الوضع الجبائي وعلاقته بالتنمية
إن الحديث عن الوضع الضريبي والجبائي طويل وشائك ومعقد .فحسبنا منه الحديث عن الوضع الجبائي في ما يتعلق خاصة بالخطايا المحكوم بها عن جهات و أفراد وأطراف مختلفة في مختلف القضايا وفي مختلف القطاعات ،نذكر منها الخطايا المالية المترتبة عن المخالفات والجنح والجنايات وتلك المترتبة عن الصكوك المصرفية بدون رصيد وهي من الأموال التي تصبح مستحقة للخزينة العامة في حق الجاني أوالمخالف الواقع تحت طائلة القانون لصالح الحق العام .فإذا كانت هذه الخطايا في طريقها كعقوبات قانونية أقل خطرا أوأقل ضررا من العقوبات البدنية ،وهي لابد منها فإنها كثيرا ما تثقل كاهل الأفراد والجماعات والمؤسسات خاصة عندما تنتهي فيها الأحكام إلى أقصاها ،وإذا كان لابد منها فان التحقيق فيها يصبح مطلوبا لتيسير خلاصها واستفادة الخزينة العامة بها وإنهاء تعقيدات التلكئ والبطء والإمتناع عن الدفع الذي لا يكون عادة إلا بسبب العجز.وإذا كان ينظر إلى التيسير كإجراء غير رادع ومشجع على العدوان وارتكاب الجريمة والجنحة والمخالفة الموقعة تحت طائلة القانون بعد الإعتداء على أرزاق الناس أوأعراضهم أوذواتهم المادية أو المعنوية أو إلحاق الضرر بالمصالح العامة أو الخاصة فلعل الحل يبقى دائما في غير تشديد العقوبة التي تثقل كاهل الفرد والمجموعة والذات المعنوية والمادية وتحدث مشاكل عائلية واجتماعية أكثر خطرا من ارتكاب الجريمة نفسها .ويبقى التيسير هو الأصل مع وجود أخلاق وثقافة وعلاقات اجتماعية إنسانية وحضارية واعية ومسؤولة .
والمسلمون هم أقدر الناس على إيجاد هذه الثقافة وهذه الأخلاق وهذا التوازن الإجتماعي الذي يجنبنا الوقوع في ما يقع فيه غيرنا ممن ليس لهم دين كديننا وثقافة كثقافتنا وأخلاق كأخلاقنا وعلاقات اجتماعية كتلك التي يجب أن تكون سائدة بيننا .
فالعقوبة المشددة ليست وحدها هي الحل الأمثل لمثل هذه المشكلات ذات الصفة المالية المعيقة لحركة التنمية ولبرامج التنمية الأسرية والوطنية.
فتيسيرا للخلاص ونفعا للفرد أو للمجموعة وحفاظا على المال العام والخاص وتيسيرا لإلحاق الأموال المستحقة للخزينة العامة وللأفراد والمجموعات في مواعيدها قد يكون من الأجدى والأكثر نفعا ولعله الأيسر والأقل تعقيدا عدم إضافة نسبة ال50 في المائة المعمول بها وتحوير القوانين الجاري بها العمل بهذا الإتجاه .
والذي يزيد الأمر خطورة أن هذه القضايا تظل في صورة عدم الخلاص قابلة للزيادة بمرور الزمن بما يزيد المتخلد بذمته ديونا أو مستحقات أو خطايا عجزا على عجز. لينتهي به الأمر في النهاية إلى السجن مع عدم الإفراج عنه بما يجعله غير قادر على تسديد ما بذمته من دين ،ويا لهول ما يخلق ذلك من دمار اجتماعي وما يلحق الأسرة كلها من أتعاب وأضرار ….وبذلك تكون نتيجة البرنامج التنموي سواء للأسرة أو للفرد أوللدولة عكسية ،لأن المشروع التنموي وحركة التنمية لا نجاح لهما بدون علاقة التكامل التي يجب أن تكون قائمة بين الدولة وبين مجموع المنتجين من أفراد الشعب ….
ـ وهناك مشكلة أخرى أشد تعقيدا وهي الأكثر ضررا للأفراد والمجموعات ولإقتصاد البلاد وهي مشكلة الصكوك بدون رصيد وهي التي تترتب عنها ثلاثة معضلات خطيرة وكارثية على الأسرة والأفراد واقتصاد البلاد :
ـ المعضلة الأولى : تتمثل في الزج بالمدان في السجن لمدد طويلة في صورة عدم قدرته على خلاص ما تخلد بذمته من ديون كانت قد تضاعفت له أضعافا مضاعفة مما يزيد في وقوعه في العجز وما يفقده القدرة على السعي لتسديد ديونه بما أضيف إليها من خطايا وإذا كان يوجد في إيداعه السجن مبررا لمنعه من الإفلات والهروب فانه بالإمكان اتخاذ من التدابر وسن من القوانين ما يمنعه من ذلك أولا، للإبقاء على الفرص التي يمكن أن تتاح له لتسديد ديونه وخطاياه وكل ما هو متخلد بذمته من مستحقات للذوات المادية والمعنوية سواء للصالح العام أو لصالح الأفراد. وإذا كان ذلك غير ممكن أو أن تلك الإجراءات والتدابير لم تحل دونه ودون الإفلات والهروب. فلعل تلك تكون فرصة له لإعادة الحقوق إلى أصحابها ولو بعد حين مع إلغاء القوانين المسقطة لتتبعه في ذلك حتى يعيد الحق لأصحابه سواء ما تخلدمنه بذمته لصالح الأفراد أو المجموعات أو لصالح المؤسسات أو خزينة الدولة .
ذلك أن المحصلة النهائية للزج بالمدان في السجن لا يمكن أن يترتب عنها إلا فقدانه حريته ونشاطه التجاري أوالصناعي أوالحرفي أو المهني أو الوظيفي ويفقد كذلك أسرته وتفقده. ويكون بذلك قد فقد قدرته على التصرف، بما لا يمكنه مطلقا من أن يسدد ما تخلد بذمته من ديون وذلك ما يفقد الدائن كذلك الأمل والى الأبد في استعادة حقه، وتقع الخزينة العامة في خسارة الحصول على حصتها المتمثلة في الخطايا التي أثقلت بها كاهل المدان الذي يكون القضاء قد نقل العقوبة المالية إلى عقوبة بدنية أو أصدر عقوبة بدنية على مخالفة أو جريمة مالية أو ذات صبغة مادية .أليس من الأفضل توجيه القانون باتجاه توفير أكثر ما يمكن من الفرص لإستعادة المال الخاص والعام أفضل من دفعه باتجاه العقوبة البدنية التي لا مصلحة فيها لأحد، خاصة وأن ضحايا هذا الخيار القانوني وهذه السياسة القضائية هم دائما من الضعاف أو من الذين يصبح من المرغوب لحسابات معينة ومن مواقع معينة الإنتقام منهم، وأما إذا ما تعلق الأمر بالملإ وبعلية القوم الذين لا يرضون بغير الإستثراء غير المشروع على حساب المجموعة الوطنية والذين لا تمتد أيديهم من مواقع معينة ومن منحدر معين وبالتنسيق مع جهات معلومة لديها والإستعانة والإستفادة من أطراف وعناصر معينة لا يمكن إلا أن تكون ذات نفوذ ولا يرد لها طلب بل وطلباتها أوامر إلا للمليارات من الدنانير فإنهم فوق القانون، بحيث لايعاقبون وليس لأحد الحق في محاسبتهم ولا مساءلتهم من أين لهم هذا. ولا حديث عن ديون متخلدة بالذمة مستحقة للمجموعة الوطنية عليهم ولا حديث عن أموال طائلة يجب أن تعاد. وهم أبعد ما يكونوا كذلك من التتبع القانوني وإنزال العقوبات اللازمة عليهم وفق القانون من أجل التهرب الضريبي. وعن العقوبات التي يوجبها القانون عن المخالفات المالية. وعن الخطايا أو التعويض المادي أو المعنوي أو جبر الأضرار المادية كذلك والمعنوية المستحقة للصالح العام أو الخاص إلخ…
ـ المعضلة الثانية: وهي التي تكون فيها الكارثة بأن تصبح العائلة بدون عائل. ولم ينته الأمر عند ذلك الحد فقط، ولكن ليتحول هو نفسه إلى عبئ كبير يثقل كاهلها الذي أصبح مثقلا أصلا بالفقر والديون والحرج الإجتماعي وغير ذلك من المآسي. وما يترتب عن ذلك من مشاكل ومن أضرار لا تجبر، ومن خسائر لاتعوض . ولا يمكن لمثل هذه المشاكل الاجتماعية والأضرار المعنوية والخسائر المادية أن تنتهي عند حد الأسرة، ولكن للأمر تداعياته الأخرى الكثيرة والخطيرة سواء على المستوى النفسي أو الإقتصادي أوالأخلاقي أوالإجتماعي أوعلى هذه المستويات كلها .
ـ المعضلة الثالثة: والتي تتمثل في إنهاء أي أمل للدائن تقريبا في استعادة أمواله وهو الذي لا فائدة له في النهاية في الزج بالمدان بالسجن وما يلحق أسرته بذلك من أضرار إلا أن يكون تشفيا منه لما يكون قد ألحقه به هو نفسه من أضرار مادية ومعنوية واجتماعية.ولا مصلحة في النهاية لأحد في كل هذه المعالجات والحلول.ولابد من البحث عن حلول مناسبة ومعالجات صحيحة يكون الجانب التربوي والثقافي الملتزم الجاد القائم على الترغيب في الثواب من الله والترهيب من العذاب الذي ينتظر آكل أموال الناس بالباطل ومن أليم عقابه. والجانب الأخلاقي في ثقافتنا الإسلامية السمحة الذي يرغب في الحلال وينفر من الحرام. ويعطي قيمة للإعتبارات الإنسانية والإجتماعية، ولإعتبارات العفة والفضيلة وغيرها من الأبعاد التربوية والأخلاقية ذات الأصول الدينية التي تؤكد على علاقة التلازم في ديننا الإسلامي بين الدنيا والآخرة .ثم تأتي الإجراءات والمعالجات والحلول القانونية في النهاية، والتي لا بد منها لمن لا يعتبر.
إن المصلحة تقضي بأنه ليس أقل من أن تقع المحافظة على هذا المدان الضعيف هو كذلك خارج السجن سواء في ما يتعلق بالحق الخاص أو العام. وإحاطته بإجراءات قانونية تمنعه من الفرار والمغادرة، وحتى إذا ما لاذ بالفرار والذي غالبا ما يكون خارج الوطن ، فلا يجب أن يكون التقادم مسقطا للحق العام ولا للحق الخاص ويكون ذلك بمثابة الفرصة التي يظل متمتعا فيها بحرية الحركة والبحث عن فرص للعمل لإعادة الحقوق لأصحابها من خلال ما يوفقه الله فيه من نجاح إذا كان من الذين يريدون أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها .
ولما لا تراجع القوانين المانعة لعدم المساس بما لباقي أفراد الأسرة من ممتلكات وجعل كل أفراد الأسرة مسؤولين قانونيا على استخلاص ماهو متخلد بذمة المدان من نفس الأسرة لصالح الدائن ليحافظ بذلك على مكانه من الأسرة مما من شأنه أن يجنبها كل أو جل ما تمت الإشارة إليه من مشاكل نفسية وأدبية وأخلاقية واجتماعية. ويكون ذلك خاصة في حال تبين أن ما تم الإستحواذ عليه من المال قد تم تحويله لحساب أحد أفراد هذه العائلة أو من له علاقة بالمدان ممن يثق بهم . خاصة وأن الكثير من المورطين في مثل هذه القضايا لا يريدون أن يسووا وضعياتهم المالية بإعادة ما ليس لهم فيه حق مما تورطوا فيه لأصحابه الشرعيين، ليس لأنهم أفلسوا أوخسروا أوفقدوا القدرة على الخلاص، ولكنهم يكونوا قد لجأوا إلى تحويل المستحقات المالية التي أصبحت متخلدة بالذمة إلى حسابات بعض أفراد الأسرة أو العائلة لتظل بعيدة عن المصادرة وإعادتها إلى أصحابها الشرعيين ولتتحول بذلك بعد ذلك إلى حق مشروع للعائلة من بعده. ويقبل المدان أن يقضي بدلا منها عقوبة بدنية يكون خلالها مطمئنا على الجانب المادي للأسرة ،وهو ما يقدم عليه أحيانا بعض من يكونوا قد استولوا على أرصدة مالية كبيرة أو عقارات أو منقولات هامة ويكون هو بمقتضى ذلك في ظروف مادية مريحة أثناء قضاء العقوبة التي يتمتع خلالها في كل مرة بالحط منها بالكثير من الأشهر والسنين وما هي إلا سنوات قلائل حتى يجد طريقه إلى خارج السجن ويستعيد مكانه بين أهله ويكون بينهم بعد مدة قد تطول أو تقصر ذا مال وجاه مثلما هي الحال لكثير من اللصوص الذين نعرفهم ويشاركوننا الحياة وكل الناس يعلمون عنهم ذلك.
وإذا كانت الرغبة متجهة نحو معالجة المشاكل المادية والأسرية والاجتماعية فان مزيد اثقال كاهل المدان بالخطايا ومضاعفتها لصالح الحق العام أو الخاص مما يزيد الأمور تعقيدا والمشاكل استفحالا ولا يخدم ذلك الصالح العام ولا الصالح الخاص . ولعل الإكتفاء بأصول الأرصدة المتخلدة بالذمة وبأصول الخطايا القانونية وإلغاء آليا نسبة النصف التي تضاف إليها أو ما شابهها من الإضافات المثقلة للكاهل والمعيقة لعملية الخلاص والمتسببة في الفرار عند الاستخلاص هو الحل الأفضل والذي يخدم برامج التنمية الوطنية والأسرية والاجتماعية إذا كانت الغاية هي إقامة العدل وإجراء القانون العادل وخدمة التنمية.
نوفمبر 2005
بقلم:علي شرطاني