بسم الله الرحمان الرحيم
الهجرة وعيد الميلاد
رأي في التأريخ بميلاد السيد المسيح عليه السلام :
منذ أيام ودع العالم والأمة العربية والإسلامية جزءا منه، سنة خلت. واستقبل عاما جديدا. وقد كان ميلاد نبي الله عيسى بن مريم عليه السلام من الأحداث البارزة في تاريخ البشرية التي قبلت كلها في ما أعلم بأن يكون العصر الوسيط والعصر الحديث بما فيه من مواقف وثقافات معادية ومناهضة للدين، وبما أصبح من قبيل المسلم به فيه من القول، بأن عصر الأديان قد ولى. وأن قيام نظام سياسي على أساس من الدين قد انتهى، بعد أن استفاق الغرب، ولأول مرة في تاريخه، على أن له عقلا. وهو الذي لم يكتشف هذا العقل طول تاريخه الدموي البربري، إلا بعد الحروب الصليبية التي أطلقها، والتي قادها ضد العرب والمسلمين ليطفئ نور العلم والحضارة، وليدمر المدنية والعمران. إلا أنه تبين له بعد ذلك أنه غنم منها ما لم يغنم من قبل من أي حرب مع أي جهة من الجهات ومع أية أمة من الأمم. لقد كانت تلك الحروب، وانتقال الخلافة الأموية من المشرق إلى المغرب بعد فتح الأندلس، التي كانت مركز إشعاع للعلم والمعرفة، بعد أن كانت حركة الترجمة قد نشطت نشاطا كبيرا، وهي التي تم بمقتضاها الإطلاع على المعارف والعلوم الإغريقية والصينية والهندية والفارسية، وغيرها من الحضارات السابقة لها، والتي كان مهدها دائما المشرق العربي، وعلوم ومعارف وثقافات كل الشعوب التي حررتها حركة الفتح الإسلامي من العبودية والخرافة والأساطير والأوهام، ونقلت ما كان علميا وصالحا لديها إلى العربية، وإلى غيرها من لغات مختلف الأمم والشعوب التي اعتنقت الإسلام، أو التي نعمت بالأمن والحرية في كنف عقيدته ونظام شريعته. ولذلك كان انقداح العقل العلمي الواثق من روما بعد سقوط القسطنطينية الذي عبرت معه العلوم والمعارف العقلية إلى الغرب، كما عبرت من الأندلس التي استمر فيها المسلمون على العطاء الحضاري والمعرفي والعلمي العقلي ثمانية قرون. فليس غريبا أن تكون المواجهة عنيفة بين العلم والعقل والمسيحية الكنسية المحرفة في روما وفرنسا أكثر منها في أي مكان آخر من أوروبا.لقد كان ميلاد السيد المسيح عليه السلام من المحطات الفاصلة والفارقة في تاريخ البشرية. وهو الذي ولد بالمشرق مهد الحضارات والأديان، وانتقلت دعوته إلى الغرب عبر النفوذ الأمبراطوري الروماني الوثني، بعد تنكر اليهود المرسل إليهم من الله لإصلاح ما أفسدوا من عقيدة التوحيد التي تناقلها لهم عبر الزمن أنبياء ورسل كثيرون. فمنهم من كذبوا ومنهم من قتلوا، وتآمروا عليه ليقتلوه صلبا. وهم من اعتقد أنهم إنما فعلوا ذلك فعلا. إلا أن الله اخبرنا أن ذلك لم يكن لهم، وهم من كان قد فعل ذلك لشبيه له، وهو من كان الله سبحانه وتعالى قد رفعه ولم يذقه الموت على أيديهم.
يقول تعالى : “وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ” “بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما ” سورة : النساء/157 /158 .
لقد ظل ميلاده عليه الصلاة والسلام محطة تاريخية لم يكن أمام حتى الكفار والملحدين إلا القبول بالتأريخ به. ومن المفارقات الغريبة ومن التناقضات الفاضحة، أنه حتى عندما انقسم الغرب على نفسه إلى معسكرين، لم يكن من أمر المعسكر الشرقي القائم نظامه السياسي على عقيدة الإلحاد التي عانت منها الشعوب الأمرين على امتداد عقودا من الزمن، إلا أن يظل محافظا على التأريخ بميلاده عليه الصلاة والسلام، حتى أفل نجمه وانهار بنيانه من القواعد وخر السقف على رؤوس أصحابه. واستمرت العلمانية المتدينة تدير دفة الحضارة بطريقتها على قاعدة إعطاء ما لله لله وما لقيصر لقيصر، على أساس من تعاليم الإنجيل القائلة بذلك والداعية إليه. وليس في الأمر مسيحيا غرابة، لما كان عليه الأمر من إعادة الأمور إلى نصابها. ولذلك كان العالم المسيحي الليبرالي الرأسمالي يحتفل كل سنة بميلاد السيد المسيح عليه الصلاة والسلام. وهو الذي بحلوله تكون بداية سنة إدارية وسياسية جديدة وانتهاء أخرى.
وإذا كان من الطبيعي حصول ذلك في الغرب، وحيث ما كان للمسيحية والمسيحيين وجود، فإنه من غير الطبيعي حصول ذلك في الشرق، وحيث ما كان للإسلام وللمسلمين وجود.
موقف الإسلام الذي يجب أن يكون عليه المسلمون :
لقد جاء الإسلام الذي بعث به الله سبحانه وتعالى محمد بن عبد الله بن عبد المطلب نبيا ورسولا للناس كافة بشيرا ونذيرا، داعيا كل بني آدم للقبول بالرسالة الخاتمة، وبنبوتة صلى الله عليه وسلم كخاتم للأنبياء والرسل.
ولذلك كان كل من استجاب لهذه الدعوة مطالبا بالإيمان بكل الأنبياء والرسل، وأن لا يفرق بين أحد من الرسل وهم المسلمون.
إن إيمان المسلمين بكل الأنبياء والرسل لا يقوم مبررا، كما يحلوا للبعض أن يقول ويفعل ،لمشاركة المسيحيين الإحتفال برأس كل سنة ميلادية وبنفس الطريقة وعلى أساس نفس العادات والتقاليد ونفس الطقوس. ذلك أن إيمان المسلمين بكل الأنبياء والرسل، إنما كان على أساس ما بعثهم به الله سبحانه وتعالى من عقيدة التوحيد، ومن قيم ومبادئ وأحكام وأخلاق، جاء الإسلام مقرا لها ومهيمنا عليها قبل أن يطالها التحريف والتزييف والتزوير، وقبل الزيادة إليها والنقصان منها. أما هذا الذي عليه المسيحيون من المسيحية فليس من المسيحية الصحيحة في شيئ، ولا علاقة للسيد المسيح عليه السلام به، بل لعله لم يبق مما أوحى به الله عليه عليه الصلاة والسلام شيئا مما ما بين دفاف الأناجيل التي بين يدي المسيحيين اليوم.
ولذلك فإن احتفالهم بالسنة الميلادية لا يقوم إلا على أساس من البدع والأوهام والخرافات والأساطير التي وضعها المحرفون والمزورون بعد المسيح عليه السلام، ونسبوها كذبا وزورا إليه.
إن مشاركة المسيحيين الإحتفال بعيد الميلاد، هو إساءة للسيد المسيح عليه الصلاة والسلام نفسه، لأن هذه الإحتفالات لا تتم بما أمر الله ولا رسوله أن تتم به، وإنما كانت تتم بما رأى المحرفون أن تتم به. ولأنه ليس في ذلك طاعة له عليه السلام ولا لله سبحانه وتعالى. ولكن والأشد خطرا من كل ذلك، أن هذه الإحتفالات إنما تتم طاعة للمحرفين والمزورين بما في ذلك من معصية لله ولرسله عليهم الصلاة والسلام.
ثم والأخطر من كل ذلك، أن هذه الإحتفالات إنما كانت تتم عن جهل مطبق بالمسيحية المزورة نفسها، وبالإسلام وما يجب أن يكون عليه المسلم من اعتقاد ومن عادات وتقاليد ومن قيم ومبادئ وأخلاق.
صحيح أن الناس عندنا في بلاد العرب والمسلمين لا يقومون بذلك على أساس من الإعتقاد، ولكن على أساس من العادات والتقاليد. وهم يتعاملون مع هذا الموعد على أساس من المناسبة التي يجتمع فيها الناس على مائدة فيها من لحم الدجاج ومن المرطبات ما ليس لبعض العائلات من القدرة المادية عليه، إضافة إلى ما يتخلل ذلك من موبقات ومن انتهاك للحرمات ومن فساد يهتز له عرش الرحمان.
وفي كل الحالات فهي من نتائج الغزو الفكري والثقافي، ومن احتقار الذات والشأن، ومن إعلاء ذوات وشأن الآخرين. ويجد كل ذلك مبررا لدى الكثيرين في إيمان المسلمين بكل الأنبياء والرسل.وإذا كان الإسلام يدعونا إلى الإيمان بكل الأنبياء والرسل، فإنه لا يدعونا إلى مشاركة المسيحيين هذه المناسبة بالطريقة التي يحتفلون بها فيها، بل كان هذا الإسلام الذي يدعونا إلى الإيمان بكل الأنبياء والرسل ناهيا لنا عن مشاركتهم في ذلك. بل جاء داع لنا لمخالفتهم في ذلك.
لم يكن المسلمون في بلادنا على الأقل يشاركون المسيحيين في الإحتفالات بعيد الميلاد المجيد على امتداد سبعين سنة من الإحتلال الفرنسي لبلادنا. ولم يكونوا يفعلوا ذلك طيلة الوقت القريب من رحيل جيوشها منها. وإنما كانت هذه المشاركة تأخذ طريقها تدريجيا إلى ربوعنا وبيوتنا طيلة فترة تولي خلفاء الإستعمار ووكلاءه من العلمانيين واللائكيين الأمور بالبلاد. ولقد نشطت هذه المشاركة وترسخت هذه العادة وانتشرت وعمت في العقدين الأخيرين من تاريخ البلاد خاصة. وهي الفترة التي التقت فيها كل مكونات الطائفة العلمانية اللائكية في نظام العصابات السبع، نظام تحالف 7نوفمبر الرهيب، والتي شنت فيها حربا معلنة لا هوادة فيها عن الإسلام وعن هوية الشعب التونسي العربية الإسلامية، من خلال إعلانها الحرب على الحركة الإسلامية، مما مكن لهذا النظام في البلاد، لا من خلال برامجه وإنجازاته، ولكن من خلال ما بث في قلوب الناس من رعب وخوف، وما جعلهم عليه من طمع. فهم من أصبح يستجدي حقوقه، ومن يتصدق بها عليه، ومن كان ليس كذلك فإن تهمة الإنتماء إلى الإسلام من خلال الإحالة إلى الإنتماء إلى الحركة الإسلامية الممنوعة والمصادرة من الوجود جاهزة بوجه حق أو بغير وجه حق، ليكون أي كان وفي أي موقع وكائن من كان في دائرة الإستهداف المباشر. ويجد نفسه في مواجهة مصير أسود لا يدري ما يفعل به، وعليه إثبات خلاف ذلك، وذلك ما ليس سهلا.
وفسح المجال لكل الناس، وبتوجيه إعلامي وتعليمي ممنهج ومبرمج وضاغط، وتحت ضغط الخوف من ملاحقة لعنة الإسلاميين في الحركة الإسلامية لأي كان، لكل ما لا علاقة له بالإسلام، ولكل ما له علاقة بالتغريب والإلحاق الفكري والثقافي والحضاري. فكان من بين ما ترسخ وتأكد في البلاد خلال هذه الفترة من حكم تحالف مختلف مكونات الحركة العلمانية في إطار نظام العصابات السبع، نظام 7 نوفمبر الرهيب، ظاهرة الإحتفال برأس السنة الميلادية على الطريقة الغربية الصليبية تقريبا. وكان ذلك من بين ما كان يذهب به الكثيرون الشبهة عن أنفسهم، حتى لا يشك بمخالفة الواحد منهم من ذكر أو أنثى السائد من العادات والتقاليد الغريبة والدخيلة الغربية، في ولائه للطاغوت، وفي وجود أي علاقة له بالإسلام وبالحركة الإسلامية. وقد مضت سنين طويلة، وقبل الثورة اٌلإعلامية وانتشار منابر الإعلام الفضائي الحر، الذي حاول النظام الفاسد لتونس العروبة والإسلام محاصرته ومصادرة أدواته ووسائله، وفرض أتوات على مستعملي الهوائي أو ما يسمى في دول المشرق “الدش“، كان النظام المسيطر على كل منابر الإعلام الممكنة في ذلك الوقت، يعمل بكل وضوح، وأنا من الشاهدين على ذلك، على تغييب أكبر المناسبات الإسلامية في تلك المنابر، أو تحويل وجهتها لغير ما جاءت داعية إليه، ولغير الغرض من وجودها، باسم الحداثة وباسم التسامح والإنفتاح والأصالة والمعاصرة، وغير ذلك من الشعارات التي لا يراد بها إلا باطلا، والتي لا معنى لها غير مناهضة العروبة والإسلام ومحاصرتهما، ومناصرة العلمانية والتغريب والتكفير، ودعم ذلك والتمكين له بكل وسائل القوة والعنف والإكراه، وفسح المجال لكل ما هو دخيل وغريب عن أصالة شعبنا وعراقته في العروبة والإسلام.
ومازال المسخ الثقافي الذي هو مشروع الطائفة العلمانية بكل تجلياتها في تونس، هو المهمة الرئيسية لها. وهي مستمرة على فرضه كلفها ذلك ما كلفها، وكلف ذلك الشعب التونسي ما كلفه. وليست الإحتفالات بعيد الميلاد إلا مظهرا من مظاهره.
رأي في التأريخ بهجرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم :
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه يعلم تماما ماذا يفعل باعتماد التقويم الهجري للتاريخ. كان يعلم أن هجرة الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم كانت نقلة نوعية في التاريخ البشري، وفي تاريخ الحركة الإسلامية التي كان يقودها. وهي بداية النهاية للمجتمع القبلي في الجزيرة العربية في ذلك الوقت، والخطوة الأولى باتجاه قيام دولة الإسلام العالمية الكونية، على أساس من عقيدة التوحيد التي جاء داعيا كل الناس بمختلف عقائدهم وألوانهم وأعراقهم وألسنتهم من الإنس والجن إلى التوحد عليها، باعتبارها الأساس الذي تكتمل به إنسانية الإنسان، والذي يقوم عليه نظام الحكم الصالح.وبذلك كان اعتماد التقويم الهجري في التاريخ ليس على أساس حدث الهجرة في حد ذاته، ولكن على أساس قيام الدولة.
فالإحتفال بذكرى الهجرة النبوية الشريفة، هو إحياء لذكرى قيام أول دولية إسلامية إنسانية صالحة وعادلة في التاريخ بقيادة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.ولذلك أصبح اليوم في ظل النظام العلماني للدولة الحديثة، الذي أصبح بفعل الإستعمار وخلفائه وحلفائه ومواليه، هو الأصل في كل أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وأصبح النظام الإسلامي هو الإستثناء، وغير معترف بوجوده أصلا. ولذلك فإنه من الطبيعي أن تكون الإحتفالات بعيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام في ظل النظام العلماني الهجين والدخيل على أوطاننا وعلى شعوبنا، لما بين هذا النظام من علاقة بالمسيحية. بل لأنه نظامها وهي دينه. ولأن العلمانية هي النظام السياسي الذي جاءت الكتب المقدسة المسيحية المحرفة داعية لإقامته. فالنظام العلماني هو النظام المسيحي الذي يجب أن تكون السلطة السياسية فيه والإشراف على الشأن العام وتنظيمه لقيصر، وتكون السلطة الروحية فيه للبابا ولرجال الدين المسيحيين. ولذلك نقول أن المسلمين في ظل النظام العلماني ذات الأصل المسيحي، هم محكومون بغير نظامهم الطبيعي الذي لا يكون إلا نظاما إسلاميا. وإذا كان لا حرج لدى المسلمين في اعتماد التاريخ المسيحي باعتبار إيمانهم بكل الأنبياء والرسل، ولا يفرقون بين أحد من رسل الله سبحانه وتعالى، فإن هناك حرجا في عدم اعتماد التاريخ الهجري، وفي الإحتفال بأعياد الميلاد بكل أو بالكثير مما يحتفل به المسيحيون في النظام العلماني المسيحي الأصيل في أوطان شعوب العالم الغربي المسيحي.
في ظل هذه الفوضى التي حلت بأوطان شعوب الأمة، أصبح حلول السنة الهجرية غير ذي معنى ولا كبير قيمة له، وإذا كان لا بد من غير ذلك، فإن النظر إليه والتعاطي والتعامل معه لا يكون إلا على أساس أن الهجرة هي مجرد حدث تاريخي قام به الرسول صلى الله عليه وسلم في حياة المسلمين في الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي. ولولا أنه كان يوم عطلة زيادة من النظام العلماني الهجين في التظليل والتزوير والغش والخداع، لما سمع به الكثير من الناس ولما علم به. وكان طبيعيا أن يكون التعامل مع التاريخ الهجري ومع حلول السنة الهجرية على هذا الأساس البارد والفاتر والمجهول والمتجاهل، لأن الهجرة مرتبطة بقيام الدولة الإسلامية وبالنظام السياسي الإسلامي للدولة الإنسانية وهذا النظام ليس قائما، في حين أن ميلاد السيد المسيح عليه السلام كان مرتبطا بالنظام العلماني القائم. ولذلك كان معلوما ومحتفى ومحتفلا به في أوطان شعوبه الأصلية، وفي أوطان الشعوب التي فرض والمفروض عليها بقوة السلاح من طرف القوى الإستعمارية الصليبية، ثم بقوة أجهزة القمع والبطش في أنظمة الإستبداد المفروضة على شعوب أمة العرب والمسلمين في أوطانهم.
“الهجرة والقرآن المهجور” :
فبحلول السنة الهجرية الجديدة لا تجد من الكثير من الناس من يهنئك بحلول العام الجديد، ولا بمن يعد له عدته، ولا يتم التحضير له كما يتم التحضير لحلول السنة الميلادية، وكما تجد الكثير من الناس من يبارك لك السنة الإدارية والسياسية الميلادية الجديدة، وإن كانت الحركة الإسلامية المعاصرة قد أعطت فرصة وكانت سببا لاستعادة الكثير من أبناء شعوب الأمة ذاكرتها، وعلى خلاف ما يقول به التقليديون وما لم يكن معمولا به لدى السابقين حتى من السلف الصالح وما لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، واعتبار ذلك بدعة ، فقد رأت هذه الحركة أن إحياء كل المناسبات الإسلامية قد أصبح اليوم ضرورة مقابل إحياء ما يسمى المناسبات الوطنية التي أصبحت لا علاقة لها بالإسلام، نظرا للقبول بالنظام العلماني بديلا عن النظام الإسلامي في كل أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، والمناسبات العالمية المسيحية واليهودية وغيرها من النحل، لأن إحياءها هو بمثابة إعادة الإعتبار للعقيدة وللحضارة الإسلامية وللتاريخ الإسلامي، وإحياء للذاكرة وتذكيرا وترسيخا وتعليما للمفاهيم واستخلاصا للعبر.
لقد كان من أخطر ما جاء به النظام العلماني، هو هجرة الناس للقرآن العظيم، وعلى امتداد عقودا من الزمن، ومازال الجهد متواصلا من طرف كل منظومة الردة العلمانية اللائكية التكفيرية بهذا الإتجاه في تونس بصفة خاصة. ولكن وهم “يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون“.
فإذا كانت هجرة النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة هجرة من الظلمة والظلم إلى النور والعدل، وهجرة النظام التقليدي القبلي الجاهلي إلى نظام الدولة الإسلامي التوحيدي الوحدوي، فإن هجرة الحركة العلمانية التكفيرية الدخيلة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وفي تونس بصفة خاصة، كانت هجرة بالبلاد والعباد من النور إلى الظلمة، ومن الخير إلى الشر، ومن عدل القرآن إلى جور السلطان، ومن الإسلام إلى الإجرام ” أفنجعل المسلمين كالمجرمين ما لكم كيف تحكمون“.
تأتي السنة الهجرية الجديدة 1429 على الأمة والصراع على أشده بين من هجر القرآن وارتضى العلمانية بديلا عنه من أبناء الأمة، ومن يدعوا لذلك ويعمل عليه، وبين المتمسكين بالقرآن والعاملين والداعين للعمل به، والمهاجرين والمهجرين من أجله فرارا من الموت والسجن والتعذيب.
تأتي السنة الهجرية الجديدة على الأمة، وهي تخوض معركة الشرف والكرامة والعزة، وإعادة الإعتبار لذاتها، لتستعيد دورها الحضاري والثقافي والسياسي قي مواجهة من هجر القرآن من أبنائها ويدعون لذلك ويعملون من أجله، وهم من يمثل خطرا أكبر على الأمة لمناهضتهم للأسلام والإقتناع بغيره، ولعلاقة العداوة التي أوجدوها بين أبناء الوطن الواحد، ولتمسكهم بالنظام العلماني والحرص على مواصلة فرضه على الناس بالقوة، ولعلاقتهم المباشرة بالأجنبي المعادي والذي اتخذوا منه وليا وحليفا وصديقا.
“لا نفرق بين أحد من رسله” :
وبمناسبة السنة الميلادية الجديدة 2008، وبحلول السنة الهجرية 1429، أود أن أشير إلى أمر هام أرى أن تعامل الأمة فيه مع الأحداث والمستجدات لا يتناسب مع إسلامنا ومع ما نؤمن به، بل ما لا يصح إسلامنا إلا به، وهو الإيمان بجميع الرسل عليهم الصلاة والسلام وعدم التفريق بينهم.
في هذه المرحلة الإستثنائية من التاريخ البشري، ومن تاريخ أمة العرب والمسلمين، كانت الدعوات لهجرة الدين وهجرة القرآن كثيرة وجادة وصريحة، باتجاه محاولة تأكيد إنسانية الإنسان بل ألوهيته وربوبيته على حساب ألوهية الله وربوبيته، من خلال الدعوة إلى فصل الدين عن الدولة، ومن خلال القول بأن الدين أفيون الشعوب، ومن خلال الترويج لنظرية موت الإله وانتهاء زمن قيام نظام الدول على أساس من الدين، ومن خلال شعار لا إله والحياة مادة ولا شيئ غير المادة، ومن خلال الإساءة للأنبياء والرسل بذريعة حرية الصحافة وحرية التعبير وغير ذلك من الشعارات والتصورات والأفكار والدعوات.
والملفت للإنتباه واللافت أن المسلمين في هذه الحملة التي تشن من هنا وهناك على أنبياء الله ورسله بأشكال مختلفة، وبوسائل مختلفة وفي أوقات وفي أماكن مختلفة، وبذرائع وتعلات وتبريرات مختلفة، لم نر منهم ما يفيد إيمانهم بكل الأنبياء والرسل، وعدم التفريق بينهم. ذلك أن ثائرة المسلمين تثور وتأبى أن تقعد إذا ما أسيئ بأي شكل وبأي صيغة وفي أي مكان وفي أي زمان للنبي محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، بل إلى من هم أقل منه بكثير من الصحابة أو التابعين، ومن العلماء المشهورين المشهود لهم بالعلم والأمانة، ولا يحركون ساكنا عندما يساء إلى أي من الأنبياء الآخرين. وقد ثبت أن الجهات التي جعلت من اهتمامها الإساءة للأنبياء والرسل، قد أساءت أكثر من مرة في أكثر من عمل فني، أو مقال صحفي، أو في كتاب أدبي أو فكري أو فلسفي…لأنبياء الله موسى وعيسى خاصة، ولا يحرك المسلمون عند ذلك ساكنا، وكأن هذا الأمر لا يهمنا إلا في حالة واحدة، عندما يساء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وكأنه نبينا وحدنا، وهو الذي أرسله الله للناس كافة رحمة للعالمين، وكأن الأنبياء الآخرين هم أنبياء بني إسرائيل أو النصارى وحدهم، ولهم الحق في التعامل معهم كما يشاؤون، ولهم أن يسيؤوا إليهم متى شاؤوا وكيف ما شاؤوا وبأي ما شاؤوا في أي زمان شاؤوا وفي أي مكان. ولا شك أننا مسؤولون أمام الله عن السكوت عن ذلك، كما نسأل عن أي شيئ آخر فرطنا فيه أو تهاونا أو قصرنا ولم نقم بما يجب أن نقوم به مما نحن قادرون عليه، مما نحن مدعوون للإيمان به.ولتأكيد إيماننا بكل الأنبياء والرسل وعم التفريق بينهم، وجب على الأمة أن تكون جاهزة ومستعدة للتصدي لكل من يسيء لأي نبي أو رسول من أنبياء الله ورسله، بدون التفريق بين أي منهم صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
علـــــــي شرطــــــــــاني
قفصة : في 3 محرم 1429
الموافق لـ :11/01/2008
تــــــــــــــــــــــــــونس
المصدر : السبيل أونلاين بتاريخ 12 جانفي 2008