محترمة تقع إضافتها الى مجموع أقساط القروض والمنح الواقع توجيهها الى مستحقيها لمدة  تكون ـ من خلال مراقبتهم في ذلك ـ كافية لأن تعطي تلك المشاريع من الإيراد ما يصبح به المستحق قادرا على تغطية نفقاته الضرورية اليومية، وتحويل باقي إيراد فائض الإنتاج بعد المصاريف اللازمة الى الجهات المقرضة بحسب الصيغ القانونية المتفق عليها، لإستخلاص تلك القروض. وذلك من الحلول التي تخرجهم من دائرة الإضطرارللتصرف في ما تمت الموافقة لهم عليه من قيم مالية، وصرفها في ما كانوا يجدون أنفسهم مضطرين لصرفها فيه، من مآرب وأغراض فردية وجماعية تقتضيها ضرورة العيش والحياة، خاصة عندما يتعلق الأمر بجعل تلك الأموال في مشاريع طويل أمد جني ثمارها وإعطاء ايرادها، وغير سريعة الإنتاج كالبقول والأشجار المثمرة .

ولعل ذلك يكون مناسبا وكافيا وضامنا لنجاح بعض برامج التنمية في بعض الجهات، ولسداد الديون، ولصون المال العام، ولإنهاء بعض نسب البطالة، ولتحقيق تثبيت أكثر ما يمكن من الناس في بيئتهم ومحيطهم، ولقطع  الطريق أكثر ما يمكن أمام النزوح والزحف على المدن.

 يــــــتــــبـــع…

    بقلم : علي شرطاني 
  قفصة
 تونس

اليسار وديمقراطية رفض الآخر .. في ثقافة العنف ح4

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 2:57 م

اليسار وديمقراطية رفض الآخر .. في ثقافة العنف

(الحلقة الرابعة)


ماذا عن حركة التجديد وحركة 18 أكتوبر 2005 ؟: 
إن النزعة الحزبية والنخبوية والفئوية والطائفية لدى حركة التجديد ومن لف لفها من الفئات والأحزاب والشخصيات هي التي جعلتها مصرة على الإلتزام بثقافة مساندة ودعم ومعاضدة الإستبداد والتحالف معه، لما بينها وبينه من قواسم مشتركة، ومن التزام بثقافة تكفير المخالفين لها في الرأي، خاصة أولئك الذين ليسوا على مرجعيتها، أو حتى من هم على مرجعيتها ويختلفون معها في بعض المواقف ،ومن خلال بعض المواقع الأخرى. وليست ثقافة تكفير المجتمع بمعنى الطعن في عقيدته طعنا مباشرا ولكن بالعمل على انتزاعها منه وإخراجه منها بإنكارها عليه في مرحلة من المراحل والإعتراف له بها في مرحلة ثانية ،عندما أصبح بعض قياداتها ورموزها يرتادون المساجد اضطرارا بكل انتهازية ونفاق مع من يرتادها من رموز الحكم في بعض المناسبات، ويتعهدها البعض الآخر في كل حملة انتخابية لكسب بعض الأصوات وهم متمسكون بموقف الإقصاء والتهميش والإستئصاال لكل طرف أو جهة ذات صبغة عربية إسلامية، وعلى المرجعية الإسلامية والأصالة، ومصرة على التمسك بهوية تونس العربية الإسلامية ومدافعة عنها. وهي التي مازالت مبقية ومحافظة على كراهتها للديمقراطية في مفهومها الذي يقتضي منها القبول بكل من يختلف معها في الرأي، سواء كان على مرجعيتها أو على غير ذلك من المرجعيات الأخرى، خاصة حين تكون هذه المرجعية عربية إسلامية .وما مساندتها للإستبداد الذي هو من طبيعتها في الأصل، والذي لا تؤمن بخلافه ولا ينبغي لها،كلما كانت تريد أو يراد لها أن تبقى ماركسية لينينية. وما كان تحالفها معه إلا بناء على ذلك، زيادة على عدم اقتناعها والتزامها المبدئي بالديمقراطية.

ومن خلال طبيعة النظام الإستبدادية، والتي تقول بها هذه الحركة نفسها وهي طرف فيه، وأحد مكوناته إلى جانب تيارات وأحزاب نخبوية هزيلة أخرى، يمكن اعتبارها اظافة إلى طبيعتها اللاديمقراطية من منطلق مرجعي وتاريخي وواقعي ،حركة دكتاتورية استبدادية . ذلك أن أي جهة ديمقراطية لا يمكن لأي اعتبار من الإعتبارات، ولأي مبرر من المبررات، ولأي سبب من الأسباب، وتحت أي ذريعة من الذرائع، ولأي هدف من الأهداف أو غاية من الغايات، أن يكون حليفا أو سندا أو عضدا للدكتاتورية .
إلا أن الحاصل اليوم، ومنذ قيام نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب، أن التقارب والتحالف الذي حصل بين مختلف بطون طائفة اليسار الماركسي والقومي العربي في غياب قوى علمانية ليبرالية ديمقراطية، كان بين جهات وأطراف وقوى نخبوية تغريبية معادية للديمقراطية، وليس لها أي ثقافة ديمقراطية ولا تفهم في ذلك مثقال ذرة، مما جعلها لا تختلف مجتمعة في إعداد و وتنفيذ ـ تصريحا أو تلميحا قولا أو عملا أو صمتا ـ خطة استئصاليه لتصفية أكبر حركة بل أكبر تيار سياسي معارض لا وجود للديمقراطية بدونه، ولا يمكن أن يكون هناك صراع ديمقراطي بالبلاد في غيابه. وهي التي لم تستطع إن تنظم مجتمعة على هجانتها العلمانية حياة سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية وإعلامية ديمقراطية فيما بينها .وهذا ما تؤكده الحقائق وما يؤكده الواقع الموضوعي وما تؤكده الأحداث والوقائع والنتائج.
إن هذا الذي يحصل في بلادنا لمن الغرابة بمكان. ففي الوقت الذي تم فيه إخلاء البلاد من التيار المعادي للحرية والحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان، ولم تبق فيه إلا الحركات والتيارات والأحزاب والشخصيات الحرة و الديمقراطية والحداثية والحقوقية حسب زعمها وحسب ما تطلقه هذه القوى عن نفسها، لم نر ولم نجد نظاما ديمقراطيا، ولا حياة ديمقراطية. ولم تر ولم نجد حرية ولا حداثة ولا حقوقا للإنسان. بل أكثر من ذلك، لم نر إلا نظاما استبداديا، و إلا مصادرة لكل الحريات الأساسية الخاصة والعامة، وإلا انتهاكا لحقوق الإنسان. وهذا ما يشهد به البر والفاجر، والشاهد والغائب، والحي والميت، والقريب والبعيد. وكل الذين صاغوا هذا الواقع وساهموا في تثبيت هذا النظام ،وكانوا ومازالوا طرفا فيه، وقابلين به وقريبين منه وداعمين وموالين ومعارضين له. فكيف للديمقراطيين والأحرار والحقوقيين والحداثيين والعقلانيين أن يفرزوا استبدادا ودكتاتورية؟ و كيف يحافظون على علاقة تعاون معه وعلى وجود لهم في هذه المؤسسات التي له عليها السيطرة الكاملة والنفوذ المطلق؟ وكيف تسمح لنفسها أن تظل موالية له ومتعاملة ومتعاطية معه؟ ثم كيف يمكن لجهات هذا واقعها وهذه طبيعتها أن تسمح لنفسها بالحديث عن الديمقراطية، وتصنيف الآخرين المحالفين في المعارضة للدكتاتورية والاستبداد بين ديمقراطيين وغير ديمقراطيين، وتحدد مواقف من التعامل مع هذه الجهة أو تلك، ومقاطعة هذا الطرف أو ذاك على أساس ديمقراطي أو لا ديمقراطي؟ ! إن هذا التناقض وهذا الارتباك وهذا الخلط لا يمكن أن يقع فيه إلا هؤلاء العقلانيين محتكري العقلانية والحرية والحداثة والديمقراطية وحقوق الإنسان وهي منهم في الحقيقة براء.إن ديمقراطية حركة التجديد تقضي بملازمة مكانها سندا وحليفا للدكتاتورية، وبعيدا عن المعارضة وعن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، طالما أن هذه المعارضة هي إسلامية بالأساس، وطالما أن بعض التنظيمات اليسارية والعلمانية قد التحقت بها، أو كان ميلادها على هذه الساحة منذ البداية بحكم حداثة نشأتها.

إن مجرد وجود إسلاميين في ساحة المعارضة الراديكالية للدكتاتورية والاستبداد والمطالبة بالديمقراطية والعاملة عليها ،جعل حركة التجديد وجهات وأطراف أخرى قريبة منها لا تلتحق حتى بتيارات وأحزاب وجهات وأطراف وشخصيات علمانية “وديمقراطية يسارية” مثلها قد حسمت أمرها في الموقف من الديكتاتورية، و أكدت موقعها على ساحة المعارضة بقطع النظر عمن بهذه الساحة، وبقطع النظر عن موقفها منه، أو بقربها منه وبعدها عنه، وبصرف النظر عن ديمقراطيته أو عدم ديمقراطيته وفق مفهومها للديمقراطية طبعا، وهو المفهوم الذي تلتقي فيه مع حركة التجديد والجهات الدائرة في فلكها، بحكم الطبيعة الواحدة والمرجعية الواحدة لكل هذه المكونات للحركة السياسية ذات الهوية الماركسية اللينينية الواحدة.فرغم اختلافي الجذري والجوهري إلى حد التناقض مع حزب العمال الشيوعي التونسي، ورغم إيماني بلا ديمقراطيته انطلاقا من أصوليته الماركسية اللينينية التي لا تقتضي منه إلا أن يكون مؤمنا بالعنف والدكتاتورية ومعاديا للديمقراطية ورافضا ومناهضا لها، خاصة في أبعادها السياسية والثقافية والإعلامية والحقوقية الإنسانية، والتي بها وحدها يفقد صفته وهويته اليسارية الماركسية اللينينية. وبكفره بالديمقراطية ـ وهو الأكثر التزاما بالنظرية، وهو الذي لا يختلف في ذلك مع حركة التجديد ومن لف لفها. هذه الديمقراطية التي يجب أن يعلم كل ملتحق به أنها ليست حكرا على ثقافة الحركة العلمانية الغربية المعاصرة، وأنه لا علاقة لها بالمدرسة الوضعية عموما وبالنظرية الماركسية اللينينية المادية الملحدة خصوصا، وهي التي كان ميلادها ومنشأها في بيئة دينية وثنية في اليونان القديم قبل نشأة حركة الإصلاح والنهضة التي قامت في الغرب بعشرات القرون . ولذلك فإذا كانت غريبة عن المدرسة الوضعية المادية الملحدة ذات الأصول التوراتية فهي ليست غريبة عن المدرسة المثالية المتدينة ذات الأصول الإنجيلية التوراتية .ولا يمكن أن تكون غريبة بمقتضى النشأة والتطور عن الحركة الإسلامية التوحيدية الوسطية المعتدلة ذات الأصول الإسلامية.وبصرف النظر عن موقفه المعروف من الإسلام والحركة الإسلامية فان انخراطه في حركة 18 أكتوبر2005 يعتبر موقفا ناضجا ومتطورا. وقد اختار بذلك أن يكون في المعارضة، بقطع النظر عمن بساحة المعارضة ،لا ليكون في علاقة تحالف مع جهة أو طرف معين، وليس بالضرورة أن يكون ذلك كذلك حتما، أو ليكون حتى في عمل مشترك مع من يختلفون معه، لأن ثوابت وأصول وحتميات النظرية العلمية التي لا تدعوه لغير الإيمان بنفسه وامتلاك الحقيقة كاملة، تمنعه من ذلك. ولكن ليكون ضد الدكتاتورية أولا، ثم ليكون في المعارضة ثانيا، ثم ليناضل من أجل قضايا محددة كانت الحد الأدنى الذي التقت عليه قوى المعارضة الوطنية والديمقراطية الإسلامية منها والعلمانية ثم اليسارية الماركسية والقومية العربية ثالثا، وان كان موقع الجلوس يمينا ويسارا قد طرأ عليه من المستجدات ما يستوجب إعادة النظر فيه، وقد أصبح اليمين غير اليمين، واليسار غير اليسار. بل وقد أصبح اليسار يمينيا أكثر من اليمين، واليمين يساريا أكثر من اليسار.ثم لألا يبقى الإسلاميون وحدهم في المعارضة وينفردوا بإدارة الصراع مع الدكتاتورية وضد الإستبداد، والدفاع عن مكاسب الشعب، والعمل على استعادة حقوقه في الحرية والديمقراطية والهوية والمساواة والعدالة وحقوق الإنسان، والإنفراد بالمشروعية النضالية لدى الرأي العام الوطني الداخلي والخارجي رابعا، ولعل ذلك كان أهم دافع لحمة الهمامي ورفاقه لتأسيس الحزب سنة 1986 وما زال .وفعلا فقد بات واضحا  أنه و منذ ذلك الوقت، لو دخل الإسلاميون جحر ضب لدخله مناضلوه معهم .وهذا ما أكده الحزب في رؤيته الأخيرة لإدارة الصراع مع الدكتاتورية، وفي أسباب ودوافع الإنخراط في حركة 18 أكتوبر ونظرته المستقبلية لها . إن الحركات البهلوانية التمويهية التي تقوم بها حركة التجديد، في المراوحة تقدما وتأخرا مدا وزجرا بين المعارضة والنظام الدكتاتوري، لم تجعلها في المنزلة بين المنزلتين على الأقل، ولكن جعلتها مراوحة مكانها دائما ظهيرا وحليفا للإستبداد ومعاضدا وداعما له .وليس أدل على لاديمقراطيتها وعلى معاداتها لهوية الشعب العربية الإسلامية،موقفها المعادي دائما للحركة الإسلامية وللإسلام من خلالها، وولائها للإستبداد انسجاما مع طبيعتها الإستبدادية الدكتاتورية، وعدم التحاقها بالمعارضة وبحركة 18 أكتوبر، ولمعارضتها لها .

وما تأييدها الذي أعلنته لاحقا لها إلا التحاقا بكل انتهازية، بعد أن أصبح الإعتصام بمكتب الأستاذ العياشي الهمامي وإضراب الجوع أمرا واقعا، وتأكد نجاحه وإصرار المخططين له على تنفيذه بكل عزيمة وبكل جدية، وبكل روح معنوية عالية، وبكل ثقة في النفس وبكل وعي ومسؤولية .وليس تبرير عدم انخراطها ومشاركتها في هذه الحركة بوجود الإسلاميين كطرف لا ديمقراطي فيها حسب صلفها وافتراءاتها وأراجيفها التي تلتقي فيها مع كل من هم على شاكلتها، وعلى مرجعيتها ونهجها،إلا ذريعة واهية لا يقبل بها عاقل، ولا يصدقها فيها أحد من الصادقين والمخلصين والأحرار. إلا أن حقيقة الأمر أن هذه الحركة قد بلغت من الترهل والإفلاس ومن الغباء السياسي حدا لم تعد قادرة به على أن تكون حركة سياسية معارضة. ولم تعد تطيق مزاولة أنشطتها السياسية والإجتماعية والثقافية والإعلامية بعيدا عن الدكتاتورية، للإحتماء بها ولتمويلها مقابل إعلان الطاعة الدائمة والولاء لها، واستمدادها شرعية تعددية حزبية من خلالها ومن خلال أمثالها من حركات وأحزاب المعاضدة والدعم. ولم يقتصر الأمر لديها عند حد معارضة حركة 18 أكتوبر، وعدم الإلتحاق بها، وعدم المشاركة فيها ـ وهي في النهاية وبمنطق الثقافة والأخلاق والتقاليد الديمقراطية حرة في ذلك ـ بل واصلت خذلانها لها وبنفس الذريعة الواهية، وشغلت نفسها بما يرضي النظام الفاشي عنها. وهو الذي بات يعتبر أنه من حقه عليها وعلى غيرها ممن هم على دربها وعلى نهجها أن يظلوا ملتمسين رضاه الذي لا ينالوه عنهم ،وأنه من الواجب عليها وعليهم جميعا أن يظلوا ملتزمين بالطاعة، ولا يستطيعوا أن يستوفوا ذلك الواجب عليهم إزاءه بما يرضيه عنهم ،وكان ذلك بالسعي لتكوين ما سمته “بالمبادرة ،الإئتلاف الديمقراطي التقدمي”في محاولة منها لتحقيق طموح القرن ربما، وهو الذي أفنى اليسار الماركسي العقود الأخيرة من القرن العشرين من عمره في تمنية النفس بانجازه ، وهو مشروع بعث “القطب الديمقراطي التقدمي” الذي كانت بعض تيارات وشخصيات اليسار المستقلة تعمل على تكوينه للإلتقاء فيه على حدود متفق عليها في ما بينها، تجاوزا لخلافاتها ومحاولة جمع أكثر ما يمكن من بطون وعناصر طائفة اليسار الماركسي ومن يتم الإتفاق معهم على ذلك من عناصر اليسار القومي العربي الذي كان يتراوح في مواقفه وعلاقاته بين المواجهة والتذيل لمختلف تيارات اليسار  الماركسي بحسب المواقف من القضايا وبحسب المواقع من لسلطة والمعارضة وبحسب المصالح والغايات والأهداف .إلا أن هذا الإئتلاف يريد أن يتكون اليوم بعيدا عن بعض التنظيمات اليسارية الأخرى، سواء منها من كان منخرطا في حركة 18 أكتوبر، أو من كان مساندا ومؤيدا لها ولم ينخرط ويشارك فيها، أو من كان رافضا لها ومتحفظا عليها، ومن كان قريبا من النظام بعيدا عن المعارضة الحقيقية والجادة في المطالبة بالحرية، والعاملة على حياة سياسية ديمقراطية، قوامها استقلالية الإدارة، وفصل الأحزاب عن الدولة، وحرية الإعلام والنشاط السياسي والإجتماعي والثقافي، والشفافية الإقتصادية والمالية، والعدل والمساواة، وفصل السلطات، واستقلالية القضاء ،وسيادة الشعب، والتداول السلمي على السلطة .وبذلك يظل اليسار على محدوديته وانحصاره منقسما بين ثلاث مساحات: ـ فهو اليوم صاحب النفوذ الفعلي في السلطة أولا. ـ وهو الداعم والمعاضد والموالي لها من خلال أحزاب الولاء والمعاضدة والتحالف ثانيا ـ وهو الذي أوجد موطئ قدم له في المعارضة كذلك ثالثا.

هذا الإئتلاف “الديمقراطي التقدمي” الذي يأبى إلا أن يظل داعما لنظام تحالف7 نوفمبر الرهيب الذي مازال يتكون اليوم من اليمين الدستوري ومن اليسار الماركسي والقومي العربي المنقسم على نفسه، بين معارض لها ،ومحافظ على مواقعه في السلطة، ومعاضد ومساند وداعم ومتحالف معها بعيدا عن المعارضة وعن حركة 18 أكتوبر، في مسعى منه لشق الصفوف، وبعث كيان سياسي مواز، أقرب إلى مناهضة هذه الحركة منه إلى مساندتها والإقتراب منها، في رفض مغلف بالقبول والمساندة لمطالبها الثلاثة الأولى التي أسست عليها هذه الحركة الإحتجاجية الفريدة من نوعها بالبلاد، إضراب الجوع الذي قامت به عناصرها المختلفة المشارب والإتجاهات والمرجعيات والمناهل والمناهج، من أحزاب سياسية ،وتنظيمات وجمعيات وشخصيات مستقلة بمناسبة انعقاد القمة العالمية الثانية للمعلومات بتونس أيام 16 و17 و18 نوفمبر2005 هذا الكيان الذي أقل ما يقال فيه يختزل في ذاته  بناء على مواقف سابقة أنه لا يقبل بالعفو التشريعي العام، ولا بالحرية السياسية والإعلامية، ولا بإطلاق سراح المساجين السياسيين وتحريرهم من القيد والإستعباد ،طالما أن الإسلاميين من مكوناتها وطرفا بارزا فيها، بعدما أصبح يعتقد المفلسون والأغبياء والجبناء أنهم قد أصبحوا من التاريخ.

فكيف يمكن لهذا الإئتلاف أن يكون جادا في موافقته على هذه المطالب إذا ما اعتبرنا أنه موافق عليها وداعي لها ومطالب بها ؟.(يتبع)
 
 
  بقلم :علي شرطاني
 قفصة
 تونس

المدونة لدى WordPress.com.