مدونة الأستاذ على شرطاني

يناير 20, 2008

الهجرة وعيد الميلاد – رأي في التأريخ بميلاد المسيح

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:38 ص

بسم الله الرحمان الرحيم

الهجرة وعيد الميلاد

رأي في التأريخ بميلاد السيد المسيح عليه السلام :

منذ أيام ودع العالم والأمة العربية والإسلامية جزءا منه، سنة خلت. واستقبل عاما جديدا. وقد كان ميلاد نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام من الأحداث البارزة في تاريخ البشرية التي قبلت كلها في ما أعلم بأن يكون العصر الوسيط والعصر الحديث بما فيه من مواقف وثقافات معادية ومناهضة للدين، وبما أصبح من قبيل المسلم به فيه من القول، بأن عصر الأديان قد ولى. وأن قيام نظام سياسي على أساس من الدين قد انتهى، بعد أن استفاق الغرب، ولأول مرة في تاريخه، على أن له عقلا. وهو الذي لم يكتشف هذا العقل طول تاريخه الدموي البربري، إلا بعد الحروب الصليبية التي أطلقها، والتي قادها ضد العرب والمسلمين ليطفئ نور العلم والحضارة، وليدمر المدنية والعمران. إلا أنه تبين له بعد ذلك أنه غنم منها ما لم يغنم من قبل من أي حرب مع أي جهة من الجهات ومع أية أمة من الأمم. لقد كانت تلك الحروب، وانتقال الخلافة الأموية من المشرق إلى المغرب بعد فتح الأندلس، التي كانت مركز إشعاع للعلم والمعرفة، بعد أن كانت حركة الترجمة قد نشطت نشاطا كبيرا، وهي التي تم بمقتضاها الإطلاع على المعارف والعلوم الإغريقية والصينية والهندية والفارسية، وغيرها من الحضارات السابقة لها، والتي كان مهدها دائما المشرق العربي، وعلوم ومعارف وثقافات كل الشعوب التي حررتها حركة الفتح الإسلامي من العبودية والخرافة والأساطير والأوهام، ونقلت ما كان علميا وصالحا لديها إلى العربية، وإلى غيرها من لغات مختلف الأمم والشعوب التي اعتنقت الإسلام، أو التي نعمت بالأمن والحرية في كنف عقيدته ونظام شريعته. ولذلك كان انقداح العقل العلمي الواثق من روما بعد سقوط القسطنطينية الذي عبرت معه العلوم والمعارف العقلية إلى الغرب، كما عبرت من الأندلس التي استمر فيها المسلمون على العطاء الحضاري والمعرفي والعلمي العقلي ثمانية قرون. فليس غريبا أن تكون المواجهة عنيفة بين العلم والعقل والمسيحية الكنسية المحرفة في روما وفرنسا أكثر منها في أي مكان آخر من أوروبا.لقد كان ميلاد السيد المسيح عليه السلام من المحطات الفاصلة والفارقة في تاريخ البشرية. وهو الذي ولد بالمشرق مهد الحضارات والأديان، وانتقلت دعوته إلى الغرب عبر النفوذ الأمبراطوري الروماني الوثني، بعد تنكر اليهود المرسل إليهم من الله لإصلاح ما أفسدوا من عقيدة التوحيد التي تناقلها لهم عبر الزمن أنبياء ورسل كثيرون. فمنهم من كذبوا ومنهم من قتلوا، وتآمروا عليه ليقتلوه صلبا. وهم من اعتقد أنهم إنما فعلوا ذلك فعلا. إلا أن الله اخبرنا أن ذلك لم يكن لهم، وهم من كان قد فعل ذلك لشبيه له، وهو من كان الله سبحانه وتعالى قد رفعه ولم يذقه الموت على أيديهم.

يقول تعالى : “وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله  وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ” “بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما سورة : النساء/157 /158 .

لقد ظل ميلاده عليه الصلاة والسلام محطة تاريخية لم يكن أمام حتى الكفار والملحدين إلا القبول بالتأريخ به. ومن المفارقات الغريبة ومن التناقضات الفاضحة، أنه حتى عندما انقسم الغرب على نفسه إلى معسكرين، لم يكن من أمر المعسكر الشرقي القائم نظامه السياسي على عقيدة الإلحاد التي عانت منها الشعوب الأمرين على امتداد عقودا من الزمن، إلا أن يظل محافظا على التأريخ بميلاده عليه الصلاة والسلام، حتى أفل نجمه وانهار بنيانه من القواعد وخر السقف على رؤوس أصحابه. واستمرت العلمانية المتدينة تدير دفة الحضارة بطريقتها على قاعدة إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، على أساس من تعاليم الإنجيل القائلة بذلك والداعية إليه. وليس في الأمر مسيحيا غرابة، لما كان عليه الأمر من إعادة الأمور إلى نصابها. ولذلك كان العالم المسيحي الليبرالي الرأسمالي يحتفل كل سنة بميلاد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام. وهو الذي بحلوله تكون بداية سنة إدارية وسياسية جديدة وانتهاء أخرى.

وإذا كان من الطبيعي حصول ذلك في الغرب، وحيث ما كان للمسيحية والمسيحيين وجود، فإنه من غير الطبيعي حصول ذلك في الشرق، وحيث ما كان للإسلام وللمسلمين وجود.

موقف الإسلام الذي يجب أن يكون عليه المسلمون :

لقد جاء الإسلام الذي بعث به الله سبحانه وتعالى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب نبيا ورسولا للناس كافة بشيرا ونذيرا، داعيا كل بني آدم للقبول بالرسالة الخاتمة، وبنبوتة صلى الله عليه وسلم كخاتم للأنبياء والرسل.

ولذلك كان كل من استجاب لهذه الدعوة مطالبا بالإيمان بكل الأنبياء والرسل، وأن لا يفرق بين أحد من الرسل وهم المسلمون.

إن إيمان المسلمين بكل الأنبياء والرسل لا يقوم مبررا، كما يحلوا للبعض أن يقول ويفعل ،لمشاركة المسيحيين الإحتفال برأس كل سنة ميلادية وبنفس الطريقة وعلى أساس نفس العادات والتقاليد ونفس الطقوس. ذلك أن إيمان المسلمين بكل الأنبياء والرسل، إنما كان على أساس ما بعثهم به الله سبحانه وتعالى من عقيدة التوحيد، ومن قيم ومبادئ وأحكام وأخلاق، جاء الإسلام مقرا لها ومهيمنا عليها قبل أن يطالها التحريف والتزييف والتزوير، وقبل الزيادة إليها والنقصان منها. أما هذا الذي عليه المسيحيون من المسيحية فليس من المسيحية الصحيحة في شيئ، ولا علاقة للسيد المسيح عليه السلام به، بل لعله لم يبق مما أوحى به الله عليه عليه الصلاة والسلام شيئا مما ما بين دفاف الأناجيل التي بين يدي المسيحيين اليوم.

ولذلك فإن احتفالهم بالسنة الميلادية لا يقوم إلا على أساس من البدع والأوهام والخرافات والأساطير التي وضعها المحرفون والمزورون بعد المسيح عليه السلام، ونسبوها كذبا وزورا إليه.

إن مشاركة المسيحيين الإحتفال بعيد الميلاد، هو إساءة للسيد المسيح عليه الصلاة والسلام نفسه، لأن هذه الإحتفالات لا تتم بما أمر الله ولا رسوله أن تتم به، وإنما كانت تتم بما رأى المحرفون أن تتم به. ولأنه ليس في ذلك طاعة له عليه السلام ولا لله سبحانه وتعالى. ولكن والأشد خطرا من كل ذلك، أن هذه الإحتفالات إنما تتم طاعة للمحرفين والمزورين بما في ذلك من معصية لله ولرسله عليهم الصلاة والسلام.

ثم والأخطر من كل ذلك، أن هذه الإحتفالات إنما كانت تتم عن جهل مطبق بالمسيحية المزورة نفسها، وبالإسلام وما يجب أن يكون عليه المسلم من اعتقاد ومن عادات وتقاليد ومن قيم ومبادئ وأخلاق.

صحيح أن الناس عندنا في بلاد العرب والمسلمين لا يقومون بذلك على أساس من الإعتقاد، ولكن على أساس من العادات والتقاليد. وهم يتعاملون مع هذا الموعد على أساس من المناسبة التي يجتمع فيها الناس على مائدة فيها من لحم الدجاج ومن المرطبات ما ليس لبعض العائلات من القدرة المادية عليه، إضافة إلى ما يتخلل ذلك من موبقات ومن انتهاك للحرمات ومن فساد يهتز له عرش الرحمان.

وفي كل الحالات فهي من نتائج الغزو الفكري والثقافي، ومن احتقار الذات والشأن، ومن إعلاء ذوات وشأن الآخرين. ويجد كل ذلك مبررا لدى الكثيرين في إيمان المسلمين بكل الأنبياء والرسل.وإذا كان الإسلام يدعونا إلى الإيمان بكل الأنبياء والرسل، فإنه لا يدعونا إلى مشاركة المسيحيين هذه المناسبة بالطريقة التي يحتفلون بها فيها، بل كان هذا الإسلام الذي يدعونا إلى الإيمان بكل الأنبياء والرسل ناهيا لنا عن مشاركتهم في ذلك. بل جاء داع لنا لمخالفتهم في ذلك.

لم يكن المسلمون في بلادنا على الأقل يشاركون المسيحيين في الإحتفالات بعيد الميلاد المجيد على امتداد سبعين سنة من الإحتلال الفرنسي لبلادنا. ولم يكونوا يفعلوا ذلك طيلة الوقت القريب من رحيل جيوشها منها. وإنما كانت هذه المشاركة تأخذ طريقها تدريجيا إلى ربوعنا وبيوتنا طيلة فترة تولي خلفاء الإستعمار ووكلاءه من العلمانيين واللائكيين الأمور بالبلاد. ولقد نشطت هذه المشاركة وترسخت هذه العادة وانتشرت وعمت في العقدين الأخيرين من تاريخ البلاد خاصة. وهي الفترة التي التقت فيها كل مكونات الطائفة العلمانية اللائكية في نظام العصابات السبع، نظام تحالف 7نوفمبر الرهيب، والتي شنت فيها حربا معلنة لا هوادة فيها عن الإسلام وعن هوية الشعب التونسي العربية الإسلامية، من خلال إعلانها الحرب على الحركة الإسلامية، مما مكن لهذا النظام في البلاد، لا من خلال برامجه وإنجازاته، ولكن من خلال ما بث في قلوب الناس من رعب وخوف، وما جعلهم عليه من طمع. فهم من أصبح يستجدي حقوقه، ومن يتصدق بها عليه، ومن كان ليس كذلك فإن تهمة الإنتماء إلى الإسلام من خلال الإحالة إلى الإنتماء إلى الحركة الإسلامية الممنوعة والمصادرة من الوجود جاهزة بوجه حق أو بغير وجه حق، ليكون أي كان وفي أي موقع وكائن من كان في دائرة الإستهداف المباشر. ويجد نفسه في مواجهة مصير أسود لا يدري ما يفعل به، وعليه إثبات خلاف ذلك، وذلك ما ليس سهلا.

وفسح المجال لكل الناس، وبتوجيه إعلامي وتعليمي ممنهج ومبرمج وضاغط، وتحت ضغط الخوف من ملاحقة لعنة الإسلاميين في الحركة الإسلامية لأي كان، لكل ما لا علاقة له بالإسلام، ولكل ما له علاقة بالتغريب والإلحاق الفكري والثقافي والحضاري. فكان من بين ما ترسخ وتأكد في البلاد خلال هذه الفترة من حكم تحالف مختلف مكونات الحركة العلمانية في إطار نظام العصابات السبع، نظام 7 نوفمبر الرهيب، ظاهرة الإحتفال برأس السنة الميلادية على الطريقة الغربية الصليبية تقريبا. وكان ذلك من بين ما كان يذهب به الكثيرون الشبهة عن أنفسهم، حتى لا يشك بمخالفة الواحد منهم من ذكر أو أنثى السائد من العادات والتقاليد الغريبة والدخيلة الغربية، في ولائه للطاغوت، وفي وجود أي علاقة له بالإسلام وبالحركة الإسلامية. وقد مضت سنين طويلة، وقبل الثورة اٌلإعلامية وانتشار منابر الإعلام الفضائي الحر، الذي حاول النظام الفاسد لتونس العروبة والإسلام محاصرته ومصادرة أدواته ووسائله، وفرض أتوات على مستعملي الهوائي أو ما يسمى في دول المشرق الدش، كان النظام المسيطر على كل منابر الإعلام الممكنة في ذلك الوقت، يعمل بكل وضوح، وأنا من الشاهدين على ذلك، على تغييب أكبر المناسبات الإسلامية في تلك المنابر، أو تحويل وجهتها لغير ما جاءت داعية إليه، ولغير الغرض من وجودها، باسم الحداثة وباسم التسامح والإنفتاح والأصالة والمعاصرة، وغير ذلك من الشعارات التي لا يراد بها إلا باطلا، والتي لا معنى لها غير مناهضة العروبة والإسلام ومحاصرتهما، ومناصرة العلمانية والتغريب والتكفير، ودعم ذلك والتمكين له بكل وسائل القوة والعنف والإكراه، وفسح المجال لكل ما هو دخيل وغريب عن أصالة شعبنا وعراقته في العروبة والإسلام.

ومازال المسخ الثقافي الذي هو مشروع الطائفة العلمانية بكل تجلياتها في تونس، هو المهمة الرئيسية لها. وهي مستمرة على فرضه كلفها ذلك ما كلفها، وكلف ذلك الشعب التونسي ما كلفه. وليست الإحتفالات بعيد الميلاد إلا مظهرا من مظاهره.

رأي في التأريخ بهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يعلم تماما ماذا يفعل باعتماد التقويم الهجري للتاريخ. كان يعلم أن هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كانت نقلة نوعية في التاريخ البشري، وفي تاريخ الحركة الإسلامية التي كان يقودها. وهي بداية النهاية للمجتمع القبلي في الجزيرة العربية في ذلك الوقت، والخطوة الأولى باتجاه قيام دولة الإسلام العالمية الكونية، على أساس من عقيدة التوحيد التي جاء داعيا كل الناس بمختلف عقائدهم وألوانهم وأعراقهم وألسنتهم من الإنس والجن إلى التوحد عليها، باعتبارها الأساس الذي تكتمل به إنسانية الإنسان، والذي يقوم عليه نظام الحكم الصالح.وبذلك كان اعتماد التقويم الهجري في التاريخ ليس على أساس حدث الهجرة في حد ذاته، ولكن على أساس قيام الدولة.

فالإحتفال بذكرى الهجرة النبوية الشريفة، هو إحياء لذكرى قيام أول دولية إسلامية إنسانية صالحة وعادلة في التاريخ بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.ولذلك أصبح اليوم في ظل النظام العلماني للدولة الحديثة، الذي أصبح بفعل الإستعمار وخلفائه وحلفائه ومواليه، هو الأصل في كل أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وأصبح النظام الإسلامي هو الإستثناء، وغير معترف بوجوده أصلا. ولذلك فإنه من الطبيعي أن تكون الإحتفالات بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام في ظل النظام العلماني الهجين والدخيل على أوطاننا وعلى شعوبنا، لما بين هذا النظام من علاقة بالمسيحية. بل لأنه نظامها وهي دينه. ولأن العلمانية هي النظام السياسي الذي جاءت الكتب المقدسة المسيحية المحرفة داعية لإقامته. فالنظام العلماني هو النظام المسيحي الذي يجب أن تكون السلطة السياسية فيه والإشراف على الشأن العام وتنظيمه لقيصر، وتكون السلطة الروحية فيه للبابا ولرجال الدين المسيحيين. ولذلك نقول أن المسلمين في ظل النظام العلماني ذات الأصل المسيحي، هم محكومون بغير نظامهم الطبيعي الذي لا يكون إلا نظاما إسلاميا. وإذا كان لا حرج لدى المسلمين في اعتماد التاريخ المسيحي باعتبار إيمانهم بكل الأنبياء والرسل، ولا يفرقون بين أحد من رسل الله سبحانه وتعالى، فإن هناك حرجا في عدم اعتماد التاريخ الهجري، وفي الإحتفال بأعياد الميلاد بكل أو بالكثير مما يحتفل به المسيحيون في النظام العلماني المسيحي الأصيل في أوطان شعوب العالم الغربي المسيحي.

في ظل هذه الفوضى التي حلت بأوطان شعوب الأمة، أصبح حلول السنة الهجرية غير ذي معنى ولا كبير قيمة له، وإذا كان لا بد من غير ذلك، فإن النظر إليه والتعاطي والتعامل معه لا يكون إلا على أساس أن الهجرة هي مجرد حدث تاريخي قام به الرسول صلى الله عليه وسلم في حياة المسلمين في الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي. ولولا أنه كان يوم عطلة زيادة من النظام العلماني الهجين في التظليل والتزوير والغش والخداع، لما سمع به الكثير من الناس ولما علم به. وكان طبيعيا أن يكون التعامل مع التاريخ الهجري ومع حلول السنة الهجرية على هذا الأساس البارد والفاتر والمجهول والمتجاهل، لأن الهجرة مرتبطة بقيام الدولة الإسلامية وبالنظام السياسي الإسلامي للدولة الإنسانية وهذا النظام ليس قائما، في حين أن ميلاد السيد المسيح عليه السلام كان مرتبطا بالنظام العلماني القائم. ولذلك كان معلوما ومحتفى ومحتفلا به في أوطان شعوبه الأصلية، وفي أوطان الشعوب التي فرض والمفروض عليها بقوة السلاح من طرف القوى الإستعمارية الصليبية، ثم بقوة أجهزة القمع والبطش في أنظمة الإستبداد المفروضة على شعوب أمة العرب والمسلمين في أوطانهم.

الهجرة والقرآن المهجور” :

فبحلول السنة الهجرية الجديدة لا تجد من الكثير من الناس من يهنئك بحلول العام الجديد، ولا بمن يعد له عدته، ولا يتم التحضير له كما يتم التحضير لحلول السنة الميلادية، وكما تجد الكثير من الناس من يبارك لك السنة الإدارية والسياسية الميلادية الجديدة، وإن كانت الحركة الإسلامية المعاصرة قد أعطت فرصة وكانت سببا لاستعادة الكثير من أبناء شعوب الأمة ذاكرتها، وعلى خلاف ما يقول به التقليديون وما لم يكن معمولا به لدى السابقين حتى من السلف الصالح وما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، واعتبار ذلك بدعة ، فقد رأت هذه الحركة أن إحياء كل المناسبات الإسلامية قد أصبح اليوم ضرورة مقابل إحياء ما يسمى المناسبات الوطنية التي أصبحت لا علاقة لها بالإسلام، نظرا للقبول بالنظام العلماني بديلا عن النظام الإسلامي في كل أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، والمناسبات العالمية المسيحية واليهودية وغيرها من النحل، لأن إحياءها هو بمثابة إعادة الإعتبار للعقيدة وللحضارة الإسلامية وللتاريخ الإسلامي، وإحياء للذاكرة وتذكيرا وترسيخا وتعليما للمفاهيم واستخلاصا للعبر.

لقد كان من أخطر ما جاء به النظام العلماني، هو هجرة الناس للقرآن العظيم، وعلى امتداد عقودا من الزمن، ومازال الجهد متواصلا من طرف كل منظومة الردة العلمانية اللائكية التكفيرية بهذا الإتجاه في تونس بصفة خاصة. ولكن وهم يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون“.

فإذا كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هجرة من الظلمة والظلم إلى النور والعدل، وهجرة النظام التقليدي القبلي الجاهلي إلى نظام الدولة الإسلامي التوحيدي الوحدوي، فإن هجرة الحركة العلمانية التكفيرية الدخيلة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وفي تونس بصفة خاصة، كانت هجرة بالبلاد والعباد من النور إلى الظلمة، ومن الخير إلى الشر، ومن عدل القرآن إلى جور السلطان، ومن الإسلام إلى الإجرام أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون“.

تأتي السنة الهجرية الجديدة 1429 على الأمة والصراع على أشده بين من هجر القرآن وارتضى العلمانية بديلا عنه من أبناء الأمة، ومن يدعوا لذلك ويعمل عليه، وبين المتمسكين بالقرآن والعاملين والداعين للعمل به، والمهاجرين والمهجرين من أجله فرارا من الموت والسجن والتعذيب.

تأتي السنة الهجرية الجديدة على الأمة، وهي تخوض معركة الشرف والكرامة والعزة، وإعادة الإعتبار لذاتها، لتستعيد دورها الحضاري والثقافي والسياسي قي مواجهة من هجر القرآن من أبنائها ويدعون لذلك ويعملون من أجله، وهم من يمثل خطرا أكبر على الأمة لمناهضتهم للأسلام والإقتناع بغيره، ولعلاقة العداوة التي أوجدوها بين أبناء الوطن الواحد، ولتمسكهم بالنظام العلماني والحرص على مواصلة فرضه على الناس بالقوة، ولعلاقتهم المباشرة بالأجنبي المعادي والذي اتخذوا منه وليا وحليفا وصديقا.

لا نفرق بين أحد من رسله” :

وبمناسبة السنة الميلادية الجديدة 2008، وبحلول السنة الهجرية 1429، أود أن أشير إلى أمر هام أرى أن تعامل الأمة فيه مع الأحداث والمستجدات لا يتناسب مع إسلامنا ومع ما نؤمن به، بل ما لا يصح إسلامنا إلا به، وهو الإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام وعدم التفريق بينهم.

في هذه المرحلة الإستثنائية من التاريخ البشري، ومن تاريخ أمة العرب والمسلمين، كانت الدعوات لهجرة الدين وهجرة القرآن كثيرة وجادة وصريحة، باتجاه محاولة تأكيد إنسانية الإنسان بل ألوهيته وربوبيته على حساب ألوهية الله وربوبيته، من خلال الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، ومن خلال القول بأن الدين أفيون الشعوب، ومن خلال الترويج لنظرية موت الإله وانتهاء زمن قيام نظام الدول على أساس من الدين، ومن خلال شعار لا إله والحياة مادة ولا شيئ غير المادة، ومن خلال الإساءة للأنبياء والرسل بذريعة حرية الصحافة وحرية التعبير وغير ذلك من الشعارات والتصورات والأفكار والدعوات.

والملفت للإنتباه واللافت أن المسلمين في هذه الحملة التي تشن من هنا وهناك على أنبياء الله ورسله بأشكال مختلفة، وبوسائل مختلفة وفي أوقات وفي أماكن مختلفة، وبذرائع وتعلات وتبريرات مختلفة، لم نر منهم ما يفيد إيمانهم بكل الأنبياء والرسل، وعدم التفريق بينهم. ذلك أن ثائرة المسلمين تثور وتأبى أن تقعد إذا ما أسيئ بأي شكل وبأي صيغة وفي أي مكان وفي أي زمان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل إلى من هم أقل منه بكثير من الصحابة أو التابعين، ومن العلماء المشهورين المشهود لهم بالعلم والأمانة، ولا يحركون ساكنا عندما يساء إلى أي من الأنبياء الآخرين. وقد ثبت أن الجهات التي جعلت من اهتمامها الإساءة للأنبياء والرسل، قد أساءت أكثر من مرة في أكثر من عمل فني، أو مقال صحفي، أو في كتاب أدبي أو فكري أو فلسفيلأنبياء الله موسى وعيسى خاصة، ولا يحرك المسلمون عند ذلك ساكنا، وكأن هذا الأمر لا يهمنا إلا في حالة واحدة، عندما يساء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنه نبينا وحدنا، وهو الذي أرسله الله للناس كافة رحمة للعالمين، وكأن الأنبياء الآخرين هم أنبياء بني إسرائيل أو النصارى وحدهم، ولهم الحق في التعامل معهم كما يشاؤون، ولهم أن يسيؤوا إليهم متى شاؤوا وكيف ما شاؤوا وبأي ما شاؤوا في أي زمان شاؤوا وفي أي مكان. ولا شك أننا مسؤولون أمام الله عن السكوت عن ذلك، كما نسأل عن أي شيئ آخر فرطنا فيه أو تهاونا أو قصرنا ولم نقم بما يجب أن نقوم به مما نحن قادرون عليه، مما نحن مدعوون للإيمان به.ولتأكيد إيماننا بكل الأنبياء والرسل وعم التفريق بينهم، وجب على الأمة أن تكون جاهزة ومستعدة للتصدي لكل من يسيء لأي نبي أو رسول من أنبياء الله ورسله، بدون التفريق بين أي منهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين

علـــــــي شرطــــــــــاني

قفصة : في 3 محرم 1429

الموافق لـ :11/01/2008

تــــــــــــــــــــــــــونس

المصدر : السبيل أونلاين بتاريخ 12 جانفي 2008

كلمة الأستاذ علي شرطاني بحلول السنة الهجرية

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:35 ص

كلمة الأستاذ علي شرطاني بحلول السنة الهجرية

بسم الله الرحمان الرحيم

والصلاة والسلام على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه ومن والاه ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

بحلول الذكرى 2008 لميلاد السيد المسيح عليه السلام، وبحلول الذكرى 1429 لهجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، يسعدني أن أتقدم بأحر التهاني وأطيب الأماني إلى كل أسر المنابر الإعلامية عامة والإلكترونية الجادة والصادقة خاصة، وأخص بالذكر أسرة الإلكترونية تونس نيوز tunis news ،والإلكترونية السبيل أونلاين، وأقلام أونلاين، والزيتونة، وغيرها من المنابر الملتزمة بقضايا الإنسان المظلوم المضطهد أيا كان دينه أو لونه أو عرقه أو لغته، وفي أي زاوية من زوايا الأرض في مواجهة الظلم والظالمين والقهر والقاهرين والإستكبار والمستكبرين أي كان دينهم أو لونهم أو عرقهم أو لغتهم، وإلى كل إخوتي وأخواتي في المهاجر وفي المنافي، وإلى كل الصامدين الصابرين في سجون تونس الحبيبة، وإلى كل المرابطين الصامدين المحاصرين داخل البلاد من النساء والرجال والولدان، وإلى كل العرب والمسلمين وكل الأحرار وكل المظلومين المستضعفين في العالم، أيا كان دينهم أو لونهم أو عرقهم أو لغتهم، سائلا الله العلي القدير أن يجعل هذه السنة سنة يومن وبركة وأمن وأمان وسلم وسلام للعرب والمسلمين وكل المستضعفين في الأرض، وأن يرفع الظلم عن المظلومين، ويفك أسر الأسرى، ويمن فيها بالشفاء على المرضى، ويرحم فيها الموتى، وأن تكون سنة نصر وتمكين للعرب والمسلمين وسائر المستضعفين، وسنة هزيمة للمستبدين وللصهاينة والصليبيين – اللهم آمين يا رب العالمين.

سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

أخوكم : عــــلي شرطــــــاني

المصدر : السبيل أونلاين , جانفي 2008

الجزء الأخير بتصرف من حديث الصراحة مع الأستاذ شرطاني

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:26 ص

الجزء الأخير بتصرف من حديث الصراحة مع الأستاذ شرطاني

السبيل أونلاين نت : بلغنا أن لك سجالات فكرية وسياسية ساخنة مع اليسار فكيف تفصّل لنا في الموضوع ؟

هو سجال قديم متجدد . كان حاضرا في المناسبات وفي الفضاءات المختلفة لما كانت بالبلاد وكانت المنابر مفتوحة ، واليوم أصبح هذا السجال مثنى وثلاثى ورباعى بالمقاهي وببعض الجمعيات . بعد أن أصبح اليسار يتيما بسقوط المعسكر الشرقي، وبعد أن انقسم على نفسه بين من بقي مع السلطة ، وبين من عاد للمعارضة . المعارضة الوحيدة التي بقيت ملازمة مكانها هي الحركة الإسلامية في أفضل صيغة منظمة لها وهي حركة النهضة الإسلامية فكان لابد من الالتحاق بها . وفي هذه الظروف وبعد ضياع اليسار الماركسي الذى أمضى عمرا في الإيمان بالعنف الثوري وبين مطلق للينينية ، أصبحت بعض عناصره قابلة بالحديث مع المخالف ، كان هذا السجال مع عناصر اليسار بالمدينة في إطار فهم أصوب للواقع التونسي والإقليمي والدولي فكان السجال ساخنا، وهو يدور بين متضرر يعلم يقينا من أضر بالبلاد، وبين هذه الأطراف التي كانت لها اليد الطولى في الدمار الذي حل بتونس، والذي تتحدث عنه هي نفسها .وأنا أحمل هذه الطائفة المسؤولية كاملة في ما حصل بالبلاد ولكنهم يحملون الرئيس بن علي وعائلته وأصهاره وحزبه.

السبيل أونلاين نت : هل لديك تواصل أو إتصال بالمنظمات والأحزاب السياسية في تونس ؟

ليس لدي في الحقيقة تواصل واسع إلا عبر وسائل الإعلام ، لي اتصالات مع بعض ممثلي الحساسيات السياسية والحقوقية من خلال فرع الرابطة باعتباري من أقدم المنخرطين فيها، وببعض العناصر من فرع منظمة العفو الدولية وبمختلف الأطراف ذات الخلفيات السياسية والنقابية في إتحاد الشغل . ونظرا لبعدي عن العاصمة وبحكم عوامل أخرى كثيرة لم يكن لدي اتصال وتواصل بالمنظمات والأحزاب السياسية في تونس كما لو كنت هناك . والذي يجب أن يعلمه القارئ أن عامل الخوف من تغول النظام وتسلطه وبطشه قد بلغ بالكثير سواء من داخل المنظمات والأحزاب أو من خارجها حدا مازال الكثير يخاف من أن يراه البوليس أو المواطن الرقيبمعي شخصيا أو مع أي من إخوتنا الذين ظلوا محل مراقبة ومازالوا وإن بوتيرة أقل .

السبيل أونلاين نت : خلال السنوات الماضية إزدادت المطالبات بضرورة إحداث إصلاحات داخل حركة النهضة كتغيير القيادة والإهتمام بالمسألة التربوية وتغيير الخطاب تجاه السلطة وإعادة دفة قيادة الحركة إلى الداخل وغيرها من الملفات التنظيمية والوطنية , فكيف تنظر أنت إلى موضوع الإصلاح داخل النهضة , وما هو بنظرك الملح من ملفات الإصلاح وما هو قابل للانتظار ؟

الموضوع شائك والحديث فيه يطول . وقد نأيت بنفسي في ما كتبت عن موضوعين :هما حركة النهضة وكل ما له علاقة بها ، وعن الرد عن بعض الأقلام المأجورة والتي يبحث أصحابها عن النجومية مثل سلوى الشرفي وآخرون , و أدعو بكل لطف من يريدون لهذه الألسن أن تخرس و لهذه الأقلام أن تجف ، ولهؤلاء أن يموتوا وهم أحياء، أن يهملوا ما يقولون إهمالا كاملا

أما بخصوص حركة النهضة ومشاكلها فإن الأمر في الحقيقة يقتضي إلماما كاملا بكل مشاكلها ،ومن غير ذلك قد لا يكون الحديث مفيدا . و الحديث عن الإصلاح يبدو ممكنا من خلال مشاكل الداخل، وهي مشاكل عصية عن الحل .

أما مسألة القيادة مثلا، فإن مسألة الشرعية تبقى مهمة. فهل أن القيادة بالمهجر مثلا تتمتع وفق القوانين المعمول بها داخل الحركة بالشرعية الكاملة أم لا؟ فالسؤال مطروح. وإذا كانت القيادة في المهجر يمكن أن يكون مقدوحا في مشروعيتها من الناحية القانونية ، وكيف يمكن أن يكون وضع قيادة الازمة في الداخل في ظروف مازال لم يتوفر فيها الحد الأدنى من أسباب التواصل بين العناصر الفاعلة وبين القواعد التي أصبحنا لا نعلم على وجه اليقين من مازال مع هذه الحركة ومن انقلب عليها ، لا سيما وأن الاختراق الشيعي خاصة قد أصبح في بعض الجهات أمرا واقعا، ويبدي اهتماما خاصا بإخوتنا المحسوبين على الحركة.

فأنا أقول، وإن كان الأصل في القيادة أن تكون بالداخل، إلا أن الوضع مازال لا يسمح بذلك، ولا بد من تهيئة الأوضاع بالداخل حتى يصبح قادرا على إفراز قيادة تتمتع بالحد الأدنى من شرعية التمثيل القاعدي على الأقل. وحتى ذلك الحين، فإنه يمكن للقيادة أن تظل بالمهجر حتى تتم تهيئة الظروف المناسبة ليتم تسليم القيادة بسلاسة للداخل، وحتى ذلك الحين أيضا فإنه ليس ثمة أكثر إلحاحا من الملف التربوي الذي لابد من البحث الجاد والسريع في ما يلزم من استعداد وإعداد له . فلا بد من أن نعد العناصر المناسبة في التربية والتكوين، وفي تشييد صرح المجتمع المسلم ولابد من الإسراع في ضبط الآليات والوسائل والإمكانيات والعناصر اللازمة للإهتمام بالملف التربوي أولا، وهو الذي من خلاله يطرح الملف الإجتماعي . وفي الأثناء يجب أن نحافظ على مستوى منخفض من العناية بالملف السياسي والإعلامي ونبتعد عن الإستفزازات المجانية ، بعيدا عن المواقف الانبطاحية والمذلة. ولكن بخطاب متوازن مسؤول على قاعدة نحن قوم نقول:للمحسن أحسنت وللمسيء أسأت“- كما هو مروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم -، في إطار التمسك بكل ثوابتنا التي هي ثوابت ديننا، ومع ملازمة الحذر عن أن نفتن عن بعض ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم . هذا هو إجمالا الموقف عندي من عملية الإصلاح داخل الحركة ظرفيا.

السبيل أونلاين نت: طرحت السلطة على بعض المهجّرين السياسيين التونسيين في المنافي ما أصبح يعرف بـ الخلاص الفردي في الأوساط المهجرية والمتمثل في العودة الفردية إلى تونس بعد تحقيق شروطها , فكيف ينظر من هم بالداخل إلى هذه العودة ؟

لقد كانت المواقف متفاوتة قبولا ورفضا بحسب وعي الفرد بالمسألة . وقد سمعت ممن تجاذبوا فيها الحديث على أنها عودة للراحة والمتعة وترك أمر الإسلام والمسلمين عند بعض العائدين وراء ظهورهم. وبالتأكيد فإن ذلك مما كان على رأس الشروط المشترط توفرها في المتمتع بالعودة الفردية . وما كانت السلطة لتطلب ذلك لولا حرصها على التفرقة وشق الصفوف والاستفادة من الأوضاع السيئة التي فرضتها ، كما هي متدخلة في حركات وأحزاب

السبيل أونلاين نت : إذا كانت للسلطة آذان صاغية , فماهي الرسالة التى تود توجيهها لها ؟

إن الذي أستطيع أن أؤكده أنه ليس للسلطة آذان صاغية وأن القائمين عليها صم بكم عمي فهم لا يفقهونلأنها ليست معنية بحل مشاكل الناس . فهي لا تسمع أصوات المتضورين جوعا جراء الخصاصة والبطالة، ولا أصوات المتضورين جوعا من المضربين عن الطعام من أجل حقهم في الشغل، وفي السجون من أجل الحرية ومن أجل رفع المظالم عنهم، ومن المطالبين بحقوقهم في حرية التعبير والتجمع ، ومن أجل إطلاق سراح المساجين السياسيين والعفو التشريعي العام. وهي لا تسمع وليست مستعدة أن تسمع لأصوات المهجرين والمنفيين المطالبين بالسماح لهم بالعودة المأمونة إلى وطنهم و أهلهم، ولا لأصوات المعتدى عليهم كل يوم من أجل ملاقاة بعضهم بعضا من الذين استعادوا حقهم في الخروج من السجن المضيق إلى سجن مصادرة الأرزاق والمراقبة الإدارية اللصيقة وتحديد الإقامة وغير ذلك من العقوبات، ولا لأصوات المصادرة حقوقهم المدنية كلها. ويأتي على رأسها الحق في الشغل، ولا أصوات نساء تونس وبناتها اللاتي يعانين منذ أكثر من عقدين ونصف من المنع من التمتع بالحرية الشخصية في اللباس، ولا أصوات الشعب الممنوع من الاستفادة من منابر المساجد الموصدة أبوابها بمقتضى ما يسمى قانون المساجد.

وإذا افترضنا جدلا أن لها آذانا صاغية، فإني أقول لها أن تستمع إلى كل هؤلاء المظلومين المضطهدين وغيرهم، وأن ترفع عنهم ظلمها، وأن تمكنهم من حقوقهم المشروعة التي ضمنها الدستور وكل المواثيق والقوانين الدولية. وإذا كانت غير قادرة على ذلك، أن تسلم مقاليد البلاد للشعب صاحب السيادة وتغادر غير مأسوفا عليها لا طالبة ولا مطلوبة. وهذا هو المعنى الحقيقي والصحيح للخلاص الوطني.

السبيل أونلاين نت : ماهي الرسالة التى ترسلها إلى قيادة حركة النهضة في المهجر , ومن هم بالداخل أيضا ؟

إن الرسالة الأولى هي :

- تقوى الله أولا وقبل كل شيء. ثم أني أشدد وبكل إلحاح وبكل أخوة على الوحدة والتعاون والتكاتف. وأن نحذر من أن يفسد الخلاف الذي لا بد منه الود بيننا وأن نجعل منه عامل إثراء ووحدة لا عامل إغراء وفرقة. وإذا كنا نقبل بالآخر المخالف ونتعامل معه ونتجاوز عنه، فإنه من باب أولى أن يقبل بعضنا ببعض ويتجاوز بعضنا عن بعض ويقبل دائما بعضنا ببعض. وإنه لمن الخلق العظيم أن ننزل الناس في الحركة وخارجها في الحركة الإسلامية وفي الأمة الإسلامية عموما منازلهم، وبالتالي أن ينزل بعضنا بعضا منازلنا. ولا يصح أن يكون الكل في الحركة وخارجها أندادا، ولكن بعيدا عن المجاملة في الحق والسكوت عن الخطإ والتغاضي عن التجاوزات الشرعية . وأن نكون أفضل من يعلم أدب الخلاف ويفهمه ويعمل به. وأن يكون لنا الحظ الأوفر من الخلق العظيم الذي هو خلق نبينا الكريم صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، وهو الذي قال فيه رب العزة جل جلاله وإنك لعلى خلق عظيم “. وذلك ما يجب أن نتواصى به وما يساعد بعضنا على بعض عليه. فالحذر الحذر من فسح المجال للشيطان في ساعة العسر أو اليسر من أن ينزغ بيننا، وأن نعطي الفرصة لخصومنا أن يشقوا صفوفنا ويفرقوا شملنا ويتدخلوا في أمرنا. وأن نكون كلنا حرص على أن يكون بعضنا عونا لبعض على الشيطان وعلى النفس الأمارة بالسوء . وأن نصارع الشح في أنفسنا والكراهية والأحقاد والبغضاء والأنانية. وأن يكون التنافس بيننا في الخير والعمل الصالح

أما الرسالة الثانية بعد تقوى الله فهي :

- الشورى :فلعل من أخطر ما يمكن أن يكون من أسباب الفرقة والإختلاف بين الناس عموما هو غياب الشورى. وهو من العوامل الرئيسية التي كانت بها نكبة الأمة الأولى بإحلال الطلقاء أبناء الطلقاء الملك العضوض القائم على الإنفراد بالرأي مكان نظام الخلافة الراشدة القائم على مبدإ الشورى .و عندنا معشر المسلمين وفي النظام الإسلامي مبدأ وآلية يعبد بها الله تعالى.

فباعتماد مبدأي التقوى والشورى تتحقق الأخوة والعدل والمساواة والوحدة والتنوع المنظم المثمر المفيد المنضبط بتقوى الله والمحقق للوحدة في إطار التعدد المنظم أو التعدد في إطار وحدة التنظيم.

السبيل أونلاين نت : في أول أيام رمضان الماضي وقع إفتتاح أول إذاعة للقرآن الكريم في تونس تحت إسم إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم , فكيف ترسم إنطباع الناس حول هذه الخطوة , وماهو رأيك في هذا المشروع ؟

بعث إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم بقطع النظر عما إذا كان من وراء ذلك صادقون أم لا حتى لا أظلم أحدا إلا لستة أمور :

1 – لشد المشاهد والسامع التونسي إلى الخطاب الديني التونسي. وهذه محاولة لصرف الناس عن الخطاب الديني الذى تزخر به الفضائيات ، والذي لا يروق للنخبة المتغربة داخل النظام وخارجه، وهو الخطاب الذي أمر أئمة الجمعة ليشنوا حملة على هذه الفضائيات الذين أكدوا على ضرورة الإستماع إلا للخطاب الديني التونسي ، ومنها إذاعة الزيتونة للقرآن الكريم، كما ظل العلمانيون المتطرفون يشنون حملة ضد هذه الفضائيات، و لم تسلم منهم حتى هذه الإذاعة

2 - هي مواصلة من النظام إثبات تبرئة ذمته مما أصبح معلوما لدى الرأي العام التونسي والعربي والإسلامي من عداء للدين وهوية تونس العربية الإسلامية.

3 – لتقديم النموذج الصحيح للفهم التونسيللإسلام، مقابل الأفهام الأخرى الخاطئة

4 – لتقديم الصورة الصحيحة في الدولة العلمانية الحديثة كما يفهمها العلمانيون في تونس كما يريدون للشعب أن يفهمها

5 – لإعطاء صورة عملية للفصل بين المؤسسات والمنابر الدينية والدولة العلمانية في نظر الطائفة العلمانية بما لا يكون لها أي أثر على الواقع السياسي ولا على البرامج ولا على أي شيء مما له علاقة بممارسة الحكم

أما أن يكون ذلك قد كان لوجه الله فهذا ما لا أعتقده على درجة قاطعة لا يخالجني فيها شك.

وقد لا حظت في تنقلي أن هناك اهتمام بمتابعة هذه الإذاعة بعد أن كان المواطن يجد حرجا في الإستماع إلى كل خطاب إسلامي، فهو مخاطرة قد تنتهي بما لا يحمد عقباه وبوجود هذا المنبر يكون الحرج قد انتهى

ولاحظت كذلك من خلال استماعي القليل لهذه الإذاعة أن هناك اهتماما بها من قبل الرأي العام. وأن هناك استفسارات تجد إجابات فيها بتفسير القرآن وبالحديث والسير ومختلف العلوم الإسلامية. وهي بمثابة التأملات التقليدية التي تعتمد التجريد والتعميم، ولا تلامس الواقع

وبقطع النظر عن القصد من بعث مثل هذا المنبر، فإنه يمكن أن يكون فيه من الفائدة ما لا يتوقعه باعثوه والموافقون عليه على أن أقلاما مأجورة تكفيرية أخذت تهاجمها

السبيل أونلاين نت: ماهي الظروف التى تتواصل فيها بالعالم عبر الأنترنت؟

هي ظروف صعبة وإن كنت قد وفقت في الخروج من الأمية في استعمال الحاسوب إلا أن عوائق كثيرة مازالت وتواجهني مما جعل تواصلي بالعالم ضعيفا إضافة إلى الظروف المادية والصحية الصعبة وكذلك الأمنية والإجتماعية والأسرية الضاغطة

هذه التقنية نعمة من نعم الله على خلقه، ولكن أعداء الحرية و العقل و العلم و الديمقراطية الذين هم أعداء الوطن والشعب والهوية والأصالة العربية الإسلامية في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب ، قد جعلوا منها نقمة على رجال تونس ونسائها وشبابها. فقد رصدت السلطة الباغية لنظام الحاج زين العابدينبن علي اعتمادات ضخمة ليس لتطوير شبكة المعلومات والشبكة العنكبوتية العالمية وتقديم أفضل الخدمات لمستعمليها، ولكن لمحاصرة مستعمليها وحجب المواقع وقرصنتها . وكانت العصابة السادسة التي هي العصابة المسماة أمنية من أنشط العصابات في ذلك والتى جعلت من هذه التقنية مصيدة و شاهد إثبات على شباب تونس لإدانتهم بالإرهاب لمجرد تصفحهم مواقع إسلامية بعينها، أو بسبب قرص مضغوط أو شريط مسجل أو وثيقة كان قد استخرجها من هناك . وكثيرا ما تصدر على مثل هؤلاء الشباب استنادا إلى قانون الإرهاب وغسيل الأموال الأمريكي أحكاما ثقيلة لمجرد أن تكون هذه العصابة قد علمت أو اشتبهت في وجود علاقة لأي منهم بمنابر المقاومة وبثقافة المقاومة والجهاد خاصة في العراق وأفغانستان وفلسطين والصومال وغيرها من بؤر التوتر التي أشعلت فيها الأمبراطورية الأمريكية نار الحرب على الإسلام والمسلمين. وبذلك فقد أصبح ضحايا مراقبة هذه التقنية وضحايا قانون الإرهاب يعدون بالمئات في السجون التونسية بعد أن يكونوا قد نالوا من التعذيب ما أرغمهم على إدانة أنفسهم، أو ما يكون قد ترك عليهم آثارا نفسية وجسدية وعقلية لا تنمحي. في مثل هذه الظروف أتواصل يا سادة بالعالم عبر الأنترنات.

السبيل أونلاين نت

http://www.assabilonline.net

info@assabilonline.net

بيـــــــــــــــــــــــان

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:16 ص

بيان

نعلن مجموعة المواطنين الواردة أسماؤنا بهذا البيان عن إيماننا المبدئي بـ :

 

ـ حرية الإعلام والصحافة

ـ حرية العمل الحزبي والجمعياتي .

 

ـ الإفراج الفوري عن المساجين السياسيين .

 

ـ سن قانون العفو التشريعي العلم .

 

ـ وقضايا وطنية اجتماعية واقتصادية وثقافية أخرى

وعلى أنها مطالب وطنية يقتضي منا الواجب الوطني التمسك بها ومساندة ومؤازرة الذين دخلوا في إضراب ا لجوع المفتوح من أجل ذلك منذ 18 أكتوبر 2005 للتعبير عن حالة الإختناق التي وصلت إليها البلاد ولدعوة السلطة لجعل حد لهذه المظالم التي لا مبرر لها ولا مصلحة فيها للوطن ولا للشعب.

 

ـ ثابت عمر قوادر محام لدى التعقيب

ـ علي شرطاني ( سجين سياسي)عامل يومي

ـ بخاري ماجدي سجين سياسي سابق

ـ عبد الله التليجاني عامل

ـ رضى عيسى عامل يومي

ـ لطفي داسي عامل يومي

ـ طاهر كركابة عامل يومي

ـ كمال حمادي عامل يومي

ـ عبد الحميد الوحيشي تاجر

ـ الهادي الرداوي عامل يومي

ـ الهادي الضحاك عامل يومي

ـ عادل ضو عامل يومي

ـ بشير عكرمي فلاح

ـ حاتم عكرمي عاطل عن الشغل

ـ محجوب هنشيري عامل يومي

ـ عمار مهذبي عامل يومي

ـ سامي فرحات عامل يومي

ـ بدر الدين شلبية عامل يومي

ـ فريد حرشاني نجار

نسبية الدفاع عن حقوق الإنسان

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:11 ص

قفصة في 5 ماي 2005

نسبية الدفاع عن حقوق الإنسان

السيد : رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان :

السلام عليكم و رحمة الله وبركاته :

اما بعد :

فقد بات من المفيد ان احيط جنابكم علما ان حالة الطوارئ غير المعلنة التي كانت تعيشها البلاد طيلة العقد الاخير من القرن العشرين والسنوات الأولى من الالفية الثالثة والتي ظلت متواصلة بدون انقطاع حتى اليوم ومازال يراد لها ان تتواصل إلا ان اللافت انها قد عادت للظهور هذه المرة على النحو الذي كانت عليه في سنوات الجمر حين كانت السلطة تجد مبررا لها في ادعائها محاربة التطرف في ذلك الوقت وفي ما كانت تزعمه من تأكيد الامن والاستقرار ومنع حلول الفوضى حفاظا على المكاسب وصونا لحقوق الانسان ودفاعا عن المجتمع وعن النظام الديمقراطي .

فليس الانتشار الامني بالجهة هو الجديد ولكن الجديد هوا لظهور المكثف خلافا لما اصبح عليه في الثلاث او

الاربع سنوات الاخيرة . وإذا كان طبيعيا ان يكون الامن الظاهرة الابرز في واقع الانظمة المستبدة فان الجديد في هذا الظهور هذه الايام هو عودة اجهزة البوليس السياسي الى استدعاء كل من سبق ان حوكم في قضية حركة النهضة الاسلامية الى مكاتب فرقة الارشاد لإخضاعهم للمساءلة عن رأيهم في دعوة السلطة رئيس الكيان الصهيوني الارهابي ومجرم الحرب أريال شارون الى بلادنا بمناسبة انعقاد قمة المعلومات بها في شهر نوفمبر 2005 وموقف كل واحد منهم من ذلك، وإذا كانت لديهم نية في فعل شيء ما، وقد تم التأكيد لهم على تحميلهم مسؤولية ما يمكن أن يقوموا به أو ما يمكن أن يشاركوا به في مواجهة هذه الدعوة وهذه الزيارة على ان يتركوا السلطة وشانها وان ينئوا بأنفسهم عن هذا الذي هو حاصل وما يمكن أن يحصل.

واستكمالا للخطة فقد تعاملوا مع البعض بهذه الطريقة بخصوص نفس الموضوع بإشاعة جو من الرعب والخوف والإرهاب في الانفس و في الاسر والعائلات ولدى الاقارب والجيران .وتحولوا الى آخرين في منازلهم حيث اعادوا ذلك الجو من الرعب والفزع الى انفس الاطفال والنساء والرجال بمداهمة بعض المنازل و تفتيشها و ذلك الجو من الازعاج حتى للجيران .ومن لم يتم استدعاءه لمكاتبهم بمنطقة الامن بقفصة ولم يقرعوا عليه باب منزله في اوقات مختلفة من الليل والنهار فقد تم البحث عنه في موقع عمله او سعوا الى ملاقاته في الشارع او في الساحات العامة والخاصة التي تكثف وجودهم فيها خاصة وقد تزامن ذلك مع محاكمة الأستاذ محمد عبو وصدور الحكم عليه رغم استبعاد وجود علاقة بهذا الذي يحدث وذاك الذي حدث سوى ان القاسم المشترك بين هذا وذاك وبين تحركات الجهات الحقوقية والمهنية والسياسية هو رفض كل هذه الجهات والأطراف للدعوة التي تم توجيهها للإرهابي شارون لتدنيس ارض بلادنا الطاهرة

بأقدامه القذرة و المضرجة يداه بدماء الشهداء والأبرياء من ابناء شعوب امتنا العربية من البحر الى البحر

ولم تنتهي الحملة عند هذه العناصر بل تجاوزتها الى بعض العناصر الاخرى من الشباب ذوي العلاقة بهم وخاصة من الذين تعلم الجهات الامنية انهم من مرتادي المساجد الخاضعة لرقابة شديدة وصارمة كما هو معلوم طبعا .وانطلاقا من هذا الجو الخانق فاني اناشدكم السيد رئيس الرابطة ـ من موقع المتضرر الذي طالته هذه الحملة من الازعاج والرعب والإرهاب ومن موقع المنخرط في فرع الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان بقفصة الراجع لهيئتها المديرة بالنظر ان تتدخلوا لمن يهمه الامر لإنهاء هذه المهزلة ووضع حد لهذا الاستفزاز غير المبرر لأبناء هذه الجهة ولما عسى ان يكون حاصلا في جهات اخرى من بلادنا .

و في حفظ الله دمتم.

والسلام.

أخوكم : المواطن : علي محمد شرطاني

متعاقد بين المطرقة والسندان

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:07 ص

بســـــم اللـــــه الرحمـــــن الحيــــــــــــــم

متعاقد بين المطرقة والسندان

هذا المقال هو مساهمة مني في إنارة الرأي العام بالمستوى الذي عليه بعض من أنيطت بعهدتهم مسؤوليات لم يقدروها حق قدرها، واغتنموا فرصة وجودهم في مواقع يتيسر عليهم استغلال نفوذهم من خلالها أمعانا في سحق الراجعين إليهم بالنظر وإذلالهم بتسليط مظالم عليهم مجيزين لأنفسهم كل تجاوز ومحظور.

كان ذلك يوم السبت 20 اكتوبر 1990 على الساعة السابعة صباحا، وهو حلول موعد تاريخ تجديد العقد المبرم بيني وبين إدارة شركة فسفاط قفصة بالإقليم الشرقي بالمظيلة منذ 20 افريل 1988، والقابل للتجديد بعد مرور كل ستة أشهر- ولما كنت متجها إلى مكتبي بعد أن سجلت حضوري لدى إدارة الإقليم صحبة أحد أعضاء النقابة الأساسية لعمال الشركة الأخ علي محجوب أشكوه مظلمة رئيس الإقليم المدعو …..الدواس الذي لمجرد حصول خلاف بيني وبينه بخصوص اللباس الذي يجب ارتداءه أثناء حصة العمل أعطى الأوامر لأحد الموظفين المتعاقدين مثلي بمنعي من الإمضاء على ورقة الحضور، ودعا رئيس المصلحة إلى خصم أجرة يومين من مرتبي لشهر أوت 1990 .

وبوضع الخلاف الحاصل بيننا بين يدي أحد أعضاء النقابة الأساسية وأحد أعضاء المكتب التنفيذي للإتحاد الجهوي بقفصة، الذان أكدا له عدم مخالفتي لقانون الشركة، وأنه ليس له الحق في مضايقتي بخصوص هذه المسألة التي تعلقت بالجانب المزاجي عنده، أكد لهما بدوره أنه ليست له مشكلة معي وإنما يعتبر أن اللباس الذي أرتديه وهو من اللباس التونسي الأصيل (سروال عربي وجبة)غير لائق.

ورغم تدخل النقابيين في الموضوع، وجه لي استجوابا أكدت له في الجواب عنه، أن إصراري على ارتداء هذا اللباس صيفا إنما هو لأسباب صحية ومناخية فقط، وأنه بمجرد انخفاض الحرارة واعتدال الطقس خريفا أتخلى عنه تلقائيا. وكنت أحسب أن الأمر انتهى عند ذلك الحد.

فما راعني إلا وباستلامي بطاقة خلاص الشهر، وجدت أن اليومين لم يقع احتسابهما رغم حضوري والقيام بواجبي المهني، ودون أي إشعار بمغادرة الشغل طيلة هذين اليومين، والسيد رئيس القسم الإداري يعلم ذلك.

وفي الوقت الذي كنت متجها فيه إلى مكتبي صحبة عضو النقابة الأساسية، أرسى مدير الإقليم سيارته أمام مبنى القسم الإداري المتضمن لمكتبه، وعوض أن يقصد مكتبه كمسؤول كبير لا يعير اهتماما لكثير مما يحدث بساحة الإدارة خاصة عند دخول الموظفين إليها لآداء واجبهم المهني، اتجه إلينا والشرر يتطاير من عينيه، وتوجه إلي بالخطاب في انفعال شديد قائلا أنت تستفزني دائما…” وأقسم أن لا يمتعني بحقي في أجرة اليومين التي تم خصمها، وهددني بإجلائي من الشركة أصلاولما دعوته إلى أن يهدئ من روعه باعتبار أنه لا مبرر لهذا السلوك الأرعن، لا سيما أني لم أتوجه إليه بالخطاب في أي موضوع أصلا، وليس في نيتي ذلك، ولست في انتظاره ولا على موعد معه، بل لا حاجة لي عنده. ولما بالغ في استفزازي بالتهديد والوعيد، دعوته إلى الإلتحاق بمكتبه وأشعرته أن لا شأن له بما أفعله هنا، مما اعتبره إساءة للإدارة في شخصه وتحديا مني له، وذلك كل ما وجد صالحا وكافيا ليكون موضوع استجوابا ليوم 23/10/1990. وبمجرد الإجابة على الإستجواب في الغد، دعاني المسؤول المباشر، وهو كذلك من المغضوب عليهم ليقدم إلي السيد رئيس القسم الإداري لأمضي له على إعلام بعقوبة مدتها 3 أيام مسندة إلي من السيد رئيس الإقليم ابتداء من يوم الخميس 25 اكتوبر 1990. كما أريد أن أنبه إلى أني بادرت بإعلام كل النقابيين تقريبا بعد الذي حصل بيني وبينه مباشرة وبحضور السيد عضو النقابة الأساسية الذي لم ينبس ببنت شفة، ودعوتهم إلى وضع حد لعنجهية ومظالم هذا المسؤول. فوجدت أن أكثرهم يميل إلى التحامل علي والإنحاء علي باللائمة، ويحملني مسؤولية الإساءة إليه في قولي له إلتحق بمكتبك ولا شأن لك بما أفعله هنا أكثر من السعي لإعادة الإعتبار لي وإنصافي، بإلزامه بحدود القانون، وإعادة حقوقي المشروعة ماديا وأدبيا لي.

ذلك كل الذي تستطيع النقابة الموقرة واتحادها الجهوي الموقر أيضا أن يفعلاه في مظلمة مثل هذه. ولعل السيد الكاتب العام للإتحاد الجهوي بقفصة وعضو مجلس النواب المدعو عمارة العباسي على ما أبلغ عنه رئيس الإقليم، قد شدد على ضرورة معاقبتي ليس بأقل من شهرين طردا من الشغل، لمجرد أني تمسكت بحقي في المطالبة باسترداد حقي، ولم أقبل من أجل ذلك أن أهان أو أن أقف أمام الظالم ذليلا طوعا لأمره في كل ما يقول ويفعل .

وكان الذي حصل بيني وبين رئيس الإقليم فرصة للضغط علي لتجديد العقد من دون كل المتعاقدين الحاصل اتفاق بين النقابة وإدارة الشركة لتسوية وضعياتهم وإنهاء العمل بالعقود بعد إذن السلطة السياسية طبعا، لنيل موافقتها أو عدم موافقتها، على تسوية بعض الوضعيات ذات الصبغة السياسية الراجعة إلى سنة 1987 في إطار المظلمة التي سلطها بورقيبة على فئات عريضة من الشعب وفي مقدمتها أبناء الحركة الإسلامية وأنصارها.

وبحلول الأجل، ولم تجد هذه المسألة طريقها إلى الحل النهائي، وبعد أن يكون قد مر على هذا الملف أكثر من عامين على مكاتب السادة الوزير الأول ووزير الإقتصاد ووزير الشؤون الإجتماعية والمركزية النقابية والسيد والي قفصة المدعو محمد بن رجب الذي دعا إلى اشتراط القبول بالتعاقد لإرجاعنا إلى سالف مواقعنا المهنية – وتجد المسألة طريقها إلى الحل.

وبمجرد إلحاحي وحرصي على استرداد حقي، شددت الإدارة على عدم قبولي في الشغل إلا بتجديد العقد من دون كل المتعاقدين العاملين بها، والمهلة التي أعطتها الشركة للإتحاد الجهوي لتسوية القضية وإنهائها مع سلطة الإشراف – كافية في صورة عدم إمضاء العقد – لبلوغ المدة القانونية – والمحددة لستتة أيام – الكافية لأنهاء نشاطي المهني من الشركة.

فما استطاع التذرر النقابي أن يتدخل للفصل على الأقل بين المشاكل المترتبة عن سعيي الجاد للمطالبة باسترداد حقي المسلوب، وبين ضغط الشركة باشتراط قبولي بالعمل بإمضاء العقد عند حلول الأجل، وبقطع النظر عن الإتفاق الحاصل بين إدارة الشركة والإتحاد الجهوي، والذي بدوره لم يحرص على تسوية الوضعية قبل حلول آجال تجديد العقد أولا، ثم تغاضيه عن الموضوع وترك المظلمة تتكرس علي من طرف رئيس الإقليم بحسب ما يراه صالحا، بدون أن يكون هناك من يحول دونه ودون ذلك، رغم تسلطه الواضح وتجاوزاته المتكررة.

وسلطت علي المظلمة كاملة بـ :

- تجديد إمضاء العقد من دون الآخرين.

- طردي يومين آخرين (السبت 20 والإثنين 22 اكتوبر).

- حرماني من منحة الإنتاجية والمنحة الثلاثية.

- معاقبتي بمدة ثلاثة أيام أخر ابتداء من يوم 25/10/1990 .

ولئن كنت أعتبر رئيس الإقليم ظالما مستبدا من بداية المعركة حتى نهايتها، فإن تخاذل الأطراف النقابية وتورطها في المسألة كان أشد إساءة.

المظيلة في :06 / نوفمبر1990

علي شرطاني

تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:01 ص

تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين

المواقف والغايات والأهداف

ـ من هو صدام حسين؟:

ليس الغرض من طرح السؤال لوضع ترجمة لحياة صدام حسين المجيد التكريتي، ولكن للقول بأنه كان من الدكتاتوريين الكثيرين على رأس النظام السياسي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وأنه كان من حب الذات بما يجعله لا يرى إلا نفسه، ولا يريد للكل أن لا يرى سواه. وأنه كان كغيره من الإستبداديين الذين لا يملكون قيمة لأنفسهم في ذاتها، ولكنهم حريصون على البحث عن تلك القيمة في إلغاء كل من سواهم، سواء قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، وسواء قاموا بذلك أو لم يقوموا به، وسواء علموا ذلك أو لم يعلموه، وسواء أرادوا ذلك أو لم يريدوه. وهو كغيره من الزعماء العرب والحكام وفي باقي الأنظمة في أوطان شعوب الأمة الإسلامية وعالم المستضعفين عموما الذين يختزلون النظام السياسي والشعب والوطن والدولة في ذواتهم، حتى لا يرى غيرهم، وحتى لا يكاد أحد يرى وطنا ولا شعبا ولا دولة ولا نظاما سياسيا.

وهو كغيره من مكونات الحركة العلمانية اللائكية ذات الأصول العربية الإسلامية الهجينة العبثية الفاسدة في الجانب الكثير منها باعتبار كل ذلك، والمستعلية على شعوب الأمة، والمؤمنة بالهدم، والعاجزة عن البناء، والتي لا إيمان لعناصرها إلا بأنفسهم وبذواتهم وبالأجنبي الذي تستمد منه قيمتها ووجودها وقوتها واستمرارها في الوجود بالقدر الذي يخدمه ويخدمها، ولا يخدم شعوبها وأوطانها. وهي المؤمنة بالإلحاق الحضاري وبالتبعية للغرب الصليبي. والمولعة بخطب ود اليهود الصهاينة مهما ادعت عناصرها ومهما أظهرت لهم من عداء ومن مناهضة، ومهما زعمت من تهديد لهم باعتبارهم قوة احتلال وحركة تهديد مباشر وحقيقي وموضوعي لأمة العرب والمسلمين وللإنسان عموما، بالنسبة لمن له إيمان بهذه الأمة وبالإنسان، وكان ذلك من المسائل الخلافية في هذه الطائفة.

فقد كان الرفيق صدام حسين عاليا من المسرفين. وقد كان استبداديا دمويا موغلا في القتل والإبادة. وكان لا يكتفي في ذلك بما أعد لذلك من أجهزة مختصة ومن تجهيزات وأماكن كافية، وبما رصد لذلك من إمكانيات ونفقات ليقوم بذلك بنفسه أحيانا، بحثا للمتعة وإشباعا للرغبة وإظهارا للقسوة، على رأس نظام علماني معاد للهوية العربية الإسلامية الأصيلة لأمة العرب والمسلمين، مهما كان مدعيا ومظهرا خلاف ذلك، وإن كان يزعم على الدوام أنه العربي المسلم المنافح عن الشرف العربي والمدافع عن الأمة العربية، وإن كان يفعل ذلك بقناعته وبطريقته. وهو الذي كان قائدا كذالك لحزب البعث العربي الإشتراكي القومي النزعة والماركسي المرجعية والقيم والمبادئ، لكنها الماركسية المزيفة في إطار قومي عربي مزيف، بعيدا عن القومية العربية الإسلامية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وذات العلاقة المباشرة بالمعسكر الإشتراكي الشرقي، حيث كان زمرة من الحكام العرب ومن يدور في فلكهم وسدنة حكمهم من عناصر الطائفة اللائكية وحتى من المستقلين عنهم والمعارضين لهم يولون وجوههم الإتحاد السوفياتي سابقا، والذين أصبحوا يعيشون بعد سقوطه حالة من اليتم أصبحوا بها بين قتيل وشريد وذليل.

أحسب أنه لا يختلف إثنان من العقلاء والعدول وأولي الألباب في أن صدام حسين كان موغلا في الدموية والإرهاب من أجل المحافظة على الملك والنفوذ والتفرد بالرأي، وفرض برنامجه ورؤيته لحكم العراق من خلال حزب البعث، كما يرى ذلك ويريده، ووفق ما يتحقق له من مصالح، وما يعتقد أن يتحقق به من مصالح الشعب العراقي، وإقصاء وتهميش واستئصال كل من يخالفه الرأي من أهل الإختصاص وغيرهم، وكل من يطالب بحقه في المشاركة السياسية، ومن يريد أن يكون له رأي ودور في إدارة الشأن العام بالبلاد، وكل من له موقف من سياسته وبرامجه وخياراته الفكرية والثقافية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والعسكرية وغيرها.

هذه هي صورة صدام حسين التي يعرفها الجميع. والتي قدم عليها نفسه للجميع. دون أن يعني ذلك أنه ليس للرجل إيجابياته وإنجازاته التي أخفتها على قدر شأنها وعميم نفعها بشاعة جرائمه وطبيعته الدموية في غير حاجة ولغير ضرورة ملحة أحيانا.

هذا هو صدام حسين من منطلق ذاتي كما نراه، ومن منطلق مبدئي ثقافي، ومن منطلق سياسي في إطار الطبيعة الإستبدادية للأنظمة السياسية العلمانية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وفي إطار النظام العالمي الإستعماري الإمبريالي، الغربي الصليبي والصهيوني المادي النفعي.

ـ إيقافه ومحاكمته وإصدار حكم الإعدام فيه:

فبالرغم من أن صدام حسين قد بدل خطابه للشعب العراقي وللرأي العام العربي والإسلامي منذ حرب الخليج

الأولى التي كانت رحاها قد دارت بين نظام البعث العربي الإشتراكي بالعراق بقيادة صدام حسين، وبين ما كان يعتقد، أو ما كان ينبغي أن تكون ثورة إسلامية في إيران، قبل أن تظهر نزعتها الطائفية والصفوية. وقد ازداد هذا الخطاب وضوحا بعد إخراج قواته العسكرية من الكويت. وأثناء الحصار الأمريكي لنظامه وللشعب العراقي، بسبب حماقاته وغبائه السياسي، وفساد رؤيته في إدارة المعركة، وخطإ حساباته في تحديد طبيعة المعركة، وفي عقد التحالفات، وفي عدم تقديره لقدراته ولقدرات خصومه وأعدائه، بإضفاء صبغة إسلامية خالصة عليه لم يعهدها من قبل، وما كان الشعب العراقي ولا الرأي العام العربي الإسلامي يعلمها عنه.

فلم يكن هذا الخطاب إلا من مقتضيات المرحلة، في المواجهة التي أصبحت مفتوحة ومفروضة عليه مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا التين كثيرا ما تغاضيتا وغيرهما من القوى الدولية الغربية، والتي كانت داعمة له في حربه التي كانت حربا بالوكالة ضد إيران التي كان يعتقد وكنا نعتقد في البداية وقبل وضوح الصورة بعد ذلك أنها ثورة إسلامية، على الجرائم التي كان يقترفها في حق الشعب العراقي، وعلى الإنتهاكات التي كان يرتكبها في حق مبادئ حقوق الإنسان، التي كان بحكم ثقافته الشرقية في المعسكر الإشتراكي لا يعترف بها. وقد استمر على ذلك حتى بعد انهياره. والذي كان يجد له أصداء أوسع وأكبر في الشارع العربي الإسلامي المناهض للغرب عموما ولأمريكا وبريطانيا خصوصا. والذي كان يلتقي في مناصرته للشعب العراقي وفي دعمه له في الحصار المضروب عليه، وفي التهديد الأمريكي البريطاني له وإعلان الحرب عليه، مع القوى المناهضة للحرب وللعولمة وللهيمنة الأمريكية الإمبريالية على العالم، ومنظمات حقوق الإنسان غير الحكومية خاصة، والكثير من أحرار العالم، بعد حماقات حزب البعث القومي العربي في العراق بقيادة صدام حسين نفسه في إشعال الحرب مع إيران بإيعاز واضح ومعلوم من الغرب، وبمباركة ومساندة ودعم من النظام العربي الفاسد. وفي غزوه للكويت، بعد أن بلغ به غباؤه السياسي، وحساباته الضيقة، وضيق الأفق الإستراتيجي عنده، وجهله بطبيعة العلاقة مع الغرب الصليبي الإستعماري الإمبريالي، الديمقراطي في أوطانه ولدى شعوبه، والمعادي للديمقراطية في أوطان شعوب كل المستضعفين في العالم وخاصة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، والإرهابي الراعي والداعم لإرهاب دولة العدو الصهيونيفي فلسطين المحتلة، ولإرهاب النظام التقليدي والعلماني اللائكي الهجين في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وقد ساد عنده الإعتقاد أن الغرب الذي دعمه بدون قيد ولا شرط في حربه مع إيران في ذلك الوقت قد أصبح صديقا. وهو الذي استطاع أن يشن الحرب عليها بالوكالة عبر نظام البعث في العراق.

وكما استجاب صدام حسين لدعوة الغرب للتصدي للثورة الإسلاميةفي إيران، فإنه لم يتقدم لغزو الكويت إلا بعد أن استشار الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، وأعطته الضوء الأخضر لإلحاق الكويت بالعراق. وكانت الفرصة المناسبة التي أعطاها للغرب بقيادة أمريكا لينتزع منه ما كان مكنه منه من نظم ومعلومات وتقنيات كان تصديرها ممنوعا دوليا أي غربيا لغير من لا يريد الغرب أن يصدرها له ذلك، ولمن يتحقق له بذلك معه من مصالح ، وما لا يتشكل عليه به من مخاطر، وهي من التقنيات والمعلومات والنظم والمواد التي لم يمكنه منها حتى أولى أصدقائه في المعسكر الشرقي الذي يدور النظام العراقي في فلكه منذ عقود من الزمن.

هذا الخطاب الذي كان معاد له، والذي كان ينزل أشد العقوبات بمن يؤمن به وبمن يتوجه به للشعب العراقي، ويعتبره خطابا رجعيا معاد للنظام وللثقافة التقدمية لحزب البعث القومي العربي، هو الخطاب الذي أصبح الوقت مناسبا ليكون خطاب صدام حسين. وهو الخطاب الذي لم يعد مناسبا ومقبولا إلا عندما يرى القائد أنه أصبح الخطاب المناسب ويمكن أن يكون مقبولا، وإنه لا يحل إلا له عندما يريد أن يستحله. وهو المحرم عندما كان هو يحرمه. وهو خطاب تقدمي عندما يصبح خطابه. وهو رجعي عندما كان ويكون خطاب آخرين من أبناء الشعب أو غيرهم، خاصة عندما يكون صادرا ممن يختلف معه في الرأي. مثلما أصبح الخطاب الذي كان يقول به المعارضون للنظام القبلي في ليبيا، والذي كانوا يحاكمون عليه بمدد طويلة في السجون، وتصدر عليهم من أجله أحكاما بالإعدام، لا حرج منه ولا ضير فيه عندما أصبح العالم يستمع لسيف الإسلام القذافي وهو يتوجه به لليبيين وللعالم ولا أحد يمنعه من ذلك ولا يترتب له عليه فيه شيء. والمواقف من سياسات القذافي الفاسدة التي أصبحت مواقف نفس الشخص ليكون مقبولا لدى الغرب في إطار ظاهرة توريث الحكام العرب في عهد الديمقراطيات الملكية والجمهورية أبناءهم. ولم يكن صدام نفسه خارج هذا الإطار. وهم من يكونوا بذلك قد أضافوا بعد توريث الرفيق حافظ الأسد ابنه بشار في جمهورية سوريا العربية مصطلحا جديدا في فلسفة العلوم السياسية وهو مصطلح الجملكيات العربية“.

فهذا الخطاب الذي أصبح يتوجه به الرفيق صدام حسين للشعب العراقي ولجماهير أمة العرب والمسلمين، هو

خطاب الثقافة العربية الإسلامية الذي كان يلتجئ إليه الزعماء والقيادات في المنطقة العربية خاصة في الملمات وفي الظروف الصعبة وعند النوائب في الداخل، خاصة في مواجهة الحركة الإسلامية، وغالبا ما يشفعونه بزيارة البقاع المقدسة حجا أو عمرة زيادة في التظليل، وفي حروب التحرير في مواجهة الأعداء والغزاة. وهو الخطاب الذي التجأ إليه الرفيق صدام حسين، بدءا بحرب الخليج الأولى، ومرورا بالحصار والغزو الأمريكي البريطاني الغربي للعراق وإسقاط نظامه، وانتهاء بفراره حتى إلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة في محكمة جائرة ظالمة تحت حراب الإحتلال. وقد ألزم نفسه مصاحبة كتاب الله حتى تنفيذ حكم الإعدام فيه يوم عيد الإضحى للسنة السابعة والعشرين وأربعمائة بعد الألف للهجرة. وهل يكون الله قد تقبل منه؟. فهو الخطاب الذي ألقى بصدام حسين في آخر أيام حياته، وبعد سقوط عرشه في بغداد، وبعد مغادرة قصوره الكثيرة إلى المساجد التي أصبح يلتقي روادها ويحرضهم على الجهاد في سبيل الله، ويستنفر من خلالها من كان يلاقيهم من أبناء الشعب العراقي للمقاومة والفداء ومواجهة الغزاة الأمريكيين والبريطانيين، وهو هائم على وجهه لا يلو على طائل، وقوات الإحتلال الأمريكي الصليبي وميليشيات الخونة والعملاء العرقيين والطائفيين تتعقبه. وهي نفس المساجد التي كان يضيق على مرتاديها وعلى خطابها وعلى خطبائها وعلى علمائها ومفكريها، ويخضعهم للمراقبة المشددة، والمتابعة والمطاردة، ويخضعهم للمحاكمات الجائرة من أجل ذلك والحبس والنفي والقتل كغيره من الزعماء والحكام العرب.

وهي نفس الأماكن التي كان يحرم على الآخرين التوجه من خلالها للناس بمثل ما أصبح يتوجه به إليهم من خلالها، ويحثهم على التوجه به لجماهير الشعب العراقي التي كانت ممنوعة من الإستماع إليه وبمعاقبتها عليه إذا كان فيه ما لا يروق له وما لا يرضيه به أصحابه وما لا يرضى به عنهم.

ورغم ذلك لم يستطع القائد الرفيق صدام حسين أن يجد لنفسه في طول العراق وعرضها ملجأ يلجأ إليه، مثلما ظل المجاهد الملا عمر والشيخ المجاهد أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري وغيرهم من المطلوبين دوليا كالحيتان في ماء بحر الشعب الأفغاني والباكستاني المسلم وقبائل وزيرستان المسلمة، ومئات الآلاف من جنود الأعداء الغربيين الصليبيين والعملاء والخونة مزودين بأحدث الأسلحة والأكثرها فتكا، والمعدات الأكثر دقة، وفي انتشار واسع لعشرات الآلاف من العناصر الإستخباراتية المختلفة الإختصاص مجهزين بأحدث الوسائل والأجهزة والمعدات والنظم الإستخباراتية، جادة في البحث عنهم وتعقبهم وترصدهم وتتهددهم بالقتل، سوى جحر أو قبو تم إعداده له تحت الأرض حتى ألقى الجيش الأمريكي القبض عليه فيه.

ـ إلقاء القبض على الرفيق صدام حسين:

كان إلقاء القبض على الرفيق القائد صدام حسين، الذي عوض أن يبقى مع شعبه على وجه الأرض في مواجهة الغزاة، قد وجد أنه لا ملجأ له إلا تحتها، ولألا تكون له بذلك علاقة بالمقاومة والمواجهة من حيث لا يريد ولا يقصد. وكيف يكون له ذلك وهو مدفون في الأرض ولا علاقة له بالعالم الخارجي معزولا، وهو الذي كان يعلم أنه قد لا يجد مكانا لنفسه فوق الأرض في أي بيت من بيوت العراقيين التي لم تسلم من بطشه وأذاه. ولو وجد ذلك ما كان ليكون ملجأه إلى ذلك القبر الذي لا يستطيع من خلاله أن يعلم ما الذي يدور من حوله، ولا هو يستطيع أن يدافع فيه عن نفسه، ولا هو مستطيع ولا قادر فيه حتى على الإفلات من العدو، قد اعتبرته قيادة البيت الأبيض إنجازا مهما. واطمأن العراقيون الخائفون من عودته حتى وهم يعلمون أن عودته لقيادة العراق قد أصبحت مستحيلة. وأصبحوا يبحثون لأنفسهم عن وضع أفضل أصبح في ظل الإحتلال والصراع والتطاحن الطائفي والعرقي مستحيلا.

ـ المحــــاكمة:

لقد جعلت قوات الإحتلال، والعملاء والخونة الذين جاؤوا معها على الدبابات البريطانية والأمريكية الغازية من إيران ومن المنافي، والذين انضموا إليها من الداخل واحتضنوها وقدموا لها الدعم والتأييد ومنحوها المساندة، من إلقاء القبض على صدام حسين سريعا ومحاكمته مشروعا مهما تم التركيز عليه، خاصة عندما أضافت إليه قضية الإرهاب وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والذي سرعان ما تشكل كقوة من قوى المقاومة في حركة تحرير العراق.

لقد كان تعويل الغزاة والخونة والعملاء على إلقاء القبض على صدام حسين وعصابته في الحكم سابقا وإخضاعهم للمحاكمة كبيرا، إلى حد الإستخفاف بالرأي العام العراقي والقومي العربي والإسلامي، في محاولة لتقديم أنفسهم على أنهم المنقذون والمحررون للشعب العراقي من الإستبداد والدكتاتورية، وأنهم إنما جاءوا لإحلال عهد جديد في العراق قوامه الديمقراطية والأمن والإستقرار والحرية والسلم الإجتماعي والعدالة والسلام.

لقد كان هذا الوهم من قناعات أربع جهات أساسية لها مصلحة في هدم العراق وإنهاء صفة العروبة والإسلام له، والقضاء على الهوية العربية الإسلامية لشعبه الذي وإن كان متعدد الأعراق والأثنيات والطوائف والمذاهب، إلا أن الجامع الذين كان لا خلاف فيه بين كل هذه المكونات هو اللسان العربي على الأقل، وذلك ما نعنيه بعروبة العراق، وهي:

1- الغرب وعلى رأسه الإمبراطورية الأمريكية.

2- إيران التي تبين أن لها أطماعا حقيقية وجدية في العراق بالتنسيق مع عملائها وامتداداتها الفارسية والطائفية والمذهبية فيه وخاصة في الجنوب منه.

3- العملاء والخونة من العرقية العلمانية اللائكية الكردية بقيادة جلال الطلباني ومسعود البرزاني، والطائفة الشيعية بقيادة مومياء النجف السوداء، الصفوي الفارسي الأصل المدعو علي السيستاني، مفتي البيت الأبيض واليمين المسيحي اليهودي الأصولي المتطرف الذي انتهى إليه حكم الولايات المتحدة الأمريكية. هؤلاء الذين دخلوا مع القوات الغربية الصليبية الغازية بتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة بعد التعاون اللامشروط الذي تم بينها وبين الشيطان الأكبر” (أمريكا) في غزوها لأفغانستان، وفي ما تسميه حربها على الإرهاب الذي انتهى بكل المراقبين والمحللين إلى القول بأنها حرب على العرب والمسلمين وبدون أدنى شك في ذلك.

4- والكيان الصهيوني المدعوم دعما مباشرا متواصلا ولا مشروطا من طرف الغرب الإستعماري الصليبي الذي أوجده، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الصهيوني العالمي، وصنائعهم في النظام العربي الفاسد وفي الكثير من مكونات النخبة العلمانية اللائكية خاصة.

لقد جعلت هذه الجهات والأطراف والمكونات الدولية من مطاردة صدام حسين وزمرته وإلقاء القبض عليه ومحاكمته مشروعا سياسيا وإعلاميا. واعتبرته نصرا ظلت تشغل به قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي: 1- في بعده الطائفي الشيعي الصفوي بقيادة السيستاني والتنظيمات المتواطئة مع إيران وأمريكا وبريطانيا والصهيونية والغرب الصليبي الصهيوني عموما، والتي يمثلها:

أ- ما يسمى: بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وهو الأبعد ما يكون عن الثورة وعن الإسلام.

ب- وما يسمى حزب الدعوة، وهو الحزب الذي يجعل من أوكد وأهم مهماته ككل التنظيمات والقوى والمراجع الشيعية، إلا ما رحم ربك ربما، الدعوة إلى التشيع في البلاد الإسلامية، بما هناك من فرق بين التشيع السبئي ذات الأصول اليهودية، والإسلام أو التشيع السني ذات الأصول العربية الإسلامية، البعيد عن عقيدة اللاهوت وعن إخضاع النص القرآني للحدث التاريخي،وعن اعتماد منهجية الطعن في التاريخ وفي الثوابت والأصول، والنيل من الصالحين من أبناء الأمة.

ج- وما يسمى بالتيار الصدري الذي يبحث عن موقع سياسي له في ساحة لا مرجعية خاصة به له فيها، وعن مكاسب مادية انتهت به إلى بيع السلاح جهارا نهارا للقوات الغازية ولعميلها إياد علاوي رئيس ما يسمى بمجلس الحكم بعد سقوط بغداد، في الوقت الذي كان الواجب الوطني والديني، لو كان له:

1- من الحس الوطني ما يجعله عراقيا حقيقيا.

2- ومن الحس الديني ما يجعله مسلما صادقا، يدعوه لرفعه في وجه الغزاة والعملاء والخونة، ويلتحق: *بالمقاومة الوطنية الشريفة التي دفعها:

- إيمانها بالله أولا.

- ثم بالوطن وبالشعب ثانيا.

- ثم بعزة الأمة واستقلالها ثالثا.

لإعلان الحرب على الغزاة، وعلى كل من ثبت وجود أي صلة له بهم.

2- وفي بعده العرقي والأثني بقيادة أكبر وأفسد القيادات العلمانية الكردية جلال الطلباني ومسعود البرزاني، وهما الذان لا يتحرجان من التصريح في تبجح معلن مخجل كغيرهما من العملاء وصنائع اليهود، بأن القوات الأمريكية والبريطانية الغازية لبلاد الرافدين هي قوات تحرير، تماما كمنطق وخطاب الحركة القومية العربية في تحالفها مع القوى الإستعمارية البريطانية والفرنسية في بداياتها من قبل، وليست قوات احتلال وتدمير.

3- وفي بعده الأثني والسياسي كذلك بالنسبة لكل من آمن بالمقاومة السياسية من منطلق مبدئي، وكخيار وحيد يمكن أن يغادر به الغزاة العراق، والذي وضع فتواه المدعو علي السيستاني:

أ- وهو الذي لا يفقه في هذه المسائل شيئا.

ب- وهو الذي ليس له منها إلا الإمضاء بعد أن تكون الجهات الدينية ذات الأصول الشيعية والعلمانية ذات التوجهات الليبرالية الإنتهازية التي تبحث من حوله لنفسها عن أي دور يتفضل به عليها ترضى به ويرضيه عنها، وهو مفتي البيت الأبيض وممثله بريمر،قد أعدت وبترتيبات إيرانية كل شيء. وأخذت القرارات، وحددت المواقف، ووضعت الأسس، وصاغت الخطاب، وحددت آليات العمل وإدارته، بإشراف أمريكي مباشر.

وأريد لهذه القضية أن تستمر، بين مطاردة لصدام حسين وإيقافه والتحقيق معه ومحاكمته أكثر وقت ممكن، لتظل الأنظار مشدودة إلى هذا الذي تعتبر:

- الولايات المتحدة الأمريكية.

- وحليفتها بريطانيا.

- والصهيونية العالمية.

- والغرب الصليبي عامة.

- والخونة والعملاء من هنا في الداخل العراقي.

- ومن هناك في النظام العربي الفاسد.

- وفي النخبة العلمانية اللائكية في جوانب وأطياف وجهات كثيرة منها، إنجازا تاريخيا مهما، باتجاه إعادة الإعتبار للعراق وللعراقيين وللعرب والمسلمين، وتخليص المنطقة العربية والعالم الإسلامي من الإستبداد والدكتاتوريات التي لم يعد من مصلحة أمريكا الإبقاء عليها، والتي ترى أنها غير منصاعة بالكامل للأمر والنهي الأمريكي. أي تلك التي تبدي بعض الإستعداد أو بوادر التمرد وإن كان مفتعلا هازلا حينا، وتستطيع أمريكا نفسها أن تتفهمه أحيانا.

لقد حاولت:

1- قوات تحالف الإحتلال الغربي الصليبي الحليف الإستراتيجي لليهود الصهاينة وللدولة العبرية في فلسطين المحتلة.

2- والقوى الطائفية والعرقية العميلة الخائنة المدعومة من الدولة الفارسية الصفوية التي طالما أيدناها عندما ظهرت علينا بثوبها الإسلامي الخادع سنة 1979 بعد الإطاحة بنظام الشاه، الذي كان أكثر وضوحا:

1- في بعده القومي العرقي الفارسي.

2- وفي عدائه للإسلام وللعرب والمسلمين.

3- وفي ولائه المعلن للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية، في زمن لم يكن العرب الذين كانوا قد شهروا سيف القومية العربية على الإسلام، وكانوا يلتقوا معه في ذلك، ولم يكونوا يقيموا وزنا للإسلام وللعلاقة بالمسلمين.

4- وهي التي لم تكن إلا ثورة ذات طبيعة طائفية مذهبية.

5- وتشكيك في العقائد دون سند ودون دليل يذكر.

6- وتمكن لثقافة الكراهية والحقد بين المسلمين بالنبش في التاريخ القديم.

7- وإثارة النعرات المذهبية والطائفية التي ليس المسلمون في حاجة إليها، ولم يكونوا يوما في حاجة إليها، ولا مصلحة ولا منفعة لهم فيها قديما ولا حديثا.

8- والنظام العربي المصطف وراء أمريكا في مواجهة شعوبه، وبسط هيمنتها السياسية والثقافية والإقتصادية والعسكرية على المنطقة العربية وعلى العالم الإسلامي عموما، وعلى دنيا المستضعفين بصفة عامة.

9- وجانب كبير من النخبة التقليدية القريبة من هذه الأنظمة الفاسدة الداعمة لها والقابلة بها.

10- وجانب أكبر من النخبة العلمانية اللائكية التي أصبحت ممثلا لطائفة جديدة من منحدر سني وشيعي إسلامي،واتخذت من الثقافة الإستعمارية الصهيونية الغربية مرجعا لها، ومنطلقا لتفكيرها ومصدر إلهام لها في مشاريعها السياسية والثقافية والفكرية والإجتماعية والإقتصادية.

وقد جعل كل هذا النسيج المتناقض والمختلف وغير المتجانس الرجعي العدمي والعبثي، من الحركة الإسلامية الإصلاحية المجددة المجاهدة تناقضها الرئيسي.

لقد حاولت كل هذه الجهات مجتمعة في العراق أن تشد انتباه قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي أكثر ما يمكن من الوقت، مستفيدة من السمعة السيئة لنظام حزب البعث القومي العربي بقيادة الرفيق صدام حسين، لصرف الأنظار عن الجرائم البشعة التي ترتكبها قوات التحالف الغربي العسكري الصليبي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، المنتشية بخروجها منتصرة في الحرب الباردة، بعد أن كانت تعتبر أنها هي التي انتهت بالإتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي كله من حوله إلى السقوط والتفكك والإنهيار، وهو المعسكر الذي كان في الحقيقة يحمل في ذاته كل أسباب التفكك والإنهيار، وهو من استوعب كل الجرائم التي كان يرتكبها الرجل الأبيض في كل المناطق التي حل بها من الأرض غازيا، وقد كان طرفا معه في ذلك بطريقته طبعا بعد ذلك، والتي أقام عليها ثقافته وحضارته، والجرائم التي كان يقوم بها حلفاؤه وعملاءه، وأولئك الذين جاؤوا به من أعوانه باعتباره قوة فتح و تحرير وليس قوة احتلال وتدمير، وقوة إحلال على حد قول بعض الليبراليين الجدد الذين كان من بين مآثرهم أن أرسلوا برقيات تهنئة لزعيم حزب العمل الصهيوني الإرهابي اليساري إيهود باراك بمناسبة فوزه في انتخابات رئاسة وزراء الكيان الصهيوني على الإرهابي اليميني بن يمين ناتانياهو، وليس قوة احتلال، من قتل وتصفية عرقية وطائفية، ومن تدمير للبنية التحتية، ومن استنزاف لقدرات العراق المادية والطبيعية والبشرية. وكان القاسم المشترك بين كل هذه الجهات والأطراف والمكونات هو التخريب والقتل والتهجير وبت الفوضى بالبلاد، والعمل على استئصال المقاومة وإنهائها عسكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا وإعلاميا، بتقديمها للرأي العام الداخلي الذي هو ملاذها ومجال تحركها، والذي منه انطلقت وإليه تعود، وهي الممثل الحقيقي للنسيج الإجتماعي الحر، وهو فضاؤها الذي يؤويها ويرشدها ويدعمها ويؤيدها ويحتضنها من أجل الحرية والتحرير والتحرر، من أجل الإستقلال والإستقلالية وتقرير المصير، بإنهاء الإحتلال واستعادة العراق العربي الإسلامي الموحد، على أنها عنف وطائفية وتطرف، وعلى أنها أطراف وجهات وتنظيمات تكفيرية، وللرأي العام الخارجي على أنها إرهاب. وهي التي مازال العملاء والخونة بقيادة أغلب مراجع الشيعة وبدعم إيراني مباشر وعلى رأسهم المدعو آية الله العظمىعلي السيستاني الذي فسح المجال لكل من هب ودب من رموز الطائفة العلمانية المتواطئة مع الغزاة لتدخل تحت عباءته بحثا عن مكاسب ومنافع ونزوات تحت سلطة الإحتلال، يحملونها مسؤولية العنف والإرهاب والقتل والتدمير والفساد الذي أصبح مستشريا في بلاد الرافدين، وبقاء الإحتلال التي يسمونها قوات التحالف، وهي التي يعتبرونها قوات تحرير العراق من الدكتاتورية والإستبداد، مثلما جاءت قوات الإستعمار للمنطقة مدعية تحريرها من الإستعمار العثماني التركي، وتقديمها موحدة لزعيم الثورة العربية الكبرى الشريف حسين ومن جاء بعده من زعماء الحركة القومية العربية، ومثلما كانت الحركة الإستعمارية الغربية تعتبر نفسها:

- وهي تعيث فسادا في كل أنحاء العالم.

- وهي التي لم تترك في أوطان الشعوب التي احتلتها تقدما ولا تقنية ولا ديمقراطية ولا حقوق إنسان.

بل كل الذي كان مما يمكن اعتباره إنجازا لها هناك هو:

1- إنهاء النظام الإسلامي.

2- وفرض بدلا منه النظام العلماني ذي الأصول التوراتية الإنجيلية.

3- وفرض الإستبداد والدكتاتورية ومواصلة رعاية ذلك.

4- وفرض الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العرب والمسلمين بدعم متواصل منها.

5- وفرض ثقافة ولغة الغرب.

6- وإيجاد طائفة جديدة وهي التي تمثلها النخبة العلمانية اللائكية التكفيرية البديل الإستعماري الغربي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وسائر أوطان المستضعفين في العالم المناهضة للإسلام والرافضة للبديل الإسلامي في بلاد العرب والمسلمين والمتصدية له، والتي كان نظام صدام حسين أحد نماذجها باسم القومية والتقدم والتطور والعقلانية والإنسانية والحداثة وغيرها من الشعارات.

لقد كانت محاكمة صدام حسين وأزلام نظامه طائفية بحتة منذ البداية، وكذلك أرادتها قوات التحالف الصليبي الغازية في إطار البحث عن صيغة تقارب مع النظام الصفوي الإيراني:

أ- الذي كان خير معين للقوات الأمريكية في غزوها لأفغانستان واحتلاله.

ب- والذي كان الداعم الأساسي لها في احتلال العراق:

ج- من خلال القبول بها وهي الشيطان الأكبر على حدودها.

د- ومن خلال الفرصة التي ستكون وكانت سانحة لإيران نفسها للتدخل المباشر وبدون قيد في الشأن العراقي الداخلي.

ه- ومن خلال الإفتاء لامتداداتها الشيعية الصفوية في العراق من مثل ما يسمى التيار الصدري وحزب الدعوة وخاصة ما يسمى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بالموافقة على التدخل الأجنبي في العراق وإسقاط نظامه واحتلاله والقبول بذلك.

و- ومن خلال التعويل على جل مكونات الطيف الشيعي بالداخل العراقي والإنظمام إليه في مهادنة المحتل والتعامل معه والقبول والرحيب به.

ز- ومن خلال التصدي للمقاومة التي يغلب عليها الطابع الوطني السني، والتي لم يكن للجانب الشيعي والعرقي الكردي ظهور متميز واضح فيها واعتبارها إرهابا، والتحالف مع الغزاة في مواجهتها، مما أثار النزعة الطائفية التي لم تكن المقاومة ولا السنة مسؤولة عنها:

1- باعتبار أن أعوان الإحتلال من المرحبين به ومن القادمين معه والذي قبلوا بما يسمى العملية السياسية بعد إسقاط نظام البعث العراقي، هم الذين بدأوا بتأكيد الإنقسام الطائفي والعرقي من خلال ما يسمى بالدستور الذي وضعه الحاكم الأمريكي بالعراق بريمر، وكان ذلك قبل انطلاق المقاومة وتشكل حركة التحرير الوطني العراقي .

2- وباعتبار أن الذين كانوا سببا في إثارة النعرة الطائفية والعرقية والإنقسام الطائفي والأثني هم أولئك الذين جاؤوا مع الإحتلال والذين قبلوا به من أغلب الطائفة الشيعية اللاوطنية والمرتبطة بالنظام الإيراني طائفيا ومذهبيا وعرقيا وجغرافيا من جهة الجنوب خاصة، ومن الأكراد بالشمال، إذا ما استثنينا مقاتلي الحركة الإسلامية الذين كانوا في مواجهة دائمة ومستمرة مع مليشيات الرفيق جلال الطالبان ومسعود البرزاني الذان استقويا عليها بسلاح الجو الأمريكي من قبل احتلال العراق. والذين انطلاقا من إيمانهم بالعملية السياسية والقبول بها استنادا إلى فتوى المرجع الشيعي الإيراني الفارسي الأصل المقيم بالعراق المدعو علي السيستاني، التي يلتقي فيها مع فتوى العلماني اللائكي المدعو جلال الطلباني وكذلك ومسعود البرزاني الذان يعملان على اقتطاع كردستان العراق والإستقلال بها، وقد قطعا أشواطا في ذلك، لم يكن أمامهم إلا أن تكون ميليشياتهم المسلحة جنبا إلى جنب مع جنود الإحتلال الأمريكي والبريطاني في مداهمة منازل المدنيين العزل، ومحاصرة المدن وقصفها، وانتهاك الأعراض وقتل الأنفس، ونهب وإتلاف الثروات والمكتسبات، ولتجد المقاومة المشكلة من كل ألوان الطيف العراقي، والتي يغلب عليها الطابع السني كما سبقت مني الإشارة إلى ذلك من قبل نفسها، ليس أمام جنود الإحتلال، ولكنها أمام عناصر الميليشيات الطائفية والعرقية المسلحة، إن لم تقتلها فهي قاتلة عناصرها ومجاهديها.

هذه المقاومة العراقية، التي أصبحت محسوبة على الطائفة السنية في المثلث السني، التي ليس أمامها إلا أن تعتبر شرعا وقانونا وأخلاقا ومصلحة وطنية أن من يقف مع الإحتلال ويؤيده ويناصره ويتولاه، ويستهدف العراقيين بالقتل والتدمير والتشريد والتهجير هو مثله، وليس أمامها إلا أن تستهدف بالقتل كل من كان استهدافه لأبناء وطنه الأبرياء العزل بالقتل وغيره من الإنتهاكات، وللمقاومة المسلحة للوجود العسكري الأجنبي، هي التي اعتبرت قد فجرت عند الطائفيين العنف، وتسببت في الإًصطفاف الطائفي والإنقسام العرقي والإقتتال الداخلي في مقاومتها للغزاة ومن يساندهم في أعمالهم الهمجية الإجرامية، ويساهم معهم في ذلك.

- وهي التي لم تكن هي البادية أولا.

- وهي التي لم تكن تستهدف إلا من يستهدفها ويستهدف العراق والشعب العراقي ثانيا.

- وهي التي لم تكن لها مشكلة إلا مع الإحتلال ثالثا.

- وهي التي في عملها على تحرير البلاد يصبح من حقها أن تستهدف المحتل ومن يقف إلا إلى جانب المحتل ويسانده ويساعده ويتصدى لها معه من الخونة والعملاء، بقطع النظر عن طائفته أو مذهبه أو عرقه أو لونه أو دينه أو وطنه أو موطنه رابعا.

- وهي التي لا تؤمن بالطائفية ولا تعمل على الإنقسام ولا الإقتتال الطائفي، ولا تؤمن إلا بالشرفاء من أبناء الوطن وبتحريره كاملا موحدا خامسا.

ثم إن طائفية المحاكمة والخيانة الوطنية كانت ظاهرة منذ البداية كذلك، ومنذ أن تم الترحيب بالقوات الأمريكية في قلب بغداد، واجتمع حولها الرعاع مهللين ومكبرين لسقوط نظام صدام حسين. وقد يبدو مقبولا تفهم موقف هؤلاء للجحيم الذي كان يعيش الناس فيه إبان حكمه وعائلته وبطانته الحزبية والعشائرية، ولكنهم لم يكونوا يتصوروا ربما نار جحيم احتلال بلادهم من طرف الأجنبي الأمريكي البريطاني الغربي الصليبي، وما يلحقهم به قبوله من خسائر ودمار، ومن مذلة ومهانة لم يذوقوا مثلها كذلك في نظام الإستبداد، وعار لا ينمحي على مدار ومجرى التاريخ، خاصة بالنسبة لمن هادنوه وأعلنوا موالاته والقبول به. والظلم لا يزال بظلم أكبر منه. والإستبداد لا يستبدل بالإحتلال. والشعوب الحرة هي التي لا تقبل بالإستبداد ولا بالإحتلال. ولا تقبل بغير تحرير نفسها من الإحتلال ومن الإستبداد. ولتكون بذلك وعن جدارة لها السيادة الكاملة فعلا على أوطانها.

ومنذ أن تم تقديم الرفيق صدام حسين ومجموعة من زمرته في حزب العبث الإشتراكي للمحاكمة في ما يعتبر من أبسط الجرائم التي كان قد ارتكبها في تاريخ حكمه، وهو المطلوب محاكمته في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بدءا بالجرائم التي ارتكبها في حق الشعب العراقي، ومرورا بالحرب مع إيران باعتباره هو البادي، البادي أظلم، وانتهاء بغزو الكويت، وهي حادثة الدجيل والتي كان الحكم فيها عليه بالإعدام شنقا حتى الموت كافيا لإنهاء المحاكمة في حقه تقريبا في ما زاد عن ذلك من الجرائم الأخرى الكثيرة وهو على قيد الحياة في حق الأفراد والمجموعات والشعب والوطن والدول.

لقد تم كل ذلك بخلفية طائفية تم التنسيق فيها بين الطائفيين الشيعة في العراق وإيران والصليبيين في أمريكا وبريطانيا إرضاء للشيعة:

1- للمحافظة على تأييدهم ومساندتهم ودعمهم واستمرار ولاءهم للإحتلال.

2- وتحقيقا لرغبة صفوية فارسية مذهبية طائفية إيرانية لتطمينها على وفاء القوات الأمريكية على عدم المساس بالمصالح والأمن والسيادة الإيرانية على حدودها، باعتبار أن الشيعة الذين كانوا الأكثر انخراطا في حزب البعث، والأكثر تأييدا لصدام حسين كانوا يحسبون أعضاء حزب البعث العلمانيين اللائكيين من أصول سنية وشيعية وعربية وكردية وغيرها أنهم سنة وشيعة، والحقيقة أنهم يصبحوا بمقتضى ذلك وعلى ذلك الفكر وتلك الثقافة لا سنة ولا شيعة. ولكنهم علمانيون لائكيون عربا أو كردا أو غيرهم من الأعراق. ويعتبرون صدام حسين سنيا، ويحسبونه على السنة، خاصة وهم الذين كانوا قد انخرطوا مباشرة في المقاومة المسلحة للمحتل. وقد بدا وكأنهم يقفون إلى جانب صدام حسين ويدافعون عنه وعن نظامه، وعليهم بمقتضى ذلك أن يدفعوا ثمن جرائم صدام حسين في حق الجميع، وأن يتحملوا المسؤولية في ذلك بالكامل. وليتقدم الشيعة المنخرطون منهم في مسلسل العمالة والولاء المحرم نصا للأجنبي المستعمر والخيانة الوطنية أنفسهم للعالم من خلال ذلك ومن خلال الدعم والمساندة الإيرانية لهم على أنهم هم وحدهم الضحايا، أو على الأقل الضحية الأكبر والأكثر خسارة وتضررا.

ـ حكـــم الإعــــــــدام :( 2)

ما إن انتهى مسلسل المحاكمة التي تداول عليها وفق حسابات مختلفة، ولغايات وأهداف مختلفة، أربع قضاة من مختلف الطوائف والأعراق، ولعهم كانوا كلهم شيعة عربا وكردا علمانيين من أصول مختلفة أو شيعة أو سنة، والتي كان الجامع بينها موالاة العدو المحتل والعداء لصدام حسين ونظامه وحزبه، والخيانة الوطنية ومناهضة المقاومة واعتبارها إرهابا، والتي انتهى من الوقت ما يكفي لشد أنظار موالي الإستعمار والنظام الصفوي الإيراني، الذي حسبناه ذات يوم نظاما إسلاميا، من الشيعة والأكراد خاصة، والتي لم يعد هناك حاجة لمواصلتها بعد أن تبين أنها لم تحقق الأهداف التي كان يعتقد أنها يمكن أن تحققها بالتغاضي عن جرائم المحتل والطوائف والأعراق المتحالفة معه، والوقوف عند التشفي في نظام البعث وقياداته، واعتبار أن أهداف الشعب العراقي وغاياته في إسقاط صدام حسين وملاحقته وإلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة وتولي العراقيينالقابلين بالإحتلال والعاملين معه شأنه بأنفسهم قد تحققت، أصدرت المحكمة الأمريكية بالعراق بمنظومة قانونية عراقية وبقضاة عراقيين طائفيين وعرقيين تحت حراب قوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الإمبراطورية الأمريكية وبإدارة وإشراف مباشرين منها، حكم الإعدام في الرفيق صدام حسين المجيد الرئيس العراقي السابق وإثنان من أركان حكمه، برزان التكريتي الأخ غير الشقيق له، وعواد البندر رئيس محكمة الثورة التي أحيل عليها ما قيل أكثر من 140 من أهالي منطقة الدجيل، في محاولة الإغتيال التي تعرض لها صدام حسين في حينه أثناء مرور موكبه بتلك المنطقة التي كان قد نظم زيارة لها في ذلك الوقت. وقد تمت محاسبة صدام حسين محاسبة عسيرة على ذلك. وكان إنصاف الشيعة وإعادة الإعتبار لهم في تلك المحاكمة من دون بقية مكونات الشعب العراقي الذي لقي من العسف والقمع والإضطهاد والتنكيل به من صدام حسين وعائلته وحزبه أكثر بكثير مما حدث في تلك الحادثة. فكان الإستقواء والإستنجاد بالأجنبي طائفي شيعي بفتوى صفوية فارسية مذهبية. وكانت محاكمة صدام حسين وأركان حكمه طائفية عرقية شيعية كردية. وكان إصدار حكم الإعدام في حقه طائفيا شيعيا إيرانيا كرديا من دون مكونات الشعب العراقي. وكان إعدامه كما سيأتي لاحقا صدريا طائفيا شيعيا إيرانيا، وبتواطئ كردي أمريكي بريطاني.

ـ تنفيذ حكم الإعدام في الرفيق القائدصدام حسين:

وبعد صدور الحكم الذي لم يغير مما كان معلوما من أمر المحاكمة، ومن طبيعة المحاكمين والحكام والمشرفين عليهم والمتابعين لهم أمرا ونهيا شيئا، ولم يغير مما كان محتملا أو معلوما سلفا من الحكم، استنادا إلى ما هو معلوم من الجرائم، وإلى ما هو معلوم من المجرمين الحكام والحاكمين، والمحتلين والمتواطئين معهم بالداخل والخارج العراقي، والمحاكمين من أركان نظام صدام حسين السابق.

*- وقد كان طبيعيا أن يصدر الطائفيون العراقيون والصفويون الإيرانيون حكم الإعدام في صدام حسين، لأنه نكل بالأولين وهزم في الحرب الآخرين.

*- وكان طبيعيا أن يصدر الغزاة الصليبيون حكم الإعدام في صدام حسين لأنه:

أ- لم يكن وفيا بما فيه الكفاية لهم.

ب- ولأنه كان متقلبا في مواقفه منهم وعلاقته بهم بين الولاء والعداء.

*- وكان طبيعيا أن يكون حكم الإعدام هو الحكم الذي يجب أن يصدر في حق صدام حسين ولكن:

أ- بوجه حق لا بغير وجه حق.

ب- وبعدل لا بحيف وظلم.

ج- وأن يكون في حق الشعب العراقي لا في حق بعض شيعة العراق حلفاء الإستعمار الأمريكي البريطاني وعملاء النظام الصفوي الإيراني الشيعي.

د- وأن يصدره في حقه الشعب العراقي، الذي لم يتم إنصافه من صدام حسين، ولم يحاسبه ويحاكمه ويصدر فيه الحكم الذي يستحقه من أجل ما اقترف في حقه من جرائم، وما جلب له من ويلات ومصائب، وما تسبب له فيه من خراب ودمار.

كان تنفيذ الحكم فيه يوم السبت 30 ديسمبر 2006 على الساعة السادسة صباحا بتوقيت بغداد، الموافق للعاشر من ذي الحجة 1427 أي فجر يوم عيد الإضحى المبارك لعامة المسلمين في العالم، باستثناء الطائفة الشيعية في العراق على الأقل إن لم يكن في كل العالم.

ولقد كان ظاهرا حرص الصفويين في إيران، والأمريكيين بالبيت الأبيض وخارجه، والطائفيين الشيعة، والقوميين العلمانيين التكفيريين الأكراد، واليهود الصهاينة، لا على التخلص من صدام حسين فقط، ولكن للتمتع والتلذذ بإعدامه:

أ- بكل حيوانية ووحشية.

ب- وبكل ما في الطائفية الشيعية والصفوية المقيتة من حقد لم تبلغ في إي وقت مضى من التاريخ من التمكن والظهور والقوة لتعبر عنه. وليس من باب الصدفة أن يقترن هذا الظهور وهذه القوة وهذا التميز بظهور دولة للعصابات اليهودية الصهيونية في فلسطين من العالم العربي الإسلامي. ولكن لا يمكن إلا أن يكون لذلك دلالاته ومعانيه وانعكاساته وتداعياته ونتائجه، باعتبار أن ذلك كان من الظواهر الطبيعية والكونية والتاريخية التي لم يعرف التاريخ البشري لها وجودا منذ آلاف السنين.

ج- وبكل ما في العلمانية الكردية من كراهية للإنسان.

د- وبكل ما في الصليبية من عدوانية.

ه- وبكل ما في الصهيونية من عنصرية وعداء للإنسان.

في يوم عيد الإضحى المبارك، تماما كما قصفت القوات الأمريكية والبريطانية العراق من قبل زمن الحصار في رمضان بدون أي مبرر يذكر، وبدون أي معطى جديد يبرر ذلك التدخل من سلاح الجو وقتها وكما يعربد الجيش الصهيوني في المنطقة كلها وفي فلسطين المحتلة على مدار الزمن على امتداد عقود من السنين في كل المناسبات وبلا انقطاع، غير الإمعان في إذلال وإهانة المسلمين والعرب بصفة خاصة، وانتهاك حرماتهم. وكما يساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكثير من العواصم الغربية الصديقة للنظام العربي الفاسد، والقدوة الحسنة والمثال المحتذى للكثير من مكونات الحركة العلمانية الهجينة المزيفة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين.

وما كان حرص الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالغرب واليهود الصهاينة في كل مكان على الإسراع بتنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين، الذي كان يمضي إقامته داخل المنطقة الخضراء (الحمراء) في قبضة القوات الصليبية الغازية للعراق بمركب القصور الفخمة التي كان صدام حسين نفسه يهدر فيها ثروات الشعب العراقي، وكان ينعم فيها بحياة الرفاه والسيطرة والسطوة والتكبر والتجبر، والذي اتخذت منه القوات الأمريكية مقرا آمنا لها ولعملائها وللخائنين للعراق وللشعب العراقي، الذين لا هم لهم إلا تأمين أنفسهم وفتح أبواب جهنم على الأحرار من باقي أبناء الشعب، وعلى باقي أنحاء العراق، قيل خوفا من هروبه أو تهريبه :

- وهو الذي لم يهرب ولم يكن يستطيع الهروب حين كان يمكن أن يهرب أو حين كان مستطيع الهروب.

- وهو الذي لم يتم تهريبه حين كان يمكن أن يهرب.

- وهو الذي كان يعلم أنه لم يترك لنفسه ولو ملاذا آمنا واحدا، لا داخل العراق ولا خارجه، بعد أن كان قد فوت على نفسه الفرصة حين طلب منه مغادرة البلاد مع من يريد من أهله إلى روسيا التي أعلنت قبولها به، أو إلى أي مكان آخر يريده ويقبل به. وقد كان الكل في المنطقة وغيرها يرغب في ذلك تجنبا للتدخل العسكري الذي كانت أمريكا نفسها لا ترغب فيه، ولا مصلحة لها فيه وتخشى عواقبه. ولعله كان، وهو من هو، ينظر إلى ذلك العرض على أنه في صالح المنطقة وفي صالح العراق والشعب العراقي، وفي صالح أمريكا والغرب والنظام العربي وانتصارا لهم، وفي غير صالحه وهزيمة له. وأصر على البقاء في محيط عراقي معاد له بالكامل. وهو الذي لم يبق على أسرة واحدة تقريبا لم ييتم فيها صغيرا ولم يرمل فيها امرأة ولم يثكل فيها أما. وكانت تلك آخر حماقاته الكثيرة، وغباءه وتهوره السياسي، ونزعته الإستبدادية الدموية الفردية التي جلبت له وللعراق وللشعب العراقي كله هذه الويلات والمصائب التي لا حد لها.إنما كان كل ذلك حزما من الحكومة الطائفية للطائفي نور( ظلام) المالكي المقبولة أمريكيا، والمدعومة صفويا إيرانيا، لتنفيذ حكم الإعدام فيه، وهو الذي لم تسلمه القوات الأمريكية، على ما يبدو لمأمورها وخادمها المطيع المالكي، إلا في الوقت المقرر لتنفيذ الحكم فيه. ولعلها تعلم أنه سيتم التمثيل والتنكيل به أو حتى قتله قبل حلول موعد تنفيذ الحكم القانوني فيه. وهي المرة الوحيدة وفي المسألة الوحيدة التي تفوض فيها أمريكا لعملائها التقرير في أمر ما، وتستجيب لهم في طلب، وتتفصى من أي مسؤولية على ما حدث من تجاوزات لا أخلاقية ولا إنسانية. وكانت الخطة محكمة في من سيقوم بتنفيذ الحكم. وحضرت عدسات التصوير غير الشرعية لتلتقط مشاهد التنفيذ لحظة بلحظ. وما كان لأعوان التنفيذ أن يكونوا ملثمين وما كان ينبغي أن يظهروا أصلا ولو لم يكن إظهارهم مقصودا، وله دلالاته وأهدافه.

1- لو لم يكونوا أشخاصا بعينهم وليسوا موظفين بالوزارة كما تدعي حكومة المالكي.

2- ولو لم يكونوا يعلمون أن المشهد سيجد طريقه إلى الإنتشار على أوسع نطاق ليدخل كل البيوت التي لم يكن أهلها يتصورون أن ذلك سيكون ممكنا ذات يوم والذين انتظروها في الفترة الأخيرة طويلا، وذلك ما كانت تريده الحكومة، وذلك ما خططت له، وذلك ما حصل فعلا. وما الهتاف باسم مقتدى مرات عديدة من طرف أعوان التنفيذ إلا لأن عناصر ميلشياته هي التي تولت المهمة. وإلا ولما لا، لأن مقتدى نفسه هو الذي كان يتولى تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين بنفسه. ولأنه كان يمكن أن لا يتم تصوير المشهد إلا بعد سقوطه الرجل صريعا، وبعد أن تكون قد فارقته الحياة. ولعه من باب المصادفات النادرة، إن كان ذلك مصادفة:

أ- أن يكون ذلك يوم عيد الإضحى لكل المسلمين باستثناء الشيعة، وأحسب أن ذلك كان في الحسبان.

ب- وأن يكون ذلك موافقا ليوم السبت الذي هو يوم العطلة الأسبوعية لليهود، وهو من الأيام المقدسة عندهم، لتكون فرحة المهتمين بالموضوع منهم أكبر، لاسيما وأن صدام حسين كان قد أفزعهم مرة في حياته عندما اشتد عليه الضغط الداخلي والخارجي برمي مجموعة من الصواريخ طويلة المدى باتجاه دولة الكيان الصهيوني التي سقطت بصحراء النقب.

ج- وليكون ذلك هدية حكومة المالكي الأمريكية لسيده الصليبي الأكبر جورج بوش بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية الجديدة.

د- وما كان ليكون ذلك الحرص منه إلا استنادا لحرص مراجع الشيعة المتعاملين مع قوات الإحتلال والمتواطئين مع الصفويين في إيرانالثورة الإسلاميةعلى جواز إعدام صدام حسين يوم عيد الإضحى المبارك عند أهل السنة والجماعة.

ولا يمكن أن يكون ذلك غير مقصود به إبراز مشاعر عدم التقدير لمشاعر المسلمين غير الشيعة، وإن كان صدام حسين كما أسلفت لا يمكن اعتباره سنيا ولا شيعيا، ولكنه علماني من أصل سني.

ه- ولعلهم حرصوا على أن يكون ذلك كذلك يوم السبت باعتبار أن التشيع أصلا في ما نعلم من التاريخ وفي ما هو وارد في كتب الطائفتين التين كانتا إفرازا من إفرازات التاريخ. ولا أصل لهذا التقسيم في الإسلام الذي تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد استشهاد الخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي الله عنه بعشرات السنين، هو صناعة يهودية متأكدة في كل المراجع التاريخية وغيرها، سواء السنية منها أو الشيعية.

و- واجتنبوا كذلك أن يكون ذلك مقرونا بيوم العيد عندهم، فتحدي مشاعر أهل السنة أولى عندهم، لما تربوا عليه من حقد تاريخي وكراهية وتكفير لمن خالفهم في فهم النص وفي قراءة التاريخ، ومن خالفهم في المذهب، على قاعدة من ليس شيعيا هو كافر عندهم مستباح الدم والمال والعرض، طالما هو لا يؤمن بالركن السادس في الإسلام عندهم وهو الإمامة، مثلما يفعلوا في العراق تماما عندما أتيحت لهم الفرصة، من أن يكون العيد عندهم عيدين عيد الإضحى وعيد التضحية على صدام حسين. ولا أحسب أن يكون كل هذا الذي حصل مصادفة، وبعيدا عن الإدراك والقصد كله أو جله، وإن لم يكن لدى البعض فلدى الكل.

وهي ليست في الحقيقة المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الفعل الشنيع في تاريخ المسلمين. ولعل لسان حاال المالكي كان يقول كما قال من قبله طاغية بني أمية وسفاك دماء المسلمين الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد هشام بن عبد الملك (724 ــ 743 ) عندما أمره بقتل الجعد بن درهم لقوله بخلق القرآن لمن اجتمع حوله من الناس يوم عيد الإضحى إذهبوا ضحوا فإني مضح على الجعد بن درهم “. بما هنالك من فرق طبعا بين الدولة الأموية الظالمة في ذلك الوقت، وبين الدولة الصفوية الحاقدة والإحتلال الأمريكي الصليبي المعادي. وبين نور المالكي والحجاج بن يوسف. وبين الجعد بن درهم وصدام حسين. ولكن الصنيع واحد والتوقيت واحد والإسلام واحد والمسلمون هم المسلمون وقد أصبحوا سنة وشيعة.

وبذلك وبهذا الفعل الطائفي الإستعماري الصليبي الصهيوني الصفوي الشنيع كان صدام حسين قد عاش ظالما وقضى مظلوما.

والذي بدا أكثر وضوحا أن تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتلك الطريقة وفي ذلك الإحتفال وفي ذلك الوقت من ذلك اليوم، ليس لأنه كان ظالما مستبدا، ولكن لأنه كان عند الذين أفتوا بجواز أن يكون ذلك كذلك سنيا.

أو أنهم كانوا على قدر من الغباء والتجرد من الأخلاق والإنسانية وبعدا عن الإسلام، بما لم يتركوا لأي كان أن يكن لهم من الإحترام والتقدير ما هو جدير به مثلهم.

ـ المــــــــواقف:

لقد تحددت المواقف من زوايا متعددة ومختلفة، ولغايات وأهداف متعددة ومختلفة، ومن مواقع متعددة ومختلفة، ومن جهات متعددة ومختلفة.

فقد اعتبر صدام حسين نفسه في رسالة كشف عنها محاميه خليل الدليمي قبل إعدامه بيومين وجهها للشعب العراقي وللعرب وليس للمسلمين قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه يقول فيها(…ها أنا أقدم نفسي فداء فإذا أراد الرحمان هذا صعد بها إلى حيث يأمر سبحانه مع الصديقين والشهداء وإن أجل قراره على وفق ما يرى فهو الرحمان الرحيم وهو الذي أنشأنا وإليه راجعون فصبرا جميلا وبه المستعان على القوم الظالمين).

والملاحظ أنه لم يتوجه بهذا الخطاب للمسلمين، ولم يكن معنيا بالخطاب فيها إلا بالعراقيين والعرب.

ولم يبد أسفا ولا ندما على ما ارتكب في حق أي كان من جرائم كان يمكن أن ينظر له الله به ببعض الرضى، إضافة إلى ما أبداه من ملازمة لكتاب الله منذ إلقاء القبض عليه في ما نعلم حتى إعدامه. ولكنه لم يكن حريصا فيها إلا على تثبيت ذاته في هذه الدنيا حيا وميتا. فلا إعلان فيها للتوبة النصوح التي لا يقبل الله من عبده حتى يعلنها، وحتى يوفي بشروطها في عالم الشهادة، إلا ما كان بينه وبين نفسه، وما بينه وبين الله، ونحن أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر“. ومنها الندم على ما ارتكب من الإثم والفواحش. والندم على ما فات من غير صالح الأعمال والأقوال، والعزم على أن لا يعود لمثله أبدا. والإعتذار لمن ظلمهم وطلب العفو والصفح منهم، وتعويض كل أو ما هو قادر على تعويضه لهم من أضرار وخسائرذلك أن الله كما يقول الأصوليون قد أمر أن لا يعبد إلا بما أمر أن يعبد به.

وقد أحدث تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين كائن من كان هو يوم عيد الإضحى المبارك، ضجة كبيرة في الأوساط الإعلامية والشعبية والرسمية داخل العراق وخارجه وفي العالم. وكان ذلك مثار جدل كبير في كل الأوساط وفي كل المواقع.

فقد جاءت مواقف الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالبيت الأبيض ولندن وسدني(استراليا) والصهيونيين في تل أبيب بفلسطين المحتلة متطابقة، معتبرة أن ذلك هو قول القانون فيه، وذلك هو العدل الإلهي، وذلك بما اقترفت يداه وهو مستحق لحكم الإعدام وتنفيذه فيه، وهو إنجاز مهم وتقدم باتجاه تذليل الصعوبات أمام شعار المالكي بإجراء المصالحة الوطنية التي يريدها الأمريكان الغزاة، ولا يريدون أن تكون المقاومة طرفا فيه. وهو الذي دعا البعثيين على إثر الإمضاء على مرسوم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت في زعيمهم وقائدهم ورمزهم وعنوان ثقافتهم وسياستهم صدام حسين في موعده وعلى إثر تنفيذه، إلى المصالحة الوطنية..هكذا !

وما كان كل ذلك إلا خطوات استعمارية أمريكية غربية صليبية باتجاه فرض الديمقراطية التي لا يريدونها لنا في الأصل إطلاقا، والتي يمنعون حلولها بربوع أوطاننا، على الشعب العراقي بعد الإطاحة بنظام الدكتاتور صدام حسين وبعد إعدامه. وليست تلك إلا ذريعة أخرى كاذبة، كذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل التي اجتاحوا بها العراق وسط تأييد رسمي عربي علماني وتقليدي فاسد، وغربي صليبي صهيوني ديمقراطي إرهابي. وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد كانت الحركة الإستعمارية الغربية قد اجتاحت المنطقة العربية خاصة، من العالم الإسلامي بذرائع كاذبة كانت الحركة القومية قد تفهمتها ووافقت عليها خاصة في المشرق العربي وهي:

1- تحريرنا من الإستعمار العثماني.

2- تأهيلنا لحكم أنفسنا بأنفسنا (الإنتداب).

3- إلحاق أبناء عمومتنا من اليهود الصهاينة بنا وإقامة دولة عربية يهودية في فلسطين تكون نموذجا حضاريا في الشرق بخبرات اليهود وعلومهم كما يؤكد على ذلك الشريف حسين وابنه فيصل.

4- تسليم المستعمرين البريطانيين، العرب الوطن العربي مستقلا وموحدا.

فالديمقراطية الأمريكية الغربية لا تعني سوى الإطاحة بالأنظمة، خاصة الوطنية منها. وإلغاء الدولة وحل الجيوش ووحدات الأمن المختلفة. وذلك ما لم تقم به بالكامل إلا في العراق. وإصدار أحكام الإعدام في الزعامات والقيادات الدكتاتورية في أوطانها، والقيادات الوطنية التي لا تأتمن على مصالحها في ظلها، والتي لا تأتمر بأوامرها ولا تنتهي بنواهيها، من أمثال سلفدور ألندي ونوريقى وميليسوفيتش وأخيرا وليس آخرا صدام حسين. وتنصيب قيادات عميلة خائنة لشعوبها وأوطانها. وإدخال البلاد كلها في وضع استثنائي ودوامة من العنف والتعذيب والقصف والتدمير لا نهاية لها.

وكانت مواقف النخبة مختلفة متباينة باختلاف المكان والموقع، والخلفية السياسية والفكرية والعقدية. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر على الرجل دكتاتوريته. ولا أحد يعتبر أن صدام حسين لم يكن دمويا ولم يجرم في حق شعبه وجيرانه بصرف النظر عن المبررات والتبريرات، وعلى اختلاف في المراوحة بين العقل والعاطفة، إلا من كان مجانا للصواب أو منكرا للحقيقة أو جاحدا لأصحاب الحق من الشعب ومن الجيران حقهم، أو منحازا انحيازا عاطفيا أو مصلحيا أو حزبيا أو عشائريا أو أسريا. وقد لعبت العاطفة والطائفية والعصبية إضافة إلى الأخلاق والأبعاد الإنسانية دورا كبيرا أمام:

1- وجوده في قبضة الإحتلال الأمريكي.

2- والمأساة التي أصبح الشعب العراقي يعيشها، والوضع المتفجر الذي بدا معه زمن حكم صدام له أفضل.

3- محاكمته من طرف قوات الإحتلال عن طريق أعدائه الطائفيين، وضحاياه العراقيين والعرقيين الأكراد.

4- التواطؤ الإيراني الصفوي مع قوات الإحتلال، والتدخل المباشر عبر عملائها الطائفيين هناك في الشأن العراقي.

5- الإنقسام الطائفي الذي فرض نفسه بفعل قوات الإحتلال، وبأداء المقاومة ضد الخونة والعملاء الذين كانوا على مستوى طائفي معين وعرقي معلوم.

6- النزعة الطائفية التي اكتستها المحاكمة والحكم، وتنفيذ حكم الإعدام في الرفيق القائد العربي صدام حسين.

7- تعامل الطائفيين الشيعة معه منذ البداية حتى النهاية على أنه سني.

8- التحرك السني وردود الأفعال المختلفة في وجه أمريكا وفي وجه النفوذ الإيراني والتبجح الطائفي الشيعي المرتهن لها والمتحالف مع قوات الإحتلال.

وقد كانت ردود فعل الشارع في بعض الأقطار العربية والإسلامية عاطفية صرفة لكل الإعتبارات السالفة الذكر. فقد استمات في الدفاع عنه والإشادة به والتعاطف معه حتى أولئك الذين الحق بهم من المظالم واقترف في حقهم من الجرائم ما لا يقل عن تلك التي ارتكبها في حق الشيعة والأكراد، أمام النزعة الإنتقامية الطائفية والصفوية والصليبية والصهيونية، خاصة لما نرى أن وزير خارجيته سابقا …..الصحاف لم تتضمنه قائمة المطلوبين أمريكيا بعد سقوط بغداد، وليس معنيا بشيء مما كان طرفا فيه، بما أنه كان ضمن الزمرة البعثية الحاكمة من حول صدام حسين، لا لشيء إلا لأنه علماني شيعي الأصل. وعندما نرى طارق عزيز في وضع أفضل، وهو كذلك أحد أركان نظامه، لا لشيء إلا لأنه مسيحي، إلى آخر ذلك من الدلالات التي تفيد بكل جلاء ووضوح تركيز قوات الإحتلال الصليبي على الجانب الطائفي، وتكريم الشيعة المتحالفين معها بتنسيق مع النظام الشيعي المذهبي في إيران، للمحافظة على تأييدهم لتقوية جانبها وموقفها السياسي والعسكري والأمني، للإنتقام ممن تريد أن تنتقم منهم، ولتمكن لديمقراطية الإنتقام والثأر وانتهاك حقوق الإنسان في السجون وخارجها. ديمقراطية القصف والإبادة والكراهية والعنصرية والإنقسام الطائفي والعرقي في البلد الواحد.

ـ تنظيم مجالس ومواكب العزاء في الداخل والخارج العراقي:

1- فقد كان طبيعيا أن يستلم أهله جثمانه وأن يتولوا مواراته التراب وقد أصبح من التاريخ. وقد شهد النقلة المحتومة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب حيث الحياة الأبدية التي ليس بعدها موت. وحيث الحياة الحقيقية. وحيث يعرض الناس لا تخفى منهم خافية. ومن عمل خيرا فلا يجد إلا خيرا منه، ومن عمل خلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

2- وكان طبيعيا كذلك أن تنظم مواكب العزاء في الداخل العراقي لاعتبارات أخلاقية وإنسانية بصرف النظر عن كل شيء، وقد أصبح الرجل من الماضي ولا طمع فيه مثلما كان يطمع فيه الطامعون، ولا خوف منه مثلما كان يخافه الخائفون.

3- وقد كان طبيعيا أن يكون ذلك على أساس القرابة الدموية أو المصاهرة أو الصداقة، وبخلفية عشائرية وطائفية وعرقية:

أ- أمام ما حصل من استفزاز وتجاوز طائفي صفوي.

ب- وأمام الوجود العسكري التخريبي التدميري لقوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي جعلت من الوطن العربي والعالم الإسلامي مسرحا لعملياتها العسكرية، في الشيشان وباكستان وأفغانستان، وفلسطين والعراق والسودان والصومالمن دون مختلف ساحات العالم، في مواجهة حركة التحرر العربي الإسلامي، بتعاون وثيق ومعلن مع طرف الأنظمة العميلة الفاسدة، ومن طرف الطائفة العلمانية في جل مكوناتها إن لم تكن كلها، ومن طرف النخبة التقليدية ذات العلاقة عادة بالأنظمة أي كانت طبيعتها، للإبقاء على الأمة كلها تحت رحمة العملاء والخونة والقوى الإستعمارية الصليبية والصهيونية المساندين لها والداعمة لهم.

أما في الخارج، فلنفس هذه الإعتبارات، وبنفس هذه الخلفيات كذلك، ولاعتبارات أخرى ذات صلة بالموقف العربي الرسمي الذي لاذ بالصمت في الغالبية العظمى منه إزاء ما حصل خوفا وتهيبا من أمريكا، والذي أراد ربما أن يعبر عن نفسه بأسلوب لا يحسب عليه ولا حاجة له في أن لا يحسب له، فسمح بهذه المجالس والخيمات والمواكب والمسيرات التي خلت منها المنطقة العربية، إذا ما استثنينا فلسطين والأردن، والتي كان لها ظهور أكبر في بعض الأوطان الأخرى من العالم الإسلامي، أن تكون تعبيرا ربما وبطريقة غير مباشرة عن عدم رضاها بالنهج الطائفي الذي سلكه شيعة العراق ومن ورائهم الصفويون في إيران، دون إغضاب أمريكا والكيان الصهيوني ودول الخليج، وخاصة الكويت التي عانت حكومة وشعبا من الغزو العراقي زمن حكم صدام حسين للعراق عليهم.

فقد جعل الطائفيون والإستعمار الأمريكي للعراق بهذا السقوط الأخلاقي واللإنساني، وبهذا التمثيل والحقد والعداء للمسلمين عامة وللمسلمين السنة خاصة، والذي عبر عن نفسه من خلال فتوى مراجع الشيعة الصفويين والعراقيين المتحالفين مع الإحتلال، من الخامنائي حتى السيستاني، في جواز إعدام صدام حسين يوم عيد المسلمين السنة إهانة وإذلالا لهم وللعرب، وبشرى لليهود الصهاينة في يوم سبتهم، ولرعاة البقر بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية وفي غير يوم عيد الشيعة.

فلم يكن تصوير مرحلة إعدام صدام حسين لحظة بلحظة صدفة، ولكن لذلك دلالات ومعاني كثيرة منها:

1- لوضعها بين يدي كل الحاقدين لإشفاء غليلهم.

2- ليشاهد كل الشعب ورعاة البقر بالبيت الأبيض والعصابات الإجرامية بتل أبيب وكل الصفويين في إيران والأكراد وزعمائهم وزعماء بعض العواصم العربية العملية ويعيشونها.

3- للتأكيد لكل العالم أن صدام حسين قد أعدم وانتهى.

4- ليكون ربما عبرة لكل المستبدين والظالمين والدكتاتوريين، من وجهة نظر الناطقين باسم الشعب العراقي بالمنطقة الخضراء، ومن وجهة نظر قيادات قوات الإحتلال في العواصم الغربية.

5- للتشفي أمام نجاح المقاومة في إفشال المشروع الأمريكي في حدود إنهاء العملية السياسية وعدم التقدم فيها وتشديد الضغط على الغزاة وإجبارهم على البدء في البحث عن خروج آمن لهم، من أهل السنة والجماعة باعتباره محسوبا شيعيا صفويا وأمريكيا غربيا صليبيا عليهم، شاء من شاء منهم أو أبا من أبا، وسواء كان ذلك صحيحا أو غير صحيح، وسواء كانوا قابلين بذلك ومجمعين عليه أم لم يكن ذلك كذلك.

6- لإعطاء آل الصدر الفرصة للقصاص منه مباشرة وبأيديهم. وللتشفي منه، وقد منحتهم الحكومة الأمريكية بالعراق برئاسة عميلها الطائفي المالكي المعمد غربيا والمزكى إيرانيا والمفوض شيعيا والمدعوم صدريا هذه الفرصة. نقول هذا بكل أسف وحسرة، لأنه ما كان لما حصل أن يكون، وما كنا نريده أن يكون. وقد رأينا كيف أن الأكراد من منطلق عرقي لم يفعلوا ذلك ولم يقبلوا به، ولم يوافقوا عليه في شخص الرئيس المنصب أمريكيا وبخلفية عرقية كردية. لأنه وإن كان عميلا كغيره من العملاء لم يوافق على ذلك وبخلفية كردية وهو الذي كان معافى من الحقد الطائفي الذي بدا الأخطر في العلاقات الإجتماعية والدولية من الحقد العرقي. وليس صحيحا أن أولئك الملثمين هم موظفون بالوزارة، وحتى إذا كان الأمر كذلك فقد تم الإختيار عليهم، ويكونوا هم أنفسهم قد سعوا إلى ذلك، وليكونوا هناك ولينفذوا فيه حكم الإعدام بذلك المشهد الإحتفالي، كما سبق له أن أعدم آل الصدر وغيرهم من قبل.

7- إضعاف الروح المعنوية للعراقيين الذين مازالوا يحافظون على ولائهم لصدام حسين ولزمرته من البعثيين الذين تلوثت أيديهم بدماء الكثير من أبناء الشعب العراقي.

8- لتأكيد ولاء هذه الحكومة العاجزة الفاشلة، التي هي حكومة الوكلاء العملاء في حضور الأولياء الأعداء والإخلاص لهم، ولآل بوش بالبيت الأبيض وللنظام الفارسي الشيعي في إيران.

9- للغباء وفساد الرؤية السياسية للحكومة الأمريكية الفاسدة بالعراق برئاسة المدعو المالكي، وقد غلب الحقد الطائفي على الحكمة والأخلاق والقيم الإنسانية.

10- وربما لتوريط ما يسمى بالتيار الصدري الذي حمل المالكي لرئاسة الحكومة بما يزيد من الإحتقان الطائفي، والذي سعى على ما يبدو وبكل جهده لإنجاز مهمة إعدام الرفيق صدام حسين كعربون ود وردا للجميل، وتعبيرا منه لوفائه له، إضافة إلى تحقيق غاية في نفسه ولإرضاء أكثر من طرف ومن جهة داخلية وإقليمية وعالمية.هذا التيار ذو الصلة المباشرة والوثيقة كذلك بالنظام الإيراني، والذي أوغل في التصفية والإبادة الطائفية، مما أفسد على أمريكا خططها في مغادرة العراق ببعض ماء وجهها وقد أنهكتها المقاومة وألحقت بها خسائر كبيرة، ليس إلا أحد مكونات الطائفة الشيعية المتعاونة مع الإحتلال، والذي ينتهي دائما في رقصاته المتناقضة للعودة إلى عباءة السيستاني السوداء، وهو التيار الأكبر في الساحة الشيعية، وعلى رأسه مجموعة من المراهقين بقيادة صاحب الشطحات العجيبة المدعو مقتدى الصدر الذي مازالت مكونات الطائفة الشيعية مستفيدة من غبائه السياسي، والدفع به لإذكاء الفتنة الطائفية، محافظة منها على وضع متفجر في كل مستوى وعلى كل صعيد، لا يسمح للقوات الغازية بمجرد التفكير في مغادرة العراق حتى يبلغ الإنفصاليون من أنصار التقسيم والداعين له والعاملين عليه مستوى من العدة والعتاد والإعداد الذي يستحقونه لتحقيق مآربهم دون أن تبقى لديهم حاجة لمن يحمى مشروعهم ويدافع معهم عنه، ويتحقق كذلك لأمريكا ما تريده في المنطقة مما تسميه الفوضى المنظمة

وبإعدامه بتلك الطريقة الهمجية اللإنسانية، وفي ذلك التوقيت المقصود، يكون صدام حسين على ظلمه وبطشه وفساد نظامه قد قضى في نظر الكثيرين حتى من خصومه شهيدا” .

وبهذه المواقف وبهذا التعاطف الذي لقيه صدام حسين في الكثير من الأوساط للإعتبارات السالفة الذكر:

- بعد الذي مازال يشاهده العالم من مأساة بالعراق.

- وبعد إلقاء القبض عليه من قبل الأمريكان.

- وبعد محاكمته وإصدار حكم الإعدام بحقه.

- وبتنفيذه بتلك الطريقة المخجلة بالغ ما بلغ من الإيغال في الجريمة.

كان صدام حسين لعنة على أعدائه حيا وميتا، بسبب أن الذين أعدموه، كان من المفروض أنهم إنما جاؤوا وجيء بهم ليكونوا بديلا ديمقراطيا يحتذى في المنطقة كلها، ولينقذوا الشعب مما كان يتعرض له من هلاك كان صدام حسين وحزبه يلحقونه به. ولكن مازال الذي يتعرض له على أيديهم من بعده أكثر بشاعة. وكانوا من الخونة والعملاء. وكانوا أشد نذالة ودموية وإرهابا منه.

ـ الغايات والأهداف :( 3)

فلئن كانت غايات وأهداف الطائفيين هي بعض ما تمت الإشارة إليه سالفا، سواء كانوا يقصدونها أو لا يقصدونها، وسواء كانت حاضرة لديهم أو غير حاضرة، وسواء كانوا يعلمون ذلك أو لا يعلمونه، فإن كل ذلك وغيره يمكن أن يكون صحيحا، وأن لكل ذلك تداعياته على الداخل والخارج العراقي.

وإذا كانت الغايات والأهداف القريبة والظرفية التكتيكية كذلك وفي ذلك المستوى، فإن الغايات والأهداف الإستراتيجية التي يجب الوقوف عندها، ليس من خلال إعدام صدام حسين فقط، ولكن من خلال عودة الإستعمار للمنطقة هي أكبر من ذلك.

لقد دخلت أمريكا المنطقة غازية عسكريا بأربعة عناوين لغايات أساسية هي:

1- محاربة الإرهاب: وهي الحرب الإستباقية التي أعلنتها أمريكا على العرب والمسلمين، بعد الهجوم الذي شنه عليها تنظيم القاعدة بواشنطن ونيويورك يوم 11/9 /2001، على قاعدة القانون الروماني القديم وعلى قاعدة المعتقد اليهودي القائلين بمعاقبة الجميع بجريرة البعض لإجهاض مشروع حركة التحرر العربية الإسلامية في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي وفي العالم.

2- نزع أسلحة الدمار الشامل: الذي أوهمت العالم أن النظام العراقي في عهد صدام حسين كان يملكها، وهو يشكل بها خطرا على جيرانه وعلى العالم، لضمان أمن جيرانه والمنطقة والعالم، بما في ذلك إيران، التي كان العرب والغرب كله قد مد له يد المساعدة والمساندة المطلقة واللامشروطة لشن الحرب عليها بالوكالة عنهم. وكانت ذريعته في ذلك في حينه، المشكلة الحدودية بين العراق وإيران، والتي كان من المفروض أنها منتهية منذ أن أمضى صدام حسين نفسه بالنيابة عندما كان مستشارا للرئيس العراقي حسن البكر على تسويتها مع نظام الشاه في ذلك الوقت بالجزائر سنة 1975.

3- الإصلاح السياسي وإصلاح مناهج التعليم: وهي التي تفسد ولا تصلح، بهدف فرض الثقافة العلمانية ذات الأصول المسيحية اليهودية، المشروع الإستراتيجي لحركة الإستعمار كلها منذ أن انطلقت في القرن الرابع عشر، وقطع الطريق أمام الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، المشروع الأساسي لحركة التجديد والإحياء والإصلاح العربية الإسلامية، وليس تلك الرسمية السائدة المغشوشة.

4- فرض نماذج لأنظمة ديمقراطية تحتذى: على الطريقة الأمريكية الغربية وعلى مقاسها، وبما يحقق العولمة الثقافية حيث لا ثقافة غير ثقافة الغرب ولا شعوب ولا أوطان ولا أمم ولا حضارات ولا خصوصيا ولا ثوابت غير ثقافة وحضارة الرجل الأبيض الفاتح المسلح والباحث عن الثروة.

ومن خلال هذه الغايات وغيرها يهدف الغرب الصليبي العنصري بقيادة الإمبراطورية الأمريكية إلى:

1- فرض العولمة كخيار غربي أمريكي، لتكون أمريكا هي الآمر الناهي في العالم كله بما في ذلك الدول الغربية والإتحاد الأوروبي الآخذ في التشكل والإمتداد شرقا حفاظا على أكثر ما يمكن من النفوذ والمصالح أمام تهديد النفوذ والتفوق الأمريكي ماليا واقتصاديا وإعلاميا وعسكريا. هذه العولمة التي يريدها الإتحاد الأوروبي ودول شمال آسيا غربية يهودية صليبية وثنية، وتريدها أمريكا أمريكية صهيونية، بعدما أضافت للصواريخ العابرة للقارات الإعلام العابر للآفاق، والشركات العملاقة العابرة للقارات، والرساميل العابرة للقارات، على أساس قاعدة الإقتصاد الحر القديمة المعروفة :( دعه يفعل دعه يمر).

2- تأكيد الهيمنة المطلقة لدولة الكيان العبري الصهيوني اليهودي في الشرق الأوسط كامتداد طبيعي للوجود وللنفوذ الغربي وللنمط الحضاري والإجتماعي الغربي، و كانت تراهن عليها منذ البداية لتكون إسفينا مدقوقا في ظهر الأمة العربية تحديدا، وعامل إعاقة دائمة للتطور الحضاري المعرفي التقني والعلمي والإجتماعي والإقتصادي والسياسي، وهي التي ساهمت الحركة القومية العربية، والنظام الإقليمي العربي، والدولة القطرية المولود غير الشرعي لحركة الإستعمار، في إيجادها وبقائها واستمراها في الوجود قوية، بشكل ليس هنا مجال تفصيله(يأتي بيان ذلك في دراسة لنا مازالت بصدد الإعداد والمعالجة بعنوان: خلفاء الإستعمار).

3- تنفيذ برنامجها في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي الأكثر تنوعا دينيا وعرقيا وطائفيا وأثنيا، والأكثر انقساما، والذي تسميه الفوضى المنظمة، بتفتيت المفتت لتزيد تلك الأوضاع انقساما وتوترا وتصادما وفرقة على أسس دينية وعرقية وطائفية. ولتكون هي الجهة القائمة على تنظيم هذه الفوضى التي تعمل على إيجادها، كما هي قائمة وبنجاح على تنظيم فوضى الإنقسام القطري. وكما نجح الإستعمار من قبل في تفتيت الموحد من الأمة الإسلامية وبتركيز خاص على المنطقة العربية لرمي العرب فيها بدولة الكيان الصهيوني، وكانت الحركة القومية العربية خير معين له على ذلك.

4- العمل بكل الوسائل وعلى مدار الزمن، ومع كل من يسمع لها ويطيع، على إجهاض مشروع الحركة الإسلامية المعاصرة التي أصبحت الممثل الحقيقي الشرعي صدقا وعدلا لحركة التحرير العربي الإسلامي بالرغم مما تعانيه من نقائص، وممازال يكتنف مشروعها من غموض في مواجهة الإستبداد والصهيونية والإمبريالية العالمية لتحقق برنامجها في الوحدة العربية الإسلامية والتنمية والثورة العلمية والتقنية بالتنسيق والتعاون مع كل الوطنيين والأحرار والمستضعفين في العالم.

5- مواصلة فرض المشروع الثقافي والسياسي والإقتصادي والإجتماعي الغربي على كل أمم وشعوب الأرض وفي استهداف خاص:

أ- للعرب والمسلمين بخلفية صليبية.

ب- ثم بخلفية استعمارية للهيمنة والنهب.

ومن ثمة كان حرصها على الإطاحة بصدام حسين المتقلب في المواقف، والذي لا يؤتمن جانبه بالرغم من علمانيته، ولكن يبقى دائما من بقايا امتدادات الإتحاد السوفياتي سابقا، ومازال محافظا على علاقاته بروسيا. وكان تراجعها في برنامج الديمقراطية والإصلاح للشرق الأوسط الكبير الذي دخلت به المنطقة غازية، عندما جاءت نتائج الإنتخابات النيابية التي حصلت بالمنطقة لصالح الإسلاميين في الحركة الإسلامية، وخاصة بفلسطين. وبالرغم من توتر علاقاتها بإيران منذ الثورة التي أطاحت بشرطيها في الخليج الشاه، إلا أن اللقاء قد جمعهما من أجل الإطاحة بنظام إمارة طالبان الإسلامية السنية التي لا ترغب فيها إيران خاصة، والتي كانت عينها على أقلية شيعية هناك، على قاعدة الحرب على الإرهاب.

وإذا كان لابد أن تبقى أمريكا غارقة في الوحل الأفغاني، فإنه لا حاجة ولا ضرورة بعد ذلك لإيران بأن تقاسمها الغرق في نفس الوحل، بعد أن أصبحت علاقة الأقلية الشيعية في مزار الشريف مدينة بالولاء لأمريكا وللقوات الغربية هناك، مثلها في ذلك مثل أغلب مكونات الطيف الطائفي الشيعي في العراق بعد ذلك.

وقد تبين أن علاقة التوتر الظاهرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا تحول دون الإلتقاء على نفس الصعيد عند تقاطع المصالح، وهي التي لم تلتق معها بوضوح على أي صعيد بالقدر الذي كان عليه الإلتقاء في أفغانستان بدافع طائفي عدواني لأهل السنة، خاصة بعد ما افتعلت قضية قتل الجواسيس الإيرانيين بمزار الشريف من طرف مقاتلي طالبان عندما كان لها السيطرة على نسبة % 95 من أرض أفغانستان، اعتبرت أنهم دبلماسيين في دولة لم تكن إيران معترفة بها أصلا. وليس بنها وبينها بالتالي تبادل تمثيل دبلماسي.

وبعد غرق الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة اليمين المسيحي اليهودي المتطرف في أفغانستان، كانت إيران بالرغم من مواصلة الخطاب المتوتر ضد أمريكا، وهو خطاب لا يعدو أن يكون لغير الإستهلاك الإعلامي لا ترى مانعا من إقدام أمريكا على الإطاحة بنظام صدام حسين صديق الأمس بالعراق، وهي التي أذاقها طعم الهزيمة بعد حرب بينها وبينه دامت ثماني سنوات. تلك الحرب التي كانت حقيقتها ودافعها غير المعلن استقطاب الثورة الإيرانية الشيعية المذهبية شيعة العراق بالجنوب. وكان الدافع المعلن لإشعالها، تراجع صدام حسين على رأس النظام العراقي في المعاهدة الحدودية لسنة 1975، وبدعم عربي ومباركة من جل الأنظمة العلمانية اللائكية والنخبة الداعمة لها، من منطلق الفكر التقليدي وطبيعة النظام السياسي العربي التقليدي الملامس للإسلام على المعنى المتوارث منذ الإنقلاب الأموي على نظام الخلافة الراشدة الشوري، وإقرار نظام الوراثة العضوض، وهو الذي أصبح تغلب عليه التقاليد. ومن منطلق طائفي استنادا إلى فهم للإنقسام الطائفي السني الشيعي في تاريخ الإسلام، وتلك الثورة التي كنا في حركة الإتجاه الإسلامي في تونس في ذلك الوقت، والتي هي حركة النهضة في ما بعد، قد دفعنا ثمن تأييدنا لها ومساندتنا لإيران في ذلك الوقت غاليا، عندما كان قد ساد عندنا الإعتقاد بأننا بين يدي ثورة إسلامية. وقد أدخلت بها إيران التشيع بيوتا ما كان له أن يدخلها بغيرها. وإذا كان النظام الإيراني العلماني الفارسي في عهد الشاه مناهضا للعروبة والإسلام، ومساندا وداعما وموال للغرب وللصهيونية، فإن إيران الملالي، إيران الثورة الإسلاميةقد جعلت:

- من الإسلام في مفاهيمه الطائفية المذهبية الشيعية.

- ومن إظهار العداء للإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، ومناهضة ثقافة وحضارة الغرب.

- ومن القضية الفلسطينية.

البوابة التي دخلت منها العالم الإسلامي والمنطقة العربية لاحتضان الأقليات الشيعية، وللتمكين للتشيع وتصحيح عقائد المسلمين التي يعتبر الشيعة أنها منحرفة وفاسدة يقضي الواجب الشرعي منهم إصلاحها وتوضيحها، وليس لتحرير فلسطين والقدس، لأن للشيعة من المزارات والأماكن والعتبات المقدسة ما لا يجعلهم في حاجة كبيرة للإلتفات للمسجد الأقصى، إلا ربما بعد تحرير البيت الحرام من هيمنة النواصبعليها.

وهي التي تملك من الحقد والكراهية:

1- بدافع مرارة الهزيمة التي ألحقها بها صدام حسين والنظام البعثي في العراق.

2- وبدافع عداءها للدولة العلمانية، كدولة طائفية شيعية ذات أصول إسلامية.

3- وبدافع التخلص من رجل قوي جمع كل ثقافة الإستبداد والدكتاتورية على رأس بلد يملك من الثروات والقدرات ما يجعله قوة إقليمية على حدودها مباشرة، لا يمكن إلا أن يكون معرقلا لتصدير الثورة للمنطقة، ولشد أنظار الشيعة بصفة خاصة لها، وإعطائهم روحا معنوية طائفية قوية، والبحث على نفوذ لهم في الأقاليم العربية التي لهم فيها وجود، وحادا من نفوذها ومعرقلا لتقدمها طائفيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.

وهي التي كان لابد بناء على ذلك، أن تكون طرفا مساعدا ومهما لا يرى مانعا من وجود القوات الأمريكية على حدودها في العراق، كما كانت لا ترى مانعا من وجودها (وهي الشيطان الأكبر)على حدودها في أفغانستان من قبل، إذا كانت ستغرق مرة أخرى في وحل مستنقع بلاد الرافدين. ولا غرابة في القول من دعم إيران للمقاومة في أفغانستان، وحتى لبعض الجهات ربما في العراق بطريقة أو بأخرى، فليس ذلك على قاعدة تحرير العراق وأفغانستان وفلسطين، ولكن لإحداث توازن يطيل أمد الصراع ويبقي على القوات الأمريكية والوجود الصهيوني في مناطق الصراع العسكري أكثر وقت ممكن، تكون إيران قد أخذت فيه من الوقت ما يكفي لتكون القوة الإقليمية في المنطقة بدون منازع في إطار الإعداد لمشروع أكبر ينتهي بها إلى ما يعتبره الشيعة الصفويون المهمة الكبرى والمسؤولية التاريخية التي يقتضي الواجب الشرعي منهم القيام بها وهي تحرير مكة. وإن كان هذا الذي تقوم به إيران من إعداد وإصلاحات يتناقض مع مقتضيات ظهور المهدي المزعوم الذي يستعجلون فرجه.

وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي استطاعت أن تكون طرفا في الإطاحة بنظامين تكون أمريكا هي الطرف المهم والأكبر في القيام بذلك في إطار تقاطع المصالح، حتى أنها لتبدوا أنها إنما تقوم بذلك بالوكالة عنها. وهي التي عززت موقف أمريكا المهووسة بالحرب على الإرهاب في غزو العراق بتحالف وولاء التنظيمات الشيعية بالجنوب خاصة بها، والتي أحاطها المرجع الديني الطائفي الصفوي علي السيستاني برعايته وتأييده. وفعلا فقد نجحت إيران في الإطاحة بصدام حسين عدوها اللدود بتحالف مع أمريكا عبر ميليشياتها في العراق، كما استفادت من إطاحتها بنظام طالبان وملاحقة القاعدة.

فقد كانت إيران هي المستفيد الوحيد من تورط أمريكا في تحقيق هدفها من رغبتها في الإطاحة بصدام حسين ونظامه لتتحقق لها بذلك رغبة أخرى في الإبقاء على الوضع متفجرا من حولها وفي العراق بالذات لأهداف استراتيجية منها:

1- بلوغ مرحلة متقدمة في برنامجها النووي تفرض به على المجتمع الدولي القبول والتسليم بها كما أسلفت كقوة إقليمية يحسب لها حسابها في المنطقة وفي المعادلة الدولية، وكدولة نووية تكون صاحبة حق في دخول النادي النووي الدولي.

2- الإبقاء على أمريكا في المستنقع الأفغاني والوحل العراقي حتى لا تتفرغ لها فبل بلوغ حالة الإستعصاء على إضعافها والحد من تنامي قدراتها الإستراتيجية الإقتصادية والصناعية والعسكرية، وقبل امتلاكها للسلاح النووي الذي تضعه نصب عينيها، وتسخر له كل إمكانياتها، وتسعى لامتلاكه بكل الوسائل، وهي على ما يبدو على قاب قوسين أو أدنى من ذلك. وليست المسألة إلا مسألة وقت لا غير.

فإيران هي الدولة التي لا ترى ربما أمريكا حرجا في النهاية:

أ- بعد ما علمت طبيعتها الطائفية والعرقية الفارسية.

ب- وبعد ما علمت أنها لا يمكن على أساس منظومتها الفقهية التقليدية التكفيرية أن تنسجم مع المحيط العربي الإسلامي السني الغالب، وأن لا يتم القبول بها فيه باطمئنان، ما لم تمتد جسور الحوار والتواصل الجاد وتحسن النوايا وتصدق، باتجاه علاقات أكثر وضوحا وأكثر جدية وصدقا في إطار الإحترام المتبادل والجاد من أجل صالح عموم المسلمين، بعيدا عن الحسابات الطائفية والمذهبية والعرقية، من تبادل الأدوار والمصالح معها، وذلك ما لا ترى فيه مانعا، بل لعل ذلك ما تسعى إليه مرحليا على الأقل، مثلما كانت تفعل مع الشاه من قبل، إذا ما تجاوزت حدود السيطرة عليها، وذلك ما ليس من السهل على أمريكا أن تتنازل لها عليه، ولا الإتحاد الأوروبي وإن بدرجة أقل، ولا الكيان الصهيوني الذي مازال يعتبرها خطرا جديا واستراتيجيا عليه:

1- من خلال اهتمامها بالمنطقة.

2- ومن خلال وجودها على خط التماس على الحدود اللبنانية من خلال حزب الله المنحدر من رحمها والذي جعلت منه قوة ضاربة استطاع أن يلحق بها أكثر من هزيمة بعد أن أحاط نفسه بأسطورة المالك للجيش الذي لا يقهر.

3- ومن خلال حملتها الإعلامية المتواصلة عليه، وهي كما أسلفت، مازال ذلك بالنسبة لها ليس أكثر من جزء من خطة لدخول المنطقة، ولتكون لاعبا أو اللاعب الرئيسي فيها، باتجاه استكمال أسباب القوة، وفي الخطاب السياسي والإعلامي المتوتر خاصة بعد صعود الإبن المدلل لمرشد الدولة الإسلاميةعلي خامنائي أحمدي نجاد تجاه الرأي العام العربي الإسلامي للتمكين لعقيدة التشيع والتبشير لها، وهذا ما بدأت تخطوا فيه بنجاح في الكثير من أنحاء العالم العربي الإسلامي.

فأمريكا لا تعلم اليوم كيف السبيل للخروج من المأزق العراقي. هذا العراق الذي لم تنجح إلا في الإطاحة بنظامه السابق، وإلا في إلقاء القبض على رئيسه السابق صدام حسين ومحاكمته وتنفيذ حكم الإعدام فيه من أجل أقل جرائمه التي ارتكبها فيه إثارة.

أ- فلا هي قادرة على الخروج منه.

ب- ولا هي قادرة على البقاء فيه.

حتى وهي الشيطان الأكبرفي الإعلام وفي الثقافة الإستهلاكية الإيرانية، وهي التي يتداولها الإعلام الأمريكي في تصريحات رعاة البقر من اليمين المتطرف المتصهين في البيت الأبيض على أساس أنها دولة شريرة كانوا قد أنزلوها في محور الشر مع العراق على عهد الشهيد صدام حسين ومع كوريا الشمالية، كانت الجسور غير الرسمية بينهما مفتوحة على الطريقة الأمريكية الإيرانية، لتتوجه لها ولسوريا بطلب مد يد المساعدة للبحث معها عن حل مشرف للخروج من العراق ولو ببعض ماء الوجه بعد أن أقرت بهزيمتها ومن معها من العملاء والخونة في الشمال والجنوب أمام المقاومة الباسلة المجاهدة، وبعد أن جربت سياسة التحذير والتهديد والوعيد التي عاد إليها الإرهابي بوش الصغير في خطته الأخيرة بعد ما ضرب عرض الحائط بتوصيات بيكر هاملتن وقرر إرسال 27000 جندي أمريكي إضافة إلى الـ130000 القدامى وأدار بظهره لها ولسوريا، وتوجه صوب الأردن ومصر والعربية السعودية ليكون له، ربما مع سوريا وإيران، موقف وشأن خر، وقد قوبل طلبه بالرفض، لأن البلدين من محور الشر بحكم علاقة التلازم القائمة بينهما منذ الثورة الإيرانية، والذي يشكل البعد الطائفي بين النظامين حجر الزاوية فيها، وهما الذان لا يريدان لها إلا أن تظل كذلك، حتى لا تجد ولو فرصة واحدة لمجرد التفكير لفرض أي عقوبة على أي منهما. والحقيقة أنه لا أمريكا ولا إيران ولا سوريا تملك الحل للقضية العراقية، ولا كيفيات وسبل معالجتها والخروج منها. فإيران لم تكن في الحقيقة رافضة للبحث مع أمريكا عن حل للحالة العراقية ولكن:

- أولا: لأنها وسوريا جزء من المشكلة وليستا جزءا من الحل.

- ثانيا: لأنه لا مصلحة لهما في ذلك مطلقا. وهما التان لا تريدان لأمريكا أن تخرج من كل هذه الأماكن البركانية المتفجرة.

- ثالثا : لأنهما لا تملكان الحل وليستا قادرتين عليه.

وكذلك كل دول الجوار التي مازالت أمريكا تعول ربما عليها لإخراجها من المأزق.

ولعل بعد الذي حصل في العراق وخاصة:

- بعد الضجة التي أثارها إعدام صدام حسين في الوسط السني والإنساني في العالم.

- وحملة التطهير الطائفي التي يقوم بها أصحاب الحل السياسي بالبلاد من شيعة العراق بإشراف إيراني مباشر.

- وبعد يأس أمريكا من جدوى البحث عن حلول لمشاكلها في العراق بالتعاون مع إيران وسوريا التين هما كما أسلفت لا يمكن أن يكونا جزءا من الحل باعتبارهما جزءا من المشكلة.

- وبعد القلق الأردني والمصري والسعودي من النفوذ الإيراني المتعاظم ومن خطورة الهلال الشيعي الذي تمت الإشارة إليه في العديد من تصريحات كل من قيادات مصر والأردن والسعودية.

فيبدوا أن أمريكا قد بدا أنه من الأجدى لها التوجه إلى حلفائها التقليديين الأكثر وفاء للبحث عن سبل أفضل لحل مشاكلها في المنطقة وفي العراق تحديدا، وللحد من النفوذ الإيراني وما يمكن أن يشكله من خطر على المنطقة كلها.

وما هذه المحاولات وهذا التخبط إلا محاولة للهروب مما لابد منه في النهاية. فهي محاولات جادة ومتواصلة لاستثناء المقاومة، وهي وحدها التي تملك الحل وتمسك بأوراق اللعبة، وجل إن لم تكن كل خيوطها.

وليس أمام أمريكا إذا كانت تريد أن تريح نفسها وتريح شعبها وتريح المنطقة التي لا تريد أن تريحها ولا تريد لها الراحة، وما زالت تعمل بكل جهد وبكل الوسائل لفتح جبهات فيها، والزيادة في حدة التوتر الذي لم يفارقها منذ زمن بعيد، ولعلها أكثر مناطق العالم توترا قديما وحديثا،وستظل على ما يبدو كذلك طالما:

أ- أن أهلها منقسمون على أنفسهم عرقيا وطائفيا ومذهبيا وثقافيا وحضاريا أيما انقسام.

ب- وأن ولاء أغلب الفاعلين فيها للأجنبي أكثر من ولائهم لأوطانهم وشعوبهم وللأمة.

ج- وأن كل التوقعات على أساس المعلوم من أمر مخزون الطاقة في العالم أن آخر برميل نفط سيكون استخراجه منها ومن العراق تحديدا، وتريح العالم من حولها، إلا أن تتواضع وتتنازل عن كبريائها الزائف وعنجهيتها وتعجرفها واستكبارها الذي لم يجلب لها إلا الهزائم في كل الحروب التي أشعلتها في أنحاء مختلفة من العالم، والذي ساءت بها سمعتها في الكون كله، وتتوجه صاغرة للبحث عن حل لنفسها لدى مختلف فصائل المقاومة التي وحدها كذلك مع كل أحرار العراق القادرة على بحث الحلول المناسبة للعراق وللشعب العراقي، تاركة استراتيجية محاربة الإرهاب وعدم التعاطي وعدم الحوار مع من تصنفهم إرهابيين وراء ظهرها، والإتجاه لبحث حلول للعالم وتحقيق الأمن والسلام لكل الشعوب مع من لا دور لهم في تحقيق السلام والأمن، ومعرضة عمن لا سلام في العالم بدون التشاور والتحاور وبحث الحلول معهم، لإنهاء المظالم وتوجيه النفقات الهائلة المرصودة لتغطية الحروب المدمرة وإشعال أوارها، وتكديس الأسلحة التقليدية وتطوير أسلحة الدمار الشامل، لتطوير البحث العلمي في المجالات الإنسانية، وإطعام الملايين من الأفواه الجائعة، وتوفير مياه الشرب والري لكل شعوب الأرض، ومواجهة الأوبئة الفتاكة المنتشرة في العالم، والعمل على إنقاذ الحياة على الكرة الأرضية كلها من خطر تأثير الإحتباس الحراري ،والتي لا تزيدها الحروب والتلوث الذي يصيب الكون بسبها وبفعلها إلا استفحالا، والتي تفتك بملايين الأنفس يوميا، من مثل الفيضانات والأعاصير والزلازل والجفاف والعواصف والإيدز والسرطان والملاريا والحمى القلاعية وأنفلونزا الطيور والسل الذي افلت مجددا من عقاله وغير ذلك من الأمراض الفتاكة والكوارث الطبيعية.

3- ولعل إعدام صدام حسين هو رسالة موجهة من البيت الأبيض للقيادات في النظام العربي الفاسد، مفادها أن الإطاحة بهم ودق رقابهم هو رهن إشارته في الوقت الذي تراه قياداته مناسبا، وهي القادرة عليه دائما، وهي البالغة مستوى من الإجرام يسمح لها أن تقوم بذلك متى بدا لها ذلك مناسبا إلى جانب القدرة عليه، والتي أصبح لها من التقاليد في ذلك ما لا يستطيع أن ينكرها عليها أحد. فالحي منهم من تريد له قيادة البيت الأبيض الحياة، والمقتول منهم من تريد أن يقتل، تصفية جسدية أو سياسية أو الإثنين معا. فرقابهم مملوكة لها، ومن أطاعها سلمت رقبته، ومن عصاها دقت كما دقت رقبة صدام حسين ورفاقه. وهي الواجدة على ذلك أعونا لها في المنطقة العربية وفي العالم. وقد استوعب القائد العقيد معمر القذافي الدرس جيدا. فلم يكن هتلر ولا موسيليني ولا شاوسيسكو ولا السادات ولا ميلوسوفيتش الذين أطاحت بهم شعوبهم أو قتلتهم عبرة لهم، ولكن كان صدام ونوريقا والملا عمر وهم بين محتجز و مطارد ومقتول عبرة لمن يعتبر منهم. وما من أحد منهم يخشى الله أو الشعوب على موقعه السياسي أو حياته، بقدر ما يخشى أمريكا والكيان الصهيوني. وقد صاحب ذلك ما يشبه اليقين عندهم أن حياتهم ومماتهم قد أصبحت بيد هذين القوتين. فهما القادرتين على قتلهم كما فعلت أمريكا بصدام حسين وبأيادي عراقية، وكما فعل الكيان الصهيوني بياسر عرفات وبأياد فلسطينية. وهما القادرتان على الإبقاء عليهم أحياء، وهم من كانوا دائما أحرص الناس على حياة.

4- أما هذا الهدف فإن شعوب منطقة أكبر مخزون للطاقة من النفط والغاز الطبيعي خاصة، وشعوب العالم الإسلامي عامة، وعالم المستضعفين عموما هي المعنية به. ذلك أن احتلال العراق وإعدام صدام حسين قد يكون رسالة مفادها، وربما تعني من بين ما تعنيه، أنه لا قدرة لك أيتها الشعوب على الثأر لنفسك بنفسك من المستبدين والظالمين المتسلطين الذين أوجدهم أو يوجدهم غيري، أو وجدوا بطريقة غير شرعية أو غير مقبولة، والذين مازالت لي القدرة وحدي على الإبقاء عليهم أو كنسهم، إلا بتدخلي ومساعدتي. فمن والاني واستنجد بي ليكون بديلا أفضل، وتتحقق من خلاله مصالحي المختلفة، وتدفع به عني المخاطر والخسائر، فإنه بالغ ذلك لا محالة بكل الوسائل وفي الوقت المناسب، كما حصل في الشيلي وفي غيرها من بلاد العالم قديما، خاصة في مرحلة الحرب الباردة وبعدها، ومثلما حصل في أفغانستان وفي العراق وفي الشيشان وفي الصومال حديثا كما يرى العالم كله. ومن عاداني واستغنى عني فلا قدرة له على الخلاص والتحرير. وليس أمامه إلا القبول بالأنظمة الفاسدة المستبدة كقدر مقدور عليه. وهي التي ستظل متسلطة على رقابك وأنا داعمة لها طالما كانت وفية وخادمة لي، ولا أمر لها إلا أمري ولا نهي لها إلا نهيي. فأمريكا هي القوة التي لا صداقة دائمة لها لأحد، ولا عداوة دائمة لها في النهاية لأحد. وهي التي حيث المصلحة والسلامة. وهي التي في النهاية ليس أمامها كما كل قيادات الغرب الصليبي إلا التسليم بحق من يصر على انتزاع حقه منها. والحقوق في شرائع الأرض والسماء وفي ثقافة الظالمين لا تعطى وإنما تفتك. ومن أراد حقا فليس أمامه من خيار إلا أن يفتكه ممن اغتصبه منه أو أن يموت دونه. فما ضاع حق وراءه طالب. ومن مات دون ماله وعرضه مات شهدا كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال.

5- لقد بات شبه متأكدا لأنظمة الإستبداد أن دور الشعوب في الإطاحة بها بدا بعيدا إن لم يكن مستحيلا، لأنه بقدر ما تكون وفية للقوى الدولية الإستعمارية بقدر ما تكون في مأمن من الإطاحة بها من طرف شعوبها، مما يزيدها ولاء وعمالة وخدمة لها لدرء الإسقاط ودق الرقاب، ومما يزيدها استهتارا بالشعوب واستخفافا بها والزيادة في اضطهادها وظلمها والتسلط عليها. هذه الشعوب التي أصبحت لا تأمل هي نفسها في القدرة على ذلك بدون دعم خارجي. ولعل همة أعداء الشعوب الداخليين والخارجيين تتجه نحو إسقاطها في الإحباط حتى تصرفها عن مجرد التفكير في غير ذلك، مما يفسح المجال واسعا أمام القبول دائما بأحد أمرين:

أ- أما الإستبداد.

ب- أو الإحتلال.

وتتضاءل الآمال لديها في الإستقلال، ويستقر الأمر على حال من الإحباط لم يعد فيه للشعوب أي دور سوى تزكية الإستبداد على قاعدة:

1- أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان.

2- والقبول بالسيئ خوفا من الأسوإ.

هذا الدعم الذي إما أن يكون:

أ- لصالح الأنظمة عندما ترى أن خطر إطاحة الشعوب بها أصبح واردا أو ممكنا أو بات وشيكا أو محتملا.

ب- أو لصالح الشعوب عندما ترى القوى الدولية أن أي من هذه الأنظمة لم يعد من مصلحتها الحفاظ والإبقاء عليها. وما يبدو لصالح هذا أو إلى جانب ذاك، فليس فيه في الحقيقة شيء لصالح الشعوب المستضعفة أو لصالح الأنظمة العميلة المرتهنة سياسيا، والملحقة والتابعة ثقافيا وحضاريا. وما من تدخل إلا ليكون لصالح الجهة الدولية المتدخلة لإعادة ترتيب الأوضاع في هذا البلد أو ذاك.

ولا يمكن لسنن الكون والتاريخ أن تسمح للقوى الشريرة المستبدة الظالمة أن تكون وحدها صانعة التاريخ، من غير أن يكون لحركة الشعوب بقيادة قوى التحرر دورا مركزيا فيها. ومن ثمة فإن هذه القوى بمختلف مرجعياتها وقناعاتها وتصوراتها وثقافاتها وأدواتها وإمكانياتها مدعوة للإلتقاء والتنسيق والتعاون والتضامن للقيام بمهامها التاريخية في مواجهة الظلم والقهر والغبن والحيف والإستبداد والإحتلال حفظا لكرامة الإنسان ولأمنه وسلامته ووحدته الإنسانية.

ومن هذا المنطلق وجب على حركة التحرر العربي الإسلامي أن تمد الجسور:

- مع حركة الإحتجاج ضد العولمة.

- ومع التحولات السياسية نحو مزيد تحقيق الرفاه والحرية والعدالة الإجتماعية والتداول السلمي على السلطة في أمريكا اللاتينية.

- ومع حركة الإحتجاج الداعية لغلق معتقل غوانتانامو بخليج المكسيك وغيرها من المعتقلات السرية والمسالخ في كل أوطان أنظمة الإستبداد وحيث ما حل الإحتلال، والتي تسحق فيها إنسانية الإنسان الحر الرافض للإستبداد والإحتلال والظلم والحيف والاستعباد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

- ومع المسيرات الإحتجاجية في مختلف أنحاء العالم، والتي ينظمها ويقودها ويشارك فيها الكثير من شرفاء العالم من مختلف الأديان والمعتقدات والثقافات والأجناس والأعراق والألوان لمناصرة الشعب الفلسطيني والداعية لإنهاء الحرب في العراق ومغادرة قوات الإحتلال له.

والذي بات مؤكدا ولا مفر منه:

أ- إذا كانت هذه الأمة، من خلال ما حصل وما هو حاصل تعلم أنها كلها في دائرة الإستهداف الغربي الصليبي واليهودي الصهيوني.

ب- وإذا كانت تريد أن تكون يوما ما محترمة ومهابة.

ج- وإذا كانت تريد أن ترى المنطقة محررة من الإستبداد والإحتلال والإستعمار.

د- وأن لا تظل مسرحا للحروب وساحة لتجريب آخر ما تنتجه مصانع شركات وتجار الأسلحة.

أن تتجاوز خلافاتها، وقد اختلط في المنطقة العربية أربعة أطراف رئيسية غير متجانسة ومختلفة إلى حد التناقض وهي:

1- النظام العربي العلماني والتقليدي الهجين وملحقاته من النخبتين العلمانية والتقليدية الداعمتين بكل انتهازية وعبثية وعدمية له.

2- الكيان الصهيوني رأس حربة الغرب الإستعماري الصليبي في المنطقة، والذي أصبح يمثل التناقض الأخير في أولويات النظام العربي والنخبة العلمانية التي أصبحت تشعر رغم احتضان القوى الدولية لها، أنها في الهزيع الأخير من ليلها.

3- الحركة الإسلامية التي هي في طريق اكتمال تشكلها كحركة تحرر عربية إسلامية، والتي أصبحت تمثل التناقض الأول في فكر وسياسة واستراتيجية النظام العربي المنتهية صلاحيته والذي يلعب اليوم في الوقت بدل الضائع، والنخبة العلمانية المراهنة في الكثير من مكوناتها على الدعم الغربي لها لتحقيق بعض الإستمرار في الساحات الوطنية والإقليمية. وليس ثمة ما هو أكثر وضوحا في المشهد مما يحصل في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي مصر وفي تونس وفي الجزائر وفي الصومال وفي كل البلاد العربية الإسلامية.

4- النظام الإيراني وطبيعته القومية الفارسية في إطار المنزع الشيعي المذهبي، والذي سعى منذ البداية لأن يكون مركز استقطاب للأقليات الشيعية التقليدية خاصة، وإلى التبشير للتشيع ككل ثورة تعمل على التمكين لفكرها وعقيدتها وثقافتها من خلال طبيعة نظامها السياسي. وذلك ما سعى إليه في المنطقة منذ الإطاحة بنظام الشاه. والذي عمل بذلك على تفجير التناقض الطائفي الذي انتهى إلى الإحتراب خاصة في العراق. وهو النظام الذي مازال أبعد ما يكون إلى الآن عن الإنسجام مع مكونات المنطقة الرسمية منها والإسلامية. والذي يبدو محاربا للكيان الصهيوني من خلال حزب الله في جنوب لبنان، ومتحالفا عبر امتداداته مع قوات التحالف الغربي بقيادة أمريكا في أفغانستان والعراق.

وإذا كانت إيران قد اتجهت بعد الثورة إلى المنطقة العربية والعالم الإسلامي بعد أن كانت معرضة عنها قبل ذلك، لتلمس طريقا في العالم الإسلامي إلى الأقليات الشيعية وعبرها، على خلفية عداء تاريخي تكفيري لأهل السنة وكل من خالف الشيعة في المذهب، وذلك ما تنص عليه المنظومة الفقهية الشيعية، وكتاباتهم في التاريخ، وقراءتهم وفهمهم للنصوص القرآنية والسنية، مازالت لم تراجع نفسها فيه، ولم يبدو منها استعداد لذلك، ولا للتخلي عن ما هو منه من الموروث التاريخي الذي يبعد ولا يقرب، ويفرق ولا يجمع، ويفسد ولا يصلح، ويضر ولا ينفع، فإن النظام العربي الفاسد خاصة العلماني منه، كان جادا في استبعاد الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة. وكان أبعد ما يكون عن الموروث الثقافي العربي الإسلامي، والذي ظل يرفض أي معنى وأي وجود للنظام الإسلامي على أي نحو وعلى أي شكل، هو الذي بعدائه للإسلام الذي كان ومازال يعبر عنه من خلال إعلان حربه على الحركة الإسلامية السنية التجديدية الحديثة ومشروعها الإسلامي الأصولي الإصلاحي منذ بداية ظهورها، يمكن للبرنامج الإيراني الطائفي المذهبي، وسط جهل المسلمين بالإسلام الصحيح، وبالثقافة الشيعية التي تغلب عليها الخرافة والأسطورة. وبفسح المجال للجمعيات الثقافية التي تدار من خلالها الكثير من الأنشطة، والتي وهي كذلك، إلا أنها لا تخلوا من أنشطة استخباراتية، ومن ضخ مالي كبير لشراء الذمم لكسب أكثر ما يمكن من الأنصار والمؤيدين (كجمعية أهل البيت الثقافية بتونس) مثلا. في هذا الجهل وهذه الحرب المعلنة على هوية الأمة العربية الإسلامية في المنطقة العربية، ومحاصرة الحركة الإسلامية ومنعها من إنجاز مهمة إقامة النظام الإسلامي الراشد، بدت إيران الأنموذج الوحيد للنظام الإسلامي في العالم، والذي جاءت به حركة الخميني عن طريق ثورة على أقوى نظام في المنطقة. فكان النظام الجديد مركز استقطاب منذ ذلك الوقت للكثير من المثقفين والشباب المتدين منه خاصة، لاعتبارات ولأسباب ولأهداف كثيرة لا يتسع لها هذا المقال. وكغيره من الأنظمة التي قامت في المنطقة العربية، فقد كان اهتمام النظام الإيراني مبكرا بالقضية الفلسطينية، وعمل على إلحاق أكثر من هزيمة بالكيان الصهيوني بالوكالة، عن طريق منظمة حزب الله الشيعية امتداده الطائفي والمذهبي بجنوب لبنان، مقابل تقلص أو انتهاء اهتمام النظام العربي الرسمي بها، هو الذي جعله يكون مع الصفة الإسلامية له قريبا من وجدان العرب والمسلمين غير الشيعة.

لهذه الإعتبارات اعتبر النظام الإيراني والطيف الشيعي من حوله ومن التحق به مذهبيا، كما التحق الكثيرون في العالمين العربي والإسلامي من قبل ومازالوا بالنظام الناصري وبالأنطمة البعثية واليسارية في الحركة القومية وفي الحركة اليسارية الشيوعية في العالم، أن تجربته ناجحة. وبات من حقه أن يعمل على تصديرها بطرقه الخاصة لباقي أنحاء العالم الإسلامي خاصة للشيعة وعبرهم. وهو في ما يبدو أنه صراع مع الغرب وفي ما يبدو أنها مناهضة للصهيونية والكيان العبري في فلسطين المحتلة، يعمل على فرض أمر واقع في المنطقة لتكون بوابته الأوسع إليها بعد لبنان العراق، معولا على الأقلية الشيعية في كل دول المنطقة، ليصنع منها قوى ضغط على الأنظمة داخل أوطانها بحسب ما يراه صالحا، تارة بالقبول بالأجنبي، وأخرى بإظهار مناهضة وجوده فيها كما في سوريا (نظام علماني منحدر من رحم طائفي ) وفي البحرين (أغلبية شيعية تحكمها أقلية سنية) وفي السعودية (أقلية شيعية تعتقد أنها مهضومة الجانب) وفي العراق (ما يقال عن أغلبية موصولة به وهي الحليف الإستراتيجي الأكبر لقوات الإحتلال الغربي الصليبي بقيادة أمريكاالشيطان الأكبرفي القاموس السياسيللثورة الإسلامية“). وفي أفغانستان ( أقلية تنعم بالحماية الغربية الأمريكية في نظام كرزاي العميل). وفي لبنان (العلمانية ذات الأصول الشيعية المتمثلة في حركة أمل الإمتداد السياسي ذات الخلفية الطائفية للنظام السوري) (والأصولية الشيعية ذات العلاقة العضوية والمرجعية المباشرة بإيران ). وفي اليمن ( حركة الحوثي التي رفعت عاقرتها في توجيه سلاحها للنظام اليمني رافضة لاستباحة المخابرات الأمريكية للبلاد على قاعدة تعقب عناصر القاعدة في غير تأييد للتنظيم في إطار ما أسمته حربها على الإرهاب، والتي تم إجهاضها) وغيرها من الأماكن في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي.

وهكذا مستفيدا من الوجود الأجنبي بإظهار مناهضته له تارة وبالتحالف معه أخرى، سواء عبر ملاحقه الطائفية والمذهبية أو عبر تقاطع مصالحه معه. هذا الوجود المبغوض جماهيريا في المنطقة والمحسوب على غيره من الأنظمة هو الذي يعمل على أن يكون محسوبا له من خلال إظهار مناهضته، مما يكون له به من التأيد الشعبي ما لا يكون به لغيره من الأنظمة، وما يكون لها به من رفض. فهو النظام المستفيد من الوجود الأجنبي:

أ- من حيث أنه يلتقي في مناهضته له مع الجموع الواسعة من جماهير شعوب المنطقة والأمة مقابل احتماء النظام العربي خاصة به، وتأييده والقبول به وسط رفض شعبي واسع له، مما يتحقق له به الإستقطاب المطلوب، وما يقوم به من حرب بالوكالة معه ومن تحالفات لأغراض طائفية وسياسية واستراتيجية كما في لبنان وسوريا.

ب- ومن حيث أنه مستفيد من تقاطع المصالح، بإبرام صفقات معه لصالحه ولصالح الشيعة والتشيع كما في أفغانستان وفي العراق، ولغير صالح المنطقة وأمة العرب والمسلمين من غير الشيعة منهم طبعا.

فالذي بدا واضحا أن المشكلة في المنطقة العربية والشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي عموما، هي الأنظمة الفاسدة، والوجود الصهيوني، والأجنبي الغربي. ولمن كان يريد البحث عن حل، خاصة لمعضلة المنطقة العربية التي أصبحت مسرحا للصراع العالمي من أجل النفوذ والطاقة، فليس أقل من أن لا نحيلها إلى صراع طائفي وعرقي وأثني لا يستفيد منه في النهاية إلا الغرب الصليبي والصهيونية العالمية. ويجب أن تتجه الهمم والمجهودات كلها نحو توحيد الموقف من العدو المشترك للأمة كلها، والذي يهدد القابل به والرافض له، والمعادي والموالي له، والمناهض والمساند له. وعلى النظام العربي أن ينتهي من سياسة معاداة الشعوب وحركة التحرر والإصلاح في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، ومن موالاة الأجنبي ومهادنة الصهيونية الحليف الإستراتيجي للغرب، الذي أصبح لا يشك أحد في عداوته للأمة وفي تهديده المستمر لها. وعلى النظام الإيراني أن ينتهي من توظيف الوجود الأجنبي بالمنطقة، ومن قبول النظام العربي به، لغايات وأهداف عرقية طائفية مذهبية تكفيرية. وأن يعدل خطابه وموقفه ليكون نظام دولة إسلامية وليس دولة شيعية. وأن يعمل على: 1- توحيد المسلمين لا على تفريقهم على خلفية طائفية مذهبية، ولا على قاعدة ليس مسلما من لم يكن شيعيا“.

2- عدم النظر للأقليات الشيعية في العالمين العربي والإسلامي كما ينظر اليهود للأقليات اليهودية في الحارات قديما وفي العالم حديثا.

3- وان يتجاوز مراجع الشيعة ومفكروهم وقياداتهم في إيران وخارجها الخلافات التاريخية التي مازالوا يبنون

عليها مواقفهم واجتهاداتهم الفقهية ويقيمون من خلالها مواقفهم من الآخر المخالف الطائفي والمذهبي والسياسي.

4- الإنتهاء عن سياسة التبشير للتشيع في البلاد العربية الإسلامية إذا كان هذا النظام لا يعتبرها بلاد كفر كما يزعم مراجع الشيعة وقياداتهم ومفكروهم وإنهاء هذه الخطط وهذا التمويل.

كما على النظام العربي العلماني والتقليدي:

1- أن ينتهي من صداقة العدو ومن معاداة الشعوب.

2- وأن يقطع مع سياسة وثقافة التمكين للأجنبي، ومع محاربة حركة التحرر والإصلاح في الوطن العربي. 3- العمل على القطع مع ثقافة التكفير وعدم إحيائها، ومد الجسور مع النظام الإيراني لإقامة علاقات حوار وحسن جوار وتعاون وتكامل باتجاه توحيد الصف بعد توحيد الموقف من مجمل قضايا المنطقة، وخاصة في ما لا يجب أن يكون محل خلاف، وهو الجانب المتعلق بالعلاقة بالأجنبي، والتي يجب أن تتظافر الجهود لتحويلها من علاقة ولاء وتحالف كتلك التي يقيمها معه النظام الرسمي العربي، والتي تؤمن بها بعض مكونات الطائفة العلمانية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وعلاقة تعاون وتآلف كتلك التي يقيمها معه النظام الإيراني، إلى علاقة اقتراب وابتعاد بحسب ما يتحقق للأمة من مصالح وما يجنبها من أضرار وخسائر.

وعلى شعوب الأمة أن تتحمل مسؤولياتها في المساهمة الجادة والنشيطة في إحداث من التغييرات ما هي في حاجة إليه بما يقرب شعوب الأمة وعموم المستضعفين بعضهم من بعض باتجاه:

1- وحدة الموقف من الإمبريالية والصهيونية والإحتلال والإستبداد.

2- ووحدة الصف في التحرر والتحرير.

أ- من الإستبداد بالمساهمة والمساندة والمؤازرة.

ب- ومن الإحتلال بالتأييد والتعاون والتحالف وبكل ما يوحد الأمة في إطار المشترك من الهموم والمشاغل والإهتمامات ومن المبادئ والقيم والثوابت والمقدسات.

ج- وبالعمل بكل جدية وصدق على تجاوز النعرات العرقية والمذهبية، وعدم الإلتفات للفتاوى التقليدية القديمة التي تقسم الأمة إلى طوائف ومذاهب، والتي تجد لها أصلا ومبررا في التاريخ ولا تجد لها مبررا ولا أصلا في الواقع، والتي لم تعد الأمة اليوم في حاجة إليها. وهي في أمس الحاجة إلى ما يوحدها أمام أعدائها الذين يتداعون عليها كما تداعى الأكلة على قصعتها وأن لا تعود إليها، وليبق السني على سنته أو أن يتحول عنها إذا أراد وبمحض إرادته وخارج تأثير أي حركة تبشير وأي صفقة شراء وبيع للذمم، وليبق الشيعي على تشيعه أو أن يتحول عنه بمحض إرادته وباختياره الحر إذا أراد. ويجب الإنتهاء عن الإنشغال بعمل كل طائفة على توسيع طائفتها على حساب الأخرى. ولتحذر الأمة المنقسمة اليوم إلى سنة وشيعة وعلمانية من أصل شيعي وأخرى من أصل سني من جعل المعركة بين هذه الطوائف الثلاث باتجاه تكفير الشيعة للسنة كما هو ظاهر الحال اليوم في العراق خاصة، وبدعم إيراني للأسف الشديد واضح، وبغطاء أمريكي غربي صهيوني، والعمل على تصفيتهم واستئصالهم وتهجيرهم. وتكفير السنة للشيعة مقابل ذلك وبناء عليه، والدخول في ردود أفعال تكون مبررا لوجود الأجنبي بالمنطقة وبالأوطان ولبقائه، وليتواصل الصراع والإقتتال بين أبناء الأمة الواحدة. وتكفير الحركة العلمانية ذات المرجعية الغربية الإنسانية التي تجد لها أصلا في المسيحية التوراتية لكل من الشيعة والسنة استنادا إلى أصولهم الإسلامية القرآنية السنية، والتي تجد لها في الصراع الطائفي مبررا للقول بفساد النظام الإسلامي الذي لا تكتمل، ولعلها لا تصح أصلا عبادة الأمة لله إلا به، والذي لا تعترف به هذه الطائفة أصلا، وبصلاح النظام العلماني الذي لا يصلح للأمة في عبادتها لله، ولعلها لا تصح به أصلا. وبعيدا عن كل هذه الإنقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية، لم يعد أمام العرب والمسلمين إذا ما كانوا يريدون الحرية والكرامة والإستقلال، إلا أن يبحثوا في ثقافتهم وفي الثقافة الإنسانية عن ما يوحد الأمة بما يقبل به أكثر أبناء ها بمختلف ألوانهم وأعراقهم ومعتقداتهم وطوائفهم ومذاهبهم الإسلامية والعلمانية.

وليس ثمة أكثر مرونة من النظام الإسلامي إذا ما أحسن التعامل معه وتطبيقه بعيدا عن التضييق والتعصب والتلفيق والتلبيس، وزيادته ما ليس منه وإنقاص منه ما فيه، لتجد فيه كل مكونات المجتمع المختلفة حقوقها وحاجاتها، وفق مقتضيات المصلحة العامة، ووفق خصوصيات الأعراق والمعتقدات. وبذلك وبذلك فقط تكون الأمة قد وضعت أقدامها على طريق الإستقلال الذي لا يتحقق إلا بالإستقلال الثقافي، والذي من خلاله يكون الإستقلال السياسي. وتخرج الأغلبية الإسلامية من حرج البقاء على طبيعة نظام سياسي وثقافي لا علاقة له بتاريخها وحضارتها وثقافتها وأمجادها ودينها، والذي يجد له أصلا في الديانتين المسيحية واليهودية وغيرهما من المعتقدات والأديان. وهو النظام الذي تجد فيه الأقليات الدينية من غير المسلمين في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية ما لا يخل بعقائدها ومعتقداتها، وما لا ينقص من قيمة مقدساتها، في الوقت الذي يجد فيه المسلمون أنفسهم أبعد ما يكون عن ثوابت دينهم وعقيدتهم التي لا تصح بها طاعتهم لله وعبادتهم له،ولا أصالتهم وتاريخهم وحضارتهم. ولا يتحقق لهم به استقلالهم، ولا تتحقق لهم به وحدتهم وحريتهم ومصالحهم التي لا وجود ولا مستقبل لهم بدونها.

تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين “.

بقلم: علي شرطاني

قفصــة - تونـــس

المدونة لدى WordPress.com.