بسم الله الرحمان الرحيم
عندما يصبح الحصار طريقا للإنتصار
* علــــي شرطـــــاني
لقد ساهم العالم “المتحضر” كله ولمدة ثمانية شهور كاملة في حصار “غزة”. وإذا كان يمكن اعتبار حصار التحالف الصليبي الصهيوني اليهودي طبيعيا، باعتبار أن الصليبيين الجدد واليهود الصهاينة هم أعداء تقليديين قدامى للإنسان عموما ولأمة العرب والمسلمين خصوصا. وإذا كان طبيعيا أن يكون الحكام الفاسدين في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين طرفا استراتيجيا ونشيطا في هذا الحصار، فإن غير الطبيعي، والذي يرتقي إلى مستوى الجريمة التي لا تغتفر حقا والتي لا يجد العاقل لها تبريرا، هو أن تكون الشعوب العربية الإسلامية والكثير من أحرار العالم على أي نحو من الأنحاء طرفا فيه.
- كيف كانت شعوب الأمة طرفا في الحصار الخانق على “غزة”؟
في ظل الإنقسام الشديد، الذي أوجده الغرب الإستعماري الحليف الإستراتيجي لحركة اليهود الصهاينة في شعوب الأمة والتي فرض لها الإستعمار البريطاني، بمساعدة فرنسا والحركة القومية العربية،من حيث كانت تقصد أو لا تقصد، ومن حيث كانت تريد أو لا تريد، ومن حيث كانت تعلم أو لا تعلم وطنا قوميا لليهود في قلب الأمة العربية والإسلامية، وفي ظل الإختلاف الثقافي والفكري في أوساط النخبة مختلفة المشارب والمنابع، وفي ظل هيمنة الطائفة العلمانية اللائكية خاصة على السلطة، والتي لا تقل خطورة عن النخبة التقليدية الداعمة للأنظمة التقليدية في المنطقة العربية خصوصا، استمرارا لثقافة وسياسة وإدارة القوى الإستعمارية في الوطن العربي والعالم الإسلامي والعالم، وفي عالم عربي وإسلامي أصبح فيه النظام العلماني العبثي الهجين والنظام التقليدي العدمي هما الأصل، والنظام الإسلامي الذي هو النظام الطبيعي لشعوب الأمة هو الإستثناء، وغير معترف له بالوجود أصلا، كانت هذه الشعوب محبة أو كارهة طرفا في الحصار الخانق المضروب على غزة من فلسطين المحتلة.
نعم لقد كانت كذلك، وهي التي تتابع الأحداث أو تستطيع أن تتابع الأحداث كل يوم بل كل لحظة من اليوم، وليست الأحداث التي تتابعها أو تستطيع أن تتابعها أو لا تريد متابعتها أحيانا أو دائما، أحداثا عادية. وليست بعيدة عنها. إنها أحداث قصف من البر والبحر ومن الجو بالليل وبالنهار تقتل فيه الأطفال والنساء والشيوخ والرجال وتهلك فيه الماشية وتهدم البيوت والمستشفيات والمساجد وكل ما علا من البناء، وتقلع فيه الأشجار وتدمر البيئة من حول كل هذا الذي تقصفه وتهدمه وتقتله وتقلعه وتدمره في فلسطين المحتلة غير بعيد من كل وطن من أوطان شعوب هذه الأمة، ويقدم العدو الصهيوني المؤيد والمدعوم أمريكيا وغربيا صليبيا لكل أسرة وعائلة وقبيلة وعشيرة وحزب وحركة وجمعية وفرد ومجموعة، في كل وقت من أوقات النهار والليل ومع كل وجبة، أشلاء الشهداء من الرجال والشيوخ والنساء والأطفال، بذريعة الدفاع عن النفس ومحاربة الإرهاب وفرض السلام والأمن والإستقرار، باسم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، تماما كما تفعل الأنظمة العلمانية اللائكية العبثية الهجينة والتقليدية العدمية المنحرفة التابعة كلها، بشعوب الأمة العربية والإسلامية التي لها عليها السيطرة والنفوذ في أوطانها، وهي لا تحرك ساكنا، ولا تحرك نخبها ولا مثقفوها ولا مفكروها ولا علماؤها ساكنا على امتداد ثمانية شهور على الأقل، إذا لم نأخذ بالإعتبار ما كان يحصل قبل ذلك على امتداد عقودا من الزمن، وقبل أن يتضح الإنقسام الفكري والثقافي والحضاري، وقبل أن يلتحق التغريبيون صنائع الإستعمار والصهيونية فكرا وعقلا وثقافة وحضارة بالغرب والصهيونية، أي قبل أن تلتحق وبوضوح لا سابقه له من قبل، عصابات الغدر والخيانة والعمالة من السماسرة بقضايا الأمة، بالغرب الأوروبي الأمريكي، وبالصهيونية العالمية، وتعانقهما وتعلن مهادنتهما والتحالف معهما مقابل السلامة والوعود الكاذبة، والعطاء السخي على حساب قضايا الحرية والتحرر والإستقلال والكرامة والعزة، وعلى حساب الأرض والعرض والوطن والدار والأهل والسيادة والدين والتاريخ والحضارة والحقوق.
يحصل كل هذا على مرأى ومسمع من كل هذه الشعوب بكل علمائها ومثقفيها ومفكريها ورؤسائها وزعاماتها ورموزها المختلفة، وبكل أموالها وثرواتها وكنوزها وبكل جيوشها وأسلحتها…
ولا أحد يتحرك، ولا أحد يحتج، ولا أحد يبادر بكل ما هو قادر عليه للمساندة والدعم والإغاثة ورفع المعاناة، والصياح في وجه هذا العالم “المتحضر”، ليقول لا للظلم لا للقهر لا للقتل لا للإستعمار والإعتداء لا للنهب لا للعنصرية والتمييز لا لقتل “الإنسان” لأخيه الإنسان.
- وكانت ذريعتنا في ذلك استبداد الأنظمة الفاسدة؟ !
كل الذي أخشاه أن يكون الموروث البربري الهمجي الغربي هو الذي تستمد منه الشعوب الغربية من حولنا قدرتها على التحرك الشعبي والجماهيري لإحداث النقلة المناسبة في حياتها، وعلى إقامة الأوضاع السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية على النحو الذي تراه مناسبا، والذي تتحقق لها من خلاله السيادة والحرية والديمقراطية والعدل والمساواة في الحدود الممكنة والمتاحة، وأن يكون الموروث الثقافي السياسي الحضاري العربي الإسلامي هو الذي مازالت تستند إليه شعوب أمة العرب والمسلمين في الخضوع للظلم والإستبداد والحيف والفساد، والقبول بالدون وبالقهر والمهانة والإستضعاف، استنادا إلى ما استقر عليه أمر الملك العضوض من الطاعة العمياء لما يسمى ولي أمر المسلمين، وإلى ما دأب عليه أكثر علماء المسلمين للأسف الشديد من تأكيد على وجوب طاعة الحاكم وإن كان ظالما مستبدا وجائرا، ولا يجب أن يتجاوز الأمر في مواجهته والتعامل معه حدود النصح له بالتي هي أحسن اجتنابا للفتنة كما يقولون، عندما استحال أمر الحكم في الأمة على خلاف ما قال به الله سبحانه وتعالى، وعلى خلاف ما كان عليه أمر المسلمين على عهد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وما كان يقول ويوصي ويعمل به، وعلى خلاف ما استمر عليه الوضع بعد ذلك حتى خلافة الإمام الشهيد علي ابن أبي طالب رضي الله عنه وكرم الله وجهه، أي على خلاف ما تقول به القاعدة الأصولية الواردة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم من وجوب الشورى سبيلا لسياسة الحكم في الإسلام.
وأن المؤكد أن ذلك الموروث نفسه، هو الذي تستند إليه الأنظمة اللإسلامية العلمانية اللائكية منها والتقليدية للإستمرار في الحكم الذي لا يغادره الرؤساء والملوك والأمراء عادة…إلا بالموت، أو بقلب النظام الذي هو نظام الواحد منهم، ولاعتبار طاعته واجبا شرعيا، ومخالفته أو عصيانه جريمة لا تغتفر، وكبيرة من الكبائر، وخيانة عظمى، ولا يكون جزاء من يفعل ذلك إلا القتل أو الحبس أو النفي، وذلك أضعف الإيمان.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحا هو :
- لماذا لم تأخذ نخبنا وشعوبنا من الغرب الذي أخذت منه كل شيئ، أو تريد أن تأخذ منه كل شيئ وتعمل على ذلك وتسعى إليه، مما كان منه رديئا وسيئا وضارا خاصة، وما كان منه جميلا وحسنا ونافعا، وإن كان مما قل من كل ذلك، وآلية التداول السلمي على السلطة، وحرية الترشح والإختيار والمشاركة الإيجابية في إدارة الشأن العام؟
- ولماذا لم تأخذ منه قيمة المواطنة الكاملة التي للفرد الغربي في الديمقراطيات الغربية على ما فيها من سلبيات وما يتخللها من أمراض ونقائص؟
- ولماذا لم نأخذ من الثقافة الغربية القيمة التي يعطيها الغرب الصليبي الصهيوني للإنسان الغربي الأبيض خاصة، والتي مازال الإنسان في حاجة لمن يعطيها لكل البشر أين ما كانوا ومهما كان لونهم أو عرقهم أو دينهم أو حسبهم أو نسبهم أو لسانهم؟
- ولماذا لم نأخذ منه العلوم والتقنية؟
علما وأن هذا الذي نبحث عنه لدى الغرب، هو ما نسفه إسلافنا منذ وقت مبكر. ولكن وبالرغم مما ورث ذلك في الأمة من خور، وما انتهى بها إلى ما انتهى بها إليه، كان أقل خطرا عليها من هذا الذي ألحقته وتلحقه بها الأنظمة العلمانية الهجينة المغشوشة، والأنظمة التقليدية المزورة.
إن اعتماد مبدإ الشورى وحده كافيا لحل مشكلة التداول على الحكم مثلما كان يتداول عليه الخلفاء الراشدون من قبل، ومثلما آل إلى عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه من بعد.
وإن اعتماد القاعدة القائلة الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها، كافيا لأن لا نأخذ من الغرب إلا ما نحن في حاجة إليه، وإلا ما فيه نفع وصلاح وما تتحقق به المصلحة وتدرأ به المفسدة.
وإن اعتماد القاعدة المتمثلة في قول الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم “كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته …”لكافيا أن لا نكون في حاجة إلى الأخذ بقيمة ومعنى المواطنة، لما يجعل الإسلام في معنى الرعية من مسؤولية إضافة إلى ما فيها من معنى الحق والواجب، والمساواة بين الناس من ذكر وأنثى، ومن مسلم وغير مسلم، ومن كل الأعراق والألوان والديانات…
وأن الناس في الإسلام متساوون كأسنان المشط، لا فرق في ثقافته ومبادئه وأحكامه بين عربي وأعجمي في المجتمع الإسلامي وفي النظام الإسلامي إلا بالتقوى، وكلكم من آدم وآدم من تراب، والناس متساوون فيه في كل شيئ ولهم نفس القيمة، بقطع النظر عن معتقداتهم وعن ألوانهم وعن أعراقهم، وعن ألسنتهم وعن بيئتهم وموقعهم الإجتماعي، وبقطع النظر عن فقرهم وثراهم وكثرتهم وقلتهم…
وأنه ليس ثمة أقدس في الإسلام من العلم والعقل. وهما الأداتان المناسبتان لامتلاك العلم والتقنية والمعرفة إنشاء وإبداعا، وأخذا من الغير وعطاء له في غير احتكار ولا منع. ومع ذلك كله، أصبح الإستبداد هو الأصل، والشورى والصلاح هو الإستثناء. وكان من سوء طالع العرب والمسلمين أن لا يكون لهم حظ في الديمقراطيات الغربية، ولا في نظام الشورى الإسلامي. وبقي عذر الشعوب والجماهير وذريعتها دائما في عدم إحراز تقدم في مختلف مجالات الحضارة المعاصرة، هيمنة الإسبداد وسيطرته على الأوضاع بكل أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وهي التي لا حول ولا قوة لها.
- حقيقة الأمر :
فلئن كان الإستبداد وفساد الأنظمة حقيقة، فأن ذلك ليس كاف لأن يكون سببا في الركود والخوف والطمع، ورسوخ عقلية الإنتظار والبحث عن جهة سحرية ما ترفع عن هذه الشعوب الظلم والحيف والغبن، حتى لو كانت هذه الجهة احتلالا أجنبيا… وتمكنها من “الإستقلال والتحرر”. ولئن كان صحيحا كذلك أن مرحلة الإنحطاط والظلم وفساد نظام الحكم في العهد العثماني، ومرحلة الإستعمار الغربي لأوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وبرنامج الدولة العلمانية والتقليدية الحديثة، فإن ذلك لا يقوم عذرا لهذه الشعوب أن تكون على هذا الوضع الذي ليس في العالم تقريبا من يقبل أن يكون عليه. صحيح فقد كان لهذه المحطات التاريخية من التراكم السلبي ما تنوء بحمله الجبال، والمهمة ليست سهلة. ولكن أشد الخطر الذي أصبح محدقا بهذه الشعوب، هو ضعف الروح المعنوية والشعور بالإنهزام الحضاري أمام التفوق الغربي والوهن (الذي هو حب الدنيا وكراهية )في عصر المادة والمتعة، وقد انضاف إلى كل ذلك بعد ذلك عاملي الخوف من كل شيئ والطمع في كل شيئ، بعد أن خلت القلوب من الخوف من الله والطمع فيه وحده سبحانه وتعالى. ولئن كانت كل هذه العوامل التاريخية والثقافية والحضارية الكبرى القاهرة سببا في تردي أوضاع شعوب الأمة، فإن الأشد خطرا فيها ومن بينها، هو البرنامج الثقافي والسياسي والإقتصادي والإجتماعي للدولة التقليدية والعلمانية الحديثة على حد سوى، الذي كان برنامج الولاء للذين من الفروض أنهم أعداء، والعداء للشعوب ولمن من المفروض أنهم أولياء. وفي هذه الفوضى وهذا الإنقسام الخطير، تتنزل القضية الفلسطينية التي هي في الحقيقة قضية الأمة كلها وكل الأحرار في العالم. ولهذه الأسباب، وفي هذا الإطار، وفي هذه الفوضى وهذا الإنقسام الخطير، كان موقف الشعوب العربية والإسلامية بأنظمتها ونخبها وعلمائها من الحصار المضروب على قطاع غزة تحديدا بالسلبية التي نعيشها.فقي الوقت الذي كان شعبنا الفلسطيني قد أمضى ثمانية أشهر تحت الحصار الدولي، والذي اشتدت فيه معاناته بقطع الماء والكهرباء والوقود والدواء وكل ضروريات الحياة، مع استمرار القصف والتوغل والإغتيال، وإلحاق الدمار بالحجر والمدر والبشر أطفالا ونساء ورجالا، كانت شعوب أمة العرب والمسلمين متخذة من المشهد الدموي الدرامي التدميري المحزن فرجة لها، ومن الموقف الرسمي الشريك في الجريمة مانعا لها من التحرك والإحتجاج، والبحث عن السبل المناسبة لدعم الشعب الفلسطيني الذي أخضعه التحالف الصليبي الصهيوني العربي “الإسلامي”للإبادة.
- الشعب القدوة؟ ! :
العجيب والغريب في الأمر، أن شعوب الأمة لم تكن على مقتضى ما يوجب عليها الإسلام من الثورة على الحاكم الظالم، على قاعدة قول الخليفة الراشد الأول أبو بكر الصديق رضي الله عنه “أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيت الله فلا طاعة لي عليكم”، لأنها لم تعد في الحقيقة على الثقافة الواعية المسؤولة للإسلام، ولم تكن على مقتضى ما ترى عليه شعوب الغرب من استعداد دائم للتمسك بحقوقها وبسيادتها وبمكاسبها، وعدم التفريط فيها لأي كان وبأي ثمن. ولم تكن على مقتضى ما أرادت لها النخبة المتغربة الهجينة من أن تكون على مستوى نفس المسؤولية التي لشعوب الغرب القدوة عندهم، من خلال ما يعتقدون أنه يمكن أن تكون عليه الشعوب في أوطان أمة العرب والمسلمين، من خلال ما تفرض عليها من ثقافة التغريب، وما جاءت هادمة فيها لثقافة الإسلام والأسلمة والتعريب. وبوجودها بالمنزلة بين المنزلتين، وجدت هذه الشعوب نفسها غير قادرة على أي شيئ، ولا تصلح لشيئ مما تصلح له بقية الشعوب شرقا وغربا من حولها.
وعلى خلاف ما كانت عليه شعوب الأمة مع بعض الإختلاف والتفاوت طبعا في ما بينها من استعداد للثورة ولتولي شأنها وشأن أوطانها بيدها باتجاه تولي شأنها في أمتها، كان الشعب الفلسطيني خاصة إذا ما استثنينا الحديث عن الشعب الأفغاني والعراقي والصومالي والشيشاني والكشميري… من الشعوب التي تتجه نحو أخذ زمام مبادرة التحرير والتحرر والإستقلال بنفسها، بعد أن بدأ يأخذ طريقه إلى الإسلام الواعي المسؤول،الذي يطلق عليه العلمانيون من خلال خراب عقولهم وغلبة الأهواء عليهم الإسلام السياسي، ويطلق عليه آخرون الأصولية الإسلامية، كما دأب الغرب الصليبي والصهيونية العالمية ومن يتفق معهم في المرجعية وفي المصالح الخاصة من المتغربين، الظلامية والإرهاب، وبعد أن جرب كل التجارب العلمانية التغريبية ولم تجده نفعا ولم تزده إلا ضعفا وتشتتا وتشرذما، وإلا تخلفا وانحطاطا وسلبية. وهو الشعب الذي من حقه علينا اليوم أن نعتبره قدوة في التضحية والفداء والشهادة والإستشهاد من أجل حقوقه ومكاسبه وأرضه وعرضه وكرامته ومقدساته التي يأتي على رأسها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين المسجد الأقصى المبارك الذي هو من أحد أهم مقدسات الأمة كلها.
- الجديد في حصار غزة :
إن الجديد في الحصار الذي يعيشه الشعب الفلسطيني منذ اتفاقية أوسلو المشؤومة على الأقل، وقيام ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي جعلت من الضفة الغربية مقرا لها هو :
1- أن غزة أصبحت محررة.
2- أن النفوذ قد أصبح فيها بالكامل تقريبا لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” كبرى حركات المقاومة في فلسطين المحتلة بعد إنهاء الفوضى الأمنية والإقتتال الفلسطيني الفلسطيني الذي كانت تشرف عليه أجهزة السلطة، وكانت طرفا فيه بتخطيط وإشراف وتمويل من الجنرال الأمريكي دايتن.
3- وأن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” أصبحت الطرف الأقوى في السلطة بعد انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة بشهادة كل المراقبين في العالم على أساس برنامج الإصلاح والمقاومة.
4- وأن ذلك كان بعد استشهاد مؤسس حركة “حماس ” شيخ المجاهدين أحمد يسين.
5- وبعد تخلص حركة فتح بالتعاون مع الكيان الصهيوني من الزعيم ياسر عرفات غيلة.
6- وأن حركة فتح وكل مكونات منظمة التحرير الفلسطينية العلمانية واللائكية أصبحت في المعارضة، بعد أن وجدت نفسها بعد عقود من الزمن خارج السلطة ومجرد شريك ضعيف فيها.
7- وأن ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية قد التحقت بالنظام العربي كنسخة طبق الأصل منه، وبالنظام الدولي المعادي للإسلام وللعرب والمسلمين، وللقضية الفلسطينية وللشعب الفلسطيني من أجل سواد عيون اليهود الصهاينة في العالم، في إحكام الحصار على الشعب الفلسطيني في غزة، وكانت الطرف الأشد والأكثر حرصا على ذلك.
- لماذا حصار غزة تحديدا من دون الضفة الغربية؟
- بعد مراهنة دايتن على الإقتتال الفلسطيني الفلسطيني والإعداد له، وإفشال حركة “حماس ” لمخططه في قطاع غزة، واستئصالها للجناح الخياني المتواطئ مع الكيان الصهيوني والأمبراطورية الأمريكية في حركة فتح.
- وبعد اعتبار فتح لذلك العمل الوطني على أنه انقلاب على ما يسمى الشرعية المتمثلة في الماسوني محمود عباس باعتباره “الرئيس الفلسطيني المنتخب لما يسمى بالسلطة الوطنية الفلسطينية، وبعد تحقيق “حماس” للأمن والإستقرار الكامل في قطاع غزة.
وكان ذلك بعد :
1- فشل مراهنة الكيان الصهيوني على عزل حركة المقاومة الإسلامية “حماس ” وإضعافها واضطراها إلى الإعتراف به.
2- خيبة أمل الولايات المتحدة الأمريكية ومن خلفها الغرب الإستعماري العنصري في مخطط دايتن الذي أوكلت مهمة تنفيذه للخائن والعميل الكبير المدعو محمد دحلان وعصابته من السماسرة والمهربين وتجار المخدرات ومنتهكي أعراض الفلسطينيين واللوطيين، والذين ألحقت بهم المقاومة والحكومة الشرعية العاشرة حكومة الوحدة الوطنية التي تم التوصل إليها على أساس اتفاق مكة المكرمة هزيمة نكراء في وقت قياسي.
3- الكشف عن حقيقة علاقة ولاء الحركة العلمانية اللائكية الفلسطينية عموما وبتفاوت، وحركة فتح خاصة، بالكيان الصهيوني وقربها منه، وبالنظام العربي وبالولايات المتحدة الأمريكية وبالأروبيين، وعلاقة العداء لحركات المقاومة عموما وبعدها عنها، وخاصة حركة “حماس” التي كان الجميع يخطط ويعمل على الإطاحة بها، وجعل حد لدورها في إدارة الشأن العام من خلال المؤسسات الرسمية، وفي المقاومة.
4- السيطرة الكاملة لـ”حركة حماس” على قطاع غزة، ورفضها العودة إلى الوضع الذي كان متفجرا به، واستعدادها للحوار اللامشروط مع الرئاسة لتأكيد الوحدة الجغرافية بين غزة والضفة الغربية والوحدة الوطنية الفلسطينية.
5- استئثار ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية بقيادة عباس وحكومته اللاشرعية بقيادة الأمريكي الهوى سلام فياض بالضفة الغربية، وتمسكها بالسلام كخيار استراتيجي مع الكيان الصهيوني الذي لا يؤمن بالحوار ولا بالسلام ولا يؤمن إلا بالحرب والقتل.
6- شل عمل المجلس التشريعي الذي كانت حركة “حماس” صاحبة الأغلبية فيه، والذي لا شرعية لأي حكومة لا يقرها، ولا معنى لأي قانون لا يصادق عليه، والذي كان في إطار تنسيق حركة فتح وعلى رأسها مؤسسة الرئاسة وجماعة دايتن وأمريكا والنظام العربي المعادي في أغلبه للظاهرة الإسلامية في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي مع الكيان الصهيوني لتولي مهمة خطف عدد كبير من أعضاء المجلس التشريعي وعلى رأسهم الدكتور المجاهد عبد العزيز دويك ومن الوزراء فك الله أسرهم جميعا، يراد تعطيله نهائيا.
7- انتهاء الكيان الصهيوني إلى حقيقة أن اجتياح القطاع ليس عملا عسكريا سهلا وسيمنى فيه بخسائر فادحة وسيكون مآله الفشل والهزيمة.
8- تأكد البيت الأبيض الأمريكي من تفريط النظام العربي في القضية الفلسطينية والتخلي عنها، وإعطاء الدنية في حركة حماس في قطاع غزة في مؤتمر أنابوليس بالولايات المتحدة الأمريكية، وأخذ تفويض منه بالتعامل مع قطاع غزة بما يراه صالحا لأمن وفائدة الكيان الصهيوني.
9- زيارة الرئيس الأمريكي، والإرهابي الأكبر في العالم، والصليبي الذي لم يخف صليبيته جورج بوش الإبن للكيان الصهيوني وللضفة الغربية، ولبعض عواصم النظام العربي بالجليج العربي، وتأكيده على يهودية الدولة العبرية وعلى ضرورة أمن الكيان الصهيوني والبحث عن حل لتوطين الفلسطينيين في مخيمات الشتات ورفض حقهم في العودة.
اتخذ في تل أبيب وبتنسيق مع الحكومة غير الشرعية التي شكلها محمود عباس في رام الله قرار شن حرب شاملة على قطاع غزة، بدءا بالتوغلات والقصف الجوي والبري والإغتيالات، ومرورا باستهداف المنشئات والمؤسسات المدنية والحيوية، وانتهاء بقطع كل الإمدادات اللازمة للحياة من ماء وكهرباء ووقود وغذاء ودواء وكساء وغطاء…وإحكام غلق كل المعابر بما في ذلك معبر رفح الذي من المفروض أنه معبر فلسطيني مصري، والذي كان ينبغي أن لا يكون للكيان الصهيوني أو لأي جهة أخرى غير الفلسطينيين والمصريين أي علاقة به ولا أي دور فيه.
وفي الوقت الذي كان فيه الفلسطينيون في غزة، التي أصبح لحركة حماس سيطرة كاملة عليها، يحدق بهم الموت من كل جانب، نساء ورجالا، إناثا وذكورا، كبارا وصغارا، كان فيه الفلسطينيون في الضفة الغربية، حيث السيطرة الكاملة فيها للكيان الصهيوني ولحلفائه ومواليه في ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية وحكومتها اللاشرعية يتمتعون بكل ما يسمح لهم به الإحتلال بالتمتع به، إظافة إلى التوغلات والمداهمات والإغتيالات والأسر وما شابه ذلك من الأعمال العدوانية على شعب في أرضه، والتي ليس لغيره في الحقيقة أي حق معه فيها.
فالخلاف والصراع لم يكن في الحقيقة بين تنظيم حركة فتح في الضفة الغربية، وتنظيم حركة حماس في غزة، ولكن الصراع كان بين مشروعين ثقافيين وحضاريين مختلفين، بين المشروع العلماني المغشوش صنيعة الغرب الصليبي والصهيونية العالمية، والمشروع العربي الإسلامي الأصولي الأصيل المناهض للإمبريالية والصليبية واليهودية الصهيونية وصنائعهما في كل أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين خاصة. وكان ذلك من أوضح الصور التي لم يعد فيها شك للحد الذي بلغه الإنقسام السياسي والإجتماعي في النسيج العربي الإسلامي عموما.
فقد استطاع الغرب الصليبي والصهيونية العالمية أن ينقلا الصراع إلى داخل النسيج الإجتماعي العربي الإسلامي. وتحول الخلاف بين مناهض للنظام العلماني الأصولي الأصلي الغربي ونسخته المشوهة المغشوشة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، ومعاد له ورافض شكلا ومضمونا كليا وجزيئا، سواء في نسخته الغربية الأصلية أو في نسخته المنسوخة الممسوخة علمانيا لا ئكيا وتقليديا عربيا “إسلاميا”، ومعاضد وموال وتابع له وقابل به شكلا ومضمونا كليا وجزئيا. بين معاد للغرب المعادي لنا، وموالي له رغم عدائه لنا. بين حر مستقل ومقيد تابع وذليل، بين أصيل ودخيل، بين أمين وعميل، بين معاف صحيح وعليل مريض، وفي كلمة، بين المشروع الثقافي والحضاري العربي الإسلامي، والمشروع الثقافي والحضاري الغربي الصليبي الصهيوني العلماني اللائكي التوراتي الإنجيلي. وهو الذي نشهده في كل قطر من أقطار وأوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. والذي كان أكثر وضوحا في أفغانستان وباكستان والعراق والصومال إضافة إلى فلسطين وهو مثله في باقي أقطار العالم الإسلامي ولكن بأقل وضوح لعامة الناس.
وكان طبيعيا أن تحاصر غزة التي أصبحت السيطرة فيها كاملة لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”.
وكان طبيعيا أن لا تحاصر الضفة الغربية، بل قل أن لا تحاصر بمثل ما حوصرت به غزة. ذلك أن حصار غزة هو من حصار المشروع الثقافي والحضاري الغربي الذي كان النظام السياسي العلماني اللائكي والتقليدي العربي “الإسلامي” في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، بما فيه مل يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية طرفا فيه، للمشروع العربي الإسلامي الأصيل المتمثل في الحركة الإسلامية عموما في كل أوطان شعوب الأمة وخارجها، وفي حركة المقاومة الإسلامية “حماس” خاصة، وفي كل حركات وأنظمة المقاومة والممانعة ذات الطبيعة الإسلامية في جسد الأمة. وكان طبيعيا أن يكون اصطفاف اللصوص في حركة فتح إلى جانب العدو الصهيوني والأمريكي والغربي عموما. وكان طبيعيا أن لا يكون اصطفاف الأمناء والمخلصين في حركات المقاومة والممانعة إلا إلى جانب الشعوب والجماهير المظلومة المستضعفة، والإنحياز للأوطان وللمستضعفين في مناهضة ومواجهة العدو الصهيوني والأمريكي الغربي وعملائه ووكلائه ومواليه عموما.
- وكان الإنفجار الشعبي الجماهيري باتجاه معبر رفح المصري الفلسطيني :
كان ينبغي أن يكون الشعب الفلسطيني بمنأى عن مثل هذا الحصار القاتل وهو من هو. وكان ينبغي أن لا
يكون مثل هذا الحصار :
1- لو كان العرب يمتلكون حدا أدنى من الوعي بالراهن الحضاري وبالتاريخ المعاصر.
2- ولو كان العرب والمسلمون في مستوى الحدث الحضاري.
3- ولو كانت الشعوب مسؤولة وكانت القيادات في انسجام ثقافي وحضاري معها.
4- ولو كانت القيادة الفلسطينية ممثلة في منظمة التحرير الفلسطينية التي قيل أنها(الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني) وفي ما سمي بعد ذلك وبعد صفقة أوسلو” السلطة الوطنية الفلسطينية ” قيادة صالحة وممثلة تمثيلا حقيقيا للشعب الفلسطيني.
5- ولو كانت القيادة منذ البداية لحركة المقاومة الإسلامية “حماس”، أو لأي قيادة تمثل الشرعية الحقيقية مثلها، أي قيادة عربية إسلامية مؤمنة بالثوابت وبالحقوق الكاملة للشعب الفلسطيني، وفي علاقة وثيقة مباشرة ودائمة بأمة العرب والمسلمين أولا، ثم بالعالم ثانيا.
6- ولو لم تكن سلطة رام الله هي التي عليها مسؤولية ضبط الأمور والأوضاع بغزة بعد تحريرها، وهي التي سلمت المعبر للإتحاد الأروبي وللكيان الصهيوني المهزوم، ليظلا متحكمين فيه كما لو كان قطاع غزة مازال يرزح تحت الإحتلال.
7- ولو لم تكن سلطة أوسلو بالضفة الغربية طرفا مهما في الحصار.
8- ولو لم يكن الرئيس محمود عباس وعصابته رهائن سياسية وفكرية وثقافية للغرب الصليبي والكيان الصهيوني العنصري.
9- ولو لم تكن حكومة الوحدة الوطنية التي شكلتها “حماس”، والتي أصبحت حكومتها بعد الحسم العسكري بقطاع غزة هي التي لها السيطرة الكاملة على الأوضاع هناك.
وفي الوقت الذي كانت فيه كل هذه الأمور قائمة، ضرب الحصار على الشعب الفلسطيني في غزة :
1- لتمسكه بالأرض والإستماتة في الدفاع عنها.
2- لتمسكه بكامل حقوقه فيها.
3- لعدم الإستعداد للتنازل عن الحقوق وعن الثوابت.
4- لإيمانه بقيادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وغيرها ممن هم على دربها من فصائل المقاومة الفلسطينية بنهج المقاومة سبيلا للتحرير والإستقلال.
5- لتمسك “حماس” ومن معها من فصائل المقاومة بعدم الإعتراف بشرعية الكيان الصهيوني على أي شبر من أرض فلسطين كل فلسطين، بالرغم من موافقتها مرحليا على حدود 1967 الأمر الذي يتفق فيه معها البعض من فصائل المقاومة الصادقة والجادة ،ويختلف قيه معها البعض الآخر.
في هذه الظروف ولهذه الأسباب، أجمع العالم “المتحضر،” عالم “الديمقراطية وحقوق الإنسان”، عالم الحرية والسلام وحق تقرير المصير، وأجمع معه للأسف الشديد العالم العربي والإسلامي الرسمي والشعبي، على وضع الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحت الحصار، مع استمرار العدو الصهيوني في الإعتداء عليه بكل أنواع الأسلحة برا وبحرا وجوا، قتلا وتدميرا على مرأى ومسمع من العالم كله عقابا له على :
1- صموده وتمسكه بحق المقاومة.
2- اختياره الحر بكل شفافية وديمقراطية لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” في الإنتخابات التشريعية.
صحيح أن العقاب بهذه الشدة وبهذه الصرامة وبهذا الإجماع، كان موجها لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” :
أ- من طرف القيادة غير الشرعية المنصبة في الضفة الغربية المحتلة بزعامة محمود عباس ومن معه من قتلة الرئيس الفلسطيني الراحل الشهيد ياسر عرفات.
ب- ومن طرف الكيان الصهيوني العنصري المتحالف استراتيجيا مع الإستكبار الأمريكي والمدعوم بقوى الإستعمار الغربية الأوروبية التي فرضته في قلب المنطقة العربية من العالم الإسلامي.
ج- ومن طرف النظام العربي المرتهن علمانيا لائكيا وتقليديا لصنائعه من القوى الدولية الغربية، وهو الذي أعطى الدنية في الزعيمين الراحلين صدام حسين وياسر عرفات، وكانت له مساهمته في إصدار حكم الإعدام في الأول وتنفيذه فيه في ذلك اليوم وبتلك الطريقة، والذي كانت له مساهمته في سجن الثاني برام الله، وفي امتداد الأيادي القريبة منه لدس السم القادم من مخابر العدو الصهيوني له، ليقضي شهيدا من أجل رفضه التنازل عن الحق الفلسطيني في مفاوضات واي ريفر وتمسكه بالحقوق وبالثوابت.
د- ومن طرف الشيطان الأكبر الأمريكي وحليفه الإتحاد الأوروبي الإستعماري العنصري.
ه- ومن طرف الشعب العربي وشعوب العالم الإسلامي وكل “أحرار العالم” وكل المنظمات الإنسانية الحرة والرسمية، التي لم تتحرك إلا بعد أن بلغ السيل الزبا، وبعد أن عرف الشعب الفلسطيني طريقة إلى فك الحصار عن نفسه، وبعد أن أقدمت حرائر الشعب الفلسطيني بقيادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” باقتحام معبر رفح وتحطيم الحدود المصطنعة المزيفة بين قطاع غزة ومصر.
من أجل :
1- طبيعتها العربية الإسلامية ومشروعها الثقافي والحضاري العربي الإسلامي المناهض للمشروع الثقافي والحضاري العلماني اللائكي العبثي والتقليدي العدمي العضوض.
2- اختياره لحركة المقاومة الإسلامية “حماس” في أول انتخابات تشريعية تعددية تشارك فيها في فلسطين المحتلة.
3- إضعاف هذه الحركة المباركة وإسقاط حكومتها.
4- عزل “حماس” كحركة وكحكومة عن الشعب الفلسطيني الذي يراد إظهارها له أنه المتضرر من أجلها، والذي سوف لن يجد أمامه من خيار إلا الإنفضاض من حولها والثورة عليها وإسقاطها.
ولكن الله كان في عون قيادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، وانقلب السحر على الساحر، وجعلت بعون الله من الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحديدا صانعا يوميا للحدث العسكري والسياسي والإعلامي، وناجحا في إفشال كل المخططات العدوانية الفاسدة.
- وكانت المفاجأة الكبرى والحدث الأكبر؟ !
وفي يوم 23 من شهر جانفي 2008 كانت المفاجأة الكبرى. وكان الحدث الأكبر مع آذان الفجر، ليستيقظ العالم على أن أحد جدر العار التي أقامها الإحتلال الغربي بين أجزاء الوطن العربي والعالم الإسلامي الواحد وقد ألقت الجرافات الفلسطينية أمام الزحف الجماهيري الفلسطيني بواحد منها بين رفح الفلسطينية ورفح المصرية بعيدا، ويجد أن الشعب الفلسطيني بقيادة حركة “حماس” وبعون الله قد ذهب خطوة مهمة في فك الحصار عن نفسه، وفرض رغم الداء والأعداء أمرا واقعا لم يكن ليخطر على بال أحد من أطراف الحصار.
لقد كانت إرهاصات وقوع الواقعة واضحة، وتوفرت كل الشروط الإضطرارية لوقوعها. وكان لا بد لنساء قطاع غزة، وهن من كن وفي الغالبية العظمى منهن بين محجبة ومتنقبة التزاما بدين الله عز وجل وفي استعانة به وتوكل عليه، أن يكن صانعات الحدث الأكبر على الساحة العربية والإسلامية، ولم يحل الحجاب الذي كن يرتدينه، والذي يمثل رمز دونية المرأة في الثقافة الغربية الصهيونية التي غزت عقول مختلف مكونات الطائفة العلمانية اللائكية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين عموما وفي تونس العروبة والإسلام على وجه الخصوص من قبل، وفي فترة حكم نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب، نظام العصابات السبع،(1) وقد كانت الغالبية العظمى منهن تحملن الرايات الخضراء رمز حركة المقاومة الإسلامية “حماس”،دون اكتساح بوابات المعبر واقتحامه وفتحه بالقوة، لتزيل الجرافات صباحا جدرانه وحواجزة، وتفتح فيه أكثر من موقع في أكثر من مكان لفسح المجال للشعب الفلسطيني المحاصر في قطاع غزة للإنتشار في محيطه الطبيعي الرحب رفح المقسمة، بكل روح حضارية وبكل انضباط ومسؤولية، ليقتني مئات الآلاف منه كل ما هم قادرون على اقتنائه من احتياجات وأغراض وضروريات، وكل ما هم في حاجة إليه مما كان يمكن أن يكون موجودا في كل المناطق المصرية التي كان مفسوحا لهم المجال الوصول إليها، ليسفهوا بذلك أحلام المراهنين على النظام العربي والنظام المصري تحديدا، وعلى دولة الكيان الصهيوني وعلى أمريكا والإتحاد الأوروبي والرباعية الدولية وغيرها من قوى الشر المعادية للعرب والمسلمين عموما ولفلسطين وللشعب الفلسطيني خصوصا، على إدامة الحصار ومنع أي حل محتمل يمكن أن يخفف من معانات مختلف مكونات وفئات الشعب الفلسطيني حتى يأتي صاغرا، وحتى يقبل بشروط العدو ووكلائه وحلفائه وعملائه، وينفض من حول حركة “حماس” المؤمنة بالمقاومة والتحرير، ويلتحق بحركة “فتح” المؤمنة بما يسمى “السلام “خيارا استراتيجيا، وبنزع سلاح المقاومة والقبول بأي حل سلمي يقبل به العدو ويرضى به عنها، وهو الذي لا يقبل ولا يرضى بأي حل. وهو الذي من عقيدته قتل الآخر غير اليهودي، الذي بقدر ما يمعن ويسرف في قتله، بقدر ما يرضى عليه إلهه الذي يسوده، ويرضى عليه في الدنيا وهو الذي لم يجعل لليهود حظا في الآخرة التي لا وجود لها بعد عالم الشهادة الذي بانتهائه ينتهي كل شيئ.
- استراتيجية “حماس” في فتح معبر رفح العربي الإسلامي :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) العصابة السياسية، والثقافية، والإجتماعية، والإقتصادية، والإعلامية، والأمنية، والقضائية.( ولمزيد الوضوح يرجى البحث عن ذلك في “مدونة : الأستاذ علي شرطاني على العنوان الإلكتروني التالي : chortani@wordpress.com في الحوار الذي أجرته مع صاحب المدونة أسرة موقع :السبيل أون لاين.
لم تكن مدينة رفح طوال تاريخها مصرية ولا فلسطينية، ولكنها كانت عربية إسلامية، ولم تصبح مصرية فلسطينية إلا بفعل “لإستعمار” الغربي، والصهيونية العالمية، والحركة القومية العربية الوحدوية، والنظام العربي العلماني والتقليدي على حد سوى. وبفعل النخبة العلمانية اللائكية والتقليدية زاعمة الوحدة، ومقيمة الإقليمية والقطرية والإنفصال، والمحافظة على الإرث الإستعماري في الحدود والتقسيم، وتأكيد الفرقة والإنقسام، ليس الجغرافي فقط، ولكن الأشد منه خطرا، والمتمثل في الإنقسام الفكري والثقافي والإجتماعي، والعرقي والديني والطائفي وتأبيد الحدود، في الوقت الذي كانت الزعامات الوحدوية العربية قد أمجت أسماع الشعوب والجماهير بشعارات الوحدة والحرية والإشتراكية عقودا من الزمن. لقد أوجدت كل هذه الجهات مجتمعة هذه الحالة من الإنقسام والتجزئة والفرقة والإنقسام، والذي لم يكن إلا لصالح الغرب الصليبي والكيان الصهيوني، الذين أصبحت مخططاتهما تمر عبرالنظام العربي الوحدوي “الإنفصالي”، والنخب العلمانية اللائكية والتقليدية الداعمة له. فمدينة رفح هي كغيرها من المدن والقرى والمناطق والمساحات الحدودية الكائنة بين مختلف أجزاء الوطن العربي الواحد، وبين أجزاء العالم الإسلامي الواحد.فالوضع غير الطبيعي الذي عليه “هذه المدينة الفلسطينية المصرية”، هو وضعها الحالي، وهو الوضع الشاذ الذي عليه كل أجزاء الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، وهو الوضع الذي أصبح عليه كل أجزاء وأقطار وأوطان العالم العربي الإسلامي الواحد، وهو الوضع الذي لا يجب أن يكون، والذي لا يجب أن يستمر، والذي لا يزول إلا بزوال أسباب وجوده، وبزوال الجهات والأطراف التي أوجدته وفرضته واعتمدته وأكدته.وبما أن هذا المعبر هو معبر غير طبيعي، وليس إلا من صناعة الغرب والصهيونية وأتباعهما، فالطبيعي هو فتحه وليس إغلاقه، والطبيعي هو إنهاء العمل به، وإزالة مثل هذه الحدود، ليس التي جعلت من مدينة رفح العربية الإسلامية الموحدة مدينة مقسمة تقسيم الوطن العربي الواحد، والعالم الإسلامي الواحد، إلى رفح المصرية ورفح الفلسطينية، ولكن كذلك تلك التي جعلت من الوطن العربي أوطانا، ومن الشعب العربي شعوبا، وتلك التي جعلت من العالم الإسلامي شعوبا وأمما وأوطانا وطوائف وأعراقا وعشائر وقبائل.
ما كان للشعب الفلسطيني أن تكون منه تلك الهبة الجماهيرية لولا إيمانه، وإن لم يكن قاصدا هذه المرة، أن هذه المدينة هي مدينته، وأن هذا المعبر هو معبره، وأن هذه الحدود ليست حدوده وهي في النهاية لا تلزمه وفي حال الإضطرار على الأقل. ولذلك كان العمل في موقعه وفي وقته، وبالطريقة التي تقتضيها حالة الإضطرار الشديد، والتي يقتضي الأمر فيها في الحقيقة، نظرا لحالة الضغط الشديد، وحالة التوتر الأشد، وحالة الإحتقان الأكثر شدة، أكثر عنفا وأكثر تهورا وأكثر انفلاتا وفوضى. وكان يمكن أن يكون ذلك ممكنا لولا حكمة القيادة السياسية في غزة وحرصها على عدم استفزاز القيادة المصرية، وإدارة المسألة بأكبر قدر من الحكمة والمسؤولية. وبناء على ذلك كان الشعب الفلسطيني في قطاع غزة المحاصر قد أبدى مستوى راقيا من الإنضباط والسلوك الحضاري الذي يحسب له ويكسبه التقدير والإحترام. وليس زحف مجاهدات الشعب الفلسطيني في غزة على معبر رفح واقتحامه إلا من الحكم البالغة لقطع الطريق على كل الظنون والشكوك والمزايدات. وهي خطوة ناتجة عن معرفة دقيقة بالعقلية العربية التي تعتبر أن كل عمل من هذا القبيل حين يكون من طرف الرجال، لا يكون النظر إليه من خلال العقلية العربية الشرقية إلا على أنه تحد وعمل ممنهج يستهدف السيادة المصرية والأمن القومي المصري، ويراد به إلحاق الضرر بالشعب المصري الذي يعتبر القضية الفلسطينية قضيته، ويرى أن الشعب الفلسطيني منه وإليه، وأن الأرض المصرية والفلسطينية هي أرض واحدة ووطن واحد لشعب واحد.وقد كان من الحكم البالغة للقيادة الفلسطينية في قطاع غزة، أن أوكلت مهمة اقتحام المعبر، الذي هو معبر فلسطيني مصري، كان ينبغي أن لا يكون وضعه على ما هو عليه، وكان ينبغي بوجوده أن لا يكون الحصار بالسوء الذي كان عليه وبالشدة التي كان عليها، وأن لا يكون الضغط على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة بتلك الشدة وعلى ذلك المستوى من القسوة، لنساء فلسطين المجاهدات الشهيدات بنات الشهداء والشهيدات، وبنات الأسرى والأسيرات، وبنات المجاهدين والمجاهدات، وبنات المرابطين بأرض الرباط والمرابطات، لإنجاز المهمة العظيمة، ولتنجزها حرائر فلسطين، ولسحب كل الذرائع من المرجفين والمفسدين وأبواق الدعاية وموقضي الفتن والسائرين في ركاب العدو من حيث يريدون أو لا يريدون، ومن حيث يدركون أو لا يدركون، ومن حيث يعلمون أو لا يعلمون، ومن حيث يشعرون أو لا يشعرون، أولئك الذين رغم كل شيئ، ورغم كل هذه الحكمة، ورغم كل هذا الإنضباط، لم يستطيعوا إلا أن يرفعوا عواقرهم ويصخروا أقلامهم، لمحاولة دفع الرأي العام المصري باتجاه استبدال تضامنه وتعاطفه مع الشعب الفلسطيني واحتضانه، بالحقد عليه وكراهيته والنظر إليه على أنه من المعتدين على سيادة مصر، ومن المهددين لاستقلالها ولأمنها الوطني، ولاستقرارها ووحدة شعبها، دفاعا عن الحدود وعن الإقليمية والقطرية والإنفصال، والقبول باستمرار الحصار، وببقاء الفلسطيني مكتوف الأيدي حتى يهلك جوعا وعطشا في عالم وفي دنيا الطعام والماء ووفرة المادة التي تحولت إلى معبود يفقد الإنسان أمامه أي قيمة إنسانية له، محاطا بعالم الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وفي دنيا العقل والعلم والحضارة.
كان يجب أن يبحث الشعب الفلسطيني لنفسه عن متنفس، وكان يجب أن يكون ذلك باتجاه أي دولة عربية، وكان يجب أن يكون ذلك باتجاه مصر أو الأردن، بل كان يجب أن يكون باتجاه مصر ومن خلال معبر رفح تحديدا، وذلك ما له فيه حق، وذلك ما ليس لأحد في الحقيقة أن يمنعه منه عندما لا تتحمل مصر القيادة مسؤوليتها في تشغيل المعبر، وفي تمكينه وهو صاحب الحق في إدارته من العبور منه، ومن تذليل ما استطاع من الصعوبات التي تواجهه في الحصار الذي فرضه عليه الإحتلال ومن وافقه على ذلك، ومن استجاب لندائه، ومن كان عند طلبه اقتناعا أو خوفا أو طمعا.
كان يجب أن يكون ذلك قد حدث منذ البداية. وكان يجب أن يكون ذلك بأي طريقة وبأي أسلوب وبأي ثمن، خاصة وأن القيادة المصرية لم تكن قادرة على تحمل مسؤوليتها في إدارة المعبر بما لها فيه من حق في إدارته، وبما يحقق مصلحة وأمن الشعب المصري والشعب الفلسطيني معا. إلا أن هذه القيادة كانت تجعل تقديم واحترام الإتفاقيات والمعاهدات والتفاهمات الظالمة الجائرة المجحفة في حق الشعب المصري والفلسطيني معا في المقام الأول، وعلى حساب مصلحة “الشعبين” وأمن الشعبين وكرامة الشعبين لحساب العدو وحلفائه ومؤيديه وداعميه، في موطئ قدم كان ينبغي أن لا يكون له أي حق وأي دور في إدارته والإشراف عليه.
أما وقد التقت مصلحة القيادة السياسية المصرية والقيادة السياسية الفلسطينية المتمثلة في محمود عباس وعصابته في الضفة الغربية مع مصلحة الكيان الصهيوني في ما كانت هذه الأطراف تتفق فيه من موقف عدائي مشترك من القيادة الشرعية ذات الطبيعة الإسلامية في قطاع غزة، والتي من حقها أن تمتد سلطتها على الضفة الغربية كذلك، بل وعلى فلسطين كلها، باعتبارها القيادة الوحيدة التي تتمتع بشرعية كاملة من دون كل القيادات الموجودة هنا وهناك، سواء كانت قوة احتلال أو قوة نظام سياسي أو سلطة سياسية علمانية لائكية أو تقليدية مستبدة ظالمة. فقد كان الوضع في فلسطين كلها وفي قطاع غزة تحديدا وفي معبر رفح خاصة على ذلك النحو الذي ينزع الشرعية الوطنية والقانونية من المقاومة ومن الحركة الإسلامية عموما، وعلى رأسها حركة المقاومة الإسلامية “حماس” كبرى حركات المقاومة في فلسطين المحتلة، من حقها ذات يوم في الإشراف على تسيير المعبر، حتى يتسنى لكل هذه القوى خنق الحركة وخنق الشعب الفلسطيني معها في الوقت المناسب. وذلك ما كانت خططت له هذه الجهات وهذه الأطراف، وما جعلته منذ البداية في اعتبارها.
- موقف النظام المصري :
كان النظام المصري بين ثلاثة عوامل رئيسية محرجة، ليس الواحد منها بأفضل من الآخر.
كان:
1- بين اقتناعه، باعتبار طبيعته العلمانية الهجينة، وتبعيته للغرب ولأمريكا والصهيونية تحديدا، وعدم امتلاكه لسلطة القرار شأنه في ذلك شأن كل الأنظمة التابعة، بأن يكون شريكا في الحصار، نظرا لموقفه المعلوم من المشروع الإسلامي ومن الحركة الإسلامية المعاصرة كحركة تحرر عربية إسلامية، وأن لا يكون طرفا ولا معنيا بفكه أو بالمساعدة على ذلك.
2- وبين التزاماته الدولية في ما اتفق فيه مع الإحتلال ومع قيادة ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية ومع الإتحاد الأوروبي وما يسمى الرباعية الدولية في عدم التعامل مع القوى والتنظيمات “الإرهابية” في المقاومة الفلسطينية، بعد انتهاء النظام العربي إلى اعتبار السلام خياره الإستراتيجي، وفي احترام الإتفاقية المنظمة لمعبر رفح الحدودي، بما يجعله في الأصل لا يتعامل إلا مع الجهات الرسمية الممضية عليها، ولا حق له في التعامل مع غيرها، خاصة حين تكون هذه الجهة ذات طبيعة عربية إسلامية، ومؤمنة بالمقاومة والإصلاح كخيارين استراتيجيين للتحرير ونيل الإستقلال، ورافضة لما يسمى بخيار السلام على طريقة النظام العربي الفاسد، وعلى الطريقة الغربية الأمريكية الصهيونية الإستعمارية العنصرية بخلفيتها اليهودية الصليبية، خاصة وأن هذه الجهة كانت حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، التي أصبحت في قطيعة كاملة وتامة مع حركة فتح، كثاني أكبر شريك في السلطة السياسية بفلسطين المحتلة بعد نتائج أول انتخابات تشريعية ديمقراطية وشفافة جرت في الضفة الغربية وقطاع غزة بعد فضيحة أوسلو، وكانت حركة المقاومة الإسلامية “حماس” طرفا فيها. وهي التي انتهت إليها السيطرة الكاملة على القطاع التي أصبحت بعده معنية بنظام المعابر وبالإتفاقيات التي تحكمها وتنظمها، وخاصة معبر رفح الحدودي مع مصر.
3- وبين الرأي العام المصري والعربي الإسلامي المتعاطف مع الشعب الفلسطيني العربي المسلم والمساند والداعم له في حقه في التحرير والإستقلال وإنهاء الإحتلال والحصار والمعاناة.
وقد جعل لعامل التأييد الشعبي المصري والعربي الإسلامي الإعتبار الأول في التعامل والتعاطي مع القضايا العالقة ذات الصلة بالشعب الفلسطيني المحتل والمحاصر، ولم يكن ذلك من قناعاته، ولكنه رأى أن ذلك كان في مصلحته، وأنه كان من الصعب عليه في ظرف حرج للغاية أن يتخذ بعض الخطوات المتفقة مع قناعاته ومع قناعات ومصلحة قوى الهيمنة الدولية التي ليس لها مكان في العالم هي فيه أكثر سيطرة على الأوضاع منه في الوطن العربي المفكك والعالم الإسلامي المبعثر والمشتت. وهي الأوضاع التي كانت ومازالت وستظل المسؤولية فيها على النخب العلمانية العبثية والتقليدية العدمية. ذلك أنه لم يخطو خطوة في كل ما جد مما له علاقة بقضايا الشعب الفلسطيني وبمعاناته إلا بعد وقت طويل، وبعد البحث عن حلول مع بعض الجهات المعنية، وبعد تمسك الفلسطينيين في أي قضية من القضايا المتعلقة بالعلاقة بالمعبر دخولا وخروجا وذهابا وإيابا، وتحت طائلة الخوف من المفاجئات غير السارة المحتملة دائما، وبعد أن لم يكن هناك بد من إيجاد حلول للقضايا العالقة المتعلقة بتشغيل المعبر. كان النظام المصري، وخلافا لقناعاته ولمصلحة قوى الهيمنة الدولية، وتحت ضغط القوى الوطنية العلمانية والإسلامية المصرية الداخلية منها والخارجية، وأمام الحرج الشديد الذي كانت تمثله له الإحتياجات الفلسطينية الملحة التي لا وجود لطريق لحلها إلا عبر الحدود المصرية الفلسطينية المنظمة في معبر رفح، الذي للنظام المصري عليه السيطرة والإدارة، والذي من المفروض أن للشعب المصري عليه السيادة، وإن كانت اتفاقيات الوضع في سيناء مخجلة في الحقيقة ومذلة، ومازا الحديث عن سيناء المحررة ليس دقيقا بل ليس صحيحا، لا يتدخل لحل أي إشكال، ولا يبدي استعداده للتدخل السريع لمعالجة أي مشكلة مهما كانت، وعلى أي مستوى من الحرج والخطورة، مما جعل الكثير من المواطنين الفلسطينيين يلفظون أنفاسهم الأخيرة ويفارقون الحياة عند المعبر، والنظام المصري يرقب ذلك ولا يحرك في البداية ولمدة آجال طويلة أحيانا ساكنا. وكانت تلك قيمة الأنفس البشرية لدى النظام العربي المصري كغيره من الأنظمة العربية في مختلف أقطار الوطن العربي، وكغيره من الأنظمة العلمانية الهجينة المغشوشة في مختلف أوطان شعوب الأمة في العالم الإسلامي. وهي نفس القيمة التي للكيان الصهيوني لأنفس وأرواح العرب والمسلمين، بل لكل الأنفس والأرواح البشرية الأخرى في كل أقطار الدنيا من دون اليهود، وفق الثقافة التوراتية الإنجيلية المحرفة، وهي ليست قيمة النفس البشرية لديه حين يتعلق الأمر بأقل وبأي نفس بشرية يهودية ولو كانت بقايا جسد وأشلاء لأي يهودي، وكذلك هو الشأن بالنسبة للإنسان الأبيض الغربي الذي أقام الحضارة على أساس التفوق والنقاء العرقي الغربي للرجل الأبيض، وعلى أساس التفوق الديني المسيحي على قاعدة أن الديانة المسيحية المحرفة هي خلاصة الأديان، كما كان التأكيد على ذلك من طرف المفكرين والفلاسفة الغربيين منذ القرن الرابع عشر حتى القرن الثامن عشر الذي انتهى فيه الفيلسوف الألماني هيجل خاصة إلى إرساء قواعد الفكر الغربي والثقافة الغربية للطبقة الرأسمالية البورجوازية الغربية صانعة الحضارة المادية المعاصرة، ومفجرة حركة الإستعمار البغيضة.
وهو النظام الذي كان لا يتقدم خطوة باتجاه إنقاذ بعض المواقف، والتدخل لحل بعض القضايا الخطيرة الملحقة أضرارا كبيرة بالشعب الفلسطيني وبمختلف مكونات المجتمع فيه، إلا بعد أن يرى أن ذلك قد أصبح من القضايا التي لم يعد ينفع التغاضي ولا غض الطرف عنها ولا المماطلة فيها، وأنه لا بد له من أن يتدخل لإنقاذ الموقف ولإيجاد حل لمن لا حل لمشكلاتهم إلا بتدخله، لوضع الترتيبات المناسبة قانونيا أو إنسانيا، وأمام الضغط الشديد والحرج والتوتر الشعبي المصري والفلسطيني والعربي الإسلامي والإنساني الشديد أحيانا.
لقد كان موقف النظام المصري خجولا جدا في ما يتعلق بقضية الحصار، وبما له من سلطة ومن دور على معبر رفح. وكان موقفا مترددا لامبدئيا في ما يتعلق بالعلاقة بما حدث وما يحدث في قطاع غزة من صراع ومن حصار، وهو الذي لم تكن منه مبادرة شجاعة واحدة معبرة عن مسؤولية كاملة وجدية واضحة في الوقوف إلى جانب الشعب الفلسطيني في ما يعانيه من أهوال وقتل وتدمير وحصار، منع عليه فيه الإحتلال الصهيوني والعالم من حوله الوقود والطعام والماء والدواء وكل ضروريات الحياة، عقابا له على صموده وبسالته وتمسكه بحقوقه كاملة في الحياة على أرضه كغيره من سكان وشعوب الأرض، ومن أجل تمسكه بحكومته الشرعية المنتخبة، وبقياداته الميدانية الجادة الصالحة التي هي منه وإليه. ولكن كل الذي بدا منه، كان من مواقع الحرج الشديد، والضغط الذي كان يخشى أن يتفجر من خلاله الوضع، ليس بالبلاد فقط، ولكن بالمنطقة كلها.لقد كان النظام المصري كعادة النظام العربي المنتهية في الحقيقة صلاحيته، والذي يلعب في الوقت بدل الضائع، والذي مازالت قوى الهيمنة الإستعمارية الغربية التي أوجدته والصهيونية العالمية في حاجة إليه، والذي لم تعد الجماهير والشعوب العربية الإسلامية في حاجة إليه، لا يصنع الأحداث دائما، ولكنه يجاريها ويواكبها ويتبعها، يتبع الإحداث التي أصبح الشعب الفلسطيني من مواقع الحصار والإغلاق هو صاحب المبادرة في صناعتها بكل فئاته، برجاله ونسائه وأطفاله، وبكل فصائل المقاومة الجادة المخلصة والصادقة فيه. ومن موقع اللاهث وراء الأحداث المتفجرة من حوله، كان النظام المصري ينأى بنفسه عن المواقف المتوترة المتشنجة التي تورطه في أدق وأهم قضية من قضايا أمة العرب والمسلمين والأحرار في العالم، وكانت دبلماسيته تتمثل في النهاية في الموافقة على ما يحدث مما لا إيمان له به ولا اعتقاد له فيه من منطلق مبدئي ليحمد بما لم يفعل، وليحسب له ما وقع مما لم يبادر به ومما لا اقتناع له به، وما لم يعارضه، وهو المؤمن في الأصل بمعارضته، وما لم يقمعه وهو المؤمن في الأصل بقمعه، وله في ذلك تاريخه الطويل وعاداته وتقاليده وثقافته، وما يتوافق مع توجه الرأي العام الشعبي العربي الإسلامي الذي لا احترام له عنده في الأصل، ولا اعتبار ولا قيمة له عنده كذلك عادة ومن منطلق مبدئي، وما لا يتوافق في الأصل مع توجه القوى الدولية الغربية الأوروبية والأمريكية والصهيونية، والذي لا مصلحة لها فيه وما لا تريده ولا ترغب فيه، ولا توافق لو كان لها الأمر والرأي عليه.
لقد أصبح النظام المصري مجبرا ومضطرا للتعامل مع الحكومة الشرعية الميدانية المنتخبة ديمقراطيا في قطاع غزة. وهو الذي لا يعترف لها بالشرعية التي لا معنى لها في ثقافة النظام العربي المتخلف إلا حين تكون ممثلة في شخص الرئيس “المنتخب”. أما لما تكون ممثلة في مجلس نيابي منتخب وفي حكومة منتخبة، فلا قيمة للشرعية ولا معنى لها، ولا اعتراف للنظام العربي الفاسد بها. ولذلك فقد كان النظام المصري، وهو يتعامل ميدانيا وواقعا مع الحكومة المنتخبة شعبيا من موقع المضطر، والقابل بالأمر الواقع الذي لا يملك حياله شيئا، وعينه على الشرعية التي لا علاقة لها بالأحداث ولا علاقة لها بالواقع الفلسطيني في قطاع غزة، ولا دور لها في إدارته، والمتمثلة في محمود عباس وعصابته المتعاونة مع الإحتلال والمشاركة في الحصار، ومعاقبة الشعب الفلسطيني من أجل تمسكه بقيادته الشرعية الميدانية المتمثلة في حركة المقاومة الإسلامية “حماس”، وبحكومته المنتخبة، والرافض لحكومة فياض الصهيونية الأمريكية الأوروبية العربية الرسمية، وينتظر الوقت المناسب الذي يجد فيه نفسه في غير علاقة وفي أي مستوى مع المقاومة ومع القيادة الشرعية الممثلة في الحكومة الشرعية التي ترأسها “حماس”، وفي علاقة مباشرة أو غير مباشرة وفي أي مستوى، مع الشرعية في قاموس النظام العربي وفي ثقافته المتخلفة الرجعية الفاسدة، والتي يمثلها عنده الرئيس الفلسطيني المنتخب محمود عباس وحكومته غير الشرعية برئاسة فياض.
- معنى أن يتحقق الإنتصار في ظل الحصار؟ :
لا نعني بالإنتصار ذلك المعنى الذي أعطاه إياه النظام العربي الرسمي في كل تاريخه “التقدمي” منه والرجعي، والذي حول فيه كل الهزائم والخسائر إلى انتصارات. وهي المعاني التي أعطتها له النخبة القومية العربية الخادمة لأنظمة الهزائم والدكتاتورية “التقدمية”باسم القومية العربية والحرية والإشتراكية والوحدة، والنخبة التقليدية “الرجعية” باسم العروبة والإسلام، وهي سائرة كلها في ركاب الغرب الإستعماري الصليبي شرقا وغربا، ومنفذة لمخططه في التقسيم وتثبيت الكيان الصهيوني العنصري والتمكين له، وهي وفي جانب منها كبير عل الأقل، تخوض معه معارك خاسرة كانت الجماهير العربية تدفع تكلفتها وثمنها غاليا، وهي التي كانت نتائجها في الهزيمة معلومة سلفا.
لقد انتهى عصر تلك المعاني، وانتهى التوازن الغربي الغربي، وانتهى عصر الحروب الوهمية المفتعلة التي كان يخوضها النظام العربي مع العدو مهما كان أصحابها صادقون، ومهما كان الناس يعتقدون في صدقهم، ومهما كان استمرار البعض على ذلك، وبقي النظام العربي المتهالك، وجاء عصر العولمة والهيمنة الأمريكية الصهيونية على العالم، وعصر التطبيع مع الكيان الصهيوني على قاعدة اعتبار السلام بالمفهوم الغربي الأمريكي الصهيوني خيارا استراتيجيا، وإنهاء المقاومة وتجريم حركة الجهاد واعتبارها إرهابا، واعتبار الفعل المقاوم الإستشهادي انتحارا، وسن القوانين لمحاربة حركة الجهاد والتحرر والتحرير من مثل القانون الأمريكي لمحاربة الإرهاب وغسيل الأموال المقصود به تجفيف منابع الدعم المادي للمقاومة وحركة الجهاد في العالم العربي الإسلامي وفي العالم، وتجريم الإشادة بالمقاومة وبالجهاد وبحركات المقاومة والجهاد في مواجهة الحملة الصليبية الصهيونية التي يقودها مجرم الحرب بامتياز الأمبراطور الأمريكي جورج بوش الإبن، المؤيد من كرزايات النظام العربي والأنظمة العلمانية الظالمة في مختلف أوطان شعوب الأمة الإسلامية، وأخيرا تجريم الفضائيات ومنابر الإعلام الحر والأحرار في الأمة حماية للنمطية المقيطة للإعلام الرسمي للنظام العربي المتحجر، وخطابه الخشبي المتخلف، خدمة للإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية وبأمر منهما.
وهكذا كان الأمر دائما بالنسبة لعلاقة النظام العربي في المنطقة العربية، وسائر الأنظمة في باقي أوطان شعوب الأمة الإسلامية بالقوى الغربية الإستعمارية. فهي التي تحقق من خلالها وعن طريقها وبفعلها ما تعجز عن تحقيقه بنفسها، بل وهي التي حققت عن طريقها ومن خلالها ما لم تستطع أن تحققه هي نفسها إبان حضورها العسكري الإستعماري المباشر. وقد أفادت التجربة أن ما عجزت القوى الإستعمارية عن انتزاعه من شعوب الأمة قد انتزعته عن طريق النخب العلمانية العبثية والتقليدية العدمية المكونة للنظام العربي “الإسلامي” والداعمة له.
إن الذي نعنيه بالإنتصار هو ما تحقق للشعب الأفغاني المسلم من إلحاق الهزيمة بواحدة من أكبر الجيوش المجهزة أفضل تجهيز والمدربة أحسن تدريب في العالم، والذي انتهى بسقوط النظام اللائكي الرجعي الماركسي الظلامي، والذي لحقت لعنته الإتحاد السوفياتي المهزوم، وقائد المعسكر الشرقي الذي انتهى إلى السقوط والتفكك في وقت مبكر وبسرعة مذهلة فاجأت كل المراقبين، والذي انتهت بنهايته المنظومة الشرقية الإشتراكية كلها.
وانتصار حزب الله اللبناني على الكيان الصهيوني عام 2000 وعام2006 ، وهو الذي لم يعرف هزيمة واحدة في تاريخ حروبه مع النظام العربي منذ نشأته سنة 1948. هذا الإنتصار الذي استاء أول وأكثر من استاء منه النظام العربي، وجانب كبير من النخبة العلمانية اللائكية في الوطن العربي والعالم الإسلامي، وهو الذي لم يعرف انتصارا واحدا ولم يذق له طعما، وهو الذي ذاق وأذاق الجماهير والشعوب كلها مرارة الهزائم المتعددة عقودا من الزمن، وهو الذي لا يريد لأي جهة أو قوة من داخل الأمة أن تحقق انتصارا ليكون الكل في الهزيمة والفشل سواء.
والذي نعنيه بالإنتصار هو ما توصلت إليه المحاكم الإسلامية في الصومال من حسم للصراع الذي ظلت رحاه دائرة فيه أكثر من 16 سنة أتت فيه على الأخضر واليابس، لتتدخل الولايات المتحدة الأمريكية في الوقت المناسب، وتحول ذلك الإنتصار إلى هزيمة عن طريق التدخل العسكري المباشر، وعن طريق عملائها ووكلائها من الأعداء الداخليين في البلاد والخارجيين في أفريقيا وفي العالم العربي والإسلامي، من الأنظمة والقوى التي بعد ما كانت تعطي للهزيمة الحقيقية معنى الإنتصار، أصبحت تعطي للإنتصار الحقيقي معنى الهزيمة.
ويحق للأحرار من أبناء الأمة أن يشيدوا بالإنتصار الذي حققه الشعب الفلسطيني ومقاومته المجاهدة الباسلة على العدو الصهيوني العنصري، بإجباره على مغادرة قطاع غزة بفعل الجهد المقاوم لفصائل المقاومة الفلسطينية وللشعب الفلسطيني كله.وهو الإنتصار الذي يريد النظام العربي البائس والنخب الفاسدة الداعمة والخادمة له أن يحولوه إلى هزيمة، مثلما حولوا انتصار الجيش المصري والشعب المصري الداعم والمؤيد له سنة 1973 إلى هزيمة أبقى للكيان الصهيوني سيطرة مازالت قائمة على صحراء سيناء.
والذي مازال يسوء النظام العربي البائس أن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” التي ضاقت ذرعا بالفوضى وبالفلتان الأمني والسياسي، وبالعبث بمكاسب ومصالح الشعب الفلسطيني كله، وجدت نفسها أمام مسؤوليتها التاريخية مضطرة لرفع الضر عن الشعب الفلسطيني، بالحسم العسكري والإستلاء على مؤسسات السلطة الراجعة بالنظر للرئيس الفلسطيني محمود عباس وعصابته، تفاديا لكارثة كانت وشيكة الحلول بالشعب الفلسطيني، وهي التي فعلت ذلك لإقرار الحق والعدل وفرض الأمن، وإنهاء الفوضى التي لا مصلحة فيها لتجار المخدرات، وللمتاجرين بأعراض الشعب الفلسطيني، وللمتخابرين مع الكيان الصهيوني للإلحاق الضربات الموجعة والمؤلمة به وبمقاومته الباسلة، ولا للصوص من أصحاب النفوذ في ما يسمى السلطة الوطنية الفلسطينية، وللمرتشين والمأجورين والمرتزقة الذين يعدون العدة لحرب أهلية فلسطينية لتحقيق هدف إنهاء المقاومة، تنفيذا لما تم الإمضاء عليه في اتفاقيات أوسلو المشؤومة ولخطة الجنرال الأمريكي دايتن، في توجيه ضربة يراد لها أن تكون قاصمة لحركة “حماس”، ولنزع سلاح المقاومة عموما. فكان ذلك نصرا للشعب الفلسطيني وللمقاومة ولحركة “حماس”. لقد حصل ذلك في ظل الحصار المفروض على الشعب الفلسطيني، والذي تقوده أمريكا، والذي كان النظام العربي البائس أهم وأنشط وأحرص الأطراف فيه. وهو الذي حقق فيه الشعب الفلسطيني في قطاع غزة تحديدا، وبقيادة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” ومن حولها باقي مكونات المقاومة الجادة ذلك الإنتصار.
لقد تقرر الحصار الظالم على فلسطين كلها من أجل ارتقاء حركة المقاومة الإسلامية “حماس” للسلطة، مع محافظتها على الثوابت والحق في المقاومة، وبعد الحسم العسكري في قطاع غزة. ومع وجود الإنقسام الإجتماعي الحاصل من خلال الإنقسام الثقافي الذي كان الإستعمار الغربي والحركة الصهيونية طرفا رئيسيا فيه أصبح الإنقسام السياسي واضحا، وتركز اهتمام العالم على حصار قطاع غزة وحده لإسقاط حركة “حماس” والحكومة الشرعية التي تقودها، وعقابا للشعب الفلسطيني الذي اختارها لقيادته، والذي ظل متمسكا بها ومساندا لها سامعا ومطيعا، وتحمل كل الصعوبات وكل أنواع العقاب من أجل التفافه حولها وتمسكه بها وعدم الثورة عليها وإسقاطها. فقد تمثل الجانب الأول من ذلك الإنقسام السياسي في النخبة العلمانية الهجينة التابعة المفتونة بالمشروع الثقافي الغربي، والمؤمنة بالنمط المجتمعي الغربي، والهادمة للمشروع الثقافي العربي الإسلامي الأصيل والمتنكرة له، والتي ليس لها قبول به إلا على أساس ثوابت وأصول الفكر الغربي، أي إلا على أساس المسخ والتشويه والتحريف بما يبعده عن أصوله وثوابته، وعن طبيعته وحقيقته، وما يجعله نسخة عربية للمشروع الثقافي الغربي، والمعرضة عن النمط المجتمعي العربي الإسلامي الأصيل، والمتنكرة والرافضة له، والعاملة بكل ما يقربها من الغرب وبما يبعدها عن العروبة والإسلام، والمتمثلة في النخبة المتغربة العابثة المجتمعة في حركة فتح وفي غيرها من التنظيمات وفصائل المقاومة الفلسطينية الملتفة حول محمود عباس وعصابته والقريبة منه، والمعترضة على عملية الحسم العسكري في قطاع غزة، والمطالبة بالتراجع عن ما حصل هناك، واعتبار ذلك انقلابا على الشرعية التي لا يرى فيها الكثير من مكونات هذه النخبة إلا ما يراه النظام العربي والدولي، من أنه لا شرعية إلا لمحمود عباس، وأنه لا شرعية لحكومة منتخبة ولمجلس نيابي منتخب. وتلك هي طبيعة النخبة العلمانية اللائكية الهجينة في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي والأصيلة في الغرب، كل ما تعلق الأمر بأي وضع خارج أوطانه وبعيدا عن شعوبه.
وتمثل الثاني في النخبة العربية الإسلامية الأصيلة المتمسكة بهوية الشعب العربية الإسلامية، والمؤمنة بالفضاء العربي الإسلامي أولا، ثم بالفضاء الدولي ثانيا، والمؤمنة بالثقافة العربية الإسلامية والإنفتاح على الثقافات العالمية والفكر الإنساني، والرافضة للتبعية الثقافية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية في غير هدم للثقافة الغربية، والمتمسكة بالنمط المجتمعي العربي الإسلامي الأصيل المنفتح على غيره من الأنماط المجتمعية والقابل بالتعايش معها، على قاعدة الإحترام المتبادل والتكامل والتعاون والتضامن والأمن والسلام، والرافضة للتراجع عن الحسم العسكري والعودة بالوضع إلى ما كان عليه قبل ذلك. وهو منطق لا يقول به عاقل ولا وطني شريف، ولا يرضى به سوي الفطرة والمزاج، ولا سليم العقل والتفكير.
فكيف يقبل عاقل ورشيد باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير، وباستبدال النظام بالهوج، والإستقرار بالفوضى، والراحة بالتعب، والعدل بالجور، والفساد بالصلاح، والربح بالخسارة والنفع بالضرر…؟ والمتمثلة في حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وغيرها من الشخصيات الوطنية العربية الإسلامية ومن أكثر فصائل المقاومة العاملة معها، والتي ترى أن ما حصل هو ما يجب أن يحصل بقطع النظر عن مآخذ البعض على حركة “حماس” عن بعض التجاوزات والأخطاء التي حصلت أثناء مدة فرض الأمن والإستقرار، وإعادة الأمور إلى نصابها وقطع الطريق عن المفسدين دون حصول الكارثة، والتي ترى أن ذلك ليس انقلابا إطلاقا، وكيف يستقيم الحديث على انقلاب نظام على نفسه؟
فالحكومة التي شكلتها “حماس” هي حكومة وحدة وطنية، وهي حكومة تستمد شرعيتها من الحركة التي لها وحدها حق تشكيل الحكومة باعتبارها صاحبة الأغلبية المطلقة في المجلس التشريعي. فهي حكومة شرعية لم تكتسب وتستمد شرعيتها من تكليف محمود عباس لأحد قادة “حماس” الذي كان المجاهد اسماعيل هنية لتشكيل حكومة الوحدة الوطنية المتفق عليه في اتفاق مكة المكرمة، ولكنها تستمد شرعيتها من وضع أغلبية الشعب الفلسطيني ثقته في حركة “حماس” على أساس برنامج الإصلاح والمقاومة بالحصول على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني.
وبالإنقسام السياسي القائم على أساس الإنقسام الثقافي الغربي، والعربي الإسلامي، أصبح للشعب الفلسطيني حكومة شرعية بقطاع غزة تستمد شرعيتها من الشعب الفلسطيني كله، وحكومة غير شرعية تستمد شرعيتها من الرئيس محمود عباس، ومن حركة فتح في رام الله بالضفة الغربية، ومن قبول واعتراف الإحتلال بها، ومن تأييد أمريكا والإتحاد الأروبي والنظام العربي لها.
فقد كان الإنتصار الذي حققته “حماس ” :
- أنها استطاعت أن تصمد بالشعب الفلسطيني في وجه الحصار أكثر من ثمانية أشهر ومازالت صامدة في وجهه وفي وجه التآمر المحلي والإقليمي والدولي، ومازالت تكسب المزيد من أسباب الصمود، في الوقت الذي كان يعتقد خصومها وأعدائها الذين هم خصوم وأعداء الشعب الفلسطيني والشعب العربي والإسلامي في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، أنها لا يمكن أن تعمر طويلا.
- وهي التي يحسب لها انتصارا قدرتها على إدارة القطاع في ضل الحصار الخانق، وفي ظروف استثنائية يتربص بها فيها الأعداء والخصوم من كل جانب.
- وهي التي استطاعت أن تحقق انتصارا كبيرا لم تستطع أن تحققه غيرها من مكونات وحركات المقاومة والحركات السياسية في ظروف أفضل، وبإمكانيات مادية لا سبيل إلى مقارنتها بإمكانياتها المادية، في وضع يفتقر لأبسط أسباب الحياة، وتحيط به كل أسباب الموت، بكسب ثقة وود وعطف الجماهير الفلسطينية بالداخل وبالخارج الفلسطيني كله، وبالخاج العربي والإسلامي كله. وازداد بها الشارع الفلسطيني والعربي والإسلامي إعجابا لوضوح الرؤية والخطاب، ولنزاهة المواقف وصدق الإعلام، ولعيش هم الجماهير والتواضع لها، ولشفافية التعامل والتعاطي مع الوضع الفلسطيني والإقليمي والدولي.
- وهي التي استطاعت أن تحقق انتصارا بالقدرة على إدارة المعركة السياسية والثقافية والإعلامية مع الخصوم والأعداء، والعسكرية مع العدو الصهيوني الذي مازال يعتقد أنه من المستحيل عليه اجتياح قطاع غزة وإلحاق الهزيمة بالمقاومة.
- وهي التي استطاعت إلى حد الآن، أن تدير الوضع الداخلي سياسيا وثقافيا وإداريا بنجاح وعلى أي مستوى كان، وهي التي تفتقر إلى التجربة في إدارة الشأن العام، والتي تجد نفسها أمام إدارته بمفردها لأول مرة، في ظل حصار قاتل وبدون الحد الأدنى من الإمكانيات المادية التي يستحقها شعب كامل، ربطت حركة فتح ومن حولها النظام العربي البائس والنظام الدولي المنحاز والمعادي مصيره وأبسط احتياجاته بالعدو المحتل للأرض، الذي من المفروض أن لا تكون للشعب الفلسطيني علاقة به غير علاقة القتال والحرب حتى تحرير الأرض وطرد العدو ونيل الإستقلال.
- وهي التي حققت انتصارا بفتح معبر رفح. والتي نجحت في التواصل مع النظام المصري للإبقاء على المعبر مفتوحا، وتعمل ليلا نهارا على الإنتهاء إلى إدارته مع النظام المصري، وإبطال وإلغاء الإتفاقيات والتفاهمات القديمة التي أعطت للعدو الصهيوني وللإتحاد الأوروبي حقا ليس لهما في المشاركة في مراقبته وإدارته والتحكم فيه لمزيد تشديد الحصار على الشعب الفلسطيني كله، وخاصة على قطاع غزة وعلى المقاومة وعلى حركة “حماس”، والمراهنة على عامل الوقت مع استمرار الحصار لإضعافها وإسقاطها.
- وهي التي استطاعت إلى حد الآن تجيير الوقت المراهن عليه لإضعافها وإسقاطها لصالحها ولصالح الشعب الفلسطيني، وتتقدم كل يوم خطوات في تذليل الصعوبات وتحقيق بعض المستحقات التي تساعده على الصمود، ويزداد إيمانا وتمسكا بعد الله بها، وإحداث خروقات في جدار الحصار الذي تبين أن المراهنة على نتائجه كانت خاسرة، وأن هذه النجاحات على تواضعها، وهذا الصمود المنقطع النظير في وجه أخطر حصار عرفه شعب من شعوب الأرض، وهذه القدرة على إدارة المعركة المتعددة الجبهات، في ظل اختلال كامل لموازين القوة لغير صالحها، ازدادت به احتراما ليس أمام الشعب الفلسطيني والشعب العربي والشعوب الإسلامية وحدها، ولكن أمام شعوب العالم. وسوف لا يكون الوقت طويلا بالقدرة على الصمود وتحدي الحصار الجائر لتنال إعجاب وتقدير بعض الدول التي من المعلوم أنه لا إعجاب لها بها ولا تقدير. وبقدر ما تكون أي جهة في العالم محترمة لذاتها، بقدر ما تكون محل إعجاب الآخرين بها وتقديرهم لها، حتى من بعض الجهات المعادية أحيانا. فالقيمة التي تعطى للذات هي القيمة. وهي التي لا تكسبها من أي جهة أخرى ولا تعطيها لها. وهي التي لا تعترف لها في النهاية إلا بتلك القيمة التي تعطيها لنفسها.
ألا يحق لنا بذلك أن نقول ونؤكد على أن حركة المقاومة الإسلامية “حماس” وباقي قوى الصمود والممانعة والمقاومة والشعب الفلسطيني كله في قطاع غزة خاصة، قد نجحوا جميعا إلى حد الآن، في تحويل الحصار الظالم الجائر المتورط فيه العالم كله بما فيها بعض الجماهير والنخب والشعوب المتثاقلة، إلى انتصار لا يستطيع العاقل المنصف أن يجد له فهما وتفسيرا، غير التأييد الإلهي لمن اتقى، ولمن انتصر لله ولرسوله. “وما النصر إلا من عند الله العزيز الحميد” على قاعدة قول الله جل وعلا ” إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم”.”والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم” “وأن الله مع الذين اتقوا والذين هم مؤمنون”.
فألف تحية للشعب الفلسطيني ولحركة المقاومة “حماس”، ولكل فصائل المقاومة المجاهدة في قطاع غزة وفي فلسطين المحتلة. وسلام على الجميع من الله عز وجل، وبارك خطاهم وأيدهم بنصره، وجعل قتلاهم جميعا من الشهداء عنده إنه نعم المولى ونعم النصير.
واللعنة على المعتدين والمتخاذلين والخونة والعملاء، “من الذين اتخذوا دينهم لعبا ولهوا”، وجعلوا من العدو وليا ومن الولي عدوا، فلمن لم يتب ولم يراجع قبل فوات الأوان اللعنة وسوء المنقلب وسوء الدار “جهنم يصلونها وبئس القرار”.
—————————————
1 – (1) العصابة السياسية، والثقافية، والإجتماعية، والإقتصادية، والإعلامية، والأمنية، والقضائية.( ولمزيد الوضوح يرجى البحث عن ذلك في “مدونة : الأستاذ علي شرطاني على العنوان الإلكتروني التالي : chortani.wordpress.com في الحوار الذي أجرته مع صاحب المدونة أسرة موقع :السبيل أون لاين.
قفصة – تونس في : 22 فيفري2008
15 صفر1429