مدونة الأستاذ على شرطاني

فبراير 3, 2008

كفانا لعنا للظلام وسبا للحكام

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 12:43 م

بسم الله الرحمان الرحيم
كفانا لعنا للظلام وسبا للحكام

إن أشد ما أصبح يمج الأسماع كثرة الخطاب المقروء والمسموع الذي تتناقله الفضائيات والصحافة المكتوبة الورقية والإلكترونية منها على حد سوى، الذي انقسمت فيه النخبة إلى معسكرين :
1- واحد انشغل فيه الكتاب والخطباء بلعن الظلام وسب الحكام .
2- والآخر انشغل فيه أصحاب الألسن والأقلام المأجورة بالدفاع عنهما.
وبين هذا وذاك، أصبح المتداول من الثقافة التي يرسلها الجميع تقريبا للجماهير وللشعوب وللرأي العام الداخلي والخارجي، لعن الظلام وسب الحكام من طرف فريق من هذه النخبة، وإطرائهما وبذل أقصى الجهد في نفي الظلم والظلام والتزلف للحكم والحكام من طرف فريق آخر.
صحيح أنه لا بد من نقد وانتقاد، ورفض سياسات وخيارات وبرامج الأنظمة السياسية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين عموما، وخيارات وبرامج وتوجهات وسياسات قوى الهيمنة الدولية، ولا بد من توضيح فسادها للرأي العام، والعلاقات المدمرة للشعوب والأوطان القائمة بين هذه الأنظمة الفاسدة وقوى الإستكبار العالمي في التحالف الصليبي الصهيوني الإستعماري العنصري. ولا بد من وضع الشعوب أمام مسؤولياتها في الدفاع عن مصالحها وعن نفسها، وحماية مكاسبها وأوطانها. ولا بد بعد ذلك من طرح الحلول والبدائل. وأنا لا أدافع عن الأنظمة السياسية الفاسدة التي أكد فسادها الإستعمار الأمريكي الجديد، ومن ورائه الغرب الصليبي كله والحركة الصهيونية بكل ثقلها، وهي التي اعترفت له بذلك في الفرية التي أطلقها الصليبيون الجدد عموما، واليمين الميسيحي الصهيوني المتطرف الوافد على إدارة البيت الأبيض الأمريكي بقيادة الإمبراطور جورج بوش الصغير خصوصا، باحتلالهم لأفغانستان والعراق، والتي مازال يزعم فيها أنه إنما جاء لنجدة الشعبين الأفغاني والعراقي وتحريرهما وتخليصهما من الإرهاب ومن الدكتاتورية والإستبداد، ووضع الديمقراطية الطريقة المثلى في طبق من ذهب أمام كل شعوب المنطقة، في ما أطلق عليه في البداية خطة الإصلاح للشرق الأوسط الكبير. ولا أدافع عن قوى الهيمنة والإستكبار العالمي، ولكني أقول، أن ثقافة سباب الآخرين غير كاف لإحداث التغيير المنشود والمطلوب، وأنه خير من لعن الظلام أن نضيء شمعة كما يقول المثل الشعبي الصيني على ما يؤكده بعض العارفين، أي أن نتخلص من ثقافة لعن الظلام وسب الحكام، إلى ثقافة التجديد والإبداع والإصلاح، وطرح البدائل الواضحة الممكنة.

- من المسؤول؟ :
فبقدر ما كانت هذه الأنظمة مسؤولة عن وضع التخلف والإنحطاط الذي كانت ومازالت شعوب أمة العرب والمسلمين تعاني منه، وبقدر ما زادت الأحوال والأمور تعقيدا، والأزمات استفحالا، بقدر ما لا يصح أن نظل محملين إياها المسؤولية دائما، وهي التي لم تكن يوما في مستوى المسؤولية الذي يجب أن تكون عليه. كما لا يصح أن نطالبها بالإصلاح وهي التي نعتقد أنها لا يمكن أن تنتج إلا مزيدا من التعقيد والفساد والتخلف والإنحطاط. أقول هذا دون أن يعني ذلك أن هذه الأنظمة ليست مسؤولة عما ألحقت وتلحق به الشعوب والأوطان من أضرار وخسائر، وما اقترفته وتقترفه من جرائم في حق الشعوب والأوطان، وما فرطت فيه من مكاسب لصالح الأجنبي المعادي. ومع ذلك فإنه من الغباء والعيب وإضاعة الوقت والفرص انشغال النخب والشعوب بسب هذه الأنظمة والإستمرار في الوقوف عند مثالبها وعيوبها وأخطائها وحماقاتها ومفاسدها السياسية والإدارية والمالية والأخلاقية، وإضاعة الوقت وإهدار الطاقات والإمكانيات في ذلك.وهي التي ليست مسؤولة وحدها عما حصل وما يحصل…

- مسؤولية النخبة من مختلف الطيف السياسي والفكري :
إن حالة الإنقسام الحاد الذي آلت إليه شعوب أمة العرب والمسلمين في مختلف أوطانها بعد سقوط نظام الخلافة وإنهاء العمل بالنظام الإسلامي، والإجتياح الصليبي الصهيوني الغربي الإستعماري للعالم الإسلامي، بعد إتفاقية سايكس بيكو المشؤومة، هي التي ترتب عنها وجود طوائف جديدة متعددة بتعدد مشاربها الثقافية، بعد أن فقد العرب والمسلمون الإنسجام الثقافي والإنقسام المتنوع في إطار نفس الثقافة. وكانت أهم هذه الطوائف الحاضرة في نفس الوطن الواحد، والتي أصبحت تتخلل نفس الشعب الواحد من شعوب أمة العرب والمسلمين، في الوطن الواحد من أوطان هذه الشعوب، هي الحركة القومية والليبرالية الرأسمالية والحركة اليسارية الشيوعية، ليصبح الإسلام متمثلا كغيره من الثقافات في حركات إسلامية مختلفة كغيرها من الحركات الأخرى. وبتنوع هذه الحركات والطوائف، تنوعت النخبة طبعا، وتنوعت الأنظمة، إذا ما استثنينا النخبة العربية الإسلامية في الحركة الإسلامية، باستثناء بعض الأنظمة التقليدية المحسوبة على الإسلام، وبعض التجارب الحديثة التي مازالت لم ترتق بعد بفعل عوامل كثيرة إلى المستوى المطلوب الذي تكون فيه معبرة عن المثل الحقيقي للنظام الإسلامي. وكانت كل هذه النخب إما متمثلة في أنظمة سياسية أو موالية وداعمة لها أو معارضة. وقد كانت متمثلة في أنظمة هنا وداعمة وموالية لها ومعارضة لها هناك.
ومن هنا تأتي مسؤولية هذه النخب، ومن هذه المواقع المختلفة التي تترتب عليها فيها مسؤوليات لا يقل بعضها عن البعض الآخر. فهي التي من خلال موقعها في السلطة كانت مستبدة فاسدة لم تزد الشعوب إلا تخلفا وانحطاطا، وإلا قهرا وانقساما. وهي التي من خلال موقعها في الموالاة والمساندة والدعم لم تكن إلا شريكا مع الأنظمة ومدافعة عنها في ما جرته عن الشعوب والأوطان من كوارث وويلات وخسائر. وهي التي من خلال موقعها في المعارضة لم تكن إلا معول هدم، وذلك ما كانت تلتق فيه مع تلك الأنظمة، لهوية الأمة ولأصالتها ولثوابتها ولخصائصها ولكل مقومات شخصيتها. فهي المسؤولة عن عدم القدرة على الإلتحام بالجماهير وعن عدم القدرة عن تأطيرها عقائديا وثقافيا وفكريا وتاريخيا باتجاه تحقيق أهدافها في الحرية والوحدة والإستقلال والتحرر والعدل والمساواة…وهي التي مازال خطابها يقوم على سب الظلام دون أن تكون قادرة على إضاءة شمعة واحدة، وعلى سب النظام دون أن تكون قادرة على سلوك بالجماهير والشعوب بر الأمان والدفع بها إلى الأمام.

- مسؤولية الشعوب :
إن التاريخ يعلمنا أن مسؤولية الجماهير والشعوب من مسؤولية النخبة والصفوة في مجتمعاتها. وأن الذي لا شك فيه أن صلاح هذه الجماهير والشعوب من صلاح النخبة والصفوة منها وفيها، وأن فسادها من فسادها. وهي التي تستمد مسؤوليتها منها. فعلى نفس مستوى النخبة وقيمتها تكون مستويات الجماهير والشعوب وقيمتها.
وإذا كانت النخبة منقسمة إلى طرفين رئيسيين :
- طرف موال وداعم ومعاضد ومدافع عن هذه الأنظمة، لغايات وأهداف وأغراض مختلفة عادة ما تكون خاصة غير وطنية وغير عامة.
- وطرف، من قوى الغش والتضليل والجذب إلى الخلف من أجل الصالح الخاص على حساب الصالح العام، وهو كذلك من قوى الهدم العبثية أو العدمية بحسب ما تكون طبيعة النظام المدين له بالولاء “تقدميا ثوريا ديمقراطيا” رافعا راية القومية العربية ومبشرا بالحرية والإشتراكية والوحدة، أو راية الليبرالية والتطور والحداثة والتقدم، ومبشرا كذلك بالحرية وبالديمقراطية وحقوق الإنسان، أو شيوعيا رافعا الراية الحمراء، داعيا إلى العالمية ومبشرا بوحدة العمال وبدكتاتورية الشغيلة وبالعدالة الإجتماعية والرخاء المادي الذين لا مكان لهما في الأرض إلا بإنهاء الملكية الخاصة ونسف جهاز الدولة. وهي أنظمة وقوى وتيارات ونخب عبثية أو عدمية تقليدية محسوبة على الإسلام، رافعة شعار العروبة والأصالة، ومبشرة بعدل الإسلام وتسامحه، وسماحة الشريعة وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وهي التي على النحو الذي يجب أن تكون عليه، لا يكاد يكون لها مكان فيه.
في ظل هذا الإنقسام القائم، والذي يزداد استفحالا بتشجيع ودعم من قوى الهيمنة الدولية الرابح الوحيد منه، استحال الوضع في أوطان شعوب الأمة إلى أنه كل ما جاءت أمة من هذه الأمم، أي نخبة من هذه النخب، لعنت أختها. وعوض أن تضيئ هذه النخب شموعا، ظلت تلعن الظلام. وعوض أن تبدع وتصلح، ظلت تسب الحكام. وإذا كان هذا هو المضمون الفكري والثقافي الذي تقدمه هذه النخب وهذه المجاميع وهذه التيارات والحركات والأحزاب لجماهير الشعوب، فماذا يمكن أن تكون ثقافتها، غير ثقافة الإطراء والمديح والدفاع عن الأنظمة، التي ليست في حاجة لمن يدافع عنها لأن القوة هي سبيلها للوجود ولٌلإستمرار في الوجود، ولا أحد يستطيع في الحقيقة أن يدافع عنها لما هي عليه من سوء وفساد. وماذا يمكن أن تكون ثقافتها، وهي التي تتزود من الجهة الثانية من النخبة في المعارضة العلمانية خاصة، غير ثقافة لعن الظلام وسب الحكام، ليكون المجتمع منقسما إلى فئتين :
- فئة تقبل بالظلام ومدح ومعاضدة الحكام.
- وفئة لا تقبل بالظلام، ولا تنته من الإستمرار في تأكيد ثقافة سب الحكام، مما يحيلنا إلى القول : أن المسؤولية في النهاية هي مسؤولية الشعوب وإن كانت منقسمة على نفسها بحسب انقسام النخبة فيها. فهي التي من المفروض أن تحسم الخلافات والإنقسام لصالحها. وهي التي من المفروض أن تتحمل مسؤوليتها في ماضيها وحاضرها ومستقبلها. فبرغم كل ما حصل وما يمكن أن يحصل، فإن مسؤولية الحسم الثقافي والسياسي والإجتماعي هي مسؤولية الجماهير والشعوب، سواء في حال ائتلاف النخبة أو اختلافها، أو في حال تعاطيها بإيجابية مع الواقع الداخلي والخارجي والمحلي والإقليمي والدولي أو بسلبية.

- ماذا عن الإنقسام الإجتماعي في البناء الحضاري أو أين الخلل؟
إن النسق التاريخي العام في بناء الحضارات يتجه دائما، أو في الغالب الأعم، إلى الوحدة والإنسجام، لا إلى الفرقة والإنقسام. وحدة وانسجام يتخللهما اختلافات وتباينات في الإطار المرجعي الواحد عقائديا وفكريا وفلسفيا. فكذلك كان الأمر في الثقافات والحضارات القديمة. في ثقافة وحضارة اليونان والرومان والفرس والصين القديمة، وغيرها من الثقافات والحضارات. وعلى هذا الأساس وعلى هذه القاعدة، قامت الحضارة الغربية المعاصرة. فقد كان التناقض والخلاف بين تعاليم وقيم وفكر الدين الكنسي المحرف، والعقل والعلم والحكمة. وهو تناقض وخلاف نتج عنه اختلاف فكري وعلمي ومعرفي وثقافي بين الثابت الجامد والمتغير المتطور، وانقسام في البنية والتركيبة الإجتماعية الغربية، بين أنصار القديم، ومن لهم مصلحة فيه، و أنصار الحديث ومن لهم مصلحة فيه. بين الكنيسة والإقطاع، والفلاسفة والمفكرين الأحرار والطبقة البورجوازية والرأسمالية عموما. فلئن كان الإختلاف حقيقيا، والإنقسام حقيقيا وحادا، إلا أنه في نفس التركيبة الإجتماعية، في إطار نفس المرجعية العقائدية والفكرية والثقافية، بعيدا عن كل التأثيرات الخارجية. وكانت معركة طويلة انتصر فيها العقل على النقل المحرف، والعلم على دين الخرافة والأسطورة والأوهام، والجديد على القديم، والتطور على الجمود، ليتواصل الخلاف في إطار الإنسجام الثقافي والفكري والفلسفي، وفي إطار الدين الواحد، وفي إطار العلم والتقنية، وفي إطار نفس التركيبة الإجتماعية التي انتهى إليها الصراع بين العلماء ورجال الدين، وبين مؤسسة الكنيسة ورجال الإقطاع والطبقة البورجوازية والرأسمالية المتوحشة التي كان لها الفضل في بناء هذا المجد الحضاري للغرب الصليبي.
فلئن كان قد حصل انقسام في تركيبة المجتمع الغربي، فليس ذلك إلا ما يقتضيه ويحتمه التدافع بين الناس، ليكون التغيير المطلوب، ولتتواصل صناعة الإنسان للتاريخ، ولحسم التناقض بين أطراف الصراع، ليكون البقاء للأفضل. وبذلك ينتهي الإنقسام الإجتماعي، ليحل محله الإنسجام في إطار الإختلاف في الرأي بحسب المواقع والمواقف والمصالح.
وظل المجتمع الغربي يبدع ويصنع الحدث العلمي والتاريخي في إطار الثقافة الليبرالية الحرة التي هي ثقافة الطبقة البورجوازية والرأسمالية وما تفرعت إليه من مدارس وتيارات ومناهج في العلم وفي الحكم.
صحيح أنه لا بد من التناقض والإختلاف والإنقسام في نفس تركيبة المجتمع، ولكن يجب أن لا يستمر ذلك، لأن الإستمرار معيق لعملية التغيير والتقدم والبناء الحضاري. وما احتدام الصراع وبلوغ التناقض حدودا قصوى بين الرأسمالية والإشتراكية إلا وجه من أوجه الإختلاف في نفس الإطار الثقافي والحضاري الغربي. وقد رأى العالم كيف أن المعسكر الشرقي أبى إلا أن يقوم على الإنسجام، ولكن أراده أن يكون انسجاما تاما ليس لأحد أن يكون على خلاف مع أصحابه فيه، مما عجل بسقوطه. وما الحرص على الإنسجام والإبتعاد عن الإتقسام إلا دليل على أن الإنسجام الفكري والثقافي والإجتماعي هو أساس البناء الحضاري.
وفي الوقت الذي كان فيه الغرب حريصا على الإنسجام الإجتماعي للنجاح في البناء الحضاري، كانت النخبة العربية الإسلامية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين حريصة على الإنقسام الذي تريد مع وجوده إحداث نهضة عربية إسلامية، وأن تكون طرفا يحسب له حسابه في المعادلة الدولية،وأن تتحمل فيه الشعوب المسؤولية في التغيير وصناعة الحدث التاريخي والحضاري؟ !
وإذا كانت تجربة الغرب هكذا ومن قبلها تجارب كثيرة في البناء الحضاري، فإن التجربة الإسلامية كانت رائدة في ذلك، وكان الإنسجام العقائدي والفكري والثقافي في إطار القبول بالإختلاف هو قاعدتها في ذلك.

- أين الحل؟
لعل الحل يكمن في ما بدا حتمية تاريخية وقاعدة ثابتة من قواعد البناء الحضاري ودور الشعوب فيه، والمتمثل في الإنسجام الإجتماعي في إطار المرجعية الثقافية الواحدة، وما تسمح به فيها من اختلاف.
وانسجاما مع هذه القاعدة التي قامت عليها الحضارات القديمة، والحضارة العربية الإسلامية من قبل، والحضارة الغربية المعاصرة، فإن الإنقسام الإجتماعي لا يمكن أن ينتج عنه شعب يكون قادرا على صناعة الأحداث، ومسؤولا على إحداث التغيير والمساهمة في النهضة والبناء الحضاري. وأنه على كل أمة إذا كانت تريد أن تكون شعوبها مسؤولة على التغيير وصناعة الأحداث الكبرى والمساهمة في البناء الحضاري أن تبحث لنفسها عن الإنسجام في إطار التنوع في تركيبتها الإجتماعية.
وقد رأينا كيف أن ذلك كان طريق الأمة العربية الإسلامية في البناء الحضاري العربي الإسلامي. وأن ذلك كان طريق الغرب في ذلك، بدءا بالطبقة البورجوازية الرأسمالية، ومرورا بالثورة البلشفية وبالثورة الصينية، وانتهاء بالثورة الإسلامية (الشيعية) في إيران من العالم الإسلامي.

- تجارب حديثة :4
إذا كان الإنقسام الثقافي والسياسي والإجتماعي الحاصل في تركيبة مجتمعات شعوب أمة العرب والمسلمين من أهم عوامل استمرار وضع التخلف الذي نحن عليه، فإن البحث عن الإنسجام المطلوب واللازم لنهوض الأمة هو الذي مازال محل خلاف بين مختلف مكونات النخبة في مجتمع كل شعب من شعوب الأمة. بين من يؤمن أن هذا الإنسجام لا مكان له عندنا إلا باتباع الغرب واستنساخ تجربته الحضارية والنهضوية والأخذ بكل ما أبدع فيه من علوم ومناهج وتصورات وأفكار وثقافة بحلوه ومره، وبين من يؤمن أنه لا سبيل لنهضة الأمة وتقدمها وتجاوز مشكلاتها والتغلب على ضعفها والخروج من التخلف والمشاركة في البناء الحضاري إلا بالأخذ من الغرب ببعض ما نقدر أنه يمكن أن يكون صالحا لنا، وأخذ من ثقافتنا وتراثنا العربي الإسلامي ببعض ما نقدر أنه يمكن أن يكون صالحا لنا لتجاوز حالة الإنقسام، والإنتهاء إلى الإنسجام. ونسلك بذلك طريقنا إلى الرقي والتقدم كشريك حضاري محترم في العالم. وبين من يؤمن في الفريق الثالث بأن طريق الأمة إلى الإنسجام المطلوب والخروج من التشتت والتمزق والإنقسام هو ثباتها على دينها وعلى ثقافتها العربية الإسلامية الجامعة وتطويرها وفق ثوابتها وأصولها وخصوصياتها والإبداع فيها، وأخذ من الغرب ما كان حكمة وما كان علما وما كان مفيدا ونافعا، ونترك ما كان مرا وما كان رذيلة ومن الخبائث والمفاسد، وما لا حاجة للأمة به مما يتناقض ويختلف مع مقدساتها وخصوصياتها، ومع ما أحل الله لها وحرم عليها…وهذا الطرف هو الحركة الإسلامية غير المسموح لها علمانيا لائكيا وتقليديا وشرقيا وغربيا بأن يكون لها دور في إدارة الشأن العام بتعلات وذرائع مختلفة كلما كان ذلك ممكنا.وهي التي نجحت في تفجير ثورة من كبريات ثورات العالم المعاصر أوصلتها إلى سدة الحكم وأعلنت قياداتها قيام دولة “إسلامية ” جعفرية المذهب صفوية العرق، بحسب ما تجيزه بعض الإجتهادات الجديدة لمراجع الشيعة في بلاد فارس القديمة.هذه الحركة هي التي فجرت كذلك حركة الجهاد المبارك قبل ذلك في أفغانستان في مواجهة النظام الشيوعي الملحد، وحليفه الإستراتيجي الإتحاد السوفياتي سابقا، والذي كانت حركة الجهاد الأفغاني من أكبر وأهم عوامل انهياره على رؤوس زعمائه وعلى مرأى ومسمع من كل أنصاره ووكلائه وحلفائه والتابعين له.وهي التي استطاعت أن تضرب المارد الأمريكي في عقر داره. وهي التي مازالت تقف في وجه الإستعمار الأمريكي الغربي وعملائه في أفغانستان وفي باكستان. هذه الحركة التي كان من بين مكوناتها حزب الله في جنوب لبنان، وهو الذي ألحق بالعدو الصهيوني هزائم كثيرة لم يسبق أن ألحقه بها أي طرف آخر في المنطقة العربية كلها من قبل. وهو الذي ألغى بذلك أسطورة الحركة الصهيونية القائلة بامتلاكها الجيش الذي لا يقهر.
وهي التي من فصائلها مكونات حركة الجهاد والمقاومة في العراق المحتل، والتي تلحق بالعدو الأمريكي وحلفائه وعملائه خسائر لا قبل له بتحملها، وهي في طريقها إلى النصر والتحرير إن شاء الله.
وهي التي من مكوناتها كذلك حركة الجهاد والمقاومة في فلسطين المحتلة، والتي على رأسها حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، وهي التي رغم ظروفها الصعبة ورغم وجودها في المنطقة العربية الأكثر عداء ومناهضة للإسلام وللحركة الإسلامية المعاصرة، ورغم إمكانياتها المحدودة جدا، ووجودها في المكان الأضيق من العالم، ورغم المحيط السياسي المعادي بالداخل والخارج، والأقرب إلى العدو المحتل منه لها، ورغم طبيعة المحتل العنصري الإستيطاني الذي يعتبر نفسه صاحب الحق المشروع الثابت في الأرض، استطاعت مع باقي فصائل المقاومة الوطنية العلمانية االلائكية منها والإسلامية أن تحرر قطاع غزة من فلسطين المحتلة، وتفرض على العدو الصهيوني الإنسحاب غير المشروط من هناك، لولا ما منحها العميل محمود عباس وعصابته خليفة الشهيد ياسر عرفات في ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية، والرئيس المصري حسني مبارك، من اشتراك في الإشراف على معبر رفح الذي من المفروض أنه معبر فلسطيني مصري ليس للصهاينة بعد الإنسحاب من قطاع غزة أي حق في الإشراف عليه. وكانت خطة من الطرفين العربيين لألا يكون للمقاومة ولحركة حماس كبرى حركات المقاومة في فلسطين المحتلة تحديدا أي علاقة بإدارة شؤون المعبر، بالنظر إلى طبيعتها الإسلامية وعلى خلفية عدم اعترافها بالعدو الصهيوني، في وقت لم تكن قد طرحت فيه على نفسها المشاركة في الحياة السياسية من خلال المؤسسات الرسمية للسلطة.
هذه التجارب التي ليس لها سابقة في التاريخ العربي الإسلامي المعاصر، تمتاز بأمرين إثنين على غاية من الأهمية وهما الخطوتان الأوليتان في الطريق نحو الحرية والتحرر والإستقلال وهما :
- الجماهيرية .
- والإنسجام الثقافي.
فبالجماهير وبالإنسجام الثقافي والفكري المختلف في إطار المرجعية الثقافية الواحدة استطاع الإمام الخميني أن يفجر ثورة من أكبر ثورات القرن العشرين التي أطاح فيها بالشاه وبالمخابرات الأمريكية.
وبالإنسجام الشعبي الحاصل من خلال التأطير الثقافي والسياسي والفقهي الذي قلص من الإنقسام الإجتماعي الناتج عن تنوع المرجعيات الفكرية والثقافية في الشعب الإيراني ككل شعوب أمة العرب والمسلمين :
- استطاع الشعب الإيراني أن ينجز مهمة التحرير والتحرر الوطني الحقيقي، وأن يحقق الإنسجام المطلوب في التركيبة الإجتماعية بتحقيق الإنسجام الثقافي، وبما يجب أن يكون عليه الأمر من انسجام بين القيادة والقاعدة على ذلك الأساس.
وعلى أساس القدرة على الإستقطاب الجماهيري وتحقيق الإنسجام الثقافي والفكري في المجتمع الواحد وفي الشعب الواحد وعلى أساس تحقيق الإنسجام بين القيادة والقاعدة الشعبية :
- استطاعت قيادة حركة الجهاد الأفغاني أن تطيح بالنظام الفاشي العميل في أفغانستان، وأن تلحق الهزيمة بأحد أكبر الجيوش في العالم. وإذا كان الشعب الأفغاني مازال يعاني من الإحتلال، فبفعل الجانب العلماني ومن التحق به من المغفلين والأغبياء من الجهات والأطراف المحسوبة على الإسلام في الحركة الإسلامية، وما تبقى من انقسام راهن عليه الغرب، المنحاز لثقافته ولمصالح شعوبه للإبقاء عليه في مواجهة الحركة الإسلامية الهادفة لإنهاء الإنقسام وتحقيق الإنسجام، حتى لا يكون للمحتل وللغرب مكان في بلاد العرب والمسلمين، ولا دور سياسي وثقافي يحقق به لنفسه المنافع، ويلحق به لشعوب الأمة ولكافة المستضعفين الأضرار.
- وعلى ذلك الأساس أيضا، استطاع حزب الله اللبناني أن يلحق بالعدو الصهيوني الهزيمة تلو الهزيمة في كل الحروب التي خاضها ضده.
- وعلى الأساس الجماهيري والإنسجام الفكري والعقائدي والثقافي، استطاعت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وهي من آخر مكونات المجتمع الفلسطيني تشكلا ووجودا، أن تبلغ ذلك المستوى من الجاهزية ومن القوة ومن الإنتشار ومن التأييد الشعبي والجماهيري، وأن تكون الأقدر على إنجاز المهمات الصعبة في ساحات الجهاد والإستشهاد وفي ساحات الإصلاح الإجتماعي.
- وعلى ذلك الأساس استطاعت حركة المحاكم الإسلامية في الصومال أن تحسم الصراع لصالحها ولصالح الشعب الصومالي بإسقاط كل أمراء الحرب المدعومين من طرف قوى الهيمنة العالمية، وتكون لها السيطرة على الأوضاع في زمن قياسي. ولأنها كذلك، ولأنها على ذلك الأساس، كان استنجاد العملاء والخونة، الذين ظلوا يمثلون الإنقسام في إطار النخبة غير المؤمنة بالجماهير وبالشعوب، وغير المؤمنة بالثقافة العربية الإسلامية كأحد أهم عوامل التوحيد وتحقيق الإنسجام وإنهاء الإنقسام الإجتماعي، بالأجنبي المعادي، لمواجهة الجماهير والشعب، ولإنهاء الإنسجام الفكري والثقافي، وللمحافظة والإبقاء على الإنقسام والتشتت.
- وعلى ذلك الأساس، واستنادا إلى ذينك الأمرين، استطاعت المقاومة في حركة التحرر العربي الإسلامي في العراق أن تفاجئ الإحتلال الأمريكي البريطاني الغربي وعملائه بتشكلها وتنظيم صفوفها في وقت جد قصير بعد سقوط عاصمة الرشيد بغداد، وتعلن الجهاد المبارك لتحرير عراق العروبة والإسلام. وهي التي وعلى ذلك الأساس، تلحق به هزائم كبيرة وخسائر فادحة، وهو الذي ليس له من خيار إلا مغادرة البلاد أحب أم كره إن عاجلا أو آجلا بدون قيد ولا شرط، ليكون النصر والخلود في النهاية للمقاومة ولحركة الجهاد والشهادة والإستشهاد بتحرير العراق العربي المسلم.
إن الإكتفاء بلعن الظلام وسب الحكام يؤخر ولا يقدم. أما الذي يقدم ولا يؤخر فهو البناء والتربية والتوعية والتعبئة والإنحياز إلى الجماهير والشعوب، والتوجه لها بالخطاب وتحميلها المسؤولية على أوطانها وعلى مستقبل أجيالها وأمتها، وتحريضها واستنفارها ودعوتها إلى القيام بالأدوار المنوطة بعهدتها في التحرير والعزة والكرامة والنهضة والبناء الحضاري، على أساس من هويتها العربية الإسلامية، وعلى أساس من ثقافتها الأصيلة، وعلى أساس من التوحد والإنسجام ونبذ الفرقة والإنقسام.
إن الذين يشغلون أنفسهم بتصدير ثقافة سب الحكام ولعن الظلام للشعوب، هم أولئك الذين ليس لهم ما يقدموه لهذه الشعوب من خطاب ومن بديل ثقافي وفكري وسياسي. هم أولئك الذين فشلوا وأخفقوا في تأطير الجماهير على غير أساس ثقافتها العربية الإسلامية الأصيلة في صورتها الكاملة. وهم الذين ليس لهم من ثقافة إلا ثقافة سب الحكام الظالمين ولعن الظلام الذي ليس لهم من نور فيه سوى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم لو كانوا يعلمون.
لقد كان الشعب الفلسطيني المحاصر منذ سنين طويلة بقيادة مكونات الحركة العلمانية الهجينة، وعلى رأسها حركة فتح، يكتفي بلعن الظلام في كل مرة يقطع عليه فيها الكيان الصهيوني في إطار معاقبته والتضييق عليه والتنكيل به إمدادات الوقود، والمرة الوحيدة التي لم يقف فيها مكتوف الأيدي يلعن الظلام في انتظار أن يمن عليه العدو بجذوة من النار بشروطه وهو صاغر، هي المرة التي كانت تقوده فيها “حماس” في قطاع غزة، وهي صابرة معه على الحصار والإغلاق والقصف والقتل والتجريف والهدم أكثر من سبعة أشهر على قاعدة قول الله سبحانه وتعالى :”واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعدو عيناك عنهم تريد زهرة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا “. والتي على أساس من الإنسجام الثقافي ومن التأييد الجماهيري استطاعت أن لا تكتفي بلعن الظلام وسب الأنظمة والحكام، بل لم تشغل نفسها ولم تشغل الشعب الفلسطيني بذلك فقط، ولكنها أخرجته يوم قطع عليه العدو الصهيوني الوقود والكهرباء على بكرة أبيه كبارا وصغارا شيبا وشبانا نساء ورجالا في مسيرات الشموع ليقهر الظلام وليحتج على العالم “المتحضر” من حوله ويستميت في الدفاع عن نفسه وعن حقه في النور والحياة.
إن ما تحتاجه أمتنا اليوم، ليس ثقافة سب الحكام الظالمين المستبدين ولعن الظلام، ولكنها في حاجة إلى تحميل شعوبها مسؤولياتها في التحرر من الإستبداد والإستقلال من الإحتلال. وهي التي ليس أمامها إلا الفرار إلى الله والإستعانة به والتوكل عليه، ومواجهة الظلم والقهر والفساد في إطار من الإنسجام على أساس من عقيدتها وثقافتها العربية الإسلامية. وعلى النخبة إذا كانت تريد أن يكون لها دور في المقاومة والجهاد والتحرير والتحرر، أن تقتفي أثر أعلام وأصحاب وقيادات هذه التجارب الناجحة، وأن تنتهي من ثقافة السب واللعن، وتنشغل بثقافة التربية والتوجيه والتوعية والتعبئة للشعوب في إطار تحميلها المسؤولية على واقع الأمة، وعلى إحداث التغييرات المناسبة فيه. وهي التي عليها أن لا تنتظر من الحكام الظالمين ومن الأجنبي شيئا إلا مزيدا من القهر والظلم والإذلال. وهي التي عليها أن تتحمل مسؤولياتها في الإصلاح وفي التحرر والتحرير والإستقلال والوحدة .
بقلم :عـــــــــلي شرطـــــــــاني
قفصة في :02/ فيفري/ 2008
تــــــــــــــــــــــــــونس

No Comments Yet »

لا يوجد تعليقات.

خلاصة "RSS" للتعليقات على هذه التدوينة. عنوان التتبع

أضف تعليق

المدونة لدى WordPress.com.