مدونة الأستاذ على شرطاني

ديسمبر 21, 2007

حديث الصراحة مع الأستاذ علي شرطاني – الجزء الأول

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 9:11 ص

حديث الصراحة مع الأستاذ علي شرطاني - الجزء الأول

مازال في ذاكرتي العديد من مشاهد الإحتلال الفرنسي لتونس والمحن توالت علي في ظل دولة الإستقلال .

زوجتى نالتها العقوبات البدنية وهي مطرودة من وظيفتها كأستاذة تعليم ثانوي

أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم أوضاعا جد مأساوية

مازال القلق هو سيد الموقف في الأوساط الأمنية والسياسية تجاه المساجين السياسيين السابقين

القوى الإستئصالية هي العصب المتحكم في السلطة وسياساتها

اليمين الدستوري هو النسخة الجديدة لحزب بورقيبة

إستبداد العصابات بالوضع السياسي والإقتصادي والثقافي والإجتماعي والإعلامي والأمني والقضائي ظاهرة تونسية

دوائر القرار لا تملك الشجاعة لتحقيق مصالحة حقيقية

الخيرين في الدولة لا نعدمهم ولكن لا صوت ولا وزن لهم

هذه بعض العناوين من الحوار الذى أجريناه مع صاحب القلم السيال والتحاليل المسهبة الأستاذ المناضل علي شرطاني الذى أجاب على أسئلة السبيل أونلاين نت مشكورا , و في ما يلى الجزء الأول من نص الحوار

السبيل أونلاين نت : نود التعرف على الأستاذ على شرطاني , فكيف تقدم نفسك للمطلعين على هذا الحوار ؟

بسم الله الرحمان الرحيم

علي بن محمد بن علي شرطاني من مواليد سنة 1953 بسقي المظيلة أحد إمتدادات بوادي ولاية قفصة. مازال في ذاكرتي العديد من مشاهد الإحتلال الفرنسي لبلادنا، حيث كان الفرنسيون وحشود المرتزقة الأفارقة يتعقبون المجاهدين في تلك الدواوير(وهي تجمعات البدو في خيامهم) التي كانت المجال الحيوي لهم، دعما ماديا ولوجستيا وبشريا نساء ورجالا. ووالله لقد عشت تلك المعاناة التي كان يعيشها أبناء البدو في ذلك الزمن وأنا صغير جدا. ومرت الأيام حتى حلول سنة 1959، أي بعد ما سمي في تاريخ بلدي الحديث الإستقلال، حيث حل الإستبداد محل الإحتلال، حيث انتقل بي أبي وقد كنت أصغر إثنين من إخوتي الخمسة ، من البدو إلى القرية حيث مازال النفوذ الكامل للأجنبي وفق الصفقة المهينة التي أبرمها الهالك الحبيب بورقيبة مع إدارة الإحتلال الفرنسي في ما سمي في حينه بالإستقلال الداخلي، ولم يكن لأهل الجهة المنجمية حق في الشغل بمناجم الفسفاط في ذلك الوقت إلا بالشراء، أي بدفع معلوم مالي محدد مقابل القبول به في خطة عامل منجمي. ولم يتسن لي الدخول للمدرسة إلا في السنة الدراسية 1960 / 1961 حيث أنهيت دراستي الإبتدائية. وبعد نيل شهادة ختم الدروس الإبتدائية انتقلت سنة 1967 إلى مدينة قفصة حيث أنهيت دراستي الثانوية بنيل شهادة الباكالوريا كمترشح حر شعبة آداب، وهي التي بها يتم ختم الدراسة الثانوية، لأنتقل سنة 1977 إلى الجامعة التونسية، حيث تم توجيهي إلى كلية الحقوق والعلوم الإقتصادية شعبة حقوق، وهناك عرفت بداية نشأة الجناح الطلابي للحركة الإسلامية التي أطلق عليها سنة 1979 ” حركة الإتجاه الإسلامي “. وفي ظروف اجتماعية وصحية ومادية صعبة تعذر علي مواصلة الدراسة هناك. وفي أول فرصة لانتداب عدد محدود من المشاركين في مناظرة كانت وزارة التعليم الثانوي قد دعت إليها بالمدرسة الصادقية، كنت من بين الفائزين. وفي السنة الدراسية 1980 / 1981 تم تعييني في خطة قيمأي ناظر للقيام على شؤون التلاميذ بالمبيت في المراجعة والمتابعة وبالمطعم وبالمبيت وما يتبع ذلك من علاقة بالإدارة. ولم ألبث في هذه الخطة إلا قليلا حتى جاءت أول حملة أمنية ضد الحركة في ذلك الوقت لأكون سنة 1982 من المحالين على القضاء من أجل الإنتماء إلى حركة الإتجاه الإسلامي التي هي حركة النهضة حاليا، وقد صدر ضدي حكم بـ 6 أشهر سجنا، وجدتني بعدها عاطلا عن الشغل. وفي سنة 1983 تقدمت بمطلب لوزارة التعليم إثر الإعلان عن انتداب معلمين للمدارس الإبتدائية، ووفق الشروط المطلوبة كنت من المقبولين، وتم تعييني بأولاد منصور على الطريق الرابطة بين ولايتي قابس وقفصة بالجنوب التونسي، وسرعان ما تفطن المخبرون للأمر وبلغ ذلك البوليس الذي يعلم أنني ممنوع من الوظيفة العمومية بمقتضى المحاكمة السياسية السالفة الذكر، ولم ألبث هناك إلا شهرين حتى تم استدعائي من طرف مندوب التعليم الإبتدائي بمدينة قفصة ليعلمني بانتهاء مهامي في خطة معلم بمدارس التعليم الإبتدائي. وبانتقالي إلى تونس العاصمة للتداوي من بعض ما كان ملم بي من مرض في ذلك الوقت، وقد صادف أن كانت حملة أمنية تستهدف القيادة المركزية والطلابية للحركة في ذلك الوقت أيضا فتم إيقافي هناك. وبعد أربعة أشهر من الإيقاف تم إخلاء سبيلي. وفي سنة 1984 شاركت في امتحان لقبول موظفين بالإقليم الشرقي لشركة فسفاط قفصة بمسقط رأسي، وباجتيازه بنجاح أصبحت موظفا بالشركة , وبموجب انكشاف في صفوف الحركة التي كانت تنتهج السرية في التنظيم في ذلك الوقت غادرت الشغل والمنطقة كلها في حالة فرار، وكان ذلك سنة 1985، حيث استقريت مدة ثلاثة أشهر بالعاصمة صحبة الأخوين محمد عون ومحمد الرحيمي القياديين بالجهة كذلك في ذلك الوقت.وفي آخر شهر جوان من تلك السنة عدت إلى مسقط رأسي حيث تم إلقاء القبض علي لأمضي مدة 11 يوما بزنزانات وزارة الداخلية للتحقيق معي في ما نسب إلي من بعض من كان قد تم إيقافهم من الأخوة الذين أفرج عنهم بعد ثلاثة أشهر من الإيقاف والتحقيق. ولما لم يثبت عني أي شيء تم الإفراج عني لأعود إلى وضع البطالة مجددا. وتستمر السنين العجاف حتى سنة 1987 وبعد زواجي بما يقارب 7 أشهر، تم إيقافي في حملة أمنية استباقية وذلك في شهر فيفري، وقد تركت زوجتي حاملا بإبننا البكر محمد أمين وقد مضى على حملها أقل من أربعة أشهر، وهي السنة التي استمرت فيها المواجهة بين الحركة الإسلامية ممثلة في حركة الإتجاه الإسلامي خاصة ونظام الهالك بورقيبة، والتي انتهت بسقوطه عن طريق الإنقلاب الأبيض المعروف الذي قام به عليه وزير داخليته ورئيس وزرائه زين العابدين بن علي، وقد حكم علي بستة أشهر سجنا من أجل الإنتماء إلى جمعية غير مرخص فيها، وهي التهمة التقليدية التي يكون توجيهها لكل مخالف في الرأي للنظام السياسي العلماني الإستبدادي المغشوش في تونس، والذي يمارس حقه الدستوري الذي تمنعه منه القوانين اللادستورية ولا تعترف له به. وما إن خرجت من تلك المحنة حتى وجدتني في محنة أشد. ذلك أنه وبعد إنهاء العقوبة البدنية ومغادرتي السجن بمدينة صفاقس، وجدت زوجتي وقد مضى عليها شهر منذ أن وضعت إبننا البكر الذي تركتها حاملا به، وكان ذلك أواخر شهر أوت. وما إن حلت السنة الدراسية 1987 / 1988، وبعد منتصف شهر سبتمبر، حتى تم وضع زوجتي آمنة عكرمي أستاذة تعليم ثانوي مختصة في تدريس التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي والعلوم الشرعية عموما في حالة إيقاف، على خلفية تقرير وجهه مدير معهد أحمد التليلي بمدينة القصر المدعو محمد الطاهر القرقوبي ، وهو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الإشتراكي الدستوري الحاكم، لمحافظ منطقة شرطة قفصة، يذكر فيه أنها هددته عندما إمتنع من مدها بجدول أوقات العمل تطبيقا للمنشور 108 سيئ الذكر الذي كان المدعو محمد مزالي رئيس وزراء إحدى حكومات الهالك الرئيس الحبيب بورقيبة قد وضعه، والذي جاء مانعا للباس الشرعي، والذي مازال الشعب التونسي كله يعاني من ويلاته إلى الآن. وظلت هي وإبننا محمد أمين الذي لم يتجاوز عمره الأربعين يوما تقريبا في زنازين منطقة الشرطة والسجن المدني لمدينة قفصة ولما لم ينقطع عنها دم النفاس الذي يقدر أقصاه بأربعين يوما بعد إلى غاية 20 أكتوبر، تم إخراجها من السجن، ولتبقى في حالة سراح حتى يبت القضاء في التهم المنسوبة إليها، وكان ذلك بموجب تقرير طبي أعده طبيب السجن يؤكد فيه أن وضعها وإبنها الصحي لا يحتمل الوجود والبقاء في السجن. لتظل ممنوعة من التدريس بعد ذلك سنة كاملة، وفي ذلك تفاصيل يطول ذكرها. وفي الوقت الذي كانت فيه الإيقافات والمحاكمات بالآلاف في صفوف الإسلاميين وغيرهم من بعض أطراف المعارضة العلمانية متواصلة، وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد تعيش فراغا حقيقيا واضحا في ظل إستبداد الهرم والشيخوخة بالرئيس الحبيب بورقيبة، كانت الفرصة مواتية للمخابرات الأمريكية لتأتي بعميلها زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987، لتبدأ البلاد مرحلة جديدة في تاريخها. فتم الإفراج عن المساجين السياسيين و إعادة الأغلبية الساحقة إلى سالف مواقعهم بالشغل. فكنت وزوجتي ممن بموجب ذلك تمت إعادتنا إلى سالف عملنا.

ولم تكن تلك إلا استراحة المسافر، وليتم الإعداد مجددا لجولة جديدة ضد الحركة الإسلامية والمشروع الإسلامي مرة أخرى، وبمكونات جديدة وبجهات وأطراف جديدة الكل يعلم أن عداءها للإسلام وللحركة الإسلامية أشد وأكبر من عداء بورقيبة وزمرته لهما. وما إن أوشكت سنة 1990 على نهايتها حتى بدأت الحملة ضد الحركة التي أصبحت هذه المرة حركة النهضة بعد ما بدا في ظرف من الظروف أن استبدال التسمية يمكن أن يساهم في حل مشكلة الإعتراف القانوني بها. إلا أن الخطط قد رسمت والسكاكين قد شحذت لتكون الحركة العلمانية الهجينة بكل مكوناتها هذه المرة صفا واحدا من خلال السلطة ومن خارجها في مواجهة الحركة الإسلامية بكل مكوناتها في خيار دموي استئصالي طال وبدون مبالغة حتى الأجنة في بطون أمهاتهم. وكنت كذلك وكالعادة دائما من بين الأوائل الذين شملتهم الحملة بصفتي عضو مكتب المنطقة المشرف على المكتب السياسي الجهوى وعضو مجلس الشورى الموسع. وبعد 5 أشهر من الإيقاف سلط علي فيها من التعذيب ما إن كدت أفقد منه الحياة، تم الإفراج عني. ثم ألقي علي القبض من جديد بتونس العاصمة بعد أن دخلت في حالة فرار. وبعد أكثر من 3 أشهر من الإيقاف بثكنة بوشوشة، أحلت إلى سجن 9 أفريل بالعاصمة بتقديمي للمحاكمة حيث قضت المحكمة الإبتدائية بتونس بسجني 8 أشهر من أجل الإنتماء إلى حركة النهضة الإسلامية تم نقلي بعدها إلى سجن برج الرومي حيث قضيت كامل العقوبة. وفي آخر شهر أفريل 1992 تم الإفراج عني لأخضع بعدها ولأكثر من 9 سنوات للمراقبة الإدارية كعقوبة تكميلية مقررة من الجهات الأمنية المباشرة. وما إن تم إنهاء العمل بالمراقبة الإدارية الباطلة سندا وقانونا حتى تم إلقاء القبض علي يوم 13 /11 /2002 مع مجموعة من الأخوة بسبب مد يد المساعدة لعائلة أحد أخوتنا المساجين. فتمت إحالتنا جميعا بتهمة المحافظة على جمعية غير مرخص فيها وجمع أموال بدون ترخيص، قضت فيها المحكمة الإبتدائية ومحكمة الإستئناف بقفصة بسجننا لمدة 13 شهرا قضيت منها 5 أشهر بالسجن المدني بولاية قفصة و8 أشهر بالسجن المدني بولاية القيروان في نقلة عقوبة من أجل الإستمرار في إضراب عن الطعام لمدة أربعين يوما من أجل المطالبة بالمحجوز المتمثل في بعض الكتب وبعض الوثائق والمجلات، وخاصة في الكثير مما كنت بصدد كتابته في ذلك الوقت من كتابات في مختلف القضايا، والتي بفضل الله استعدت جلها بعد خروجي من السجن. وكان الفضل في ذلك لله أولا، ثم لاستماتتي في المطالبة بها، ثم للمجهود الكبير الذي بذلته زوجتي جازاها الله عني وعن الإسلام والمسلمين كل خير من أجل ذلك. وهي من الكتابات التي منها ما تمكنت من الإنتهاء منه وتم نشره، ومنها ما لم أتمكن من ذلك بعد. فعسى الله أن يكون في عوني حتى يجد طريقه إلى القارئ الكريم الباحث عن الكلمة الصادقة الملتزمة إنه سميع مجيب .

السبيل أونلاين نت : بوصفك سجين سياسيي سابق ومقيم داخل تونس , كيف تصف أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم ؟

إن الحديث عن أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم حديث طويل لمن أراد أن يستوفيه حقه، إلا أني وباختصار أقول : أنها كانت ومازالت أوضاعا جد مأساوية وفيها من المعانات والمأساة ما لا يحتمل. وهي معاناة حقيقة مأساوية طالت النساء والرجال والكبار والصغار والقريب والبعيد والصاحب والجار وكل من له علاقة بالسجين السياسي الإسلامي وأسرته.

فمنذ أن إستباح البوليس السياسي البلاد ومنذ البداية في الحقيقة، ضمن ما هو مبرمج من طرف السلطة وفي إطار ما رسمته من خطط لاستئصال الحركة الإسلامية بعد إبرام صفقة التحالف الإنتهازي بين مختلف مكونات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة بواجهة اليمين الدستوري، وبفعل وإشراف اليسار الماركسي وبعض مكونات اليسار القومي العربي الضعيف أصلا، والذى أعطيت له صلاحيات واسعة، ظل ذلك النفوذ وتلك الصلاحيات قائمة. وإستمر الوضع الأمني على ذلك الأساس، وفي حالة إستنفار دائمة. وظلت البلاد في حالة طوارئ غير معلنة، ولكنها واضحة للعيان ويعلمها كل الناس ويعيشونها، فقد فرض البوليس جوا من الرعب من خلال الأخوة المسرحين ومن حولهم بالإنتشار الدائم في الشوارع وفي الساحات العامة والخاصة، يجوب بسياراته المختلفة البلاد طولا وعرضا بالليل وبالنهار. يراقب كل حركات الأخوة وكل سكناتهم وكل تنقلاتهم وكل علاقاتهم وكل أنشطتهم المهنية والتجارية وكل أسباب الإرتزاق. ويتدخل في أي علاقة لأي كان مع أي كان من الأخوة المسرحين الذين أخضعوا كلهم للعقوبة التكميلية المتمثلة في المراقبة الإدارية غير القانونية، ويداهمون المنازل في أي وقت شاءوا من الليل والنهار، وخاصة في المناسبات المختلفة وكلما جد حادث جديد من صنع أي مقاومة في العالم. لقد ظللنا فاقدين للأمن والأمان وبصورة دائمة ومعلومة حتى سنة 2000 لترفع حالة الطوارئ وينتهي العمل بالمراقبة الإدارية على من كانت مفروضة عليهم بغير موجب قانوني، وكان كل المجهود البوليسي متجها نحو إنهاء أي علاقة لأي كان من الأخوة بعضهم ببعض. بحيث كان أي تفطن لأي علاقة مباشرة وبمجرد اللقاء والسير معا في نفس الطريق موجب للعقوبة البدنية والتعنيف والترهيب. وفرض على الشارع على أن ذلك من الجريمة غير المغتفرة، حتى أصبح الناس كل الناس أو على الأقل جل الناس يتجنب ويتحاشى أي لقاء مع أي كان من الأخوة، وخاصة حين يكون من الأخوة المعلوم لديهم أنه من الرموز التاريخية للحركة. في هذا الجو المشحون بالرعب، كان النساء والأطفال والآباء والأمهات والأقارب والجيران يعشون قلقا وحرجا وخوفا وإرتباكا دائما، حتى أن عقدة الخوف والفزع التي أصبح يعاني منها التونسيون كل التونسيون للأسف الشديد قد أصبحت حقيقة. وأصبحت تلك قوة النظام الوحيدة.

وأنا أتابع عبر الإعلام الحر والرسمي مأساة الشعب الفلسطيني الصابر الباسل في الأرض المحتلة، وأنا أعيش ماساة الشعب التونسي الخانع الخائف الطامع ومأساة المساجين السياسيين وأنا واحد منهم، أستطيع أن أؤكد بكل موضوعية وأمانة، أن أوضاع الشعب الفلسطيني تحت السيطرة والتهديد الصهيوني والقصف والحصار أفضل من أوضاع الشعب التونسي كله تحت سيطرة الطغمة النيرة المستنيرة والتقدمية والحداثية البسيسيةفي تونس. أما عن المساجين السياسيين من إخوتنا وليس ثمة غيرهم وغير المعترف لهم رسميا وعلى خلاف ما عليه الأمر في العالم كله بذلك، فهم من قد أمضى السنوات الطوال بين المتابعة اللصيقة والمراقبة الإدارية والزيارات المفاجئة والمداهمة والتفتيش في أي وقت من الليل والنهار التي كانت تقوم عليها وتقودها عصابات البوليس السياسي طيلة عقد كامل ومازالت متواصلة وإن بأقل حدة إلى الآن. وفي إطار حالة الإستنفار الدائمة التي عليها هذه العصابات المجرمة فإن إخواننا كانوا ومازالوا يعيشون ظروفا صعبة للغاية، في أحوالهم الأسرية والعائلية والنفسية والبدنية والإجتماعية والمهنية. فهم من عانت ومازالت عائلاتهم تعاني من آثار الحملة من التمييز الإجتماعي في الحقوق وفي المعاملة. وهي العائلات التي كان مطلوبا منها إعلان البراءة من أبنائها وأسرهم والتخلي عنهم لتستقيم نظرة السلطة إليهم ولا يكون التعامل معها بطريقة خاصة في المغنم والمغرم. وهي العائلات التي فقدت من فقدت من أبنائها ممن سقطوا شهداء. وهي من العائلات التي حرمت من حرمت من أبنائها المهجرين في المنافي. وهي من العائلات التي ظلت تتحمل أعباء أحد أبنائها ممن ظل يعاني من البطالة وتقدمت به السن ولا أمل له في بيت ولا في زوج ولا في خلف. وهي العاجزة على أن توفر له ولو الحد الأدنى من الضروريات. وهي العائلات التي وجدت نفسها وقد فقدت عائلا كانت تعول عليه في مد يد المساعدة إليها، وهي التي إنتظرته كثيرا ليصبح عالة عليها ليس بمفرده أحيانا ولكن بعد أن أصبح صاحب أسرة بزوجة وأولاد وما يتطلب ذلك من كفالة ورعاية وإحاطة ولباسا ومعاشا وسكنا وعلاجا وتعليما. وهي العائلات التي كان أبناؤها الأقل حظا في التمتع بحق الشغل وبحق المنحة الجامعية وبكثير من الحقوق الأخرى. فهي العائلات التي مازالت تدفع ضريبة إحتضان أبنائها وأسرهم. وهي من العائلات التي منها من إبتعد عن أخ أو إبن أو قريب أو صهر أووإن قل ذلك.

أما الأسر وأعني بها عوائل المساجين السياسيين من إخوتنا، فقد صبرت وصابرت وعانت الفقر والفراق والخصاصة والحرمان والعزلة والحصار الأمني لمنع أي معين من مد يد المساعدة لها، وتشديد المراقبة على أفراد عائلاتها حلا وترحالا، وإخضاعهم للمساءلة إذا لزم الأمر عن مصادر تمويلهم وعمن يعينهم ويعيلهم في غياب العائل، وعن علاقتهم بالآخرين ممن يعرفون من إخوانهم أو من أسرهم لمنع أي علاقة تواصل بين الأفراد أو بين الأسر. فكانت الرقابة مشددة على الشوارع وعلى الأحياء وعلى الأسواق وعلى المساجد وعلى الفضاءات العامة والخاصة وعلى الداخل للمدن والقرى وعلى الخارج منها

أما بخصوص الأفراد فإن الأمر أشد وأنكى. فقد منع التلاميذ من مواصلة دراستهم ومنع الطلبة كذلك من حقهم في مواصلة الدراسة. أما الذين تخرجوا فلا حق لهم في الشغل. وأما الذين كانوا بوظائفهم فقد تم فصلهم منها بمجرد إيقافهم على ذمة التحقيق ومازالوا مفصولين بالرغم من صدور أحكام من طرف المحكمة الإدارية لصالح من رفعوا أمرهم إليها. وقد إنصرف الجميع وسط هذا الجو المسموم والمستعر من حولهم للضرب في الأرض الضيقة من حولهم بالمراقبة والمتابعة وتحديد الإقامة بحثا عن الرزق، زادهم في ذلك إيمانهم بالله وتوكلهم عليه، بما كان قليلا من الجهد وبلا شيء أو ما قل جدا من المال. ومن خلال ما كان قد تم رسمه في خطة تجفيف المنابع وتقليم الأظافر، فقد كانت سياسة التجويع وقطع الأرزاق هي الآخذة طريقها إلى التنفيذ. فقد كانت عصابات البوليس المنتشرة في كل مكان لا تتردد في الضغط على من يستعد لتشغيل أي كان. وكان في البداية القليل جدا من هؤلاء من يصمد أمام تلك الضغوطات، في الوقت الذي كان الكثير من المشغلين يبدون رغبة كبيرة في تشغيل هذه الفئة من أبناء المجتمع لما يعلمونه عليهم من أمانة ومن جدية وصدق وإخلاص، ولكن لا يكون لمن لا يقوى منهم على غضب هذه العصابات دائما ما يرغب فيه وما فيه مصلحة له.

وكانت دائمة المساءلة لمن علمت أن له ما قل من المال كان قد حصل عليه من خلال الإقتراض أو بيع أو رهن بعض ما كان يملك أو من خلال ما يمكن أن تقدمه العائلات من بعض ما تجمع أو من بعض ما لديها مما قد يكون زائدا على الحاجة أحيانا أووكانت هذه العصابات المتفرغة لهذه المهمة لا تسمح لأخوين إثنين أو أكثر أن يجتمعوا على عمل أو يشتركوا في تجارة أو يستعين بعضهم مع بعض على بعض ما فيه مصلحة لهم وما يمكن أن ينجر لهم منه نفعا.والأشد نكالة وأمعن في الظلم والقهر والتسلط أن هذه العصابات لا تنته عند هذا الحد ولكنها تجاوزته إلى مضايقة أي كان ممن يكون على علاقة ذات صلة بالشغل والتشغيل والكسب بأي من هؤلاء الأخوة. وقد كان القصد موجودا لديها في كثرة التردد على محلات التجارة أو أماكن تواجدنا بالسوق سواء في مواقع البيع أو الشراء لصرفنا عن تلك المواقع أو صرف الآخرين عنها حتى لا يستقيم لنا الكسب فيها. ولقد كانت العقوبة البدنية والنفسية نصيب من يتم ضبطه متلبسا بجريمة بيع أحدنا للآخر أو الشراء منه. وقد وصل الأمر بهذه العصابات أن تخضع للمساءلة من يشتري من أحدنا أو يبيعه أو يزن له بضاعة أو يزن عنده حتى أصبح الكثير من الناس يعتبر أن ذلك من المشاكل التي عليه أن يسعى لاجتنابها وإن كلفه ذلك خسارة أو تجاوز حق له عند أحدنا والتفريط فيه والتنازل عليه. وما من مكان من أماكن تواجدنا إلا وكان لها به حلول لتخضع للمساءلة من يرافق أحنا أو من يجالسه معنصحهبضرورة الإبتعاء عنا دفا للشبهة وتبرئة للذمة وتحقيقا للمصلحة ودفعا للضرر. في هذه الظروف الصعبة التي استمرت فيها الأحوال على هذا النحو أكثر من عقد من الزمن لتستقر الأمور في النهاية على حال وجد فيها الأخوة أنفسهم أبعد ما يكون بعضهم من بعض وقد استقرت أوضاعهم وأحوالهم على النحو الذي استطاع كل أخ أن يتحقق له به من الإستقرار ما يبعد به عن نفسه وأسرته وعائلته فواجع ومضايقة تلك العصابات الأمنية التي منحت من الصلاحيات ما لا تسأل به عن أي عمل تقوم به ضد أي كان منا في أي زمان وفي أي مكان. فمنهم من استقر له الأمر وجاءته الدنيا وهي طائعة. ومنهم من تحققت له حياة وسطا. والأغلبية منهم مازالوا يعانون ما لا يعلم إلا الله من الفقر والمرض وضيق ذات اليد ولا أحد يسأل عنهم ولا أحد يتدبر معهم أمر الحياة وهم صابرون في الحقيقة محتسبون بين البطالة والمرض والمعوقين من الأبناء والديون في أصعب ظروف تمر بها البلاد كلها قتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا

السبيل أونلاين نت : كيف تتصرف السلطة تجاه تواصل المساجين السياسيين السابقين في ما بينهم

لقد كانت سياسة السلطة مركزة منذ البداية كما سبق أن أشرت في السابق على فك أي ارتباط مهما كان صغيرا أو بسيطا بين كل هذه العناصر وعائلاتهم وأسرهم لمنع قيام أي علاقة تنظيمية ولمنع أي تعاون وتضامن اجتماعي ومادي. وبالضغط ومواصلة الضغط حققت أقدارا مهمة مما كانت تريد أن يتحقق لها في ذلك.

ومازال القلق هو سيد الموقف في الأوساط الأمنية والسياسية تجاه تواصل المساجين السابقين في ما بينهم. ومازال الإستنفار الأمني هو المظهر الأبرز في صورة أي نوع من التواصل المعلوم والظاهر. وقد أصبحت الدوائر الأمنية تعتبر أن حالة التذرر التي أوصلت إليها هؤلاء المساجين السابقين هي من الحقوق المكتسبة التي تعمل على أن لا يتم التفريط فيها وعلى المحافظة عليها. وأنه ليس من حق هؤلاء أن يستعيدوا العلاقة في ما بينهم على أي نحو وعلى أي أساس. وإذا كان بعض الأخوة قد سلم لها بذلك وتنازل عن كل حق إمتدت يداها لسحبه منه فإن آخرين صمدوا ومازالوا صامدين من أجل الحفاظ عن كل ما هو حق ومن أجل العمل على استعادة أي شيء هو لها حق ولها فيه حق .فلا بقاء لحق لا تنافح بالليل والنهار للمحافظة عليه، ولا نيل لحق لا تصارع بالليل والنهار لافتكاكه. فليس والله للمرء في أنظمة الإستبداد من حق إلا ما يستخلصه من أيدي العصابات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية والأمنية والقضائية المكونة لهذه الأنظمة. لأن نظام الإستبداد هو نظام مثل هذه العصابات.

السبيل أونلاين نت: ماهو تقييمك لأوضاع تونس الداخلية حاليا من مختلف المناحي ؟

أحسب وأزعم في الحقيقة أن مثل هذا التقييم الذي يطول فيه في الأصل الحديث هو الذي ضمن قراءة نقدية ومقاربة ثقافية وسياسية واجتماعية قد قمت به في كل ما كتبت مما عرف طريقه للنشر ومما مازالت صعوبات كثيرة تحول دون إحضاره في صياغته النهائية ومعرفة طريقه إلى ذلك كذلك. فأسأل الله أن يوفقني إلى ذلك قبل أن ألقى الله إنه سميع مجيب.وهذا ما لا يمنعني من محاولة الإجابة عن السؤال بما يقتضيه المقام والمقال. وبذلك أقول وقد سبق أن قلت أن نظام الإستبداد والوريث غير الشرعي لمشروع الإستعمار والراعي لمصالحه بالبلاد هو نظام العصابات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية والأمنية والقضائية، وبذلك وجب إحترام هذا التسلسل في التقييم الذي لا يمكن في مثل هذا المقام إلا أن يكون مختصرا.

*المجال السياسي لتحرك العصابات السياسية:(العصابة الأولى)لست مبالغا حين أقول أن البلاد قد سقطت في حكم عصابات سياسية، كانت العصابة الأولى التي سلمها الإستعمار الفرنسي مقاليد الحكم في البلاد، وهي عصابة الحزب الإشتراكي الدستوري بقيادة الهالك الحبيب بورقيبة والتي التحقت بها بعد انقلاب المخابرات الغربية عليه والتي نصبت مكانه الجنرال زين العابدين بن علي عصابات اليسار الماركسي والقومي العربي، وهي العصابات التي لم يجمع بينها إلا طبيعتها الإستبدادية العنيفة والإنتهازية، وعداءها المبدئي للديمقراطية وحقوق الإنسان والهوية العربية الإسلامية للشعب وللأمة، والتآمر على الحركة الإسلامية وإعلان الحرب على الشعب من خلالها، ونهب ثروات البلاد بعد أن قبلت بجدولة ديونها وتسليم سلتها الغذائية واقتصادها للمؤسسات المالية الدولية وإنهاء القطاع العام، ووضع اقتصاد البلاد تحت سيطرة القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال الأجانب، وكانت هذه حصيلة السياسة المتبعة منذ ما يزيد عن 17 سنة.

وهي عصابات على ما بينها من القواسم المشتركة وعلى ما يجمع بينها مما تمت الإشارة إليه سالفا، إلا أنها ليست متجانسة. وهي التي ليس لواحدة منها برنامجا سياسيا معلوما وواضحا. فكان اليمين الدستوري هو الممثل للواجهة برموزه القديمة التي كان الزعيم بورقيبة لا يقبل لأي كان منها أن يفكر ولا أن يكون له رأي معه. وهو الذي رباهم على ذلك. وهم الذين استوعبوا تلك التربية وقبلوا بها.وكان اليسار الماركسي وبعض مكونات اليسار القومي العربي وهما الجهة التي تحتكر العقل والعقلانية والتقدم والتقدمية والحداثة، وهما من أهم مكونات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة المزيفة المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وإذا كان اليسار القومي العربي ممثلا في بعض العناصر البعثية أساسا ضعيفا وغير ذي فاعلية كبيرة، فإن اليسار الماركسي المدعوم بهذه العناصر التي لا تختلف معه كثيرا في القناعة هي القوة الضاربة في دوائر أخذ القرار، وهي صاحبة التصورات والرؤى التي تفرض من خلال السلطة على الشعب بالقوة .فنحن أمام قوى استئصالية لا يؤمن بعضها ببعض ولا تؤمن بغيرها ممن يختلف معها في الرأي وفي المرجعية الفكرية والسياسية. وإذا كانت الطائفة العلمانية بمختلف مكوناتها وتجلياتها تبدي انزعاجها من الحركة الإسلامية وتعتبرها العائق الوحيد والأكبر أمامها لإقامة النظام الديمقراطي المنشود الذي تنظر إليه على أنه الإبن الشرعي للحركة العلمانية وأنه لا قيام له بدونها، وهو من طبيعتها وأنها الوحيدة القادرة عليه، وأنه لا معنى لها بدونه. فهي التي وفي غياب العائق الإسلامي العاق وغير المرغوب فيه لم توجد إلا هذا الدمار الذي تشهد به هي نفسها. فكان تحالفا انتهازيا قهريا دمويا استئصاليا لا هو أقام النظام الديمقراطي المزعوم ولا هو أبقى على الحركة الإسلامية باعثة الدفئ والحياة في المجتمع وفي ساحات السجال الفكري والثقافي والسياسي. وهي التي حافظت على المجتمع المدني من الإنهيار. وهو الذي انهار بانهيارها والذي يسعى اليوم لإعادة التشكل والظهور مجددا. وهو الذي يقيم بناءه على ما حافظت عليه الحركة الإسلامية من وجود في المعارضة ومن مساحات أهرقت فيها دماء الأحرار وانتهكت فيها الحرمات وأهدرت فيها الكرامات وقطعت فيها الأرزاق وتعددت وتنوعت فيها المأساة، وتلك كانت أهم إنجازات الحركة العلمانية مجتمعة في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب في تونس العروبة والإسلام. لقد كانت الحركة الإسلامية هي الصخرة التي تحطمت عليها أسطورة التقدمية والتقدميين والحداثة والحداثيين والديمقراطية والديمقراطيين والإنسانية وحقوق الإنسان التي كانت كل مكونات الحركة العلمانية تقدم نفسها على أنها صاحبة ذلك والقادرة عليه.

فالأقرب إلى الصحة والصواب أن هذه المجموعات لم تلتق على برنامج سياسي ديمقراطي حقيقي، ولا يمكن لها بحكم طبيعتها المادية والإستئصالية، ولا على خطة إصلاح إداري وقضائي، ولا على خطة وبرنامج تنمية اقتصادية، ولا على برنامج إصلاح زراعي ولا بنية صناعية، ولا على مشروع تجاري وخدمي متطور لتحقيق الكفاية والأمن الغذائي، ولا لتخليص البلاد من المديونية التي ازدادت فيها ترديا. ولكن كل الذي كان يجمع بينها احتكار السلطة، وإنقاذ المشروع الثقافي والبديل السياسي الإستعماري، والإستثراء غير المشروع، ومحاربة المشروع الوطني الأممي والكوني للحركة الإسلامية المتمثل في البديل الطبيعي الثقافي والسياسي العربي الإسلامي للمشروع الثقافي والسياسي الإستعماري.

وإذا كانت هذه الطائفة قد نجحت في شيء، فإنها إنما تكون قد نجحت في إدارة الأزمة وإطالة عمرها. ومازالت تستبعد الحل وتمني البلاد بالخسارة لمدة بعض العقود من الزمن لا قدر الله. وهي التي تلعب اليوم في الوقت بدل الضائع. وهي التي لم يعد لها ما تقدمه للشعوب والأوطان. وهي التي لم تقدم لها ولعقود من الزمن أكثر من الحد الأدنى من البنية التحتية ومن القوت اليومي التي مازالت تعول فيه على الأجنبي وتجلبه من وراء البحار. وهي التي تدير دفة الحكم في أوطان لا تنقصها الأراضي الشاسعة ولا المياه المتدفقة ولا المعادن والثروات الجوفية المختلفة ولا الطاقات البشرية المختلفة المواهب والحائزة على أعلى الدرجات وعلى أفضل مستويات التعليم وعلى مختلف أنواع الإختصاص ولكن ينقصها العقل والأبعاد الإنسانية والروح الحضارية والتواضع والبعد عن الله الذي لا يزيد أهله إلا مزيدا من البعد عن الحق وعن الصواب وعن المصلحة وعن الوطن وعن الشعب. فهي لا تدير المعركة على أساس وطني ولكن تديرها على أساس شخصي وأسري وفئوي وحزبي وجهوي.. ولا تديرها ضد التخلف والفقر والمرض والجهل من أجل الوفرة والكفاية ومن أجل الإستقلال الحقيقي والسيادة والكرامة، ولكن تديرها من أجل الأجنبي والدخيل وضد الوطني والأصيل. تدير المعركة وتهدر فيها طاقات وإمكانيات لا تعوض من أجل النزوات والشهوات والأهواء. من أجل المحافظة على العلمانية المغشوشة وإن أفلست وفشلت وتأكد إفلاسها وفشلها، واستبعاد الإسلام وإن كان ناجحا وكذلك حتى لا ينجح ليكون الكل في الخسارة والإفلاس والفشل سواء. “إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا“.

*المجال الثقافي لتحرك العصابة الثقافية“:(العصابة الثانية)

فإذا كانت السياسة هي حسن تدبير الشأن العام وحسن إدارته، فإن هذه العصابات المستولية على هذه المساحة والمنتشرة عليها لا تحسن إلا تخريب الشأن العام وإفساد إدارته. وليست هذه نظرة سوداوية عدمية ولكنها الحقيقة كما نعيشها وكما يستطيع أن يعلمها كل مراقب ومتابع لإدارة الأمور بالبلاد، ودون أن يعني ذلك أنه لا وجود لمخلصين ووطنيين، ولا لمحبين للخير ولا لجادين في الإصلاح وحمل هم البلاد والعباد، ولكن أنى لهؤلاء أن يرفعوا بناء وجل من معهم يعمل فيه هدما من حيث يشعر أو لا يشعر ومن حيث يريد أو لا يريد ومن حيث يقصد أو لا يقصد، وبناء ما يمكن أن يكون لا ما يجب أن يكون، وبناء على ما نلاحظه وما نراه وما نفهمه وما نعيشه.

وإذا كان لا بد لكل نظام سياسي من رؤية وبرنامج ثقافي، فإن نظام العصابات السياسية في تونس العهد الجديدقد سار على طريق سلفه الهالك بورقيبة ليجعل الغرب الصليبي قبلته. وأبى إلا يكون أمينا على المشروع الثقافي التوراتي الإنجيلي الإستعماري الصهيوني، والكل يعلم إلى أي حد تواصل توطيد العلاقة بين الكيان الصهيوني ونظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب، ولكن بالطريقة التونسية طبعا، وهي الطريقة التي ينال فيها الأجنبي وأي طرف مغضوبا عليه شعبيا وجماهيريا سرا ما لا يناله جهرا.

ولم يكن النظام الأسوأ على الإطلاق إلا لشدة وفائه للتغريب وإصراره على الإلحاق الحضاري واعتبار ذلك من المكاسب التي تفتخر بها النخبة العلمانية اللائكية في تونس عن غيرها من بقية النخب العلمانية في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، ومحاربته للثقافة العربية الإسلامية الأصيلة بكل وضوح وبكل صلف ووقاحة وتبجح.

وإن اختلفت هذه العصابات جزئيا إلا أنها تلتقي في النهاية ونظرا لطبيعتها الإنتهازية والمادية على المشروع الثقافي الغربي الصليبي، ولا يهم بعد ذلك أن تكون صياغته باللغة العربية أو تبقي على ما أقره عليها الإستعماريون انفسهم من لسان فرنسي ولغة فرنسية. والكل يعلم إصرار الطائفة العلمانية وفي شقها اليساري الماركسي خاصة، وهو الأكثر نفوذا في نظام التحالف، على التمكين للغة الفرنسية. وهو الذي قاتل واستمات في القتال من أجل المحافظة على لغة المستعمر، وإنهاء أي دور في الإدارة وفي الحياة الثقافية للغة العربية التي اختزلها في الصياغة القائلة بأنها أداة رجعية للتعبير عن مضمون رجعي. فإذا كانت هذه العصابات على هذا النحو وهذا القدر من الولاء للأجنبي والدخيل، والعداء للوطني والأصيل، فماذا يمكن أن تكون عليه الخيارات والسياسات الثقافية لمثل هذه العصابات؟

هؤلاء هم من تولى بوضوح حقيبة أهم وزارة سيادة بالبلاد، وهي وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي. وهي الوزارة التي كان الهالك بورقيبة في إطار توجه فرضته الأحداث واقتضته المواجهة مع الحركة الإسلامية عام 1987 وما قبله، لما قيل وقتها أنه خيار لإصلاح التعليم، لابنه المدلل آنذاك محمد الصياح،الذي لا يخفى على الكثيرين توجهاته اليسارية، وتدخلاته لدى الهالك بورقيبة لصالح اليسار الذي كان معارضا لنظامه، وكان اليساريون لا يشيرون إليه إلا بالعمالة والخيانة. وهو نفس النظام الذي يتفيؤوا وارف ظلاله اليوم، ويعتبرون إنجازاته من المكاسب التي يفدونها بأرواحهم ودماءهم. وما كان لذلك الإصلاح أن يكون لولا ما اقتضته الضرورة السياسية من مراجعة برامج التربية الإسلامية وهيكلة الجامعة الزيتونية التي أصبح ينظر إليها على أنها قلعة من القلاع التي تتحصن بها الحركة الإسلامية وأصبحت مجالا من مجالاتها الحيوية. وكان لا بد لنفس الخطة أن تتواصل. وكان لا بد أن يكون عليها هذه المرة أشرس يساري ماركسي مدعوما باتحاد طلابي ذات لون يساري ماركسي كذلك، وبقوة من البوليس تعمل مع هذا وذاك للقضاء على الإتحاد العام التونسي للطلبة المستقل الذي كان ينظر إليه على أنه اتحاد الإسلاميين، وعلى استئصال الوجود الإسلامي بالجامعة كما كانت عملية استئصاله متواصلة بالبلاد.

في هذا الإطار وفي هذه الظروف الصعبة الإستثنائية التي زج فيها بالبلاد، كان لا بد أن يكون الخيار الثقافي مركزا بالكامل ومصخرة له كل الإمكانيات ومفتوحة له كل الفضاءات على كل المضامين والبرامج البعيدة كل البعد عن كل ما هو إسلامي، إلا ما اقتضته ضرورة إضفاء الشرعية الدينية والقداسة على كل ما لا علاقة له بالدين وبالإسلام وكل مدنس، باسم الحداثة وباسم التسامح وباسم الإجتهاد والوسطية وغير ذلك من الشعارات المسمومة المغشوشة المخادعة، إفسادا للإسلام واستخفافا بالإنسان. فتم بذلك حل كلية الشريعة وأصول الدين ليجعل منها الأستاذ الوزير كان الرفيق محمد الشرفي معاهد عليا تماما كمعاهد اللاهوت العليا الخاضعة لإشراف الكنائس في الغرب. وتمت برمجة كتابات العلمانيين عن الإسلام المعادين له في مجملهم والمناهضين لثقافته والجاهلين به سواء في التعليم الثانوي أو التعليم العالي. وأصبح لا حق لأحد أن يكون له فهم للإسلام غير الفهم الرسمي تماما كما كانت الكنيسة تحتكر فهم الكتب المقدسة المحرفة. وتشكلت لجنة لمتابعة الكتاب الإسلامي القديم منه والحديث لمصادرة كل العناوين الأكثر تداولا بين الناس وسحبها من نقط البيع بكل المكتبات. وكان على رأسها اليساري المعروف الرفيق أنس الشابي وكانت هذه العصابات تعترض سبيل الحجاج عند عودتهم لتصادر منهم كل العناوين التي لا تروق لها. مما أصاب البلاد بحالة من التصحر الثقافي والفكري، خاصة في كل ما له علاقة بالكتاب الإسلامي وبالثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي الجاد، وبآخر الإصدارات وآخر الإنتاج. فكانت البلاد تعيش شللا كاملا في مستوى النشر والتوزيع، إلا مما كان مبتذلا سخيفا داعرا، وما كان ضرره أكثر من نفعه، إذا كان لابد من بعض النفع فيه. وفتحت إذاعات بكل معهد وفضاءات بكل كلية ومعهد للرقص والتمايل على أنغام كل ألوان وأنواع الموسيقى الصاخبة، وعلى رأس هذه الأنغام المزودالذي هو آلة موسيقية شعبية محلية مما يجيد استعماله السوقة وغير أصحاب المروءات والأذواق السليمة، وفسح المجال واسعا لثقافة الرقص في كل المحيطات وكل الفضاءات الخاصة والعامة. وفتحت أبواب الإذاعات والقنوات التلفزية المحلية والوطنية الرسمية والخاصة أبوابها واسعة لكل السفلة وسقط المتاع ممن لا يجيدون إلا السفالة والرداءة والهبوط، لتكون مراتع لهم بالليل والنهار، يصولون فيها ويجولون بدون أي ضابط أخلاقي ولا إنساني ولا فني ولا أدبي، لصرف الرأي العام عن كل اهتمام جاد وعن قضاياه الحقيقية وأمراضه وأوجاعه ومآسيه ومآسي وطنه وأمته ومآسي الإنسان المستضعف الذي تطحنه رحى قوى الهيمنة الدولية المالية منها والإعلامية والعسكرية. وكان من أهم وأوكد اشتراطات الإنخراط في جوقة هذه الثقافة ظاهرة العري التي يجب أن تكون عليها النساء كبارا وصغارا، ومن خالف ذلك الإشتراط أو نهى عنه فإنه ليس أقل من أن يكون مشتبها في أمره، وإلا فإن لعنة التطرف والإسلاميين تظل مطاردة له حتى يثبت خلاف ذلك.

وإن كانت هذه من الثقافات التي ليست في حاجة كبيرة لمن يقوم بها أو يجيدها ويبدع فيها، إلا أن أكبر روادها والضالعين فيها والمروجين لها هم مجموعات اليسار الماركسي التي كان لا مكان لمعظمها في عهد الهالك بورقيبة بالبلاد، والتي أمضت عمرا في المهجر تتربى وتتكون وتتربص على خدمة قضايا اللوبي اليهودي في ما تعتقد أنه من الإبداع في ما كانت تنتجه من أعمال فنية سنمائية ومسرحية وأدبية وغيرها. وبمجرد إبرام صفقة التحالف مع الإنقلابيين ومع بقايا الدستوريين أعداء الأمس، حتى هرع من هذه العصابات للداخل من هرع وبقي هناك من بقي في إطار تقاسم الأدوار لآداء نفس المهمة. فكنت لا تسمع إلا الأغنية الماجنة الداعرة. ولا ترى من المرأة إلا الجسد. ومن الجمهور إلا الراقصين والراقصات. ومن الأفلام إلا الهابطة شكلا ومضمونا فنيا وأدبيا. وإذا كان من عمل هادف ومبدع فإنه لا يوحي لك من الإسلام وبكل ما يتعلق بالهوية العربية الإسلامية للشعب والبلاد إلا بما هو خرافة أو أسطورة بشيء، إلا بما فيه إساءة لكل ذلك ولماضينا وحاضرنا. وكان التركيز في كل ذلك على إبراز وإحياء الماضي القرطاجي والبونيقي والروماني. وعلى التعلق بالماضي الإستعماري والحاضر الغربي. ولقد تم صرف الرأي العام بقوة الإعلام وبقوة البوليس الذي يصول ويجول في كل مكان من البلاد يرصد الحركات والسكنات ولا يستثني كبيرا ولا صغيرا، للغناء الهابط وللموسيقي الصاخبة وللرقص، وفي أحسن الحالات لفضاءات الرياضة وملاعب كرة القدم.

ومازالت هذه الثقافة مدعومة بكل قوة، ولكن الشعب التونسي برهن بما لا يدعو مجالا للشك أنه محب لدينه ومتمسك به رافض في النهاية لكل البدائل المشبوهة والمغشوشة والمشوهة. بحيث كانت النتيجة أن استعاد الشعب أدراجه، وفي الوقت الذي ظنت فيه هذه العصابات أنها بلغت به حد عدم الرجعة في ساحات الدعارة والفساد والإنهيار الأخلاقي، بعد أن أعتقدت أنها قد أغرقته في وحل العري والرقص والفساد والدعارة والإنحلال والتهميش والعزلة، حتى تفاجأت هذه العصابات كلها بنتائج عكسية تلقت فيها الرفض الواضح لخياراتها الفاسدة والإصرار على التمسك بهويته وبثقافته الأصيلة المصادرة وبعقيدته التي يرى دائما أنها الملاذ من المهالك والحامية له من الأخطار

* المجال الإجتماعي لتحرك العصابة الإجتماعية“(العصابة الثالثة)

أما في المستوى الإجتماعي، فدعني أقول أن المعركة وإن كانت قديمة، أي سابقة لحملة الإستئصال التي قادتها مختلف مكونات الحركة العلمانية اللائكية التي لم يتخلف منها في ذلك إلا القليل النادر، ضد الحركة الإسلامية وضد الإسلام من خلالها، وضد الهوية العربية لتونس العروبة والإسلام ولشعبها العربي المسلم، إلا أن اللافت أن الحملة كانت تحت ثلاث شعارات رئيسية تقريبا:

1- الحفاظ على المكاسب والتمكين لمشروع الحداثة الذي لا يمر إلا عبر الثقافة العلمانية الغربية على حد زعم كبار حاخامات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة.

2- إزاحة العقبة الكأداء والعائق الأكبر المتمثل في الحركة الإسلامية في نظر النخبة العلمانية اللائكية الهجينة من الطريق التي تصبح سالكة بعد ذلك لقيام النظام الديمقراطي المنشود، الذي لا علاقة في رأيهم للإسلام ومن ثمة للحركة الإسلامية به، والذي لا علاقة في الحقيقة كذلك لهذه النخبة العلمانية الهجينة الإستئصالية العنيفة ولمشروعها العلماني المغشوش الدخيل به.

3- إنهاء الصراع العلماني الإسلامي من أجل تغيير طبيعة المجتمع الذي تعتقد النخبة العلمانية التونسية أنها قد انتهت به إلى حد من العلمنة لم يعد مسموحا ولا مقبولا مراجعته والتراجع فيه باتجاه الأصل والأصالة العربية الإسلامية. وإذا كان لابد من عروبة وإسلام فلا يمكن إلا أن تكون عروبة علمانية وإسلام علماني.

فكان تحرك العصابات الإجتماعية في هذا الإطار وفي هذا الإتجاه ولهذه الغايات والأهداف. وكان أن صحب الحملة الإستئصالية الأمنية، وإن كان ذلك يتم من قبل في الحقيقة، ولكن بأقل حدة وبأقل وضوح، برامج ثقافية وإعلامية وتعليمية فيها إمعان واضح لفرض النمط الإجتماعي الغربي. فكان العمد واضحا في محاولة إخفاء التظاهرات الشعبية في المناسبات الدينية. وإذا كان لابد من الوقوف عند بعض الشيء منها، فبفتور وبالتركيز على الجانب المادي الإستهلاكي فيها، وعلى جوانب التهريج والخرافة والفلكلور، بما يكون من إضفاء ما تعتبره هذه النخبة المستولية على منابر الإعلام والمحتكرة للإشراف على الفضاءات الخاصة والعامة والمسيرة لها عليها من مظاهر الحداثة التي يتم إقحام المرأة فيها إقحاما على صورة جسد ولحم ودم ومتعة تضيع فيها إنسانيتها وأنوثتها وكرامتها باسم الحرية والتحرر واستعادة الحقوق والمساواة ورفض التمييز بين الجنسين. كما كان العمد واضحا في المبالغة في الإعداد للمناسبات الوطنية والعالمية وإحاطتها بأكثر ما تحتاجه من عناية وإعلام وتمويل. وبقدر ما كان عليه الشعب التونسي من إصرار على فرض، وبتلقائية مناخات وأجواء أصيلة مستمدة من عقيدته ومن ثقافته العربية الإسلامية، والتي دخلت وتأصلت في عاداته وتقاليده على البلاد كلها في المناسبات الدينية، بقدر ما نجحت الآلة الإعلامية الرسمية والنخبة العلمانية في جعل الكثير من المناسبات الغربية ظاهرة أصبح مفروضا على الخاصة والعامة الإنخراط فيها، كمناسبة رأس السنة الميلادية وأعياد الميلاد وعيد الحب وغيرها من المناسبات التي لا علاقة للشعب العربي المسلم في تونس ولأي من شعوب أمة العرب والمسلمين في بلاد العرب والمسلمين بها.

فلا حديث عن حقوق الجار، ولا على حسن الجوار، ولا على إكرام الضيف، ولا على صلة الرحم ووصلها، ولا على التضامن الإجتماعي التلقائي الذاتي، ولا على ضرورة إيواء المسنين وكبار السن والعجز والرأفة والرحمة بهم، ولا على بر الوالدين، بل فتحت أبواب المآوي الخاصة بالعجز للتخلص من هذه الفئة الإجتماعية التي لا حاجة للمجتمع العلماني الإنساني بها، ولا على أي شيء من هذه الثقافة الإجتماعية التي تجعل النسيج الإجتماعي أكثر ترابطا وأكثر تعاونا وأكثر تضامنا وأكثر انسجاما وتواصلا. بل لقد كان كل غير ذلك هو الحاصل. فكانت العائلة والأسرة والعرش والجهة أحيانا كل أولئك منبوذا رسميا ومستهدفا من أجل أن كان أحد أو بعض الأفراد من هذه الأسرة أو من هذه العائلة أو من هذا العرش أو من هذه الجهة ممن ثبت انتماؤه أو انتماؤهم للحركة الإسلامية، أو وجود علاقة له أو لهم بالإسلام كما يفهمه وكما تفهمه وكما لا تفهمه النخبة العلمانية في سدة الحكم أو القريبة منها والداعمة والمعاضدة لها.ولقد فسح المجال للشباب للتهور بلا حدود حتى أصبح اعتداء الإبن أو البنت المشبعان بثقافة الرذيلة والرقص على أي من الوالدين أمرا شبه مألوف، ولا يرى أو يجد فيه الكثير كبير حرج. وأصبح اعتداء التلميذ على أستاذه أو أستاذته أمرا متكررا في المؤسسات التربوية والتعليمية ويحسب له حسابه. وانسحب كل من الولي والمربي معلما كان أو أستاذا من العملية التربوية، وتم استبعاد كل الإجراءات الزجرية الرادعة، وأصبح الولي معرضا للوجود تحت طائلة القانون بمجرد تأديب إبنه أو إبنته، بعد أن رفع النظام القمعي الإستبدادي شعار الحوار والتحاور بين أفراد العائلة، وهو الذي لا يقبل بتحاور أي كان معه، ولا بالتحاور مع أي كان، لنتصور وليا مقموعا لا رأي له ولا صوت، وغير مقبول منه إلا السمع والطاعة، مدعوا لاعتماد الحوار أسلوبا في وسطه العائلي، وإن كان هذا مما ليس جديدا في الحقيقة على ما نعلم في أوساطنا العائلية، وعلى غير المعنى الذي تدعو إليه السلطة طبعا، ولغير الأهداف والغايات. وبرعاية من السلطة السياسية وتحت وطأة إعلامها خاصة قبل الثورة الإعلامية وتعدد البث الرسمي والحر عبر الأقمار الصناعية، وتحت لهب سياط أدوات قمعها البوليسية، لظهر مختلف فئات الشعب، وخاصة نخبته وعامته الإسلامية، وبعض الأحرار من مختلف مكونات الطيف السياسي والثقافي والإعلامي في مكونات المجتمع المدني. فقد أصبحت الكلمة الطولى للنساء والفتيات والفتيان، ليكون الآباء تحديدا في المرتبة الأخيرة بين قابل بأمر واقع غير مقتنع به وغير قادر إعادة الأمور لنصابها وعلى وضع الأمور تحت السيطرة، وبين موافق على ذلك الوضع ومقنعا به، وبين جاهل لذلك الواقع وغير مكترث به، وبين متجاهل للوضع تاركا الحبل على الغارب طلبا للنجاة وهروبا ببعض الراحة من العناء، وبين كل هذا وذاك مواقف وآراء ومواقع. فاستشرت الرذيلة وأصبحت الخيانة الزوجية والخلان والخليلات أمرا مقبولا طوعا أو كرها خوفا أو طمعا في ظل استشراء الفقر وانتشار ظاهرة البطالة وتسريح العمال الذي أصبح يقتضيه جشع ومصلحة الرأس مال الخاص الذي استلم المؤسسات الإنتاجية والتجارية والخدماتية والإقتصادية عموما من القطاع العام. حصل كل هذا خاصة منذ بداية تسعينات القرن الماضي إلى نهايته ومازال يحصل، إلا أنه بخبو وهج الخطاب السياسي المغشوش، وزوال بهرجه الكاذب، وظهوره على حقيقته خاصة في ما بدا لكل عاقل ولكل ذي فطرة سليمة ولكل حر من أبناء شعبنا عداءه الحقيقي والواضح والصريح لهوية الشعب العربية الإسلامية ولعقيدته ودينه عموما. وبظهور الإعلام الحر المختلف والمتنوع، وببروز الحركة الإسلامية في العالم ممثلا لحركة التحرر مدافعة عن الأمة في مواجهة التحالف الصليبي الصهيوني وفي التصدي لأنظمة الإستبداد في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، وفي وضوح من الفرز الثقافي والسياسي بدا من خلاله بوضوح انحياز حركة التحرر العربي الإسلامي للشعوب ولقضايا الحق والعدل والحرية ولمعسكر المقاومة والممانعة والإستضعاف، وانحياز الحركة العلمانية عموما انحيازا كاملا وبوضوح كامل في مستوياتها الرسمية كلها وحتى في بعض مستوياتها في من يعتبرون أنفسهم في المعارضة للغرب الإستعماري الصهيوني، وليس مطلوبا من الصورة أن تكون أكثر وضوحا مثلما هي عليه في أفغانستان وفي العراق وفي فلسطين وفي الصومال وفي لبنان، حدث تراجع كبير وواضح في كل الأوساط باتجاه التدين المحاصر والمطارد في أوطانه، والممنوعة منه شعوبة المؤمنة به. وليس في الحقيقة في ذلك أي بدع من القول، لأن الثابت تاريخيا أن هذه الأمة ليس لها في الحقيقة وفي النهاية من عاصم يعصمها، ومن ملاذ تلوذ به غير عقيدتها عقيدة التوحيد وشريعتها شريعة الإسلام. ومن كانت عزته بالله يعز ولا يذل ومن كانت عزته بغير الله يذل ولا يعز. في هذا الإطار وفي هذه الظروف عافت نفس الشعب ذلك المنحدر للرذيلة وللعري الذي كان يساق إليه سوقا ويفرض عليه فرضا، وتاقت وخاصة فئات الشباب منه إناثا وذكورا إلى علو الهمة واعتلاء ربوة الفضيلة والعفة والكساء والستر والحشمة المحارب من طرف نظام الدولة العلمانية الحديثة، سواء في عهد المجاهد الأكبرأو في عهد الحاج بن علي حامي الحمى والدينفانتقلت حركة المجتمع من المهادنة والطاعة إلى المواجهة السلمية والعصيان والصبر والمصابرةمن الإيمان بالطاغوت إلى الإيمان بالله، من القبول بدين الملك إلى القبول بدين الله في بلد وفي وضع مازال إصرار الرعاة وأولي الأمر على فتح الخمارات والمواخير وقاعات الليل وكل أوكار الفساد والرذيلة، وعلى الزج بأبناء الشعب قصرا بمكر الليل والنهار وبقوة الإعلام والبوليس والقانون في أتون الرذيلة والمخدرات والعلاقات الجنسية المحرمة، وعلى إغلاق المساجد وتعطيل دورها الحضاري في الإصلاح والبناء والتوعية والترشيد والتربية والتكوين. هكذا يعيش المجتمع التونسي في مثل هذا الضنك وفي مثل هذا التناقض وفي مثل هذا المرجل الذي يوقد ناره كرزاي تونس وامرأته حمالة الحطب وبسيسه. وإذا كان قديما لكل فرعون هامان فإن السنوات الأولى من الألفية الثالثة قد جاءت مؤكدة أن الإستعمار والصهيونية واجدان في كل بلد من بلاد أمة العرب والمسلمين كرزاي لهما وأنهما جاعلان لكل كرزاي بسيس(نسبة إلى المدعو برهان بسيس)، وهو رمز المؤجر لسانه دفاعا عن الطاغوت وعن خلفاء ووكلاء الإستعمار والصهيونية في أوطان أمة العرب والمسلمين. ولعل مثل هؤلاء هم من صنف العضاريط الذين يقدمون خدمات لمن يطلب منهم مقابل إطعام بطونهم.

* المجال الإقتصادي لتحرك العصابة الإقتصادية“(العصابة الرابعة)

أستطيع أن أؤكد وعلى مسؤوليتي على أن هذا النظام ليس إلا نظام العصابات السبع. وليس من المصادفة أن يكون ذلك منسجما وعلى توافق تام مع نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب الذي ليس إلا نظام تحالف مختلف مكونات طائفة الحركة العلمانية اللائكية في هذه العصابا ت كما سبق أن بينت ذلك، وهذا ما يعلمه شعبنا في الداخل، وهذا ما تعلمه مكونات المجتمع المدني الآخذة في إعادة التشكل بعد حالة الإنهيار التي انتهت إليها طوعيا بفعل حالة الغباء السياسي التي كانت عليها الحركة العلمانية والخوف غير المبرر والطمع والإنتهازية التي لا يمكن إلا أن تكون من ثوابت الثقافة العلمانية بحكم طبيعتها المادية الطبقية الإستعمارية.

ومع العصابة الرابعة نتحدث قليلا عن نشاطها الإقتصادي في ما أعلم وما أرى وما أسمع. لأن لهذا المجال في الحقيقة رجاله الذين يفهمون فيه جيدا ويجيدون الحديث فيه في إطار قواعد وأطر ومناهج العلوم الإقتصادية.

إلا أني من موقع المتضرر ومن موقع المستهلك ومن موقع الحر الغيور على وطنه وشعبه وأمته أقول:

أن المسألة الإقتصادية للبلاد، كان منذ البداية قد تم تسليمها ومنذ أن قبل نظام عصابات 7 نوفمبر الرهيب بإعادة جدولة الديون التي ترتبت على البلاد جراء سوء إدارة المال العام، وجراء الفساد المالي المستشري في أوساط المغتصبين للإشراف على الشأن العام بالبلاد طيلة فترة حكم الهالك بورقيبة إلى يوم الناس هذا وإدارته بلا حسيب ولا رقيب، للعصابات المالية والإقتصادية الدولية المتمثلة أساسا في صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الذان للإمبراطورية الأمريكية وربيبتها الصهيونية كما هو معلوم السيطرة الكاملة عليهما. ولعل مراقبة ومتابعة هذه المؤسسات المالية لاقتصاد البلاد يقلل من حجم الإختلاسات والفساد المالي وتبديد المال العام وتحويله بدون أدنى عناء ولا مشقة للحسابات الخاصة وصرفه في ما لا مصلحة فيه للشعب وللوطن في الشهوات ونداء الرغائب  وإشباع الغرائز وفي المآرب الخاصة والشخصية. وللإفلات من هذا الحرج الذي ربما تلاقيها هذه العصابات كلها وخاصة المجعولة منها على خزائن الأرض بالبلاد أو تخشاه، انبرت عبر كبيرها جميعا الذي علمها السحر، وهو الأقل من الكثير منها علما، إن لم أقل أجهلها بهذه الأمور الخطيرة والدقيقة، في وقت مبكر لبعث مؤسسات مالية موازية تخفف من حرج اختلاس المال العام من خلال ميزانية الدولة ومؤسساتها المالية والإقتصادية، وهي مؤسسات لهذه العصابة إشراف مباشر عليها. وكانت جباية كل مواردها المالية من الشعب مباشرة، في جو من الرعب والخوف الشديد والهلع، لا يستطيع أحد كبير كان أو صغير أن يمتنع عن تقديم وإعطاء ما يطلب منه. لأن ذلك يضعه في عيون الإستبداد وأعوانه من المناهضين لنظام المستبد الأكبر. وكانت التهمة التي كان مجرد اتهام الزوج زوجته بها، أو اتهام الأب إبنه، أو الزوجة زوجها، أو الإبن أبوه أو أمه، أو أي كان أي كان بها كافية للزج به في السجن أو طرده من عمله، أو ليس أقل من إنزاله في قائمة المشتبه بهم والمشكوك في ولائهم له، هي الإنتماء إلى الإسلام على فهم الحركة الإسلامية له، وليس على فهم هذه العصابات له، وما يترتب عن ذلك الإتهام أو الإشتباه من مأساة ومن معاناة ليس من السهل أن تنتهي، في عمليات ابتزاز واحتيال قل أن يوجد لها نظير. فكانت الظروف مناسبة لألا يتخلف أحد. وكان الناس من مختلف الفئات وفي مختلف المسويات والمواقع يتسابقون لدفع كل أكثر مما هو مطلوب منه، بل ليدفع من عجزه وفقره ما ليس مطلوبا منه. وهو الذي لا يعرفه أحد ولا علم لأحد بوجوده أو عدمه أصلا. ولكن الضغط الإرهابي وهاجس الرعب الذي أدخلته هذه العصابات لكل بيت ولكل قلب من كل من في كل بيت. وقد أرسلت هذه العصابات إعلامها المأجور زاعمة أن ذلك من إبداعات قائد التغيير، أي قائد كل هذه العصابات لإشاعة ثقافة التعاون والتراحم وغرس روح التضامن بين المواطنين “. سميت عملية النهب تلك وما تم جمعه وما يتم جمعه كل عام من اعتمادات وقيم مالية ضخمة لا يعلم أحد من دافعيها ولا من الذين من المفروض أنهم من أصحاب الحقوق في التمتع بها بصندوق التضامن 26 – 26 .وهو الصندوق الذي حل محل ما كان قد تم تكليف ما سمي في حينه المجلس الإسلامي الأعلى عند بداية المسرحية وفي مشاهدها الأولى بإنشائه ليكون صندوقا للزكاة. وذلك ما لم يرق لمن أصبحوا من أصحاب النفوذ الأكبر في سدة الحكم والضامنين للصنم الأكبر استمراره في موقع الرئاسة مدى الحياة من مختلف مكونات طائفة اليسار الماركسي والقومي العربي الملتحقين بالسلطة لتعزيز صفوف اليمين الدستوري في مواجهة والتصدي لما أسماه في ذلك الوقت أحد رموز البعث العراقي بمدينة قفصة(وهو الأستاذ الشافعي العلياني ) بالمارد الأسود، في إشارة إلى الإسلاميين في الحركة الإسلامية، لما في ذلك من دلالة ورمزية إسلامية لا تليق بالدولة العلمانية اللائكية الحديثة المغشوشة طبعا، ولا يقبل بها العقلانيون التقدميون الحداثيون الديمقراطيون جدا جدا. وهم من أوجد هذه الديمقراطيةالتي يلتهم لهيبها الحارق اليوم كل الناس بمن فيهم بعض أولئك الذين أوقدوا نارها. فكان هذا الصندوق الذي لا يعلم دائما أي كان وبكل شفافية ماليةفي الديمقراطية التونسية التي تديرها وتشرف عليها وتسيرها النخبة العلمانية المستنيرةوالمستنيرة جدا المؤمنة بالفكر الإنساني النير وبفلسفة الأنوارذات الأصول التوراتية الإنجيلية هذه المرة في مواجهة الظلامية الإسلاميةالمؤمنة بالنور الذي أنزل مع محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كم من القيم المالية التي تجمع في كل مرة. وهي التي ينضاف إليها في بعض السنوات يوم عمل من كل اليد العاملة النشيطة في كل القطاعات الخاصة والعامة. هكذا تنقلب الموازين. وهكذا تقلب الحقائق باسم العقل والعقلانية، وباسم التقدم والتقدمية، وباسم الحداثة والإستنارةولا يعلم أي كان بل وليس لأي كان أن يسأل أو أن يعرف كم كان حجم الإنفاق وكم كان حجم الإستثمار وكم كان حجم الأرصدة المتبقية في كل سنة على الأقل، في الوقت الذي يتم الإعلان فيه على صرف هذه القيم على مشاريع وهمية في معظمها في بعض الأرياف وما اصطلح على تسميته مناطق الظل التي انتهت هذه العصابات إلى اعتبارها المناطق المنتجة لما أسموه بالتطرف والإرهاب. وهي التي جعلت منها في الحقيقة نفس هذه العصابات مناطق ذل. وببعض أشكال المتابعة تبين لي أن الذين من المفروض أن ينتفعوا بهذه الأموال الطائلة التي تجبى كل عام على الأقل هم أنفسهم مساهمون، إما بمساحات الأرض التي تقام عليها بعض المرافق الصحية كالمستوصفات والمدارس وجلب المياه والكهرباء لهذه المناطق، أو باليد العاملة، أو بالمواد اللازمة من حجارة وحديد وإسمنت ورمل وغير ذلك مما هو لازم لإقامة مثل هذه المشاريع التي هي في الحقيقة مستحقات وحقوق كان من المفروض في إطار سياسة اقتصادية نزيهة وشفافة وراشدة أن يكون هؤلاء قد تمتعوا بها منذ زمان بعيد، لما لم تكن الكثافة السكانية لتونس لم تتجاوز الأربع ملايين نسمة. وفي مواجهة ضرورة تغطية عملية النهب القوية بدا أن هذا الصندوق لم يعد كافيا. فتقرر إنشاء بنك التضامن21/21 ” كمؤسسة مالية تستمد رصيدها المالي وقيمها المادية من الشعب كذلك مباشرة، من المؤسسات الخاصة والعامة، ومن الأفراد الذين يدفعون دفعا بكل وسائل الإكراه والإبتزاز لما أسموه لهم تبرعا وتضامنا تحت شعار إعلاني التونسي للتونسي رحمة“. وهي المؤسسة المالية التي تم الإعلان على أن الإهتمام فيها سيكون ببعث المشاريع الصغرى في معالجة مشكلة البطالة المستفحلة والزائدة في الإستفحال، في زمن أنفقت فيه أموال طائلة للإنتهاء بالنمو الديمغرافي في تونس إلى أدنى مستوى له، بدت بعض مظاهره في تسحر المدارس الإبتدائية من تلك الكثافة المعهودة من الناشئة إلى حد أن بعض المدارس لم يعد بالإمكان الحصول فيها على عدد كاف من التلاميذ لتكوين قسم للسنة الأولى. وانتهى هذا الوضع إلى أنه أصبح هناك في قطاع التعليم الإبتدائي خاصة بطالة في اليد العاملة النشيطة. أي وجود بعض المعلمين بدون مهمة من حقهم أن يتقاضوا مرتباتهم ويتمتعوا بكل الحقوق التي يتمتع بها غيرهم، وهم في حالة عدم مباشرة حقيقية وفعلية، وما يمكن أن تكون عليه الحال بعد ذلك في المعاهد الثانوية والجامعات والمعاهد العليا للتعليم العالي

أما المؤسسة المالية الموازية الثالثة فهي ما سمي صندوق التنمية الرياضية وهو في الحقيقة صندوق يستمد أرصدته من عمليات القمار التي أغرقت فيها هذه العصابات كل التونسيين تقريبا إلا من رحم ربك شيبا وشبابا نساء ورجالا. وهي عملية يتراهن فيها كل المشاركين على النسبة الضعيفة من الرصيد الحاصل والذي يصل أحيانا إلى ملايين الدينارات ليكون من نصيب الفائز الذي ينجح في توقع نتائج الفرق المتبارية في لعبة كرة القدم لكل أسبوع، أو يتقاسمها مع من يكونوا قد حالفهم الحظ في الوصول إلى نفس النتيجة. وبذلك تكون هذه العصابات قد حصلت على أرصدة مالية ضخمة في كل أسبوع من كل شهر على امتداد الموسم الرياضي. وأعطت فرصا للضحايا من أبناء الشعب لينهلوا ويعبوا من المال الحرام عبا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال :جسم غذي بالحرام النار أولى بهثم والأخطر من ذلك أنها قد نجحت بذلك في صرف كل الأنظار بالكامل أكثر من أي وقت مضى إلى ساحات التهميش الرياضية، وأسست لعقلية الإنتظار والسعي إلى الكسب السريع المحرم، وما إلى ذلك من الأضرار والخسائر التي تلحق من ذلك وبذلك الأفراد والمجموعات. وقد قيل في ذلك أن كل ذلك يرجع إلى القدرة على الإبداع والإستشراف التي يتمتع صانع التغيير وحامي الحمى والدين الجنرال الحاج زين العابدين بن علي. وهو الذي أوجد حلا لمشكلة مناطق الظل لتزويدها بالمدرسة وبالمستوصف وبالماء الصالح للشراب وبالكهرباء. وهو الذي أوجد حلا لمشكلة البطالة ببعث بنك التضامن. وهو الذي أو جد حلا كذلك للبنية الأساسية الرياضة بالكامل بالبلاد. وهو العبقري الفذ الذي مازال يتم تقديمه في كل مرة من طرف زبانيته وبطانته للشعب التونسي الذي يعرفه جيدا والذي وفي الحقيقة قد انفض من حوله وانصرف عنه منذ زمان على أنه ليس ثمة في تونس من هو مثله أو أفضل منه لمواصلة تبوء مقعد القيادة فيها.. هكذا.

أما الأرصدة المالية الموازية الرابعة والتي لم يكن بالإمكان وضعها في مؤسسة مالية خاصة بها فهي الإيرادات المالية الحاصلة من مؤسسات القطاع العام المالية والإقتصادية المختلفة التي تم التفويت فيها للقطاع الخاص، والتي لا يعلم أحد ممن له الحق في ذلك من كل أبناء الشعب المالك الحقيقي لكل تلك المؤسسات والمنشئات والقطاعات كم بلغت تلك الإيرادات وما هو مصيرها.

يحصل كل هذا في وقت انتهى فيه الحديث في البلاد عن مجانية التعليم وعن مجانية الصحة، والحديث في هذه المسألة كذلك يطول. واستنادا إلى ما تقدم لم تبق الميزانية مسؤولة على الإنفاق بالكامل إلا على قطاعات الجيش وما تسميه هذه العصابات سلك القضاء الذي جعلت منه عصابة من العصابات المكونة لنظام العصابات السبع لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب وقطاع البوليس أو ما يسمى الأمن، وهو أحد العصابات السبع كذلك وهي الأشد خطرا على الشعب. وهي الموكولة لها المهمة الأكبر والدور الأكبر في حماية بقية العصابات المكونة لهذا النظام وجزئيا على التعليم والصحة، وهما القطاعان من القطاعات التي مازالت لم يتم التفويت فيها بالكامل. وبذلك نجد أنفسنا أمام المعادلة الصعبة التي سأل فيها جحا أخته عن اللحم الذي كانت قد أكلته، فقالت له أن القطة قد هي التي أكلته، فوزن القطة التي وجد أن وزنها لا يمكن تكون به هي آكلة اللحم، فقال لها إن كانت هذه القطة فأين اللحم وإن كان هذا اللحم فأين القطة ؟ فوجدت نفسها في النهاية بعملية حسابية مضبوطة مطالبة إما باللحم أو بالقطة.

وبلك نستطيع نحن أن نقول كذلك لهذه العصابات، إذا كانت مناطق الظل بالريف التونسي قد وجدت مشاكلها الحل عن طريق المؤسسة المالية الموازية الأولى صندوق التضامن 26/26، وإذا كانت مشكلة البطالة واجدة بعض حلولها على الأقل حتى لا نكون مبالغين عن طريق المؤسسة المالية الموازية الثانية بنك التضامن 21/21، وإذا كانت مشكلة البنية الأساسية للرياضة واجدة طريقها إلى الحل عن طريق المؤسسة المالية الموازية الثالثة صندوق التنمية الرياضية، فأين نصيب هذه القطاعات من الناتج القومي الخام، أي ما من المفروض أن يكون قد رصد لها من ميزانية الدولة كل سنة؟

وأين الإيرادات المالية الحاصلة من التفويت في مؤسسات القطاع العام؟

هذه الأموال الطائلة هي كلها فضاءات لاقتصاد مواز حاصلة قيمه المالية من النهب المباشر للشعب انطلاقا من الأطفال في رياض الأطفال ومرورا بالتلاميذ والطلبة والعمال والفلاحين والموظفين في مختلف القطاعات الخاصة والعامة وانتهاء بأصحاب المؤسسات والمهن الحرة، ولا يعلم أحد أين تذهب وماذا يفعل بها. وهي من المال العام المعرض للنهب والتهريب بعيدا عن أي مراقبة دولية ولا وطنية. وهو المال الذي يجمع من الشعب بغير وجه حق استغلالا للنفوذ وتحت الإكراه والإبتزاز وبالترغيب والترهيب ليؤول في النهاية جله على الأقل حتى لا نقول كله أحيانا إلى العائلات والأقارب والأصهار والمقربين، إضافة إلى ما تصل إليه أيديهم من المال العام الوطني ومن الموازنات المخصصة لما تبقى من المؤسسات التي مازالت تابعة للقطاع العام وما تتم جبايته من الضرائب والأتاوات والأداءات والمعاليم.

وهذه العصابة يعلم شعبنا كله ممن تتكون ومن يديرها. وهي التي تتصرف على خلفية وقاعدة أن البلاد كلها ملكا لها. وقيل أنه عندما تم إلفات نظر الرجل الأول في البلاد لوضع هذه العصابة يدها على ما تريد من أموال خاصة وعامة وعلى ممتلكات مختلفة والتصرف في كل شيء بدون أي رادع وعلى غير أي قاعدة ولا اعتبار عندها لقانون ولا لمصلحة عامة ولا لأي مسؤولية في أي مستوى، فلا يستطيع أحد أن يعترض ولا حق معها لأحد في القبول أو الرفض، وهي التي لا يسأل أفرادها وهم يسألون، ولله المثل الأعلى، فكانت إجابته باللهجة العامية التونسية على ما شاع في حينه من القول، وهو الذي لا يجيد أكثر منها من اللغات ومن اللهجات، يزيهم ما مشاو حفايا، وبهذه اليد المطلوقة في البلاد تختلس وتنهب وتهرب وتغتصب وتبتز. وهي التي لم تترك قطاعا من القطاعات المربحة إلا و استثمرت فيه. وهي التي تغرق السوق بكل أنواع التجارة الموازية المعفية من الضرائب الجمركية وغيرها من الضرائب التي تؤخد على غيرهم. فكانت تعيق اقتصاد البلاد وتلحق أضرارا كبيرة بالتجار والصناعيين والموردين والمصدرين ممن يعتمد عليهم اقتصاد البلاد سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام

فهي عصابة تعمل وتتحرك خارج إطار القانون المنظم للحياة الإقتصادية والمالية. بل فوق كل القوانين المنظمة لمختلف أوجه الحياة بالبلادإلخ

وإذا كان رب البيت للطبل قارعا فلا تلومن الصبية عن الرقص.

* المجال الإعلامي لتحرك العصابة الإعلامية“:(العصابة الخامسة )

وهذه لمحة كذلك على المكون الخامس لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وهو الذي حوله ما يشبه الإجماع في المستوى الدولي على أنه القوة الرابعة أو السلطة الرابعة. بل ثمة من يبوئه المكانة الأولى في كل السلطات وفي كل القوى، وهو المجال الإعلامي الذي تستولي عليه استيلاء شبه كامل العصابة الخامسة. وهي التي تتصرف كذلك في إعتمادات وإمكانيات مالية ومادية هامة للدعاية والغش والتضليل وقلب الحقائق.

هي عصابة مكونة من كل أصحاب الأقلام المأجورة، وكل أصحاب الأصوات المبحوحة، وكل مؤجري ألسنتهم من الإنتهازيين وأصحاب الأنفس الضعيفة المتفانين في خدمة المستبد الأكبر، والذين لا يهمهم ما يمكن أن يلحق الوطن والشعب والأمة والإنسان عموما من خسارة وضرر مما يكتبون ومما يقولون. فكانت هذه العصابة من أخطر العصابات. وهي الخادمة لها جميعا لما هي عليه من قدرة على التلبيس والغش والخداع والكذب وتزيين الأعمال السيئة لفرض انطباع لدى الرأي العام على أن الأوضاع السيئة والبالغة الخطورة أحيانا هي أوضاع جيدة وعلى المواطن أن لا يخشى أي حرج ولا أي قلق ولا أي ضرر أو خسارة. وهي التي تخرج المجرم على أنه بريء. وتظهر البريء على أنه مجرم. وتساوي في أحسن الحالات بين المجرم والضحية. وقد برعت هذه العصابة إضافة إلى ذلك في شراء الذمم و منابر الإعلام والأقلام المأجورة من هنا وهناك لفرض واقع مزيف مغشوش بعيدا كل البعد عن حقائق الأشياء والأمور. وهي التي تحتكر كل منابر الإعلام الوطنية الداخلية وتسيطر سيطرة كاملة عليها. وهي التي تمتد أيدي أصحابها إلى بعض المنابر الحرة والمستقلة ليفرضوا من خلالها ما لم يكونوا قادرين على فرضه من خلال كل منابر الإعلام الداخلي التي لهم عليها السيطرة الكاملة. وأنا أقصد بالعصابات الإعلامية كل الذين يعلمون أن ما هم بصدد القيام به هو جريمة في حق الشعب والوطن، وهم مستمرون في ذلك في إصرار وبهمة وعزيمة ولا يتورعون في فعل أي شيء مخالف للقانون وللذوق العام ومخل بالمروءة  والشرف ولا مصلحة فيه إلا لهذه العصابات.

فهي عصابة تحتكر كل المنابر الإعلامية وتحكم الرقابة الشديدة والصارمة بتعاون مع باقي العصابات وخاصة العصابة الأمنية على كل منبر حر لمحاصرة الكلمة الصادقة والرأي الحر ولمحاصرة الحقيقة حتى لا تتجلى للناس الذين تحاول أن يظلوا أسرى اباطيلها وتضليلها وغشها وخداعها ومهارتها في قلب الحقائق. ويدخل في هذه العصابة القائمون على إعلام ما يسمى أحزاب المعارضة الإدارية التابعة، المعارضة للمعارضة..وهي من مكونات النظام ومن احتياطيه البشري والإعلامي. وأقلام وصحافة هذه الأحزاب هي أقلام ومنابر لترشيد هذه العصابات ونصحها والتستر عن جرائمها خوفا من بطشها وطمعا في سخي عطائها وفي منحها من المقاعد التي قبلت هذه الأحزاب أن تكون من خلالها شاهد زور ما ليست أهلا له وما لا تستحقه. وهي التي قبلت بتمثيل نيابي بدون الحد الأدنى من القاعدة الإنتخابية على سبيل الصدقة من موقع أحزاب التسول السياسي. فأحزاب التسول لا يمكن أن يكون لها من الإعلام إلا ما يرضي الجهة المانحة ويرضيها عنها. ومن هنا فهو الإعلام الأخطر فعلا لما يمكن أن يكون قد تخلد في أذهان بعض السذج والأغبياء والمغفلين من أن ذلك الإعلام هو إعلام معارض وإعلام معارضة.

* المجال الأمني لتحرك العصابة الأمنية“(العصابة السادسة):

هي أداة وآلة رهيبة من أدوات وآلات أنظمة الإستبداد في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي وفي كل الأنظمة الظالمة الفاسدة في كل وطن من أوطان شعوب العالم. وهي من العصابات المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وهي من العصابات التي حلت في أوطان شعوب أمتنا وفي بلادنا وفي أوطان الشعوب المستضعفة التي وطأتها جيوش الإحتلال الغربي الصليبي محل أدوات وعصابات الإستعمار وآلته الحربية المدمرة.

فلئن كانت الأجهزة والفرق والتشكيلات الأمنية مطلوبة وشرطا من شروط تحقيق الإستقرار والأمن وتثبيت مبدإ التعاقد الإجتماعي والحفاظ على الأنفس والممتلكات والحرمات والأعراض، إلا أن الذي نراه وبدون مبالغة لا علاقة له تقريبا بالكثير من هذه المهام، حتى لا أقول أنه لا علاقة له بها مطلقا.وبالإشارة إلى جهاز الأمن في أنظمة الإستبداد والقهر والإرهاب على أنه مجموعة من العصابات مختلفة المهام والأدوار، فإن ذلك لا يعني أنه ليس في هذه الأجهزة صالحون ووطنيون وأبناء أصول، ولكن السياسة التي تحكم الجميع هي سياسة فاسدة يستوي أمامها الصالح والفاسد المسلم والمجرم الأصيل والهجين الرجال وأشباه الرجال، وإدارة التوجيه والتحكم هي المسؤولة في النهاية عما يحصل من أي من هؤلاء المسلمون والمجرمون، الصالحون والفاسدون وغيرهم معا. وذلك ما لا يعفي أي كان من المسؤولية في الحقيقة أمام الله ثم أمام التاريخ وأمام الشعب. ولا يكون الفرز ممكنا وقائما إلا على خلفية أن المسلم يبقى دائما ذلك الذي، وإذا كان لا بد من ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لأي جريمة لا يكون قام به إلا من موقع المضطر اضطرارا شديدا، وعسى أن يكون ذلك له عذرا كافيا بين يدي الله يوم القيامة، ويمكن أن يجد من يتفهمه له عندما تحين فرصة المكاشفة والمحاسبة قبل ذلك، و يمكن أن يعاد له الإعتبار حيا أو ميتا في التاريخ.

لا يمكن لجهاز الأمن أن يكون محققا لأمن وراحة وحماية الفرد والجماعة إلا في النظام الصالح المحقق للمواطنة والأكرم فيه عند الله هو الأتقى. وهي الحالة التي يجوز الحديث فيها عن الأمن. وهي الحالة التي يستقيم أن نسمي فيها مثل هذا الجهاز جهاز أمن. أما في أنظمة الإستبداد التي هي ضرورة وحتما أنظمة فاسدة، فإن هذا الجهاز لا يمكن أن يحقق الأمن والراحة والحماية للفرد ولا للجماعة، وهو النظام السالب للمواطنة والأكرم فيه عند الله هو الأشقى عند هذا الجهاز الذي هو جهاز رعب وغيره من الأجهزة المماثلة. وهي الحالة التي لا يجوز الحديث فيها عن الأمن. وهي الحالة التي يستقيم أن نسمي فيها مثل هذا الجهاز الذي لم يعد فيها جهاز أمن ولكنها الحالة التي يكون قد تحول فيها إلى جهاز قمع وظلم وخوف ورعب. بل ولا يستقيم أن نتحدث كذلك عن جهاز أمن ولكن يصبح الكلام عن عصابات رعب وخوف وترويع وإرهاب هو الأقرب للصواب والأوفى بالغرض. وكل الذي تقوم به هذه العصابات بل كل ما هو مطلوب من هذه العصابات القيام به هو الحفاظ على أمن المستبد الأكبر وأعوانه ومساعديه وعائلته وأقاربه وأصهاره وكل الدائرين في فلكه والملتقطين فتات موائده الذين يحيط نفسه بهم يستعملهم كيف شاء ومتى شاء ولأي غرض ولأي هدف شاء. ويتحصن بهم ممن قد تمتد إليه يده بسوء.

ونحن هنا في وارد الحديث عن عصابات أمنية تحرص أمن النظام ومصالح المتنفذين في هذا النظام، ولا شأن لها بحراسة المواطن والوطن ومصالحهما، على خلفية أن الكل ملك للمستبد الأكبر وللكل عليه واجبات له ولا حق لأحد عليه. هكذا الإستبداد وهكذا صورة المستبد. وإلا فلا مجال للحديث عن استبداد ولا عن مستبد ولا على عصابات أمنية. هي العصابة السادسة في غير ترتيب تفاضلي المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. ومن هنا تأتي الكثير من معاناة الشعب التونسي الذي جعل الإستبداد السياسي العلماني اللائكي من أبنائه عصابات منظمة ومدربة ومسلحة مستعدة في كل وقت للإعتداء عليه وسومه العذاب والهوان لمجرد أن يكون تكلم بما لا يرضي الفرعون وسحرته وجنوده، وبمجرد أن يطالب يوما وبكامل الهدوء بحقة في العيش بكرامة. أما إذا تظاهر وطالب بحقه في المواطنة والمشاركة السياسية والمتابعة والمراقبة والمحاسبة فلا أرض تقله عندئذ ولا سماء.

هذه العصابة هي التي تفعل بمن تشاء ما تشاء متى شاءت وأين ما شاءت ولا تسأل عما تفعل. فإذا ما استثنينا دور بعض الفرق منها في ما يزعم من محاربة المخدرات والجريمة وحفظ المؤسسات والشخصيات من كبار رؤساء مختلف العصابات المكونة للنظام، فإن الآلاف المؤلفة من عناصرها مدعوة بأن لا تهتم بشيء اهتمامها بالمثقفين والأحرار الذين لهم رأي آخر غير رأي من هم في سدة الحكم من العناصر المكونة للعصابة السياسية والذين يفكرون بطريقة مختلفة ويرون أن مصلحة بلادهم لا تتحقق بما يقول من هم في السلطة أنها تتحقق به، بعدما تبين أن هؤلاء هم مجرد عصابة حقيقية ليس لهم من مصلحة البلاد والشعب شيء، وأفعالهم وسلوكهم شاهد على ذلك.

والذي زاد الأمر خطورة أن هذه العصابة كغيرها من العصابات الست الأخرى قد التحق بها الكثير جدا من العقائديين يمينا ويسارا وخاصة في مواقع أخذ القرار والتنفيذ، والذين لهم ثارات مع المخالفين لهم في الرأي وفي المرجعية الفكرية والثقافية والعقائدية وخاصة مع الإسلاميين. وهي الفرصة التي لم يكونوا يحلموا بها يوما. وهي أن نكون بين أيديهم وهم في موقع القوة الذي يكونوا قادرين علينا ولا نكون قادرين عليهم فيه. ومن هنا كانت مأساة الشعب التونسي هذه المرة على أيدي هؤلاء خلافا لما كانت عليه الأمور من قبل وفي جولات سابقة لم تكن العناصر المكونة لهذه العصابة هي نفس العناصر يوم كانت هذه العناصر نفسها في المعارضة وإن كانت مخترقة للنظام كما يقول حاخام اليسار الأكبر الشيخ الرفيق محمد حرمل، إلا أنها ليست في المواقع التي تستطيع من خلالها أن تفعل دائما ما تريد بمن تريد.

فأنشط العناصر المكونة لهذه العصابة هي عناصر أما على الهوية اليسارية الماركسية أو على الهوية اليسارية القومية العربية.وأنا من واقع المعانات والعلاقة المباشرة الدائمة بها، ولمعرفتي المباشرة للعناصر المعلومة لدي، لست في حاجة إلى إثبات ذلك بأكثر من ذلك، وما زاد على ذلك من الإنتهازيين والمغفلين والإمعاوات وأصحاف الأهواء والنزوات والجبناء والطماعين. فما ترى مثل هؤلاء فاعلين بالرجال الأتقياء الأنقياء وبالنساء الفاضلات العفيفات وبالصغار الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء رجال كانت كل جريمتهم أنهم انتظموا في الفكرة الإسلامية وقالوا لا للظلم والفساد والكفر والتكفير، نعم للعدل والحرية، وللحق والفضيلة والعفة، وللإسلام والهوية العربية الإسلامية لتونس العروبة والإسلام وللشعب التونسي العربي المسلم.

هذه العصابة هي التي سقط على أيديها العشرات من الشهداء ومازالت تعيث فسادا في طول البلاد وعرضها،وهو ما يسميه الصحفي مراسل الكسيبي الحزب السري داخل السلطة، ومازالت تمعن في القتل والتنكيل والتعذيب في وقت تعددت فيه مراكز أخذ القرار، وتعددت فيه المسؤوليات بحسب كل جهة في النظام ونفوذها وإمكانياتها وقدراتها. وهو الذي كان ومنذ البداية في الحقيقة أضعف حلقة فيه هي رأس السلطة بعد أن التحقت به الكثير من العناصر والقوى القوية، والتي أصبح لها نفوذ كبير في ظل استعداد الكل للضرب بقوة على أيدي كل من له علاقة من قريب أو بعيد بالحركة الإسلامية. فكان ذلك مجال تنافس ومزايدة بين العناصر النافذة والقوى الملتحقة بالسلطة والقريبة منها والمعاضدة والمساندة لها والمتحالفة معها على ذلك. هذه العصابة هي التي مازالت تروع إلى اليوم كل الناشطين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين وتعتدي عليهم بالعنف الشديد في كل مكان ومن أجل أي سبب وبدون سبب إلا لعلمها أنه ليس على رأي هذه العصابات المحكمة قبضتها على البلاد منذ عقدين من الزمن. هذه العصابة هي التي يتمت المئات إن لم يكن الآلاف من الأطفال ورملت بالموت والحياة المئات كذلك من النساء وثكلت المئات من الأمهات. وهي العصابة التي مازالت منتشرة في طول البلاد وعرضها ولها السيطرة الكاملة على كل الأوضاع وكل الفضاءات وكل الساحات تطارد الشباب المثقف وغير المثقف من أجل إسلامه ومن أجل توقه للإنخراط في مقاومة المحتلين والغزاة لأوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وعلى رأسهم الأمبراطورية الأمريكية التي تقاتل هذا الشباب وأسره وكل أبناء شعبنا من خلال قانون الإرهاب سيء الذكر الذي تزج هذه العصابة على أساسه كل يوم تقريبا بزرافات من أنباء الشعب في غياهب السجون وتسومهم سوء العذاب. وهي العصابة التي مازالت تطارد بناتنا وأبنائنا ونساءنا في كل مكان من البلاد من أجل اللحية والحجاب. وهي العصابة التي تحكم الرقابة المشددة على كل مساجد البلاد ليهجرها الشباب والناس جميعا والواقفة وراء غلق الكثيرمنها. وهي التي تجعل من قانون المساجد سيء الذكر سيفا مسلطا على كل من يخالفه. وهي العصابة التي قطعت ومازالت تقطع أرزاق مئات الآلاف من أبناء الشعب بسبب رأيهم السياسي وبسبب رفضهم مواصلة فرض على الشعب التونسي العربي المسلم أي هوية أخرى وتصديهم لذلك، ولعملية التكفير الجماعي الممنهج التي يتعرض لها، والتمسك بهوية الشعب والبلاد التي لا يريدون إلا أن تكون عربية إسلامية والتي لا يمكن إلا أن تكون كذلك.

* المجال القضائي لتحرك العصابة القضائية“:(العصابة السابعة):

والذي يؤسف كل تونسي وكل إنسان في الحقيقة أن يجد نفسه مضطرا إلى الحديث عن ما من المفروض أنها السلطة الثالثة على أنها قد أصبحت إحدى سبع عصابات تحكم البلاد منذ ما يربو عن نصف قرن من الزمن.

والذي نأسف له أن يكون بما علمناه عن سلطة القضاء وبما علمناه من القانون وبما عانيناه من القانون ومن سلطة القضاء التي من المفروض أنها سلطة مستقلة مقدسة، أن جل قضاتها استنادا إلى الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والذي جاء فيه أن القضاة ثلاث: قاض علم الحق وعمل به فهو في الجنة وقاض علم الحق ولم يعمل به وقاض لم يعلم الحق ولم يعمل به فهما في النارأو كما قال صلى الله عليه وسلم مع اعتذارنا الشديد لهذه السلطة الجديرة في الأصل بالإحترام والتقدير والإجلال، ومع اعتذارنا الشديد لرجال صادقين فيها يحاولين ما استطاعوا أن يجتنبوا استغلال نفوذهم وموقعهم وسلطتهم لإلحاق الظلم والضرر والأذى بالناس، ويعملون ما استطاعوا على رفع المظالم وإنصاف المظلومين وإن قلوا. وبالمناسبة فليس منا من لا يترتب عليه واجب الشكر للقاضي الهمام الذي صدع بكلمة الحق في الوقت الذي كان فيه الجميع يعانون وملازمون فيه الصمت الأستاذ مختار اليحياوي، ليأتي في المرتبة الثانية الهيئة الشرعية المطاردة لجمعية القضاة، وليكون في المرتبة الثالثة الأستاذ المجاهد محمد عبو وفي المرتبة الرابعة رجال لا نعلمهم ولا نخالهم إلا موجودون يؤدون الواجب على الوجه الذي يقيم العدل وينصف المظلومين ويجعل حدا لظلم الظالمين، وليبق في المرتبة الخامسة العصابة القضائية، وهي المكونة من المرتشين وضعاف الأنفس والإنتهازيين والجبناء والساقطين أخلاقيا من الزناة والعربيدين والمستهترين والمعينين الظالم على ظلمههذه العصابة هي التي تأتمر بأوامر البوليس وبأوامر كل صاحب موقع ونفوذ في السلطة التنفيذية. وهي التي لا يعنيها القانون ولا يلزمها، وإذا كان ولابد ففي المرحلة الأخيرة وبعد أي طلب أو أمر من هنا أوهناك. هذه العصابة هي التي انضمت إلى باقي العصابات المشار إليها سالفا لتكوين نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب الذي هو نظام شراكة بين اليمين الدستوري واليسار الماركسي واليسار القومي العربي. وهو نظام العصابات السبع أو المافيات السبع.وهي التي كانت ومازالت ضالعة في المجزرة التي قام بها هذا النظام بهذه المكونات العلمانية وبهذه العصابات ضد الشعب. والتي بدأت فصولها الأكثر درامية منذ 1990. والتي مازالت متواصلة إلى اليوم. والتي بعد انتهاء شهر العسل وزواج المتعة بين بعض مكونات الحركة العلمانية اللائكية وبعضها الآخر أصبحت أكثر شمولا، ولا استثناء فيها لأحد. وكان الدور الأشد درامية في المحاكمات التي طالت عشرات الآلف من الإسلاميين في العقد الأخير من القرن العشرين هو دور العصابة القضائية، وإن كان ليس من السهل القول أن دور هذه العصابة كان أشد درامية من دور العصابات الأخرى لأن كل مشاهد المجزرة كانت درامية وكل من كان له فيها دور كان دراميا، ولم يكن مقبولا من أي كان أن يكون له دور غير درامي في هذه المجزرة التي مازالت مستمرة وعلى نفس المستوى من الدرامية، لأن ساحته هي الحرية والهوية والعدالة الإجتماعية. وبذلك لا يمكن أن تنتهي حتى يحق الله الحق وتبطل الباطل ولو كره الكافرون والتكفيريون والمنافقون والإنتهازيون.

نقلا عن موقع السبيل أونلاين نت <!– var prefix = ‘ma’ + ‘il’ + ‘to’; var path = ‘hr’ + ‘ef’ + ‘=’; var addy90302 = ‘info’ + ‘@’; addy90302 = addy90302 + ‘assabilonline’ + ‘.’ + ‘net’; document.write( ‘‘ ); document.write( addy90302 ); document.write( ” ); //–>\n

المدونة لدى WordPress.com.