أثر الذاكرة على نبض الشارع
في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين
- الذاكرة المفقودة:
إذا كان نبض الشارع يتأكد من خلال الأحداث، وإذا كانت رهافة حس الشعوب تتأكد من خلال ضخامة الحدث أو بساطته، فإن الشعوب العربية والإسلامية قياسا لذلك تكاد تكون فاقدة لهذا النبض فضلا على رهافة الحس. ولقد كان تأثير نظام الدولة العلمانية الحديثة على ما كان فيه من بعض الإيجابيات وعلى ما يعتقد البعض أنه النظام الأفضل لكسب رهانات الحداثة والتحديث ،والذي كان استبداديا غير ديمقراطي، أشد عليها من عصور الإنحطاط ومرحلة وقوعها تحت سيطرة النفوذ الأجنبي “الإستعماري“. ذلك أن الأحداث المختلفة التي تقع في أوطانها وفي العالم من حولها أصبحت على ضخامتها وخطورتها لا يكاد يوجد لها أثرا ولا تكاد تحدث نبضا في الشارع عندها، ولا يكاد يرى تأثيرا لها على حسها الذي تفيد أحداث التاريخ القديم أنه لم يكن متبلدا أو على هذا القدر من التبلد الذي أحدثته فيه النخبة العلمانية المتغربة من خلال برامج الإعلام والثقافة والتربية والتعليم التي كانت تديرها من خلال استلامها للسلطة واحتكارها لها بعد أن ألغت جانبا من الحرية الذي كانت القيادات الإصلاحية في حركة الإصلاح العربية الإسلامية لشعوب الأمة قد فرضته على قوات الإحتلال الغربي الصليبي لأوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. حتى أن الأمر قد أصبح عندها اليوم على خلاف ما هو عليه الحال لدى الكثير من شعوب العالم الأخرى .ولنا في ردة فعل الشارع اليوناني مثلا على زيارة الرئيس الأمريكي بيل كلنتن لليونان في فترة حكمه للولايات المتحدة الأمريكية حين كان الشعب اليوناني لا يرغب في زيارته لبلاده ولا مرحبا به بها بعد القصف الأطلسي ليوغسلافيا بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية في حرب البلقان خير مثال على ذلك .ولنا في تصدي قطاعات واسعة من الشعوب الغربية لسياسات صندوق النقد الدولي والبنك العلمي في أي بلد من البلدان الغربية من أمريكا اللاتينية حتى جنوب آسيا مرورا بالولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا ينعقد له فيه اجتماع انطلاقا من أمريكا ومرورا ببريطانيا وانتهاء في فترة من الفترات ببلغاريا، إلى غير ذلك من العواصم التي للشعوب سيادة فيها على أوطانها. والعجيب في المفارقة أن هذه الشعوب المتصدية لسياسات هذه المؤسسات المالية العالمية هي الأكثر انتفاعا أو الأقل تضررا من سياساتها المالية على الأقل.
ولعله من الأسلم للمنظمين لهذه الإجتماعات أن يعقدوا اجتماعاتهم في بلد عربي أو إسلامي ـ لو كانوا يعلمون. وسيمر الأمر دون أن يعلم أحد بذلك أو يعيره أي اهتمام. بل وسنكون سعداء جدا أن يكون قد وقع الإختيار على انعقاد أشغال المؤتمر في بلداننا. ونظل شاكرين لهم ثقتهم فينا لذلك .وذلك ما حصل فعلا عندما استضافت قطر إحدى هذه الإجتماعات التي لم يلتحق بها فعلا إلا القليل النادر من المحتجين على انعقادها وعلى سياساتها المالية المخلة بكل التوازنات في العالم .
ولنا كذلك في الشعب اليوغسلافي مثلا من الأمثلة الرائعة في تحمل مسؤوليته في ما حدث لبلاده من دمار وخراب وعزلة، ومن حصار دولي قاتل بسبب سياسة رئيسه الهالك ميلوسوفيتش، بالرغم من مساندته وتأييده له في ذلك في البداية. ولكن لما تفطن لخطورة الأمر، أدرك أن التفريط في القيادة وفي أركان نظام بكامله كان يمنحه تأييده والثقة فيه أولى من التفريط في الوطن وفي المكتسبات. واستمرت التحركات والتظاهرات والمظاهرات والمسيرات والإحتجاجات والإعتصامات الجماهيرية بالليل والنهار تحت إشراف نخبه ومثقفيه، وبقيادة أحزابه السياسية ونقاباته وكنائسه، باتجاه إحداث التغيير الذي يعيد للشعب ماء وجهه. ولم ينته عن ذلك حتى أطاح به هو بنفسه، ولم يفعل كما فعلت بعض الفئات المحسوبة على الشعب العراقي التي فوضت للتحالف الغربي الصليبي الإطاحة بنظام صدام حسين واحتلال العراق. ولم يترك الشعب اليوغسلافي الفرصة للأجنبي للإنتهاء لذلك . وقد انتهى بذلك لإخراج بلاده من المأزق الذي تردت فيه بسبب إعلان قيادته الحرب على شعب كوسوفو ذات الأغلبية المسلمة ،والذي تحمل كذلك مسؤوليته في خوض حرب غير متكافئة مع الصرب، واستطاع تدويل قضيته حتى انتهى بها إلى ما انتهت بها إليها الأمور اليوم ،وان لم يكن قد انتهى بالمشكلة إلى حل حقيقي ونهائي، إلا انه كان قد نجح بذلك في إبعاد شبح الإبادة العرقية عن نفسه .
ولنا في كثير من دول أمريكا اللاتينية وفي إفريقيا خير دليل على قوة النبض في الشارع الجماهيري ورهافة الحس الوطني إزاء أبسط الأحداث أو السياسات المستهدفة للشرف الإنساني ولحقوق الإنسان ولعزته وكرامته وكل هذه الكمالات الإنسانية والأبعاد المعنوية والروحية والثقافية فضلا عن أن تكون مستهدفة لحقوقهم المادية والإقتصادية.
لماذا يحصل كل هذا في جل بلاد العالم بالزخم المطلوب وفي الوقت المناسب، ولا نكاد نرى من كل ذلك سيئا في الكثير أو في جل عالمنا الإسلامي وأوطاننا العربية خاصة؟
مرض فقدان الذاكرة:
ليس لهذا الذي يحصل في الكثير من بلاد العالم في الحقيقة سبب واحد. وإنما تختلف الأسباب باختلاف الشعوب والأوطان والثقافات والأحوال والمواقع والعلاقات…ولكن يبقى الإعتقاد سائدا وعلى نطاق واسع، أن هناك سببا رئيسيا واحدا في هذا الأمر بالذات، إن لم يكن هو السبب الرئيسي الوحيد المشترك بين كل هذه الشعوب الحاضرة دائما وفي حالة جاهزية كاملة أو شبه كاملة ودائمة لردة الفعل المناسبة في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة وبالأداة المناسبة وبالأسلوب المناسب وضد الجهة المناسبة. وان لم يكن ذلك عندها كلها فعند أغلبها على الأقل:هو سلامتها من مرض فقدان الذاكرة، وان لم تكن كلها فجلها، وان لم تكن سلامة كاملة فهي بالتأكيد أقرب إلى السلامة منها إلى المرض والعلة والإصابة،ومن الصحة منها إلى المرض ومن العافية منها للداء.
فلعل كل هذه الشعوب كانت محافظة على هويتها الثقافية والحضارية والعقائدية والعرقية والأتنية، وعلى وطنيتها ومواطنتها، وهي لا تؤمن بالتطور إلا باتجاه مقومات شخصيتها وثوابت هويتها .
وبعيدا عن الشعوب الآسيوية وبعض شعوب أمريكا اللاتينية غير المنحدرة من أصل غربي أوروبي أبيض خاصة، فان الشعوب الأوروبية التي يعتقد أنها أدارت ظهرها للدين المسيحي وأشاحت بوجهها عنه، فإنها مازالت مؤمنة به بطريقتها ،وبما أصبحت تعتقد أن الظروف والأحوال والتطور الحضاري الذي أصبحت عليه يتيحه ويسمح لها به، ومتمسكة به باعتباره أحد مقومات شخصيتها، وأحد مميزات ثقافتها، وأحد حوافز تاريخها لفترة زمنية طويلة ولو مظلمة. وهي التي أعادت تشكيل العقل الغربي وفق ما يجب أن يكون عليه الحال حين يعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله. وهي الحالة التي تكون قد أعادت بها الأمور إلى نصابها، وأعادوا بها هذا التصور للدين المسيحي وهذه العلاقة والإيمان به، وهي التي جعلت من الأمراطور الأمريكي جورج ولكر بوش يعتبر نفسه مفوضا من الله لشن الحرب على الأشرار وفرض السلام وفق رؤية الغرب والرؤية الأمريكية له في العالم.
وهي الحالة التي تكون قد أعادت بها الأمور إلى نصابها لفسح المجال أمام العقل الغربي ليقول كلمته في ما له الحق في أن يقولها فيه، وليعطى الفرصة للتدبر في كتاب الله المنظور الذي حالت الكنيسة، بتصوراتها وفهمها للحياة والكون والإنسان، واحتكارها للحقيقة قرونا من الزمن ،دون التمتع بذلك الحق الذي يتيح له النظر في الكون والحياة والإنسان، والبحث والتدقيق والتحقيق بحرية كاملة في كل ما كان محظورا عليه النظر والبحث فيه .
وانه لمن الطبيعي جدا أن يصطدم العقل البشري بالمفاهيم الإنجيلية وما تضمنته من أحكام وتصورات وشعارات ظلت ولقرون طويلة تعتبر حقائق ثابتة خالدة، يعتبر من الكفر البواح مراجعتها أو التشكيك فيها أو إخضاعها للبحث والنظر العقلي، وذلك بحكم الطبيعة التحريفية الكهنوتية لهذه الأناجيل المعتمدة .
وبهذا المعنى لاينبغي أن ننظر إلى الغرب على انه بدون ذاكرة، أو أنه ابتدع هوية وذاكرة جديدتين لنفسه. أو انه فاقد للذاكرة. لأنه لو كان الأمر كذلك ،ما كان ليستطيع أن يجود على البشرية كلها بكل هذه الإبداعات وهذه الكشوفات والإختراعات والإبتكارات الهائلة التي لا يكاد أن يصدقها أحيانا حتى من يراها بناظريه، ويتعاطا معها بكل حواسه.
وأحسب أن فاقد الذاكرة التاريخية والحضارية والثقافية هو من لا ماصي ولا حاضر له ولا مستقبل. إذ أن الذاكرة هي أولا وقبل كل شيء ماضيا يقع منه الإنحدار، وحاضرا تزاول فيه الحياة بحكمة وتبصر في علاقة ما مع ذلك الماضي وتواصل معه، ومستقبلا يتطلع إليه من خلال الحاضر ذات الصلة بالماضي .
وليس صحيحا أن الغرب قد ألغى ماضيه الديني والروحي الكنسي المحرف، والذي يستحق منه اللعنة ، ولكنه عمل على تصحيحه بطريقته، بتوافق وائتلاف تارة وفي بعض البلدان، وبتوتر وصراع أخرى في بلدان وجهات أخرى من العالم الغربي. وليس أدل على ذلك ،المعسكر الشيوعي المنهار الذي كانت الجهة الأكثر بروزا فيه بعد انهياره هي كنائسه ،وما استعادته من ادوار في حياة من ظلوا عقودا كافرين بها. وهو مدعو إلى الإستمرار في ذلك الإصلاح والتصحيح ، وهما عنده مسألتا حياة أو موت ،بعد أن اجتمعت لديه كل أسباب وأدوات وظروف وآليات التصحيح والإصلاح عبر مراحل مختلفة من تاريخه التي دامت قرونا من الزمن .
وبهذه الذاكرة الضاربة في التاريخ، استطاع الغرب أن يحدث نقلة نوعية في حياته وفي حياة شعوب الأرض وفي حياة الكون كله.
والذي بات متأكدا من خلال ما تقدم، أن الذاكرة هي الماضي أولا، وفاقد هذه الذاكرة أو الرافض لها لا حاضر له ولا مستقبل.أما مسألة تأسيس الذاكرة والهوية والثوابت، فليس ممكنا الحديث عنها إلا عند من لا ماضي حضاري وعلمي ومعرفي وثقافي له. والذي احسب انه ليس صحيحا كذلك، أنه لا وجود لشعب ولا لقبيلة ولا لأمة بدون ذاكرة ولا هوية ولا ثوابت ولا خصوصيات. وإذا كان الغرب بدون ماض حضاري، فليس معنى ذلك أنه بدون ذاكرة طالما أن له ماض أي كان هذا الماضي الذي هو في النهاية جزءا من مكونات شخصيته أحب ذلك أم كرهه وقبل بذلك أم رفضه واعترف بذلك أو أنكره. ذلك أن ذاكرته هي عاداته وتقاليده البربرية التي مازال لها تأثير على عقله الجمعي ،ومازال لها أثر في مخزونه التراثي، ومازال لها تأثير على سلوكه بالتجاه التوحش والميل الشديد إلى العنف و إراقة الدماء .هذه الذاكرة التي تداخلت مع ثقافة الرومان الوثنية ثم المسيحية الرومانية كذلك فالبيزنطية وامتزجت بها، والتي كان أكثر ما كان مفيدا للغرب الحديث فيها والأخذ والإقتباس منها جانبها القانوني، وبثقافة الكهنوت المسيحية الإنجيلية الكنسية، وبالأثر المعرفي الفلسفي العقلاني والعلمي اليوناني. ولم يستطع كل هذا التراكم غير المتجانس أن يكون أساسا لهذا البناء الحضاري الرائع في جانبه العلمي والتقني خاصة، وفي بعض جوانبه الفكرية والفلسفية، لولا الصورة المراجعة المنسجمة المدروسة دراسة علمية عقلانية التي وضعها العرب والمسلمون بين أيديهم لكل ذلك منذ وقت مبكر من التاريخ، بعد أن عاثوا في الكثير منه فسادا وحرقا وإتلافا في الحروب الصليبية التي ظلت رحاها دائرة بينهم بروح همجية بربرية وبين العرب والمسلمين بروح علمية حضارية إنسانية رائعة. وبهذه الصورة، وبكل هذا التراكم عبر العصور والقرون، تشكلت هوية وثوابت وذاكرة الغرب التي انتهت إلى أكمل صورة أقام عليها بناءه الحضاري ومازال مواصلا تطويره له على أساسها ،فكانت هويته وذاكرته المسيحية الصليبية هما الأساس والخلفية التين أقام عليهما هذا البناء الحضاري الضخم الذي لم تنته عجائبه.ومن خلال هذه الذاكرة اكتسب القوة، باعتبار أن الذاكرة هي السلاح الأقوى في وجه كل التحديات .وهي الأصل الذي لا قيام لأي بناء حضاري متميز بدونه.وهي الأصل في حياة الشعوب وبقائها حرة مستقلة صامدة تنعم بالعزة والكرامة والمجد. وما سر استعادة اليهود دورا لهم في التاريخ والبناء الحضاري بعد آلاف القرون من التشتت والتيه، إلا حفاظهم على الهوية اليهودية التوراتية التي انتهوا بها بتحالف مع الغرب الصليبي، وهو الذي تجاوز عنهم لعنة قتل السيد المسيح عليه السلام، واعتقادهم في صلبه إلى إقامة دولة لهم لا أصل لها في تاريخ الدول والشعوب على أرض ليست لهم .
وما سر استمرار الصين على نهج الحضارة قوية منيعة إلا محافظتها على ذاكرتها التاريخية والحضارية رغم ما أحدثته من تغيير جاء حاملا للكثير من التناقض أحيانا لتراث الشعب وماضيه الثقافي. وهو الذي ظل مع ذلك محافظا على قدر كبير من سلطان عقيدة وثقافة التنين عليه.
وكان الأمر كذلك بالنسبة للهند، دون أن يكون ذلك حائلا دون كسب رهانات الحضارة المعاصرة .
أين المسلمون والعرب بصفة خاصة من انتفاضة الأقصى ومن القضية الفلسطينية عموما؟
إذا كان لابد للإنسان من ذاكرة، و إذا كان للشعوب من ذاكرة أيضا، فأين ذاكرة المسلمين والعرب خاصة بكل تقسيماتهم الطائفية والعرقية والدينية والأتنية وانتشارهم الجغرافي؟
لماذا أصبح نبض شارع الشعوب العربية والإسلامية ضعيفا وأصبح حسها بليدا ؟
وهل أن الأمر كذلك حقيقة وما هي الأسباب؟
إن الذي لا شك فيه في ما أعتقد، أن خطأ الحكم العثماني التركي في آخر أيام الإمبراطورية العثمانية كان فادحا. وهو الذي سبقته كذلك أخطاء كثيرة فادحة في التاريخ الإسلامي، والتي يأتي على رأسها على الإطلاق الإنقلاب الأموي على نظام الخلافة الراشدة .
والذي أعتقد أنه لا شك فيه كذلك، أن ردة فعل العرب على ذلك الخطإ كانت كذلك أفدح .
ولئن كان الحس الإسلامي في المراحل وفي الفترات الأولى من إحساس المسلمين بالمخططات الغربية والصهيونية لإنتزاع فلسطين منهم أكثر رهافة، وأكثر إحساسا بالإنتماء، وكانوا أحيا ذاكرة رغم الجهل والإنحطاط ، مما جعلهم في حالة استنفار دائمة، ولم يبخلوا على إخوانهم هناك بأي مدد هم قادرون عليه ،في غياب مرجعية قيادية موحدة، وقد انفرط عقد الخلافة، ولم يبق منها جسد ولا روح ،في الوقت الذي كانوا كلهم جاثمين فيه تحت نير وكلكل الإحتلال الغربي، ويحال دون معوناتهم أن تصل إلى إخوانهم، ويحال دونهم ودون الإلتحاق بفلسطين من أكثر من جهة من جهات الوطن العربي والعالم الإسلامي، وان كان الوضع فيها ليس أكثر خطورة من الأوضاع السائدة في كثير من البلدان العربية والإسلامية في ذلك الوقت،ومع ذلك لم يبخل من كان قادرا منهم على ذلك بنفسه ولا بماله ،فان العرب قد ساهموا في إضعاف ذلك الحس المرهف، وتلك الروح المعنوية العالية الرافضة للذل والهوان والإذلال والتي كانت تزودهم بها الثقافة التقليدية على ما بلغته وما كانت عليه من تحلف حتى ذلك الحين، وعلى ما أضفته عليها حركة الإصلاح الإسلامي حتى ذلك الوقت من جذوة وما أزالت عنها من غبار وما أجرت عليها من إصلاحات وما أضافت إليها من اجتهادات وما أكسبتها من نور، واخذوا عبر العقود الأخيرة خاصة يتجهون نحو اعتبار القضية الفلسطينية قضية عربية خاصة، وشأنا عربيا خاصا ليس للمسلمين فيه شأن، وإن كانت جل البلدان الإسلامية قد حافظت على موقف المقاطعة الذي دعت إليه الأمة العربية في الأقطار العربية، وعدم الإعتراف بشرعية الكيان الصهيوني على أرض فلسطين والتزمت بهما، إلا أنها لم تتجاوز ذلك ،ولم يفسح لها العرب المجال، ولم يوجهوا لها النداء، ولم يعتبروها طرفا في الصراع الذي جعلوا منه صراعا عربيا صهيونيا، ولم يجعلوا منه صراعا إسلاميا صهيونيا. وهم الذين اتخذوا من الغزاة الغربيين الفرنسيين والبريطانيين حليفا، وجعلوا من المسلمين الذين مازالت الخلافة على علاتها في ذلك الوقت رمزا لهم وعنوانا لوحدتهم في حدود كبيرة. ولا يمكن في الحقيقة أن يكون الموقف العربي الخاطئ مبررا لتخلي باقي دول وشعوب ومكونات الأمة عن مسؤوليتها للقيام بما يلزمها الإسلام بالقيام به. وبتحمل مسؤوليتها في العمل على تحرير هذا الوقف الإسلامي من الإحتلال الأجنبي. إلا أن هذه الكيانات التي أصبحت مستقلة ومنفصلة بعضها عن بعض، لم تعد إسلامية بما للكلمة من معنى، وهي التي وفق التقسيم والهيمنة الإستعمارية قد فقدت نظامها الإسلامي، واستمر وجودها على النحو الذي أراده لها الغزاة الغربيون، والذين حكموها به عقودا من الزمن في إطار الدولة الحديثة ونظامها العلماني الذي لا أصل له في تاريخها الحضاري .
لقد استمر هذا الصراع الذي أريد له إلا أن يكون صراعا عربيا صهيونيا في ظل انقسام عربي، يمم فيه بعض العرب وجوههم الإتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي الشيوعي والإشتراكي عامة، ويمم فيه البعض الآخر وجوههم الغرب الأوروبي الأمريكي الرأسمالي الليبرالي عموما ليكونوا طرفا في الحرب الباردة التي أصبحت دائرة بين شقي الحضارة الغربية الواحدة شرقا وغربا، والتي كان العرب الأكثر انقساما فيها، والأكثر تنازعا وفرقة بعضهم بين بعض. ودخلوا في صراع محموم في ما بينهم بالوكالة عن القوتين العظميين، بين تقدمي ورجعي، بين أنظمة “ثورية” عميلة للإتحاد السوفياتي الدموي الأمبريالي في ذلك الوقت، وأخري تقليدية ماضوية “رجعية” عميلة للمعسكر الغربي الرأسمالي الإمبريالي الصهيوني،مما
جعل الأمة الإسلامية التي من المفروض أنها صاحبة الشأن كله في مواجهة المحتل الصهيوني الغاصب لفلسطين، منقسمة بين المعسكرين الشرقي والغربي حليفي اليهود والصهاينة.فقد بلغ الأمر بالعرب تأثرا بالنزعة القومية التي اجتاحت العالم الغربي خاصة منذ عصر النهضة وفي بداية تشكله، والذي دخل فيه في حروب دامية من أجل الوحدة والتوحيد تارة، ومن أجل التحرير أخرى، على أساس قومي، وهي التي كانت بعد ذلك التشكل وباتجاه استكماله من بين الأسباب في اندلاع حربين غربيتين أخذتا امتدادا عالميا من أجل النفوذ ،وسعي كل قومية على السيطرة على أكثر ما يمكن من مناطق النفوذ من اجل اكتساب أكثر ما يمكن من الأسواق لتضخ نحوها فائض إنتاجها ،ولتجلب منها كل ما هي في حاجة إليه من مواد أولية وخامات ليس لها عليها من الإنفاق إلا ما لابد منه لاكتشافها واستخراجها بأجرة يد عاملة منخفضة وبخسة جدا ،وشحنها إلى أراضيها حيث مصانعها ومعاملها التحويلية والصناعية. وبردة فعل من العرب على ما اعتبروا أنه قد وقع في حقهم من ظلم من طرف مركز الخلافة الضعيفة المنهكة ،خاصة بعد تولي جماعة الإتحاد والترقي ذات الأصول اليهودية في الغالبية العظمى من عناصرها،إن لم تكن كلها زمام الأمور بالكامل بالإمراطورية العثمانية،وبتحريض وتشجيع ودعم غربي فرنسي بريطاني صهيوني يهودي خاصة، على فساد الحكم العثماني في المنطقة العربية، بل وفي جل أو كل التخوم التي كانت راجعة له بالنظر إسلاميا في كثير من البلدان والأقاليم، خاصة في المراحل الأخيرة من حياة الأمبراطورية التي كانت محاطة بالطامعين وتتهددها الأخطار في ذلك الوقت ومن قبل ذلك من كل مكان ،لما أصبحت عليه من ضعف بعد قوة، ولضخامة التركة التي تجمعت لديها عبر قرون من القوة والعز والسطوة ،خاصة وأن العرب يعتبرون أنفسهم دائما أنهم أصحاب الحق في تصدر قيادة أمة العرب والمسلمين، لما يعتبرون لهم من فضل أسبقية الإنتصار للإسلام والتمكين لدعوته ،ولمكانتهم من صاحبها صلى الله عليه وسلم، ولما جاء به القرآن من لغة العرب الذي كانت فيه على حد من الإعجاز بما لا علم لعرب الجزيرة العربية أنفسهم في الحين به.
فهم الذين وصل بهم الأمر النظر إلى إيران الإسلامية التي لم تلبث إلا قليلا بعد الثورة حتى أظهرت نزعتها الطائفية وعبرت عنها بوضوح، على أنها فارسية ،حتى أصبحت حليفا استراتيجيا لليهود والصهيونية في عهد الشاه، إلى أن جاءت الثورة التي قادها الخميني ضده وعصفت بملكه وأقامت سفارة فلسطينية في إيران بدل السفارة الصهيونية اليهودية .
وقد وصل الأمر بالعرب كذلك أن فرطوا في تركيا على أساس أنها أصبحت بعد الإنقلاب الأتاتوركي طورا نية، وهي التي أصبحت في اعتبارهم واعتبار الكثير منهم على الأقل وفق الإملاءات والفهم والدس الإستعماري الغربي، وضمن قراءة تاريخية خاطئة مغرضة، كانت تمثل قوة استعمارية في المنطقة العربية. وذلك مما زينه لهم الغزاة الغربيون الصليبيون. وهي التي يعتبرون أنها أذاقتهم الأمرين قرونا من الزمن، مما أعطاهم مبررا كافيا في النهاية لإبرام تحالف وثيق مع قوى الإحتلال لمنطقة الشرق الأوسط خاصة، لجعل حد لهيمنتها عليهم وتحرير أنفسهم من سيطرتها التي طال أمدها كذلك عليهم، واتخذوا منها بذلك عدوا لا ترجى مودته، وهي التي اليوم على إسلام شعبها يحكمها طاقم عسكري، مازال ليهود الدونمة نفوذ كبير وسيطرة عليه، منحاز بها إلى الغرب وهو غير راض عنها وغير قابل بها، وقد أصبحت تمثل حليفا استراتيجيا لليهود وتهديدا حقيقيا للعرب. ومازال يراد لهذا الأمر أن يستمر على هذه الحالة، في الوقت الذي استطاع فيه الشعب التركي المسلم استعادة هويته التركية الإسلامية الحقيقية، وتمكنت فيه الحركة الإسلامية في تركيا من الإرتقاء ديمقراطيا إلى سدة الحكم وتولي قيادة البلاد عن جدارة وفق برنامج إسلامي نحو الرفاه والتنمية الحقيقية، ولكن في إطار العلمانية الأتاتوركية الفاشية الفاسدة وخدمة لها.هذه العلمانية الفاسدة العاجزة التي لا تقبل بالإسلام وبالحركة الإسلامية إلا خادمين لها، ولتحسب نجاحاتهما لها وإخفاقاتهما عليهما. هذه الحكومة التي تقود البلاد إلى الخير ومزيد التفوق والنجاح ،هي التي مازالت قاعدتها الشعبية ومؤيدوها وناخبوها هم الأكثر تضررا .
وهكذا جعل العرب من المسلمين الذين كان ينبغي أن يكونوا رصيدهم البشري، وبعدهم وفضاءهم الإستراتيجي العسكري والسياسي والإقتصادي والثقافي والإجتماعي في جانب منهم عدوا، وكانوا لهم بذلك عونا على الإرتماء في أحضان الصهيونية، وان كانوا إسلاميا ليسوا معذورين في ذلك، وفي إبرام التحالفات الإستراتيجية معها، وفي جانب منهم محايد لا هم معهم ولا هم عليهم ،ولا هم مع العدو ولا هم عليه معهم، وكان ذلك أضعف الإيمان، وفي جانب ثالث منهم محتلا من طرف قوى دولية شرقية أو غربية، وتحظى بتأييدهم في ذلك وبصداقتهم وبتحالفهم معها ،مثلما هو الشأن في دول البلقان والقوقاز وفي بعض دول جنوب آسيا إلى الآن .
إن سر تفوق العدو الصهيوني اليهودي ليس دعم الغرب والولايات المتحدة له فقط ، ولا امتلاكه لأضخم آلة حربية وأكثرها تطورا في المنطقة ،ولكن في الروح المعنوية العالية التي اكتسبوها من انتصاراتهم المتكررة والمتعددة على العرب، وفي تمسكهم بهويتهم اليهودية وبذاكرتهم التي انتهت بهم بعد الشتات إلى فلسطين التي اعتبروها أرضا بلا شعب والتي يجب أن تكون بذلك وطنا لشعب بلا أرض .والأهم من كل ذلك من هدم العرب والمسلمين لهويتهم وتنكرهم لها، و في فقدانهم لذاكرتهم والتفريط فيها ،وفي رصيدهم الإستراتيجي الحيوي الإسلامي روحيا وثقافيا ،وفي امتداداته جغرافيا واقتصاديا وسياسيا ،والإستفادة منه تقنيا وعلميا وعسكريا…
لماذا لم يتجه العرب هذه الوجهة؟:
إن الإجابة عن هذا السؤال أبسط من أن يطول التفكير فيها ،ذلك أن العرب باعتبار أنه يجب أن يكونوا القلب النابض للأمة الإسلامية لأنهم في الأصل صناعها من خلال آدائهم تبليغ أمانة الإسلام إلى الأمم والشعوب التي آمنت به والتأم شملها حوله، وهو الذي أصبحت به أمة واحدة لم يعد العرب إلا أحد مكوناتها، قد اعتبروا في وقت أصبحوا فيه في ما يشبه الردة أن القضية الفلسطينية هي قضيتهم وحدهم، وكأن هناك من منازع لهم من باقي مكونات الأمة عنها ،وهي التي في الأصل ـ وبعيدا عن احتكار العرب لها أو تنصل أنظمة الحكم في باقي أوطان شعوب الأمة الإسلامية من المسؤولية في اعتبارها قضيتهم، وأن احتكار العرب لها لا يسقط عنها واجب العمل على تحريرها ـ قضية إنسانية وإسلامية بالأساس. وهم الذين كانوا وإلى اليوم وفي المستوى الرسمي والعلماني والتقليدي لا يتوجهون ولا يختارون وجهتهم، ولكن يوجهون وتختار لهم وجهتهم. وقد تمت بهم عناية خاصة، وتم توجيههم منذ وقت مبكر إلى الوجهة التي أفرزت وعد بلفور المشؤوم سنة 1917، وهي الوجهة التي قبلوا بها باحتلال بريطانيا مقاسمة مع فرنسا للمنطقة كلها، وجعل فلسطين تحت الإنتداب البريطاني، والتي انتهت إلى توفير كل الظروف المناسبة لإغارة العصابات الصهيونية اليهودية عليها، وتسليم بريطانيا الدولة الصديقة لقائد “الثورة العربية الكبرى“الشريف حسين إياها إليها ،وإلى قيام ما يسمى دولة إسرائيل على أرض الإسراء والمعراج سنة 1948، وانتهاء العرب الذين كانوا يعيشون تخبطا وضياعا لا مثيل له ولا يلوون فيه على طائل بالقبول بقرار التقسيم بعد رفض له والذي كان أول خطوة اعتراف بشرعية الكيان الصهيوني على أرض عربية إسلامية لا حق له فيها من قريب ولا من بعيد.
من هنا يكون الحديث عن ذاكرة الإنسان من حيث هو فرد وشعوب وأمم.
فعن أي ذاكرة يمكن أن نتحدث لدى من يتخذ من العدو صديقا ،ولدى من يتخذ من الصديق عدوا، ولدى من تختار له وجهته ولا يختارها مهما كانت سرعة نسق الأحداث، ومهما كانت التراكمات، ومهما كانت الإلتباسات والتداعيات…؟
إن مثل هذه التصرفات والسلوكيات، ومثل هذه التوجهات و العلاقات، لا تمكن إلا من القول أن هذه الأمة، وفي جانب منها كبير على الأقل، قد أصبحت فاقدة للذاكرة حقيقة. لأن صاحب الذاكرة يستطيع أن يعلم دائما وفي أشد الأوقات حرجا وضيقا ما يصدره من أقوال في الوقت المناسب، وما يقوم به من أفعال في الوقت المناسب، وما يقيمه من علاقات وما ينهيه منها، وما يثبته وما ينهيه من قول وفعل وفق رؤية واضحة، واستنادا إلى مرجعية أصيلة متأصلة معلومة، دون الإعتقاد في ملك الحقيقة كاملة أو انتحال العصمة، وهو بين الإصابة والوقوع في الخطإ يكون أقرب إلى الرشد وأبعد ما يكون عن الإنحراف والضلال.
فبالرغم من أن الذاكرة الإسلامية كانت هي الحاضرة في ذلك الوقت أو الأكثر حضورا على الأقل في قضايا الأمة وفي كيفية معالجتها، في ظل حركة إصلاح كانت حاضرة ،ويعمل رجالاتها وروادها على تدارك ما يمكن تداركه، وإصلاح ما يمكن إصلاحه، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه على أساس تلك الذاكرة، وعلى أساس الهوية الصحيحة الصادقة، والخصائص والثوابت التي لا احترام لأمة مثل أمتنا بدونها، بل قد لا يكون لها وجود بدون ذلك أصلا.،وقد كان ذلك قبل أن يكون التغريب قد أفسد على الناس في شعوب الأمة عن طريق الحضور الإستعماري المباشر وعن طريق وكلائه والمفتونين به من النخبة المتغربة عقولهم ومزاجهم وعلاقاتهم. وقبل أن يتمكن بالقدر الذي أصبح عليه بعد ذلك، خاصة في عهد نظام الدولة العلمانية الحديثة المزيفة وبرامجها وثقافتها، فإن الذي وقع كان خطيرا،وليكون بذلك المنعرج الخطير الثاني في تاريخ الأمة بعد الإنقلاب الأموي في وقت مبكر من التاريخ الإسلامي، والذي مازالت الأمة تعاني من تأثيراته وتداعياته السلبية المدمرة إلى الآن، وهما المنعرجان الأخطر على الإطلاق من المنعرجات والأخطاء والمفاسد الكثيرة التي أفسدت على الأمة استمرار خطها الحضاري الإنساني المتميز. وما كان ذلك ليكون كذلك، وما كان هذا المنعرج الخطير الثاني ليكون لولا طمع قيادة بطانة الحركة القومية آنذاك في التتويج ملوكا على الأمة بدءا من الشريف حسين ومرورا بعبد العزيز آل سعود وانتهاء بالملك فؤاد ملك مصر بعد سقوط الخلافة نهائيا وشعور منصب الخليفة بالكامل.
إن مثل هذا الطموح وهذا الطمع القاتل هما اللذان جاءا بنتائج مخالفة لما كان يجب أن تكون عليه النتائج، وخلافا لما كانت تدعوا إليه وتعمل عليه حركة الإصلاح والنهضة.وهي نفس الأسباب التي أنهت استمرار نظام ونهج الخلافة الراشدة من قبل، وبفعل عربي دائما. وهي نفس الأسباب التي تم التفريط بها في الأندلس. وهي نفس الأسباب التي حالت دون تحقيق الوحدة العربية المزعومة الموهومة ومن أهمها كذلك.
وليس ما كانت وما مازالت تعيشه الأمة كلها وخاصة الأمة العربية من تيه وضياع شبه كامل في توجهاتها واختياراتها الإستراتيجية الثقافية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والعلمية والتقنية والمعرفية عموما إلا حال من كان فاقدا لذاكرته فعلا.ولكم كان السيد حسنين هيكل الذي كان من رموز أكبر أصحاب أقلام الهزيمة في عصر ما يسمى بالثورة بأرض الكنانة مصيبا في الإجابة عن سبب وسر نجاح وتقدم وصعود حركة الإخوان المسلمين في الإنتخابات التشريعية التي تم تنظيمها في أواخر سنة 2005 ،وخسارة وسقوط وتأخر غيرها من الأحزاب والحركات والتنظيمات العلمانية اللائكية اليسارية منها واليمينية التي كانت تحضى بدعم وتأييد ومساندة خارجية ،على شاشة قناة الجزيرة في برنامج “مع هيكل “”تجربة حياة“بأن ذلك كان راجعا لمحافظة الحركة على ذاكرتها. ولعل هيكل نسي أو تناسى أو جهل أو تجاهل أو أدرك أو لم يدرك أن تلك الذاكرة ليست ذاكرة الإخوان المسلمين فقط، ولكنها ذاكرة الأمة كلها. وهو الذي أبدى إصرارا من خلال البرنامج على أنه سيظل محافظا على فقدانه المتعمد لهذه الذاكرة. ولعله لم يدرك أن سر وسبب خسارة غيرها من الرموز والتنظيمات ليس فقدانها لذاكرتها، ولكن إصرارها على محافظتها على ذاكرتها الخاصة بها كرموز ونخب متغربة، وليس فقدانها الذاكرة العربية الإسلامية التي هي ذاكرة الشعب كله والأمة كلها ،والتي لم تكتسبها حتى تكون قد أضاعتها، ولم يكن لها أي اعتبار لها عندها، بل وحرصت على إلغائها وعملت على هدمها ،وقبلت بدلا منها بثقافة الغرب اليهودية المسيحية بخلفيتها الصليبية الصهيونية العنصرية الإستعمارية لإعتبارات كثيرة ،وبتعلات وتبريرات وذرائع وخلفيات وغايات وأهداف مختلفة لا يسمح المجال بالوقوف عندها في هذا المقال .
وإذا كانت ذاكرة هذه الأمة هي مختلف ثقافات وعادات وتقاليد وعقائد ولغات وتاريخ وتراث مختلف أعراقها وشعوبها وفرقها وطوائفها في إطار تاريخهم المشترك وحضارتهم الإسلامية المشتركة التي كانت الشريعة الإسلامية هي المنظمة لحياتهم في النظام الإسلامي بمختلف مجالاته السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية،فان ذاكرة الأمة العربية كأحد الأعراق الرئيسية المكونة للأمة هي عروبتها وثقافتها العربية وعقيدتها الإسلامية ولغتها العربية التي هي لغة القرآن التي لم يكونوا من الأقوام التي اعتنقت الإسلام وأخذتها عنه وتعلمتها منه ولكن الله أنزله بها ربما لأنها اللغة الأكثر اشتقاقا من بين كل اللغات التي جعل الشعوب والقبائل عليها والتي وحدها تتسع له، بما يجعل فهمه وتنزيله أيسر، وإسهاماتها في البناء الحضاري المتميز مع غيرها من الأعراق والشعوب والقبائل المختلفة التي أكرمها الله باعتناق الإسلام الذي كانوا يدعون إليه ويجاهدون في سبيل تبليغه للناس كافة كما أراده الله للناس كافة وأكرمهم الله بذلك وائتمنهم عليه وكانوا أهلا لذلك.ولما كان الأمر كذلك فان كل خروج عن هذا الإطار يكون خروجا عن الجادة وتنكرا من الخلف للسلف ،وخروجا عن نسق تاريخ الأمة وتميزها الحضاري والثقافي العربي الإسلامي، هذا الخروج الذي وصل عند البعض إلى حد الإعلان عن الخروج عن عقيدتها والكفر بثقافتها والتصريح بذلك والإعلان عنه من فرط الوقوع تحت ضغط الغزو الفكري والثقافي .وهذا الخروج وهذا الضياع و الإنصياع لاتخاذ بدائل عن ذلك هو الذي يعني فقدان الأمة لذاكرتها، حتى أن الأمر قد حدى بالعرب أن جعلوا من العروبة بديلا عن الإسلام بعد أن أعطوه معنى باهتا لا علاقة له بمعناه التاريخي، ولا بالمعنى الذي جاءت نصوصه الأصلية محددة له ،وكان ذلك كذلك بسبب الجهل بالإسلام وبسبب التأثر بالمفاهيم التي جاءت الثقافة الغربية حاملة لها للدين من خلال المعاني التي جاء بها في مختلف الأديان والنحل الأخرى،والتي لا تنطبق مطلقا عن الدين الإسلامي وعن المنهج والنظام الإسلامي. وهذا ما كنا وما زلنا نرى ونسمع. وهذا ما يتبادر إلى الذهن وإلى الفهم من خلال الخطاب الذي كان سائدا، والذي مازال يراد له أن يظل سائدا حتى بعد أن ظهر بطلانه وفساده. ولعل هذا مما قد لايستطيع أن يفهمه أو أن يستوعبه أو أن يعترف أو يقبل به الكثير من الناس .ولعل ذلك التوجه الخاطئ كان يجد له مبررا لدى البعض، ولدى رواده والذين عملوا وما زالوا يعملون على التمكين له ،في وجود نسب قليلة موزعة هنا وهناك في مختلف أجزاء الوطن العربي الواحد، التي تم تحويلها بالقوة إلى أوطان وشعوب، من اليهود والمسيحيين وغيرهم من الطوائف وأصحاب النزعات المختلفة العقائد ،من غير أن يعيروا الإهتمام إلى نسب أكبر من الأعراق الأخرى التي كان الإسلام هو القاسم المشترك والأقوى والأمتن بينها، كالأكراد والتركمان والدروز والبربر وغيرهم .
وإذا كانت نسبة المسيحيين في فلسطين مثلا لا تتجاوز على حد بعض الإحصاءات % 7، فان ذلك لا يمكن أن يكون مبررا كافيا لإعتبار فلسطين عربية نزولا عند عروبتهم ،وعلى حساب إسلام الأغلبية الساحقة من الشعب الفلسطيني، وهي عربية فعلا. ولكن ليست العروبة التي استعير معناها لتكون بديلا عن الإسلام ببرنامج نظام اشتراكي كما أرادها النظام القومي العربي الفاشل عقودا من الزمن، وكما ربما مازال من يريدها أن تظل كذلك ويعمل عليه، ولكن ببرنامج من يطلقون على أنفسهم الليبراليين الجدد وفق املاءات المؤسسات المالية الدولية وتجار السلاح ،ووفق رؤية غربية أمريكية صهيونية جديدة يقتضيها نظام العولمة الذي أخذت أوروبا نفسها تبحث لمكان لنفسها فيه، أو بالعودة للعمل بالتجربة القديمة الفاشلة أو بحيث لا أحد يعلم بماذا من الحماقات المتكررة الكثيرة التي أرهقت النخب الرجعية العميلة العلمانية منها والتقليدية شعوب أمة العرب والمسلمين بها.
ذلك أن هذه النسبة أو غيرها مهما كانت قليلة من المسيحيين واليهود العرب لا تعني أنهم ليسوا أصحاب الأرض وأبناء الوطن وأبناء الأمة العربية الإسلامية ومن غير أن يكون ذلك على حساب هويتهم الأصلية وعلى حساب خصائص مقومات شخصيتهم الوطنية والدينية والتاريخية من حيث أن وجودهم كان سابقا لوجود الإسلام والمسلمين بالمنطقة العربية وبالكثير من أوطان أمة العرب والمسلمين.
فعروبة هؤلاء وغيرهم لايمكن أن تعني أنها ليست إسلامية، لأن إسلامية أي بلد إسلامي كفلسطين تتسع لكل العرب بمختلف عقائدهم وثقافاتهم أولا، وتتجاوز ذلك إلى ما زاد عن ذلك من الأعراق ومن القوميات ومن الطوائف بمختلف أديانهم وعاداتهم وتقاليدهم وثقافاتهم تلك ثانيا .
ففلسطين إسلامية أولا، ثم عربية ثانيا، ثم هي لمن زاد عن العروبة والإسلام ممن ليسوا عربا ولا مسلمين ثالثا. وفي كلمة واحدة أقول، أن هذه الأمة هي أولا وآخرا أمة إسلامية عربية ،باعتبار الأغلبية الإسلامية من مختلف الأعراق والشعوب، وباعتبار اللسان العربي لكل مكونات النسيج السكاني العربي الإسلامي وغيره في المنطقة العربية من العالم الإسلامي.
وهي عربية باعتبار الأغلبية خاصة في “أوطان شعوب” الأمة العربية ،وباعتبار ضرورة اللسان العربي لدى الشعوب والأعراق والقوميات المختلفة الإسلامية الأخرى، باعتبار أن اللغة العربية هي لغة القرآن الذي هو عماد وأصل عقيدتهم وشريعتهم ونظامهم الإسلامي الذي لا يصح إسلامهم إلا به. وليس لأنه لسان الأغلبية العربية من المسلمين والمسيحيين واليهود وغيرهم من المتكلمين باللغة العربية من أصحاب الأصول العربية خاصة في أقطار العالم العربي. فان كل هؤلاء يصبحوا أقلية بالنسبة للمجموع العام للمسلمين في العالم الإسلامي. ذلك أننا لا نستطيع ولا يجوز ولا يحق لنا ،وليس ذلك ممكنا لنا عربيا وإسلاميا، أن ننكر على العرب المسيحيين عروبتهم ولا مسيحيتهم ولا وطنيتهم، كما لا نستطيع أن ننكر على العرب اليهود عربيا وإسلاميا عروبتهم ولا يهوديتهم ولا وطنيتهم حين يكونوا مجرد مواطنين في البلاد الإسلامية كلها عربيا وأعجميا، وحين يكونوا أوفياء لتلك الأوطان التي هي أوطانهم ،باعتبار أن اليهود ليس لهم في الأصل وطن خاص بهم.ولكننا ننكر عليهم ذلك عربيا وإسلاميا على حد سوى ،حين لايكونوا أوفياء لهذه الأوطان ،مثلما هو الشأن بالنسبة للمدعو روجي ببسميت العضو بمجلس المستشارين عن اتحاد الصناعة والتجارة بتونس، التي أصبحت للأسف موطنا للفضائح ومضربا لأمثال السوء في ظل الإستبداد، هذا الشبه الذي كان من المسارعين إلى مستشفى “هداسا” بفلسطين المحتلة لزيارة أريال شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني العنصري المصنف أكبر إرهابي عرفه التاريخ حيث يعالج من جلطة دماغية أنهت حياته السياسية الإجرامية بانتظار انتهاء حياته من عالم الشهادة ليكون مآله جهنم وبئس المصير، أو حين يصبحوا كيانا دوليا مستقلا بالحكم على أي أرض يهجروا ويقتلوا ويبيدوا أصحاب الحق الشرعي فيها. وهو ما يحصل اليوم في فلسطين التي لكل العرب والمسلمين حق فيها، ولها عليهم كلهم واجبات.
إن قضية العروبة المسيحية وقضية إخواننا الأقباط وغيرهم من المسيحيين الذين كان الإسلام والعروبة لاحقين لوجودهم في مصر وفي لبنان وغيرها من الأوطان التي لهم فيها وجودا ما قل منه أو كثر، يجب أن تقدر بقدرها، لأن إعطاء كل هذا الإعتبار لعروبة المسيحيين خاصة في البلاد التي للمسيحيين العرب فيها بعض الثقل السكاني ،دون أن يعنى ذلك أنهم غير جديرين بالإعتبار، بل هم يستحقون كل اعتبار، وليس ذلك تفضل من أحد عليهم بل هم أهل له وذلك حقهم، بما يعني أن يكونوا سببا أو يتخذ من يتخذ مسيحيتهم مبررا كافيا لإنهاء أي دور سياسي للإسلام، وذريعة لإستبداله بالعروبة أو بأي نزعة أو مذهب أو منهج آخر، وحرمان الأغلبية المسلمة في بلاد الإسلام من الدعوة إلى العمل بالنظام الإسلامي.وإذا كان من المتأكد في التاريخ المعاصر أنهم كانوا من رواد النزعة القومية إلى حد تغييب الإسلام الذي ليست العروبة إلا أحد أبعاده باعتبار اللسان العربي له، وباعتبار أن العرب كانوا من أول من احتضنه، وأول من أنتصر له ،وأول من نصره كما كانوا كذلك أول من واجهه ومن مثل أكبر تهديدا له، فأن ذلك من المسائل التي يجب مراجعتها وإعادة النظر فيها، لأنه حتى تلك الفترة لم تكن العروبة تحتمل أن تكون بديلا عن الإسلام، للتلازم الذي كان لا يحتمل التفريق أو الفصل بينهما ،حتى كأنهما واحد أولا. ثم أن العروبة لم تكن تحمل معنى مخالفا للإسلام ثانيا.ثم أن الذي لم يكن صحيحا كذلك أن كبار مهندسي المشروع القومي العربي كانوا من العرب المسيحيين، بل إن كبار مهندسيه كانوا من العرب المسلمين، والذي كان من المفروض أن الذي كان على رأسهم هو أحد الزعماء الروحيين ،وأحد علماء المسلمين الشريف حسين زعيم “الثورة العربية الكبرى“الذي عينه الباب العالي واليا على مكة المكرمة، والذي حشد الحشود العربية ،مستفيدا من ظروف كثيرة داخلية عربية وإسلامية وخارجية غربية استعمارية ،بقيادات عسكرية وبتوجيه من قيادات سياسية استعمارية من أمثال كرومر ولورنس وقلوب وغيرهم لمواجهة الجيش الإسلامي والمقاومة العربية الإسلامية بقيادات تركية وعربية وإسلامية مختلفة ،لإقامة الدولة العربية الكبرى الموحدة التي وعده بها الغزاة الغربيون. لألا يرى بعد ذلك بعض المتابعين للشأن العربي إلا أن العرب المسيحيين كانوا هم الداعم الأساسي للمشروع القومي العربي الفاشل، وهم الذين حافظ لهم الإسلام على هويتهم ووجودهم قرونا من الزمن، وهم الذين ظلوا أوفياء له و معترفين ومقرين له بذلك.فإذا كان هناك من مسؤولية، أو لابد من مسؤولية على هذا الفصام النكد الذي أوجده من أوجده ،أو ساهم في إيجاده من ساهم، فان العرب المسلمين هم الذين عليهم المسؤولية الكاملة في ما حصل.
إن وجود العرب المسيحيين كأحد مكونات شعوب الأمة العربية الإسلامية لا يقوم مبررا لتحييد الأديان وإنهاء الصفة أو الصبغة الدينية على النظام السياسي لشعوب الأمة ذات الأغلبية الساحقة من المسلمين من مختلف القوميات والأعراق واللغات، والبحث عن بديل شرقي أو غربي له والقبول به، مما انتهى بالأمور إلى ما انتهت إليه اليوم. ولا أحد يعلم إلى أين تتجه الأمور والأوضاع تحديدا بالأمة. والى ما يمكن أن تنتهي إليه لا قدر الله. وإن كان من المعلوم لدينا معشر المسلمين أن المستقبل وعلى المستوى المتوسط وليس البعيد سيكون لهذا الدين إن شاء الله أحب من أحب أو أبى من أبى ورغم الداء والأعداء.
ذلك أنه لا يجب أن ننظر إلى إخواننا العرب المسيحيين على أنهم عرب فقط ولكن ـ وهذا من الهام جدا ـ بل علينا أن ننظر إليهم على أنهم مسيحيون كذلك ،خاصة في ما يتعلق بقضية الأمة كلها ،التي هي القضية الفلسطينية وقضية شعبنا العربي المسلم والمسيحي في فلسطين التي لا يفرق فيها الإجرام الصهيوني اليهودي بين المؤيد أو المهادن له والمعادي والمقاوم له في عمليات القتل والتدمير والإبادة الجماعية التي يتعرض لها بين عربي و عربي، و بين عربي وغير عربي، ولا بين مسلم ومسيحي.
ولكن والحال هذه، أفلا نستطيع النظر إلى المسيحيين بصرف النظر عن تقسيماتهم الطائفية وانقساماتهم الكنسية على أنهم هم الذين انتهوا في أحرج فترة من فترات تاريخ الإسلام والمسيحية، خاصة في ما يخص القضية الفلسطينية إلى تبرئة اليهود سنة 1986 من دم السيد المسيح ،واعتذار الكنيسة الكاثوليكية لهم، مع فسح المجال لتدفق التعويضات لهم عما صوره اليهود ببارعة فائقة على أنها محرقة حقيقية قد كانوا هدفا لها في الحرب العالمية الثانية على يد النازيين في ألمانيا، وأصبح ذلك مصدر ابتزاز منهم للغرب سياسيا واقتصاديا واستراتيجيا ،في الوقت الذي مازال اليهود محافظين على حقدهم عليهم وكراهيتهم لهم؟.
أن الذي يجب أن يكون مؤكدا أن المسيحيين العرب وغير العرب ذوات الأصول المشرقية والمغربية وفي العالم الإسلامي عموما، وكذلك اليهود إلى غاية ما قبل نشأة الحركة الصهيونية العنصرية الإستعمارية قد عانوا مما عانى منه المسلمون العرب وغير ا لعرب سواء في التاريخ القديم من الحملات الصليبية التي كان ينظمها ويقوم بها المسيحيون الغربيون ضد العالم الإسلامي الذي كان يتمتع بقصب السبق الحضاري ويمسك بزمام المبادرة الحضارية، أو في فترة التاريخ الإستعماري المباشر والإجتياح الغربي لباقي أنحاء العالم الذي كان ينظر إليها على أنها على حال من السكونية والبدائية والتخلف يقتضي منه التدخل لإخراجها منها حسب زعمه، أو في فترة الإستعمار غير المباشر التي تلت انسحابه العسكري من المستعمرات ومن مناطق النفوذ تلك، والتي مازال المسيحيون المشارقة وفي فلسطين تحديدا يعيشون فيها نفس المعانات التي مازال يعاني منها بقية العرب والمسلمين، سواء من السياسات الغربية المعادية للعالم العربي والإسلامي عموما، أو من التدخل العسكري الممكن القيام به في كل مرة لسبب أو لآخر، ولغاية أو لأخرى وبذريعة أو بأخرى، أو من خلال دولة الكيان الصهيوني الموغلة والمسرفة في القتل والتدمير في المنطقة.
أفلا يحق لكل المتضررين من السياسات الغربية المسيحية سواء كانوا عربا أو غير عرب أو كانوا مسلمين أو غير مسلمين أن ينظروا إلى المسيحيين الغربيين ،بدون أن يكون في ذلك إساءة للمسيحيين من الأصول المشرقية أو المغربية عربية كانت أو غير عربية في العالم الإسلامي أو في المنطقة العربية، أو يكون مثيرا لحفيظتهم ،على أن المسيحيين في العالم الغربي هم الذين عليهم المسؤولية المباشرة في زرع دولة للكيان الصهيوني اليهودي في قلب العالم الإسلامي في أرض الإسراء والمعراج وفي أرض كنيسة المهد والقيامة والمسجد الأقصى الشريف ،وغير ذلك من المعالم التاريخية المقدسة، ومازالوا يواصلون العناية بشجرته الخبيثة ريا وسمادا وأدوية حتى تظل مواصلة لنموها ونظارتها وازدهارها إمعانا في التنكيل بالعرب والمسلمين والإذلال والإهانة لهم ،ولمزيد ابتزازهم واستنزافهم؟
أولا يحق لنا كعرب ومسلمين على الأقل أن ننظر إلى العالم المسيحي على أنه الداعم الأساسي إلى اليوم للكيان الصهيوني في حرب الإبادة التي يقودها ضدنا في فلسطين كما تقودها قواته المتحالفة بقيادة الأمبراطورية الأمريكية في العراق وفي أفغانستان وبتركيز خاص دائما على كل ما هو عربي إسلامي، وفي الحرب النفسية والمعنوية بكل عنصرية واستعلاء من خلال هذا التضامن الواسع مع صحافته التي تشن حملة منظمة للإساءة للمسلمين وحدهم هذه المرة عن طريق نشر رسوم كاريكاتورية مسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، لما يعلم له هؤلاء هناك من مكانة ومن قداسة عند المسلمين كافة، والتأييد التام والمطلق لها بذريعة قداسة حرية الصحافة عندهم. هذه الحرية التي لا يحدها إلا مجرد التشكيك في المحرقة التي لايعني أن الغرب لم يقم بها بهذه العنصرية وبهذه البربرية وبهذا الإستعلاء والروح والسلوك غير الحضاريين الذين كان عليهما، والذين يزدادان وضوحا عنده، ولكن ليس على أساس المزاعم اليهودية، ولا على أساس القراءة اليهودية للحادثة، بحيث أنه لم يكن من ضحاياها إلا اليهود وبالملايين.ألم يكن ما قامت به حركة الإستعمار الغربي ذات الأصول اليهودية المسيحية من إبادة للعنصر لبشري في الأماكن والمواطن والأوطان التي حلت بها عساكرها الغازية وجحافل جيوشها وقواتها التدميرية ونهب للثروات والخامات على امتداد عقودا من الزمن ومازالت أشد وأنكى.أليس ما يقوم به الكيان الصهيوني إلى اليوم من حرب إبادة ومجازر متعددة ومتواصلة ضد الشعب الفلسطيني وفرض تهجير قسري عليه يفوق بكثير ما يزعم اليهود أنهم تعرضوا له من حملة إبادة جماعية ضدهم ومما يطلقون عليه معاداة السامية في العالم.
ليس كل هذا الذي يحدث إلا حربا عدوانية واضحة على هوية الأمة ومقدساتها وكل مقومات شخصيتها، لإضعاف معنوياتها بعدما رأى الغرب المسيحي الصليبي ،وتبين له من خلال الأحداث ،ومن خلال الفعل وردة الفعل ،أن استعادة قطاعات كبيرة من أبناء شعوب هذه الأمة لذاكرتها من خلال ما ألحقتها به الجبهة العلمانية الداخلية العبثية اللقيطة والتقليدية العدمية من مظالم وخسارة وفساد واستبداد ،ومن خلال الإعتداءات المتواصلة للتحالف الصليبي الصهيوني اليهودي وعملائه على الأمة، وتكونت بذلك مراكز قوة جادة وفاعلة ،أصبح يعتقد جازما أنها تمثل خطرا حقيقيا على مصالحه في أوطانها ،وعلى استقراره في أوطانه، وإنها جادة في العمل على دفع مظالمه عنها وتحقيق الحرية والإستقلال الذين لا يريدهما لنا.وليس هذا إلا من قبيل التخبط الذي دخل فيه الغرب، والذي لم يزد ذاكرة أبناء شعوب الأمة إلا يقظة وحياة واتقادا، والذي لم يزدهم إلا يقينا على أن خلاصهم في التمسك بهوية الأمة بكل مقوماتها دينا ولغة وأعراقا متزايدة بتزايد المؤمنين بالإسلام والداخلين فيه والمعتنقين والراجعين له ،وتاريخا وثقافة وتراثا وحضارة، وتلك ذاكرتها التي كانت أساس وحدتها قرونا من الزمن، وستظل العامل الأساسي لوحدتها، وستظل فاقدة لوحدتها ما دامت فاقدة لهويتها، وستظل فاقدة لذاكرتها ما دامت فاقدة أو شبه فاقدة لهويتها الإسلامية، وذلك ما هو اليوم من المخاطر التي بدأت تتخطاها في وضع صعب و شائك ومعقد للغاية.
إن الإنحراف العقائدي، والإستهانة بالإنضباط الشعائري التعبدي والأخلاقي والتربوي لصالح العلمانية المهيمنة، والتي فرضت ومازالت تفرض بالقوة على الشعوب والأمم، والإنحراف التشريعي القانوني الفقهي عن الشريعة الإسلامية لصالح اللائكية الوضعية التي لا يمكن أن تكون إلا ملبية لمطالب ورغبات المشرعين ،ومحققة لغاياتهم الفئوية والطبقية والطائفية وغرها وأهدافهم الإقتصادية والسياسية والإجتماعية النفعية الأنانية بالدرجة الأولى، وبذلك لايمكن للنظام الوضعي العلماني إلا أن يكون نظاما طبقيا وفئويا باعتباره لا يستند إلى مرجعية ذات أصول وضوابط وثوابت محايدة ولا محددة ولا هي محل إجماع ،والتي لا يمكن أن تكون كذلك إلا حين لا يكون مصدرها عقل الإنسان الذي هو في النهاية مجموع عقول كل أصحاب العقول من بني آدم، و إلا أن يكون مصدرها العقل الكلي المطلق المبدع.
والإنحراف الثقافي والسياسي عن الإسلام والتعريب لصالح العلمانية واللائكية والتغريب ،والإنحراف الإقتصادي عن العدل وعن إعطاء كل ذي حق حقه ،وعن المحاسبة على قاعدة من أين لك هذا ،ولكي لا يكون المال دولة بين الأغنياء من الناس فقط…إلى ترك حياة الشعوب والمجتمعات تقوم على قاعدة دعه يفعل دعه يمر ،وجعلها تحت هيمنة رأس المال الحر وفسح المجال للأفراد والفئات والمجموعات للإستثراء بكل الوسائل، والغاية تبرر الوسيلة، أو إلى ظلم الناس من أصحاب الثروات والأموال بمصادرة ممتلكاتهم وإلغاء حقهم الطبيعي في الملكية والتملك ،باسم العدل الإجتماعي وإنهاء استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، وكأن حياة الشعوب والأمم لايمكن أن تنتظم إلا على هذين الخيارين أو المذهبين الإقتصاديين.
والإنحراف الإجتماعي عن علاقات الأخوة والتحابب والرحمة والمودة والتعاون والتكافل والتضامن، والحياة الإجتماعية المفتوحة على الجيرة والقرابة وصلة الرحم ،والحفاظ على الأسرة والعائلة والحياة الجماعية…إلى نمط حياتي مغلق لا يعترف أفراده بغير العلاقات المادية ،ويؤكد على الذات والفردية والأنانية والنفعية ،على قاعدة الغاية تبرر الوسيلة مطلقا ،ولا معنى فيه للأسرة ولا للعائلة ولا للحياة الجماعية ولا لعلاقات الجوار والقرابة وصلة الرحم، أو إلى نمط حياتي متذرر ينظر إلى الأسرة على أنها مثلها مثل الدولة مؤسسة استغلالية لا يتحقق العدل والمساواة وإنهاء الإستغلال إلا بحلها ،بل وحتى الدعوة إلى إنهاء الحياة الزوجية المنظمة بين الرجال والنساء لتكون كأي علاقة بين أي ذكر وأنثى…
إن كل انحراف من هذه الإنحرافات وغيرها هو ابتعاد عن الفطرة وإضاعة للهوية ، وفقدان للذاتية ومنزلق إلى هاوية الإنصهار والذوبان والإندماج في الآخر لغير ضرورة ولغير غاية وهدف باتجاه الإنقراض والفناء. وهي انحرافات ومنزلقات نحو فقدان الذاكرة. ومن فقد ذاكرته فقد فقد هويته. ومن فقد هويته فقد فقد ذاكرته لما بين هذه وتلك من تلازم.
ذلك أن الشعوب الفاقدة للذاكرة ،والتي تصبح بمقتضى ذلك مغيبة للهوية الحقيقية الصادقة ،لا يمكنها مطلقا أن تنجح في القيام بالمهمات الكبرى والصعبة وانجازها، والتي يأتي على رأسها التحرر من الإحتلال أو الإستبداد أولا، ثم كسب معركة التنمية والبناء والتشييد والتطور والحداثة التي جعلها “الحداثيون” همهم الذي أصموا الخاص والعام بصراخهم من أجلها ،وهم الأبعد ما يكونوا عنها ،ولم يستطيعوا أن يسلكوا لها طريقا، والإنتهاء إلى تحقيق الإستقلال الذاتي ومجتمع الوفرة والعزة والكرامة.
إن الذي بدا واضحا أن هذه الأمة مازالت فاقدة للذاكرة في قطاعات واسعة من أبناء شعوبها بفعل عوامل ثلاثة كانت تمثل معاول هدم تتالت عليها عقودا كثيرة من الزمن ،والتي كان أولها الإنحطاط والإستبداد العثماني عقودا قبل بداية مرحلة غزو الفرنجة للعالم و لبلاد العرب والمسلمين و واقتسامها.
وكان ثانيها حركة الإستعمار التي جاءت عاملة على هدم كل ما هو مغاير ومخالف لمشروعها الحضاري.وأما ثالثها فكان نظام الدولة العلمانية الحديثة الذي أريد له أن يكون استمرارا للوجود الإستعماري الغربي، بما يضمن استمرار تحقق مصالحه ووجوده غير المباشر، وهو الذي بالرغم مما كان فيه من بعض الإيجابيات، إلا أنه لم يكن النظام المناسب لتحقيق طموحات أبناء شعوب الأمة في التحرر والإستقلال والوحدة والرفاه والعزة.
وأحسب أنها اليوم في طريقها إلى استعادة ذاكرتها وهويتها بفعل الصدمات القوية التي تلقتها ومازالت تتلقاها كل يوم تقريبا وعلى مدى عقود طويلة، بل على مدى أكثر من قرن من الزمن.
ولكن الذي نستطيع أن نؤكده كذلك أيضا، أنها مازالت تعاني من سياسة الشد والجذب بين القوى المخلصة لها والمنتصرة لهويتها الحقيقية ولإستعادة ذاكرتها التي يمكن أن تستعيد بها مكانتها وقيمتها وهيبتها التي فقدتها ،والتي لا يمكن أن تستعيدها إلا على ذلك الأساس،وبين قوى الإستعلاء والإستكبار العالمي والمتحالفين معها ممن من المفروض أنهم أبناءها من المنتصرين للعلمنة والتغريب، والمناهضين للأسلمة والتعريب، بل ومنهم من يتجاوز ذلك إلى معاداتهما ومعاداة من يدعو اليهما، ومن لا قناعة له بغيرهما في أي مكان من العالم ،والجادين لإستعارة ذاكرة وهوية الأمم الأخرى لها باسم العالمية وباسم الثقافة الإنسانية وباسم العولمة وباسم الحداثة وغير ذلك من الشعارات الممجوجة التي قد مضى من الوقت على الأمة ما يكفي للقول أنه لا طائل من ورائها.ولعل المخلصين من هؤلاء لا يعلمون أن ذاكرة أمة لا تصلح لأن تكون ذاكرة لأمة أخرى بالغة ما بلغت من العالمية ومن الإنسانية ومن درجات التقدم والرقي والحداثة. وأن الذاكرة لا تستعار ولا تكترى ولا تشترى ولا تباع كذلك ولا تصنع.وأحسب أن هؤلاء المخلصين قادرون أن يعلموا أن الذاكرة هي تراكم ثقافي معرفي وروحي عقائدي وتاريخي حضاري، وإذا كان هذا ما تختلف فيه الأمم من أمة إلى أمة والشعوب من شعب إلى شعب، فكيف يمكن أن تنقل ذاكرة أمة لأمة أخرى أو ذاكرة شعب لشعب آخر، بقطع النظر عما يمكن أن يكون هناك من القواسم المشتركة التي يمكن أن تحقق التعايش والتعاون والتكامل بين هذا الشعب وذاك ،وبين هذه الأمة وتلك ،وما يمكن أن يتحقق لهذه الجهة أو تلك من مكاسب ومنافع ،وما يمكن أن يجنبها ذلك من خسائر وأضرار.
والذي نستطيع أن نؤكده أن أي مجهود يتجاهل الهوية الحقيقية للأمة وينصرف إلى إحداث أي بديل عنها أو يجعل أصحابه الإقليمية والتجزئة ملاذا لهم تحت عنوان القطرية و الوطنية ويتجهون إلى البحث عن أصل وهوية لذلك بعيدا عن أصل وهوية الكل ذات الهوية الواحدة والمرجعية الواحدة والإمتداد الجغرافي الواحد…ويستثني جهلا أو تجاهلا ذاكرتها ،ويتجه إلى إحداث أي ذاكرة لها بديلا عنها ،هو مجهود ضائع ليس لأي كان أي مصلحة فيه.وليس الوضع الذي تعيشه الأمة اليوم منا ببعيد بفعل هذه العقلية وهذه التوجهات وهذه المحاولات ومثل هذه القناعات. ولقد بدا واضحا أن هذا الضياع وهذا التفكك وهذا الإنحدار الذي ألقت فيه النخب العلمانية العبثية والتقليدية العدمية بشعوب الأمة من حيث أنها تزعم أنها إنما كانت دائما تريد أن تصعد بها ،قد الحق بها خسائر كثيرة و أضرار كبيرة. وهي تعلم اليوم ومدركة حجم تلك الخسائر وتلك الأضرار.ولكن مواقعها ومصالحها العائلية والأسرية والقبلية والفئوية والنخبوية والحزبية…ما زالت تحول دونها ودون مراجعة ذلك والتراجع عنه.والذي يزيد الأمر خطورة وتعقيدا، أن هذا المجهود والوقت الضائعين عن شعوب الأمة هو مجهود كل أبناء هذه الأمة نفسها ،والذي ليس لها أي مصلحة فيه فقط ،ولكن الأخطر من ذلك أنه يصب بما لا يخفى على أحد في مصلحة أعدائها، ويوفر لهم أرباحا ومنافع كبيرة ،ويتحقق لهم به مصالح كثيرة تزيدهم تفوقا عليها ،ولا شيء يحصل لهم من كل ذلك بغير ذلك.
فليس العرب المسلمون مستهدفين من طرف الغرب الصليبي الصهيوني من أجل عرقهم أو لدمهم العربي، ولكنهم يستهدفون فيهم إسلامهم وتاريخه وأمجاده وإنتاجه الحضاري ،لأنه أصل وأس هويتهم التي لا هوية لهم بدونها ،وروحهم المعنوية التي لا معنى ولا معنويات لهم بدونها ،وذاكرتهم التي لا ذاكرة لهم بدونها. أما العرب وغيرهم من غير المسلمين فإنما يستهدفون فيهم علاقتهم التاريخية والحضارية الدائمة بالإسلام والمسلمين، والذين أصبحوا شركاء لهم في الهوية والذاكرة والهوية والوطن مع توفر كل الظروف المناسبة لهم للمحافظة على خصوصياتهم عبر تاريخهم الطويل مع المسلمين وفي حضارة الإسلام التي هي حضارتهم التي هم شركاء مع المسلمين فيها.
ومنذ أن أنهى العرب التلازم الذي كان قائما بين العروبة والإسلام ،وبعد أن انتهوا إلى عملية الفصل بينهما، وقد أعانهم على ذلك قوم آخرون في ظروف عربية وإسلامية استثنائية، وفي ظرف دولي جديد ،كان العرب والمسلمون أكثر الأطراف فيه ضياعا ،بل لم يكونوا طرفا فيه أصلا ،وكانوا إحدى مواده الأساسية وهم في حالة اضطراب وفوضى وارتباك ،وفي حالة غيبوبة كانت الفرص فيها متاحة لكل من هب ودب أن يكون له فيها دور ورأي. وأصبحت العروبة رديفا للإسلام حتى تم طرحها بديلا عنه في إطار السائد من المناهج السياسية في العالم منذ ذلك الوقت حتى اليوم ،حتى أصبح أعداء الأمة من اليهود الصهاينة ومن الصليبيين الجدد يستهدفون العرب لأن العروبة عندهم بقيت ومازالت دائما تعني الإسلام، ولأنه لا معنى لها عندهم بدونه ،وهو في الحقيقة المعنى الصحيح .وهو الأمر الذي فقده العرب والمسلمون وحادوا عنه عن قصد وعن غير قصد، عن فهم وعن غير فهم ،عن إدراك وعن غير إدراك. وكانت تلك أول ضربة توجه لهوية الأمة الكاملة ولذاكرتها التي وان كانت حتى ذلك الحين تعاني من بعض الضعف بفعل تفشي ظاهرة الجهل والأمية في صفوف أبناء الأمة، إلا أنها لم تمت و لم يتم الإجهاز عنها في مستوى النظام السياسي والبرامج التربوية والإعلامية والثقافية والأخلاقية إلا من طرف النخب المتغربة في نظام الدولة العلمانية الحديثة وفي صفوفها ،وفي نظام الدولة التقليدية التي جمدتها ،فلا هي أتمت الإجهاز عليها ولا هي أحيتها .ولذلك لم يكن موقف النظامين مختلفا كثيرا من الحركة الإسلامية المعاصرة التي كانت حركة إحياء لما قتلته الدولة العلمانية الحديثة ،وإيقاظ واستنهاض وبدرجات مختلفة ومتفاوتة بين مكوناتها لما جعله عليها نظام الدولة التقليدية من جمود.
ولقد كانت المنطقة العربية من العالم الإسلامي الأكثر تضررا والأكثر ضررا من ذلك الفصل والتفريق الذي ابتدعه النخبة التقليدية والمتغربة بين العروبة والإسلام بعد إنهاء ذلك التلازم الذي كان قائما بينهما، محملين الإسلام مسؤولية مظالم نظام الخلافة العثماني للعرب وللمسلمين ،خاصة في المنطقة العربية.هذه المنطقة التي حلت فيها بفعل ذلك الفصل وفك الإرتباط بين العروبة والإسلام ثنائية وازدواجية لم يكن مثلها موجودا في ما تبقى من أوطان شعوب الأمة الإسلامية.فبعد أن كان العرب يعتبرون أنفسهم الأولى والأحق بالخلافة في ما مضى من تاريخ الأمة ،ويصارعون الموالي من أجل ذلك منذ وقت مبكر من تاريخ نظام الخلافة الإسلامية حتى سقوط الخلافة العباسية ببغداد، وليتواصل بعد ذلك وبدرجات متفاوتة في ظل الخلافة العثمانية ،حتى تحول الصراع بينهم وعندهم بين العروبة والإسلام، وكان ذلك من بين العوامل الرئيسية التي كان لها دور أساسي في ضعف الذاكرة وموتها، لأن إحياء العروبة بمعزل عن الإسلام كان قتلا له ولها. وإذا كانت ذاكرة الأمة هي إسلامها عقيدة وشريعة ولغة وتاريخا وحضارة، فإن قتل الإسلام وإلغائه هو الإلغاء والقتل الحقيقي للذاكرة وللعروبة والإسلام معا وهو إلغاء وقتل للذات وإلغاء وقتل للأمة . وكان ذلك لفائدة العروبة والعلمانية التين لا علاقة لهما بذاكرة الأمة، ولا يصلحان أن يكونا بديلا عن الإسلام، أو أن يوجدا ذاكرة بديلة عن الذاكرة الإسلامية التي هي ذاكرة الأمة كلها.وإذا كانت هذه معاناة شعوب المنطقة العربية، ولهذه الأسباب، فان معاناة باقي شعوب الأمة تبقى أقل، باعتبار أن المنازع القومية، ولئن كانت حاضرة، إلا أنها لم تطرح بديلا عن الإسلام. وإذا كان الصراع قد ظل متواصلا بين الإسلام والعلمانية في الإطار القومي، إلا أنه لم يكن صراعا بين القومية والإسلام.وإذا كان قد تم فصل الإسلام عن الحياة في إدارة الشأن العام، فانه لم يفصل عن القوميات ولم يتم طرحها بديلا عنه. ولذاك ظلت ذاكرتها وان أصابها الفتور والضعف تنبض بالحياة رغم محاولات القتل المتعمد والممنهج التي ظلت وما زالت مستمرة ،خاصة في أوطان الشعوب التي وقعت تحت طائلة الإحتلال السوفياتي والأقليات الإسلامية في البلدان ذات الأنظمة الشيوعية الشمولية.
وسيظل العرب والمسلمون فاقدين للذاكرة والهوية طالما ظلوا محافظين على الإعتقاد بأنه يمكن أن تكون هناك عروبة بدون الإسلام وبعيدا عنه، وأنه يمكن أن يكون هناك إسلام بعيدا عن العروبة ومنفصلا عنها، وان كان يمكن أن يكون ذلك صحيحا وممكنا في كل البلاد الإسلامية، إلا أن ذلك ما لا يصح في المنطقة العربية وفي أوطان شعوب الأمة العربية من العالم الإسلامي.
وإذا كانت العروبة بفعل عوامل تاريخية، وبفعل عملية الفصل عن الإسلام التي أجريت عليها، قد أصبحت شيئا آخر واكتسبت معنى آخر غير المعنى الذي أكسبها إياها الإسلام ،فان هذا المعنى قد جاء خارج ذاكرة الأمة، وهو عامل من عوامل قتل هذه الذاكرة التي بموتها تموت الشعوب والأمم. ولتحقيق هذا الهدف أثبتت الولايات المتحد الأمريكية في خطتها لفرض الديمقراطية التي تريدها في منطقة الشرق الأوسط الكبير أن يكون برنامجها الثقافي يستند إلى الثقافة الجاهلية والأدب الجاهلي والتأكيد عليهما على حساب الثقافة الإسلامية والأدب الإسلامي والقيم الإسلامية ،في استهداف لذاكرة الأمة ولروحها المعنوية العالية التي لا تستمدها إلا من الإسلام.ولعل قيادات البيت الأبيض من المحافظين أي الصليبيين الجدد نسوا أو لم يعلنوا أو جهلوا أو تجاهلوا أن هذا الأدب نفسه هو من مكونات الثقافة العربية الإسلامية، وأنه كان يزود عرب الجزيرة العربية بروح معنوية عالية ،وهو الذي دخلوا به الإسلام ،وهو الذي أبقى الإسلام على الكثير منه وأقره وأضاف إليه ما يستحقه من قيم ومبادئ وأخلاق وشرائع وحكم أصبحت من قيم الإسلام وآدابه ومبادئه ومما تنتظم عليه العلاقات الإجتماعية والإقتصادية والسياسية.ولعل الطاقم الصليبي الحاكم في البيت الأبيض لا يعلم أن حركة الإحياء الإسلامي الحديثة التي تقلقه وتؤرقه وتقض مضجعه ،قد كان من الأسباب الرئيسية المباشرة لانبعاثها ،هو الإنحراف عن المنهج الإسلامي في الحكم وفي مناهج التعليم والإعلام والتربية والعلاقات الإجتماعية ،بالإتجاه الذي تدعو إليه هذه الإدارة وتعمل بكل الوسائل على فرضه بالقوة مثلما سبق لحركة الإستعمار أن فرضت المناهج العلمانية المختلفة عن شعوب الأمة بالقوة، وألغت مثلما تعمل هذه الإدارة اليوم على إلغاء المناهج الإسلامية بالقوة كذلك.
ولذلك فإن زعماء البيت الأبيض من الصليبيين الجدد لم يأتوا في الحقيقة بجديد. ولكن الذي يجب أن يعلموه أنهم إنما قد أذكوا النار بزيادة صب الزيت عليها ،لأن المسلمين ليسوا في النهاية في حاجة أكيدة لتعلم دينهم وفهمه والنهل من ثقافته من خلال المناهج الرسمية للتعليم ،ولكنهم يستطيعون بحكم الطبيعة غير الكهنوتية لهذا الدين أن ينهلوا من مصادره مباشرة ومن تأملات واجتهادات علمائه ومفكريه قديما وحديثا.
وإذا كان الإسلام قد أعطي له معنى آخر، وأصبح لا علاقة له بالعروبة في “أوطان شعوب الأمة العربية“فان ذلك المعنى ليس معناه الحقيقي، ويكون بذلك من المعاني المزيفة التي لا علاقة لها بذاكرة الأمة وبهويتها، ولا يصبح بذلك إسلام الهوية والذاكرة الذي لا حياة لشعوب الأمة إلا به. وفعلا فقد تم تحويل معناه ومفهومه في الثقافة العلمانية الهجينة العبثية والتقليدية العدمية إلى ذلك المعنى المبتذل الذي لا قيمة ولا معنى له. وهي القيمة والمعنى الذين أصبح يستمدها من القيم والمعاني التي أصبحت تعطيها إياه النخب العلمانية اللائكية، في تقاسم للأدوار بين من هم منهم داخل السلطة وبين من هم خارجها منهم، في محاولة جادة ومتواصلة لإخراجه عن معانيه ومفاهيمه الأصلية الواردة في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .وليأخذ المعاني الواردة للدين في أدبيات الغرب وفكره وفلسفته وثقافته ،بما يجعل قول العلمانيين والتغريبيين بالنظام العلماني والعمل به بديلا صحيحا عن النظام الإسلامي في محله.بل بما يجعل القول بالنظام الإسلامي والدعوة إلى العمل به غير دقيق وغير صحيح، وليس في إطاره التاريخي ولا الحضاري.ولا تتحقق به الحداثة والنهضة والديمقراطية والعدالة والمساواة وحقوق الإنسان…
وبقلب هذه المفاهيم والمعاني، أحيل الإسلام بفعل هذه النخب من خلال مواقع ودوائر أخذ القرار إلى معاني أصبحوا لا يقبلون ولا يريدون لأحد أن يقبل بأي معنى للإسلام غيرها ،والتي يقتضي منها أن يكون مجرد اعتقاد باهت ميت لا أثر له في حياة الناس، إذا ما استثنينا بعض المظاهر وبعض المشاهد وبعض المؤسسات التي لا تترك كبير أثر في تفكير الناس وسلوكهم، والناس أحرار في أن يأتوا من هذا الدين ما استطاعوا وما أرادوا وما شاؤوا أن يأتوا به منه، ولهم أن يتخلوا عما أرادوا وما استطاعوا بل وما شاؤوا أن يتخلوا عنه منه. هكذا أصبح العرب والمسلمون يفهمون الإسلام.بل هكذا أريد لهم أن يفهموه .وهو المفهوم الذي أصبح سائدا والذي أريد له أن يسود في ظل نظام الدولة العلمانية الحديثة الذي حرص الغزاة الإستعماريون الصليبيون أن يتركوه قائما في الأوطان التي كان لهم عليها نفوذ ،وكانت لهم عليها سيطرة كاملة.ذلك النظام الذي كان قد مثل ثورة، وأحدث نقلة نوعية في الأنظمة القبلية البدائية في قبائل إفريقيا وفي إفريقيا الجنوبية وفي جنوب ووسط آسيا ،بل وفي النظام القبلي البربري والإقطاعي والكنسي في أوروبا نفسها، ولكنه النظام الذي مثل انتكاسة في التاريخ السياسي للأمة وطعنة في ظهرها، بالعمل على تقويض كل أسس النظام الإسلامي الذي مهما كانت درجة الإنحطاط التي كان عليها هو نظام سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي قائم بذاته، وكان قابلا للتطور باستيعاب المستحدثات والمستجدات والإضافات التي وفد بها علينا الغرب الصليبي الغازي، مع المحافظة على خصوصيات مجتمعات شعوب أمة العرب والمسلمين. وذلك ما اتجه إليه رواد الحركة الإصلاحية العربية الإسلامية الأصيلة منذ البداية، لولا أن الغزاة وأعوانهم من أبناء الأمة من الذين زعموا أنهم قد أشربوا في قلوبهم الثقافة الغربية والحداثة والحضارة الغربية ،قد قطعوا الطريق أمامهم ،وأرادوها هرقلية كسروية بما يرضي عنهم الغرب ،وبما يجعله مطمئنا كل الإطمئنان على استمرار إدارة أعماله ،واستمرار تحقيق مصالحه على نحو أفضل مما يمكن أن تكون عليه في ظل وجوده العسكري والإقتصادي والثقافي والإعلامي المباشرة على أوطان الشعوب المستضعفة في مشارق الأرض ومغاربها.
ومن خلال هذا النظام الشامل المتكامل الذي فرضته قوات الإحتلال والغزاة، أعطي للإسلام في حين غفلة من أهله الذين كانوا يغطون في سبات الغفلة والإنحطاط معنى غير المعنى الوارد في نصوصه الأصلية، وغير المعنى الذي هو عماد النظام الإسلامي الذي هو النظام الطبيعي لأمة العرب والمسلمين، والنظام الأصلح للعالمين. وهو المنهج الذي أرسل به الله سبحانه وتعالى رسوله صلى الله عليه وسلم ليظهره على الدين كله رحمة للعالمين ورحمة بالعالمين: قال تعالى “إنا أرسلناك رحمة للعالمين“. وهو الذي أورد في كتابه العزيز كذلك قوله “قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا“.وهكذا أصبح المسلمون يفهمون هذا المعنى الإستعماري للإسلام الذي هو معنى دخيل عنه، ولا صلة ولا علاقة له به. وهو المعنى الذي أعطاه الغرب للدين المسيحي الكنسي الذي كان معاديا للعقل والمعرفة والعلوم التي أوصلها لهم الفاتحون من العرب والمسلمين الذين كانوا قد جمعوا علوم ومعارف كل أو جل الإنتاج العقلي الإنساني الوثني الإغريقي والروماني والفارسي والهندي والصيني ومن قبلهم العبراني والآشوري والفنيقي وغيرها من حضارات وثقافات ومناهج وعلوم ومعارف كل الأمم والشعوب الغابرة المندثرة والمنقرضة، وتلك التي طالتها وتعايشت معها وصارعتها حركة الفتح الإسلامي التحررية .
وهكذا أصبح العرب والمسلمون يفهمون هذا الفهم الإستعماري العلماني للإسلام، وهو المعنى الذي أصبح سائدا، والذي يراد له أن يظل سائدا في ظل الدولة العلمانية اللائكية الحديثة المشروع الإستعماري للغرب الصليبي في بلاد العرب والمسلمين.
وهو المعنى الذي جاءت به لنا رياح الثقافة الغربية ونحن عن ذلك غافلون. وهي الثقافة التي خاضت قبل أن تفرض علينا بقوة السلاح معركة دامية مع الدين الكنسي المسيحي الذي كان نظام الكنيسة من خلال أسفاره المحرفة، ومن خلال طبيعته التحريفية، ومن خلال فهم رجال الدين هناك من البابوات والقساوسة والكرادلة والبطاركة والمطارنة له، ومن خلال إبلاغهم ذلك المعنى للناس، وهو المعنى الذي لا يراعي إلا مصالح الكنيسة وسلطتها الدينية والزمنية التي ليس لها فيها الحق بموجب نصوص الإنجيل بل الأناجيل وإلا نفوذها والحفاظ على سلطان وسلطة رجال الدين فيها، وإحكام سيطرتهم على الأوضاع في مواجهة قناعة الملوك وحرصهم على استعادة حقهم في تولي السلطة الزمنية التي تجيزها لهم الكتب المقدسة على النحو التي هي عليه، وعلى النحو الذي يعلمه ويفهمه رجال الدين هؤلاء أنفسهم ولا يسلمون به لأصحابه، ولا يعترفون لهم به على حد ما يؤكده الدارسون والباحثون والمفكرون والفلاسفة والمؤرخون الذين عاشوا هذه الظروف، وكانوا طرفا رئيسيا في إدارة هذه المعركة من أجل الإنتصار للعقل وللعلم وللحرية والعدل والمساواة والحق، ومن أجل الدين نفسه، تقريبا كما نخوضها نحن اليوم ضد العلمانية كموروث ثقافي ونظام سياسي واجتماعي وإداري واقتصادي وتشريعي استعماري، وضد التقاليد المحسوبة على الإسلام في الأنظمة العربية التقليدية ،لإعادة الأمور إلى نصابها بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله كما يقولون وكما يؤكدون على موافقة ذلك لما هو وارد في الأناجيل التي بين أيديهم والجاري بها العمل في أوطان شعوبهم والتي هم مؤمنون بها.
وإذا كانت الثقافة الغربية المعاصرة قد أعادت من خلال ذلك الصراع الذي دام قرونا بين الجمود والحركة، وبين الثبات والتطور، وبين التقدم والتأخر ،وبين العلم والجهل ،وبين الظلام والنور، وبين العقل والنقل المحرف ، الذي يحاول البعض أن يؤكد على وجه الحصر على أنه لم يكن إلا صراعا بين الدين والعقل، وهو الصراع الذي سقط فيه الدين وظهر فيه العقل ،وخرج منه الدين مهزوما والعقل منتصرا. وهو وإن كان في ذلك بعض الوجاهة، ووجه من أوجه الصواب، إلا أن ذلك ليس بذلك الشمول والإطلاق، لأن ما ينطبق على الديانات الموضوعة والديانات المحرفة لا ينطبق على الإسلام مثلا، وهو الذي جاء جامعا بين الدين والحياة، وبين الدنيا والآخرة ،وهو الذي جاء جامعا بين العقل والنقل والموضوع في صورة تكامل جدلي لا قيمة للواحد من هذه العناصر بدون الآخرين. بحيث لا قيمة ولا معنى للنص بدون العقل والموضوع فهما وتأويلا وتنزيلا ، ولا قيمة للعقل بدون النقل ترشيدا وتوجيها وتثبيتا على الحق والصواب لفهم الواقع وإصلاحه وتطويره لإقامة الحق والعدل والمساواة ،ولا قيمة للحياة بدون العقل والنقل تنظيما وضبطا حفاظا على النسل والدين والعقل والنفس والمال .وهو الذي كان إلى جانب كونه دينا، قد كان منهج حياة باعتباره ليس دينا موضوعا ولا خرافة ولا أسطورة منتحلة .وهو الدين السماوي الوحيد الذي سلم من التحريف. وهو الدين الخاتم الذي جاء مختزلا لكل الرسالات التي جاء بها الرسل من قبل بعثة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم ومهيمنا عليها. وليس للأديان السابقة له حجة عليه. ولا يمكن أن يكون لها مطعن فيه. بل كان فيها من الأدلة ما يؤكد على حتمية وجوده وعلى ضرورة مبعث صاحبه، بورود اسمه والصفات والعلامات الدالة عليه فيها. وهو الذي جاء مقيما الحجة عليها، ومصححا لما أفسد المفسدون فيها، ومكملا للنقص الذي جاءت عليه، والذي أراده الله لحكمة يعلمها، ويعلمها ويستطيع علمها وإدراكها الباحثون والعلماء المحققون، ليكون بذلك الصورة الكاملة للدين الكامل من حيث هو عقيدة وشريعة ومنهج حياة. وهو الذي أخذه الثقاة من الرجال والنساء بعضهم عن بعض مرفوعا للنبي صلى الله عليه وسلم تابع عن تابع تأكيدا وتنفيذا لوعد الله وهو الذي وعده الحق بأن يظل حافظا له. وهو الذي تكفل بذلك في قوله تعالى:”إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون“.
- إنقلاب الصورة:
لقد أصبحت المعادلة مقلوبة على اعتبار وعلى خلفية أن خصوم الإسلام وأعدائه من مكونات الطائفة العلمانية اللائكية الجديدة المحدثة ومن صانعيها من الصليبيين الإستعماريين واليهود المتصهينين ومن الصهاينة اليهود الأعداء التقليديين والتاريخيين للعروبة والإسلام وللعرب والمسلمين يستهدفون فينا غير المعنى الذي جعلوه سائدا بين الناس، ويعملون باستمرار بكل الوسائل وبكل الأساليب على أن يظل ذلك كذلك، حتى لا تتضح الصورة ولا تصحح المفاهيم، ولا تفند المغالطات، ولا ينتهي التضليل، وحتى لا تعاد الأمور إلى نصابها. وليظل الوضع الإستثنائي الشاذ في أوطان أمة العرب والمسلمين أصلا، والأصل الذي يجب أن تكون عليه استثناء.فهم يستهدفون فينا المعنى الصحيح بالنفي ويعملون على تأكيد المعنى الخاطئ الذي أصبح لدى العرب بالإثبات، والذي أصبح بمقتضاه الإسلام عندهم شيئا والعروبة شيئا آخر بديلا عنه ،على اعتبار أن الإسلام وأن كانوا مازالوا يعترفون أنه عنصر له تأثيره التاريخي والواقعي على تكوين الشخصية العربية الإسلامية، وهو الذي أصبح مثله عندهم بالنسبة للعروبة كمثل المسيحية واليهودية بالنسبة للعرب المسيحيين واليهود. وبذلك حاولت الحركة القومية العربية أن تكون العروبة سواء في إطار النظام الليبرالي الرأسمالي الإستعماري أو الشمولي الإشتراكي الأمبريالي هي المكون الأساسي لهوية الأمة ولذاكرتها في الجانب العربي منها، مما يزيد الأمة الإسلامية الواحدة انقساما وتشتتا وتشرذما، في وقت هي في أمس الحاجة فيه إلى الوحدة والتضامن والتعاون والإقتراب شعوبها بعضها من بعض. وفي وقت يتجه فيه العالم من حولها إلى مزيد الوحدة والتوحد والإتحاد.وهي وإن كانت عنصرا هاما في تكوين هوية الأمة، وفي تشكيل ذاكرتها من ناحية اللغة العربية التي هي لغة العرب، وهي لغة القرآن على الأقل، إلا أنها تعتبر ثانوية وثانوية جدا إذا ما قورنت في ذلك بالإسلام بالمعنى الذي جاء كل من القرآن والسنة النبوية الشريفة مبينان وموضحان له في وضوح وجلاء بعيدين عن المعنى الذي أعطاه الغرب للدين من خلال الطبيعة التحريفية للمسيحية الكنسية. هذا المعنى الذي يفيد أن الإسلام لا يمكن إلا أن يكون عقيدة وشريعة، ودينا ودولة، ودنيا وآخرة، وهو منهج حياة يختلف في جوهره وفي طبيعته عن المناهج البشرية الوضعية كلها.
وإذا كان هؤلاء الأعداء والخصوم يحاربون فينا المعنى الصحيح للإسلام، فنحن نقدم لهم أنفسنا بالمعنى الذي قدموه لنا في ثقافتهم الغربية ،وذلك ما يريدون لنا أن نكون عليه، وهم يعملون باستمرار وبكل جهد على أن لا نكون على المعنى الذي يدعونا إسلامنا على أن نكون عليه، لأننا بذلك فقط نكون قد استعدنا ذاكرتنا فعلا.ولئن كان لأعداء الأمة دورا في فقدانها لذاكرتها وإضعافها ،فإن لأبنائها كذلك دورا لا يقل أهمية عن الدور الذي لعبه ويلعبه أعداؤها وخصومها في ذلك.يقول تعالى:”ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير“.
وإذا كان العرب قد استمدوا قيمتهم الحضارية، وأخذوا امتدادهم التاريخي والبشري من الإسلام وحده، وهو الذي أكسب الكثير من الشعوب والأقوام والأعراق والأمم قيمتهم منه، وأصبح عنوان شخصيتهم التي لا عنوان لهم بدونه وهويتهم التي لا هوية لهم غيرها، وجنسيتهم التي تميزهم عن غيرهم من الشعوب والأقوام والأعراق والتي لا جنسية لهم غيرها، كشعوب دول البلقان وهي دول شرق وسط أوروبا كالبوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو وعيرها من الأقليات الإسلامية في تلك الدول من القارة الأوروبية، ودول القوقاز وهي الدول الواقعة في مناطق شمال شرق آسيا ،وتلك الواقعة في الوسط وفي أقصى جنوب القارة، فإن الإسلام يبقى كذلك عنوان شخصية العرب وهويتهم التي لا شخصية ولا هوية لهم بدونه، ولا وحدة لهم بدونه، ولا قيمة ولا اعتبار لهم بدونه، ولا جنسية ولا ذاكرة لهم بدونه، وليس أفضل من التاريخ شاهد على ذلك.
وإذا كان لا يجادل في ذلك عاقل حين يكون الأمر متعلقا بالمسلمين العرب، فإن الأمر لا يمكن أن يكون على خلاف ذلك كذلك إذا ما نظرنا إلى العرب اليهود والمسيحيين بصفة خاصة،وبصفتهم تلك، وبصفتهم الإنسانية، وبصفتهم كونهم من السكان الأصليين في أوطان شعوب أمة العرب في المنطقة العربية، ومكونا أساسيا من مكونات المجتمع في حياته السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية ولا شيء أكثر من ذلك.
وإذا كانت الأمة الإسلامية هي مجموع كل هذه الشعوب والأقوام والقبائل والأعراق واللغات واللهجات والألسن التي اعتنقت الإسلام وارتضته دينا لها، ومن قبل التعايش معها من الأقليات العرقية والدينية والأتنية ،فإن الحديث يجب أن يكون عن الأمة الإسلامية، لأنه بذلك فقط لا يمكن أن يفهم أن في ذلك استثناء لأحد.لأن العروبة لسان ولسان الإسلام اللغة العربية ،ومن تكلم العربية فهو عربي ،ليلتقي مع الإسلام لسانا بقطع النظر عن دينه وليلتقي مع المسلمين المطالبين إسلاميا أن يكون لسانهم عربيا لمزيد تمتين العلاقة بينهم وبين الإسلام الذي هو دينهم ،وهم المدعوون شرعا لتعلم اللغة العربية باعتبارها شعيرة إسلامية ليكونوا عربا لسانا بقطع النظر عن أصولهم العرقية وعن لسانهم ولغتهم العرقية التي هي خاصية من خاصياتهم ومكونا من مكونات شخصيتهم التي من حقهم أن يحافظوا عليها دون أن ينقص ذلك من إسلامهم شيئا ،وليبق بذلك العرب غير المسلمين عربا بدون إسلام وليصبح المسلمون غير العرب عربا لسانا التحاقا بالإسلام بدون عروبة الدم والعرق.ولم تكن العروبة اللسان جامعا بين العرب غير المسلمين وبين العرب المسلمين وبين المسلمين غير العرب الذين يمكن أن نطلق عليهم إسم المسلمين العرب من ناحية وجوب تعلمهم اللغة العربية باعتبارها لسان الإسلام ولغته إلا لأن الإسلام هو الذي صاغ هذه الخريطة وهذه المعادلة ليصبح هو الجامع لغة وتاريخا وحضارة وعقيدة وشريعة خاصة من حيث انه مدعو للمحافظة على عقائد واديان المخالفين له واحترامها وإقرارهم عليها في كل شيء عدى النظام العام فهو كما هو معلوم في كل الشرائع والمناهج السماوية والوضعية وبحسب نظام الديمقراطيات المعاصرة نظام الغالبية المطلقة أو الأكثرية.
إما إذا خصصنا بالذكر أمة دون أخرى على أساس عرقي أو أتني أو طائفي فكأنما نكون بذلك قد أفردناها بالإسلام دون غيرها من الأمم المكونة للأمة الإسلامية.
فحين نقول الأمة العربية والإسلامية فكأنما كان هناك أمة عربية وأخرى إسلامية، وإن كان مصطلح الأمة يحتمل أكثر من معنى ،ويتسع إلى دلالات كثيرة: فكان إبراهيم عليه السلام أمة ،وما الطير والنحل والنمل إلا أمم أمثالنا ،بما يجعل العرب أمة ،والأكراد امة ،والبربر أمة ،والدروز أمة ،والتركمان امة ،والأقباط أمة ،والمسيحيون أمة ،واليهود أمة ،والمسلمون أمة ،وكل هذه الطوائف والأقوام وغيرها أمم .وإذا صحت الصفة الإسلامية على باقي الأمم والشعوب الإسلامية فإنه يتبادر إلى الذهن أن الأمة العربية هي أمة عربية فقط وليست إسلامية، ولذلك فإن الأمة الإسلامية هي الأمة بكل أعراقها وألوانها ولغاتها وأديانها وأوطانها وطوائفها .وأن الأمم والشعوب المكونة لها هي الشعوب والأمم العرقية الإسلامية والأقليات الدينية المختلفة كالشعوب العربية الإسلامية والشعب الكردي المسلم والشعب الفارسي المسلم والشعب الباكستاني المسلم بمختلف طوائفه وأعراقه وقبائله والشعب الأفغاني المسلم وغير ذلك من الشعوب والأمم الإسلامية.
إن الحديث عن الأمة الإسلامية هو بداية الوعي بالذات، وبداية الإهتداء إلى طريق الهوية الحقيقية الصحيحة ،بعد أن كادت حركة الغزو الصليبي الصهيوني الغربي والحركة العلمانية الهجينة الدخيلة الوريث غير الشرعي لثقافة الإستغراب والتبعية والإلحاق الإستعمارية أن يأتيا على الأخضر واليابس.وهو بداية الصحوة واستعادة الذاكرة. وكل ابتعاد عن مثل هذا الحديث هو استمرار في التنكر للذات واستمرار على طريق أزمة الهوية والذاكرة.
وبقدر ما تكون شعوب الأمة مستعيدة للذاكرة ومتمسكة بهويتها الإسلامية بقدر ما يكون نبضها قويا وشارعها ضاغطا وقياداتها ورموزها الميدانية حاضرة ومسؤولة، بالرغم من افتقادها لقيادتها السياسية الشرعية في سدة الحكم ولنظامها الإسلامي الذي هو نظامها الطبيعي القائم على عقيدة التوحيد، وعلى فلسفة التكريم الإلاهي للإنسان، وعلى أساس من الشريعة الإسلامية المنظمة لأوجه الحياة المختلفة على أساس من الوصل الدائم بين عالمي الغيب والشهادة، والحضور المستمر للدنيا والآخرة في عقل الإنسان وفي وجدانه وفي واقعه.وبقدر ما يكون حسها مرهفا بقدر ما تكون حاضرة للتحرك السريع باتجاه التصدي لأعدائها وخصومها المتربصين بها والمستهدفين لها، والقيام بردة الفعل المناسبة في الوقت المناسب وبالأسلوب المناسب وبالوسائل المناسبة وعلى الجهة المناسبة حين يقتضي منها الموقف ردة الفعل، حتى يأتي اليوم الذي يمكن أن تكون قادرة فيه على المبادرة وصناعة الحدث. وهي التي في الحقيقة وكما هو معلوم تاريخيا شعوب أمة رائدة في صنع الأحداث وفي صناعة الحدث الحضاري بكل ما بالكلمة من معنى على امتداد قرونا من الزمن. وهي التي لم يعد مطلوبا منها ردود الأفعال التي لم تعد قادرة عليها في أغلب الأحيان وإلا نادرا وفي حدود ضعيفة جدا لا ترتقي إلى مستوى الحد الأدنى المطلوب، إلا عندما أصيبت بما أصيبت به من ضياع الهوية وفقدان الذاكرة وضعف الروح المعنوية إلى حد الموت أحيانا، وفي فترات مختلفة من مراحل حياتها .وكان الأهم من هذه المراحل على الإطلاق ما حصل لها من ذلك في مرحلة ما بعد رحيل الغزاة الغربيين من أوطانها، وفي ظل الأنظمة العلمانية والتقليدية الإستبدادية الفاسدة. حتى أننا لا نجد اليوم هذه الشعوب في حالة الإستنفار التي يجب أن تكون عليها.وقد بدا واضحا، أن نبض الشارع يكون أقوى ،ويكون الحس أرهف عند أي شعب كان للحركة الإسلامية فيه وجود أحيانا فضلا على أن يكون لها حضور وثقل ،لأنها تستمد هذا الحس وهذا النبض من ذلك المعين الصافي الذي جعل منه الله نورا يهدي به من يشاء من عباده إلى سواء السبيل ،وهو القرآن الكريم وسنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم ،ومن ذلك المخزون الثقافي والمعرفي والتراث الغزير الذي يمثل لهذه الشعوب رصيدا ثقافيا ومعرفيا وعلميا ليس لأي أمة من الأمم مثله.وأي حديث عن العلم والثقافة والمعرفة في الإسلام لدى الأمة الإسلامية وشعوبها لا يجب أن يكون بمعزل عن مؤسسة المسجد التي بقدر ما تكون ناشطة بقدر ما تكون الأمة مستعيدة لعافيتها ،وبقدر ما يصادر دور هذه المؤسسة العريقة بقدر ما يلحق الأمة من ضرر. ومهما حاول الغزاة والأعداء والخصوم سواء من الداخل كانوا أو من الخارج، سواء ممن ينتسبون اعتباطا لهذه الأمة أو ممن هم من خارجها، أن يفتوا في عضدها ويغرقوها في مجاهل الضلال والإنحراف والكفر والإلحاد، فإن جهودهم ومحاولاتهم ومخططاتهم سيكون دائما بإذن الله مآلها الفشل.
ولعل ما نراه اليوم من صمود أبناء هذه الأمة في الكثير من أصقاع الأرض، هو خير دليل على ذلك، رغم ما يتعرضون له من حملات تنكيل وإبادة جماعية ،وتصفية وتطهير عرقي ،واستثناء وتهميش في إطار تآمر دولي مكشوف ومفضوح ،كانت الأطراف الأشد خطرا فيه عليهم ومن خلالهم على الأمة كلها هي الأطراف المكونة للحركة العلمانية العبثية، لما تبديه من عداء للإسلام وللحركة الإسلامية، سواء من خلال السلطة أومن خارجها، والأطراف المكونة للحركة التقليدية العدمية لما هي عليه من جمود وتحجر وسطحية، ولما لها من نفوذ أدبي ومادي وشرعية وقداسة تستمدها من الإسلام نفسه، والأجنبي الغربي الصليبي الصهيوني الإستعماري المعادي المتحالف مع هذين الحركتين والمتحالفتين معه، والعالم كله يعلم اليوم خطة تجفيف المنابع التي وضعتها مكونات الطائفة العلمانية التكفيرية المتحالفة في إطار نظام تحالف 7نوفمبر الرهيب في تونس العروبة والإسلام، تمكينا للعلمانية ومواصلة فرضها بالقوة كما جاء الغزاة الغربيون عاملين على فرضها بالقوة ،ومحاولة لإنهاء الإسلام وهدمه وإلغائه بالقوة.
والكل يعلم اليوم كذلك منظومة الفتاوى الصادرة عن علماء الفكر التقليدي في الحركة التقليدية التكفيرية المبيحة لقتل المسلم بالكافر ،والقائلة بتحريم الإنضمام للمقاومة المقاتلة لقوات الإحتلال الغربي الصليبي بقيادة الأمبراطورية الأمريكية بكل من العراق وأفغانستان ،ومنطقة الخليج العربي وفلسطين وغيرها من أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين والإنخراط فيها والإلتحاق بها.
والكل يعلم اليوم بما لا يدعوا مجالا للشك ،ما يعانيه الشعب الفلسطيني العربي المسلم الصامد بأرض الإسراء والمعراج من الحصار الظالم الذي يفرضه عليه حلف الفجار العلماني التقليدي الصليبي الصهيوني بسبب اختياره في انتخابات ديمقراطية حرة ونزيهة بشهادة هذا العالم الظالم كله لبرنامج خيار المقاومة والإصلاح والصمود الذي اختار على أساسه حركة المجتمع الإسلامي (حماس)لقيادته على أساس ذلك البرنامج. وليس غريبا أن تكون حركة منظمة التحرير الفلسطينية ذات الطبيعة العلمانية هي الأكثر نشاطا في هذا الإتجاه، والمعرقل والعائق الأكبر للحكومة المنتخبة من خلال مؤسسة الرئاسة التي لم يكن التنافس في الإنتخابات التي جاءت بمرشح الكيان الصهيوني والإمبراطورية الأمريكية والغرب الصليبي والنظام الرسمي العربي الحليف الإستراتيجي له إلا بين المفسدين في مختلف مكونات الحركة العلمانية في فلسطين المحتلة.هذا الرئيس الذي يسكن البيت الفتحاوي الذي امتدت فيه يد المجرم آريال شارون رئيس وزراء الكيان الصهيوني عن طريق هؤلاء الفتحاويين أنفسهم إلى الرئيس ياسر عرفات فأخمد أنفاسه. والذي يزاول نشاطه لا باعتباره رئيسا للشعب الفلسطيني، ولكن باعتباره رئيسا لمنظمة التحرير الفلسطينية المنتهية صلاحياتها، والتي مازال يقال أنها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
وليس من الغرابة في شيء أن يكون النظام الهاشمي التقليدي العريق في العمالة ذات المنزع العلماني العبثي، رأس الحربة الأول في مواجهة الحكومة المنتخبة، والتصدي لها والتحريض ومزيد تحريض العالم وتعزيز الحصار المعلن عالميا عليها.
هذا العالم بهذه المكونات ذات الطبيعة المعادية لحقوق الشعوب المستضعفة في الحرية والإستقلال والإنعتاق، هو الذي ينظر إلى الشعب العربي الفلسطيني المسلم الأعزل وهو يخوض معركة ضارية غير متكافئة مع آلت الحرب الصهيونية اليهودية المتطورة، وينظر إلى الإحتلال الصليبي الغربي الأمريكي للعراق وأفغانستان وللمنطقة العربية في المشرق، وتطويعها وإخضاعها لمخططاته في المغرب، واستهداف أمة العرب والمسلمين قاطبة ولا يحرك ساكنا. كيف لا وهو المخطط والمنفذ لكل هذه الجرائم في حق الأمة وفي حق جميع الشعوب المستضعفة في الأرض.
فما كان لانتفاضة الأقصى المبارك أن تكون لولا شموخ المسجد الأقصى بزهرة المدائن في أرض الإسراء والمعراج ،لأن المسجد الأقصى مازال يمد هذا الشعب بجذوة الإيمان، ومازال يقوم فيه رجال وشيوخ صدقوا ما عاهدوا الله عليه مثل شيخ الشهداء أحمد ياسين بتعبئة أبناء الشعب الفلسطيني العربي المسلم روحيا وثقافيا وعلميا ،حتى جعلوا منه بركانا دائم التفجر ،ونارا محرقة وحمما لكل من تحدثه نفسه المساس بحقوقه ،والإعتداء عليها أو التفريط فيها وبأرضه ومقدساته. وما كان للمقاومة في أرض الرافدين وفي أفغانستان أن تتشكل لولا استعادة العلماء دورهم في حركة التحرير، واستعادة المساجد مهمتها وتفعيل دورها في الحياة السياسية والإجتماعية والتربوية والأخلاقية والثقافية والإقتصادية والمعرفية والعلمية…
وما كان لهذه الشعوب ولمقاومتها الباسلة أن تكون لولا أنها استعادت ذاكرتها التي فقدتها كليا أو جزئيا أو كادت في العقود العجاف التي أخضعها الإستعمار لهيمنته فيها ثم الإستبداد من بعده بهيمنة الدولة العلمانية والتقليدية الحديثتين التابعتين له والملحقتين به ،واللاتي ظلتا على وفائها له، بما يحيلنا إلى القول أن مهمة التحرير والإستقلال والإصلاح مازالت قائمة. ومازال مطروحا على هذه الشعوب أن تستوفي حق أوطانها وأبنائها وأجيالها المقبلة عليها في ذلك.
هذه الذاكرة التي كادت أن تفقدها نهائيا في مرحلة من التاريخ، وهي التي تعطل فيها الدور الإيجابي للمسجد، وتخلى فيها العلماء عن دورهم الإصلاحي ومسؤولياتهم الثقافية والعلمية والسياسية والإجتماعية والحضارية، وانخرط فيها الفلسطينيون كغيرهم من أبناء شعوب الأمة في تنظيمات - وإن كانت متشبثة بالأرض وتقاتل من أجل تحريرها وطرد الغزاة المحتلين لها منها - إلا أن علاقتها بالأقصى وبمؤسسة المسجد عموما كانت في مستوى العلاقة التي جاءت الثقافة الغربية مبشرة بها وداعية إليها، بما تحول به الأمر من هجر للمساجد، إلى إعمار للخمارات ودور اللهو والقمار ومواخير الدعارة التي أصبحت في الكثير إن لم تكن في جل أو كل أوطان أمة العرب والمسلمين مهنة ووظيفة معترف بها، تتعاطاها النساء في إطار القوانين المنظمة للحياة المهنية .
وكان فيها الشعب العراقي بكل قومياته وطوائفه وأديانه وأثنيا ته خاضعا كغيره من شعوب أمة العرب والمسلمين لسيطرة نظام البعث العلماني العبثي اللائكي عليه، مثبتا بقوة السلاح وبالقمع والإرهاب والإبادة والمقابر الجماعية ذلك المعنى باسم العروبة، وربما باسم الإسلام أصلا أحيانا ،وربما باسم الطائفة السنية تحديدا كما يحاول بعض المغرضين اللائذين بالطائفية البغيضة ممن كان لهم انخراط كغيرهم وربما بكثافة اكبر في النظام العراقي البعثي الفاشي الفاسد، ودور في ما أحدثه من مفاسد وما ألحق به الشعب العراقي المسلم من أضرار.هؤلاء الذين تبين من خلال الأحداث والوقائع، ومن خلال الواقع وتطور الأوضاع في بلاد الرافدين اليوم، أنه لا فرق بينهم وبين صدام حسين وزمرته، سواء في جلب القوات الغربية الصليبية الغازية بقيادة الأمبراطورية الأمريكية، أو في التمسك بها والإبقاء عليها والدفاع عنها وإصدار الفتاوى القائلة بمشروعية وجودها ،والتعامل معها على أنها قوات تحرير وليست قوات احتلال وتدمير، وبتحريم قتالها ومقاومتها. وكان صادف أن التقت الطائفة العلمانية والمرجعية الطائفية الشيعية في الفتوى هذه المرة، ليكون الإحتلال إحلالا على حد فتوى بعض من يسمون أنفسهم بالليبراليين الجدد من المغادرين لمواقع العمالة للشرق إلى مواقع العمالة للغرب، والغزو تحريرا، والمقاومة إرهابا، والوطنية خيانة، والعرب والمسلمون أجانب، والأمريكيون والغربيون أهالي ووطنيون على حد قول القائلين بذلك. على أن مصدر هذه الأقوال والفتاوى ما يقال انه مكتب “آية الله العظمى السيد علي السيستاني” الذي ستظل لعنة التاريخ تطارده حيا وميتا كأبي رغال1.
وما إن تم التفطن إلى خطورة ما وصلت إليه الأمور، وما قد تزداده من سوء جراء هجر المساجد عموما وهجر الأقصى تحديدا في الوطن السليب، وفقدان الذاكرة وضياع الهوية الإسلامية التي تنادت التنظيمات السياسية والعسكرية المختلفة بالهوية الوطنية بديلا عنها، حتى هب رجال إلى العمل على إعادة الهوية العربية الإسلامية لشعوب الأمة، والذاكرة الإسلامية التي كادت الشعوب الإسلامية كلها أن تفقدها، وليس الشعب الأفغاني والشيشاني والعراقي والكشميري والفلسطيني فقط.
ومع بداية استعادة الأمة عافيتها وظهور بعض بوادر إمكانية استعادة ذاكرتها كاملة، كانت استجابة الشعوب الإسلامية عربية كانت أو أعجمية مختلفة باختلاف ما هي علية من وعي إسلامي، وبقدر ما كانت مستعيدة لذاكرتها بقدر ما كان نبض شارعها أقوى وحسها أرهف، واستجابتها لنداء انتفاضة الأقصى ومختلف فصائل المقاومة في العراق وفي أفغانستان وفي الشيشان وفي كشمير وفي كل مكان من العالم الإسلامي كان لحركة التحرر الإسلامية وجود. وكان ضغطها على أنظمتها أشد وإحراجها للعالم المتغطرس أكبر.
وبما أن الإسلام لا يعتبر التدين مسألة شخصية كما تقدمه لنا ثقافة المحتل الغربي والصهيوني، بل هو انخراط جماعي في الطاعة والعبادة يستعين عليها الناس بعضهم مع بعض في كل ميادين الحياة مهما كانت دقيقة وخاصة. فقد جعل الإسلام للمسلمين الأرض مسجدا وطهورا. وخص المجتمع الإسلامي في الشعوب الإسلامية المكونة للأمة الإسلامية بمؤسسة يلتقي فيها الآلاف من النساء والرجال من مختلف الألوان والأعراق والألسن، و من مختلف الفئات الإجتماعية والمستويات العلمية والمعرفية والمهنية ،ومن مختلف الأعمار في مواعيد محددة من اليوم الواحد ،وخاصة يوم الجمعة على مر الزمان ،لا يجمعها إلا عبادة الله وطاعته. وبذلك يمكن أن تكون على موعد وبتلك الصفة الجماعية مع الأحداث، حتى إذا خرجت فإن خروجها الذي لا يكون إلا جماعيا ومن نفس الأماكن، إضافة إلى أماكن أخرى ومن ساحات أخرى وفي أوقات مختلفة من اليوم من الليل إلى الليل أي من صلاة الفجر إلى صلاة العشاء، إذا ما كانت على قلب رجل واحد ولغاية واحدة طاعة لله ولرسوله،من أجل الحرية والحق والعدل والمساواة والعزة والكرامة والإستقلال والتحرير والأمن والسلام يكون طوفانا بشريا يمكن أن يقتلع كل ما يجده أمامه باتجاه
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 – هو الرجل الذي قبل أن يكون دليل القائد العسكري الروماني أبرهة الأشرم عام الفيل في طريقه إلى هدم الكعبة بشبه الجزيرة العربية في مسعى منه لتحويل قبلة عرب الجاهلية إلي القليس تلك الكنيسة الرائعة التي يقال أنه أشادها باليمن على أساس أحسن ما كان معلوما من روائع العمران في ذلك الزمن والذي مازال الحجيج إلى يوم الناس هذا يلعنونه كلما مروا بقبره.
وفي سبيل تثبيت وفرض تلك القيم والمبادئ على المستكبرين لصالح المقهورين والمستضعفين.وتلك هي رسالة الإسلام وذلك هو دور المسلمين إذا ما وعوا حقيقة هذا الدين.
وبذلك يصبح من السهل على كل المسلمين أن يكون خروجهم جماعيا دائما ومن نفس الأماكن وفي نفس الأوقات، وهم قادرون على ذلك كلما أرادوه وفي خمس مواعيد مختلفة من كل يوم.
ولذلك كان من السهل على جماهير الشعب الفلسطيني المسلم والعربي الدائم الإستنفار، وهو الذي على
جاهزية دائمة أن تخرج جميعا كبارا وصغارا، نساء ورجالا، ويلتحم بعضها مع بعض في ساحات
المواجهة مع العدو اليهودي الصهيوني في انتفاضة الأقصى الذي يقود المعركة ويرص الصفوف، وتعبأ من خلاله الجماهير.وليس غريبا أن نرى أكبر التجمعات البشرية في العالم الإسلامي تخرج يوم الجمعة حين يكون لابد من خروج.وبقدر ما يكون هذا الخروج متواصلا وبكثافة بشرية ناضجة أكثر بقدر ما تكون الأمة في طريقها إلى تحقيق أهدافها الحقيقية في التحرير والإستقلال والوحدة.
وليس غريبا أن لا نرى أي خروج إلا ما كان من بعض المحاولات الهزيلة والضعيفة في البلدان الإسلامية التي تم تعطيل المساجد فيها عن أداء مهمتها التربوية والتوعوية والتثقيفية والتعبوية.وإذا كان للمساجد في الإسلام مثل هذا الدور الخطير وغيره من الأدوار الحضارية الرائدة على مر التاريخ، فإن ذلك لا يعني إن التجمعات الكبيرة خارج المساجد لا يمكن أن توجد وليست ممكنة، ولكن إذا كان ذلك ممكنا في ميادين وفضاءات أخرى فإن ذلك لا يمكن أن يكون في مثل حجم ما تؤديه المساجد من أدوار ومن حشد جماهيري حين تكون الأمة متمسكة بهويتها وغير فاقدة لذاكرتها ومحافظة على روحها المعنوية.ولا يمكن أن تكون تلك الفضاءات والساحات بذلك في النهاية إلا امتدادا للمسجد الذي لا يحصره الإسلام في حيز مكاني معين ومحدود ولكنه اعتبر أن الأرض كلها مسجدا.
ذلك أنه يكفي الأمة ضياعا وانحلالا وانحطاطا أن تهجر مساجدها، وتستعيض عنها بفضاءات وساحات و ومؤسسات أخرى مهما كان لها أن تكون بديلا عنها. لذلك لم يكن من الغريب أن يحتج الوزير السابق في أحد تشكيلات حكومات المفسدين في منظمة التحرير الفلسطينية- فتح- نبيل عمرو على وزير الداخلية سعيد صيام في حكومة الإصلاح والمصلحين التي شكلتها الحركة الإسلامية حماس بعد التفويض الذي أخذته من الشعب الفلسطيني في أول انتخابات تشريعية حرة ونزيهة وديمقراطية لم يكن هناك مجال لطاعن أن يطعن فيها، لما زاول أحد أنشطته السياسية في إطار الصلاحيات المخولة له قانونيا والمتعلقة بإصلاح المؤسسة الأمنية، بالمسجد العمري بالضفة الغربية ،معتبرا أن ذلك النشاط “المدني“لا يجب أن يكون في المسجد، تثبيتا منه للإستثناء العلماني، ومواصلة منه لنفي واستثناء الأصل الإسلامي التزاما بالثقافة العلمانية والتمسك بالعمل على فرضها على الآخرين. ذلك أن شبح المسجد يفزع المفسدين الذين لا يجدون راحتهم إلا في ساحات الرذيلة والفساد واللصوصية والنهب، ويريح ويرتاح له وفيه المصلحون الذين لا يجدون راحتهم إلا في ساحات الفضيلة والصلاح والأمانة.
وهل كان لانتفاضة الأقصى أن تكون لو لم يكن المسجد الأقصى هو المستهدف، وهو رمز فلسطين كلها ورمز الأمة كلها وليس رمز الشعب الفلسطيني فقط. ذلك أنه لا معنى لفلسطين بدون الأقصى، ولا معنى للأقصى بدون فلسطين التاريخية. وكما أنه لا معنى للأمة كلها بدون الأقصى، فإنه لا قيمة لها بدون فلسطين. وأن الحركة العلمانية التي فرطت في الأقصى وتنكرت له وأعرضت عنه في غياب الحركة الإسلامية ،وفرطت في فلسطين التاريخية كما فرطت في مطالب الأمة في الوحدة والعزة والكرامة والإستقلال والسيادة بقبولها استعاضة الثقافة الإسلامية بالثقافة العلمانية الغربية الصليبية الصهيونية الإستعمارية، والنظام الإسلامي بالنظام العلماني اللائكي، والمنظومة الفقهية القانونية الإسلامية بالمنظومة القانونية الفقهية الوضعية، والشريعة الإسلامية بالشريعة الوضعية، لا يمكن أن تصنع مجدا جديدا ،ولا أن تستعيد مجدا ضائعا. وهي التي ارتبطت في عالمنا العربي والإسلامي بالهزائم والنكبات والتخلف والإنحطاط والفساد، لا يمكن أن تحقق نصرا، ولا أن تستعيد أرضا محتلة ولا حقا ضائعا. كما أنها لا يمكن بحكم طبيعتها المادية الفاسدة أن تسمح لتجربة أخرى بالنجاح إلا قصرا، خاصة وأن هذه التجربة لا يمكن اليوم إلا أن تكون إسلامية. وعلى هذا الأساس كان هذا التحالف الذي يشاهده العالم اليوم وشاهد عليه بين مختلف مكونات الحركة العلمانية ،خاصة في فلسطين وجل الأنظمة العربية الفاسدة، وخاصة تلك ذات الطبيعة العلمانية المرتهنة للصهيونية وللغرب الصليبي وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية ضد مشروع المقاومة والتحرير والإستقلال الذي تقوده حركة حماس، التي هي عن استحقاق حركة الشعب الفلسطيني، لإفشاله بالإسرار من داخل بيت الطاعة الأمريكي على تسليم الإستحقاقات المالية والمادية إلا للمفسدين، وعدم السماح لها بالمرور من أي طريق للمصلحين الذين لا تجد طريقها إلى الشعب الفلسطيني في إطار من الشفافية والوضوح والعدل والمساواة إلا عن طريقهم والكل يعلم ذلك.
وهل كانت هذه لتكون لو كان المستهدف بالتدنيس من قبل المجرم شارون في ذلك الوقت هو أي مؤسسة أو فضاء آخر كائنة ما كانت أهميته؟لاسيما وأنه قد تم في تلك الأيام وفي تلك المرحلة من تاريخ جهاد الشعب الفلسطيني هدم ومحاصرة كل مؤسسات السلطة، وكنيسة المهد ازدراء للدين المسيحي ،وإذلالا للمسيحيين العرب، وغير ذلك من المؤسسات، ولم يكن تصدي الشعب الفلسطيني بالقدر الذي كان عليه تصديه لقوات الإحتلال ولرؤوس الفساد في الكيان الصهيوني في كل مرة يحاولون فيها المساس بالمسجد الأقصى المبارك.
لذلك فقد بات من المؤكد أن المسجد الأقصى يمثل وعن جدارة ضمير الأمة وهويتها وذاكرتها وروحها المعنوية العالية التي حركت العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه، ومن جنوبه إلى شماله رجالا ونساء وشيوخا وصبيانا، إلا ما كان من بعض الأوضاع في بعض البلدان التي كان للعلمانية المتطرفة والفاشية المعلنة عداءها للإسلام في جوهره ولمؤسساته ورموزه ومقدساته، وفق خطة متفق عليها أحيانا في ما بين مكونات نظامها لمواجهته وإنهاء أي دور سياسي أو اجتماعي أو تربوي أو أخلاقي فيها ،مثل ما هو عليه الحال في تونس نظام تحالف 7نوفمبر الرهيب والنظام الطائفي السوري والنظام القبلي الليبي مثلا، بحيث لا يتجرأ أحد على الخروج و التظاهر للتعبير عن غضبه وسخطه ونقمته عما يتعرض له إخوانه في الوطن السليب، أرض الإسراء والمعراج، من قتل وإبادة جماعية ،وما تتعرض له مقدسات الأمة من تدنيس وهدم وحرق من طرف قوات العدو الصهيوني اليهودي والتحالف الخياني العربي الإسلامي الرسمي التقليدي منه والعلماني ،والغربي الأمريكي الصليبي في أفغانستان والشيشان وعراق العروبة والإسلام، إلا ما كان من إشراف بعض هذه الأنظمة بنفسها على بعض التظاهرات المحدودة، وتسيير بعض المظاهرات التي لا يراد بها وجه الله طبعا، ولكن في سياق إحداث بعض المتنفسات خوفا من انفجار الوضع والخروج به عن نطاق السيطرة ،وفي إطار المزايدة التي يمكن أن تشهدها الساحة الدبلماسية قبل انعقاد بعض القمم العربية مثلا، كتلك التي عقدها قادة العرب يومي 21 و22 اكتو بر سنة 2000 والتي لم تستطع أن تكون حتى مجرد ترديد لما انتهت إليه قمة شرم الشيخ من قرارات حصل فيها العدو الإسرائيلي على أكثر مما كان يؤمل أن يحصل عليه فيها.وكم كان النظام العربي المتهالك سعيدا بانعقادها قبل القمة العربية التي أصبحت لا تعقد إلا بإفساح الإرهاب الأمريكي لها بالإنعقاد.والذي كان يميز الأوضاع في مثل هذه البلدان أن العلمانية التي هي ثقافة الصهيونية اليهودية لا تستطيع تحريك الشارع الذي هي غريبة عنه وهو الذي ظل حتى في حالة الضياع التي كان يشهدها والتي هي من فعلها وبفعل نظامها السياسي والثقافي التغريبي غريبا عنها فيها. وبحكم غربتها عن المساجد، وعن الثقافة الأصيلة، وفقدانها للذاكرة الإسلامية، وجهل عناصر النخبة المكونة لها بالثقافة العربية الإسلامية ومناهضتها لها، فقد كان من الطبيعي جدا أن لا يهزها تدنيس الإرهابي شارون للمسجد الأقصى، ولا حتى هدمه من طرف أصدقائها وأصدقاء الكثيرين منهم من اليهود الصهاينة، ولا يهزها تدنيس وهدم القوات الغربية الأمريكية الصليبية الغازية للمساجد وانتهاك حرمتها في بلاد الرافدين وفي أفغانستان وفي غيرها من الأوطان التي للمسلمين فيها وجود، والتي يدور فيها الصراع بين المشروع الحضاري والثقافي الغربي السائد والمهيمن والمشروع الحضاري والثقافي العربي والإسلامي النازع للصعود.
وكان طبيعيا واستنادا إلى طبائع الأشياء، أن لا يترك هذا التدنيس وهذا الهدم وهذه الإنتهاكات للأعراض وللمقدسات أي اثر ربما في نفوس هذه النخبة، بل وفي نفوس الأغلبية الساحقة من عناصرها ،ولا يحركها بحكم التصور الذي تحمله للدين الإسلامي ولمقدساته، أو يجعلها تتجاهل على الأقل خروج الجماهير للتعبير عن مساندتها لانتفاضة الأقصى المبارك ،وتأييدها للمقاومة العراقية ،ورفضها للإحتلال الغربي الأمريكي لأوطان أمة العرب والمسلمين،وهي التي لا علاقة لها بالمسجد الأقصى ولا بما دونه من المساجد في أوطان أمة العرب والمسلمين التي لها عليها السيطرة من خلال سدة الحكم ،لرعاية مصالح أوليائهم الغربيين والصهاينة، والتمكين لمشاريعهم الإجتماعية والإقتصادية والسياسية والثقافية والحضارية.
أما الشعب الفلسطيني، وبحكم علاقته الحميمية والمباشرة بالمسجد الأقصى، وبحكم ما له عنده من معزة وقداسة ،وما يزوده به من طاقة وما يعمه به من سكينة وما يضفيه عليه من اطمئنان ،رغم الفواجع والفزع وعظم الكارثة وجلل الحدث، وما يمثله له من أنس وما يشعره به من مسؤولية على الأرض المقدسة وعلى كل مقدساتها، هذه الأرض التي تستمد كل حبة رمل فيها وكل هباءة منها قدسيتها من قداسة مساجدها وعلى رأسها المسجد الأقصى، ومن كنائسها العتيقة وعلى رأسها كنيسة المهد، فقد كان خبر أمين عليه ووفاه حقه وما يليق به من استبسال في الدفاع عنه وحمايته إلى الآن.ذلك الدفاع وتلك الحماية التي ينظر إليها شذاذ الآفاق وحصيرو النظر على انه دفاع عن المسجد الأقصى وغيره من المقدسات من دون الأرض المقدسة كلها. وهو الذي لم يضن عليه بالأرواح فكانت فداه، وبالدماء فأهرقت على عتباته وفي باحاته وأكنافه نيابة عن الأمة كلها.وقد برهن بما لا يدعو مجالا للشك على انه جدير بالقيام بهذا الدور، وقد قدم له من القرابين والأرواح والدماء والأموال ما لا طاقة لأي شعب آخر في وضعه وفي مأساوية ظروفه بتقديمه له كرمز للوطن وللأمة، مما جعله في نظر الشرفاء والعقلاء والأحرار والصادقين والمخلصين أكبر من أي كبير بعد الله ورسوله عند الكبير والصغير، وبما جعل أبناء الأمة الصادقين تهفوا نفوسهم لطلب الشهادة والسعي إلى أن يكون لهم دور في انتفاضة الأقصى وتحرير فلسطين والشيشان و أفغانستان وبلاد الرافدين من الإحتلال الغربي الصليبي الصهيوني، ينالون به شرف الشهادة والإستشهاد، والمساهمة في تحرير الأرض المغتصبة في كل بلاد العرب والمسلمين. هذا التحرير الذي لا يمكن أن يكون ممكنا بدون تحرير الإرادة وتحرير المبادرة في صفوف أبناء الأمة، وبدون تحرير العقول من العادات والتقاليد البالية المحسوبة على الإسلام ،ومن الخرافة والأسطورة ،ومن السلبية والتواكل، ومن الخوف من غير الله ومن الطمع في غيره، ومن التعصب الأعمى ،ومن الغزو الفكري التغريبي ،والإلحاق الحضاري ،والتبعية الثقافية والسياسية والحضارية، وتحمل الشعوب مسؤوليتها في تحرير نفسها بنفسها من الأنظمة الفاسدة، ومن هيمنة النخب المتغربة والتقليدية على حد سواء على دوائر اخذ القرار. وأن غدا لناظره لقريب، وان موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب ؟وذلك هو معنى استعادة الأمة لذاكرتها والإعتزاز بهويتها وبمقومات شخصيتها، وإيمانها بنمطها المجتمعي وتميزها الثقافي والحضاري الذي لا قيمة ولا وجود لها بدونه ولا معنى لهذا الوجود بدون ذلك كذلك.
بقلم:علي شرطاني
قفصة – تونس