Posted by: chortani | يناير 20, 2008

متعاقد بين المطرقة والسندان

بســـــم اللـــــه الرحمـــــن الحيــــــــــــــم

متعاقد بين المطرقة والسندان

هذا المقال هو مساهمة مني في إنارة الرأي العام بالمستوى الذي عليه بعض من أنيطت بعهدتهم مسؤوليات لم يقدروها حق قدرها، واغتنموا فرصة وجودهم في مواقع يتيسر عليهم استغلال نفوذهم من خلالها أمعانا في سحق الراجعين إليهم بالنظر وإذلالهم بتسليط مظالم عليهم مجيزين لأنفسهم كل تجاوز ومحظور.

كان ذلك يوم السبت 20 اكتوبر 1990 على الساعة السابعة صباحا، وهو حلول موعد تاريخ تجديد العقد المبرم بيني وبين إدارة شركة فسفاط قفصة بالإقليم الشرقي بالمظيلة منذ 20 افريل 1988، والقابل للتجديد بعد مرور كل ستة أشهر- ولما كنت متجها إلى مكتبي بعد أن سجلت حضوري لدى إدارة الإقليم صحبة أحد أعضاء النقابة الأساسية لعمال الشركة الأخ علي محجوب أشكوه مظلمة رئيس الإقليم المدعو …..الدواس الذي لمجرد حصول خلاف بيني وبينه بخصوص اللباس الذي يجب ارتداءه أثناء حصة العمل أعطى الأوامر لأحد الموظفين المتعاقدين مثلي بمنعي من الإمضاء على ورقة الحضور، ودعا رئيس المصلحة إلى خصم أجرة يومين من مرتبي لشهر أوت 1990 .

وبوضع الخلاف الحاصل بيننا بين يدي أحد أعضاء النقابة الأساسية وأحد أعضاء المكتب التنفيذي للإتحاد الجهوي بقفصة، الذان أكدا له عدم مخالفتي لقانون الشركة، وأنه ليس له الحق في مضايقتي بخصوص هذه المسألة التي تعلقت بالجانب المزاجي عنده، أكد لهما بدوره أنه ليست له مشكلة معي وإنما يعتبر أن اللباس الذي أرتديه وهو من اللباس التونسي الأصيل (سروال عربي وجبة)غير لائق.

ورغم تدخل النقابيين في الموضوع، وجه لي استجوابا أكدت له في الجواب عنه، أن إصراري على ارتداء هذا اللباس صيفا إنما هو لأسباب صحية ومناخية فقط، وأنه بمجرد انخفاض الحرارة واعتدال الطقس خريفا أتخلى عنه تلقائيا. وكنت أحسب أن الأمر انتهى عند ذلك الحد.

فما راعني إلا وباستلامي بطاقة خلاص الشهر، وجدت أن اليومين لم يقع احتسابهما رغم حضوري والقيام بواجبي المهني، ودون أي إشعار بمغادرة الشغل طيلة هذين اليومين، والسيد رئيس القسم الإداري يعلم ذلك.

وفي الوقت الذي كنت متجها فيه إلى مكتبي صحبة عضو النقابة الأساسية، أرسى مدير الإقليم سيارته أمام مبنى القسم الإداري المتضمن لمكتبه، وعوض أن يقصد مكتبه كمسؤول كبير لا يعير اهتماما لكثير مما يحدث بساحة الإدارة خاصة عند دخول الموظفين إليها لآداء واجبهم المهني، اتجه إلينا والشرر يتطاير من عينيه، وتوجه إلي بالخطاب في انفعال شديد قائلا أنت تستفزني دائما…” وأقسم أن لا يمتعني بحقي في أجرة اليومين التي تم خصمها، وهددني بإجلائي من الشركة أصلاولما دعوته إلى أن يهدئ من روعه باعتبار أنه لا مبرر لهذا السلوك الأرعن، لا سيما أني لم أتوجه إليه بالخطاب في أي موضوع أصلا، وليس في نيتي ذلك، ولست في انتظاره ولا على موعد معه، بل لا حاجة لي عنده. ولما بالغ في استفزازي بالتهديد والوعيد، دعوته إلى الإلتحاق بمكتبه وأشعرته أن لا شأن له بما أفعله هنا، مما اعتبره إساءة للإدارة في شخصه وتحديا مني له، وذلك كل ما وجد صالحا وكافيا ليكون موضوع استجوابا ليوم 23/10/1990. وبمجرد الإجابة على الإستجواب في الغد، دعاني المسؤول المباشر، وهو كذلك من المغضوب عليهم ليقدم إلي السيد رئيس القسم الإداري لأمضي له على إعلام بعقوبة مدتها 3 أيام مسندة إلي من السيد رئيس الإقليم ابتداء من يوم الخميس 25 اكتوبر 1990. كما أريد أن أنبه إلى أني بادرت بإعلام كل النقابيين تقريبا بعد الذي حصل بيني وبينه مباشرة وبحضور السيد عضو النقابة الأساسية الذي لم ينبس ببنت شفة، ودعوتهم إلى وضع حد لعنجهية ومظالم هذا المسؤول. فوجدت أن أكثرهم يميل إلى التحامل علي والإنحاء علي باللائمة، ويحملني مسؤولية الإساءة إليه في قولي له إلتحق بمكتبك ولا شأن لك بما أفعله هنا أكثر من السعي لإعادة الإعتبار لي وإنصافي، بإلزامه بحدود القانون، وإعادة حقوقي المشروعة ماديا وأدبيا لي.

ذلك كل الذي تستطيع النقابة الموقرة واتحادها الجهوي الموقر أيضا أن يفعلاه في مظلمة مثل هذه. ولعل السيد الكاتب العام للإتحاد الجهوي بقفصة وعضو مجلس النواب المدعو عمارة العباسي على ما أبلغ عنه رئيس الإقليم، قد شدد على ضرورة معاقبتي ليس بأقل من شهرين طردا من الشغل، لمجرد أني تمسكت بحقي في المطالبة باسترداد حقي، ولم أقبل من أجل ذلك أن أهان أو أن أقف أمام الظالم ذليلا طوعا لأمره في كل ما يقول ويفعل .

وكان الذي حصل بيني وبين رئيس الإقليم فرصة للضغط علي لتجديد العقد من دون كل المتعاقدين الحاصل اتفاق بين النقابة وإدارة الشركة لتسوية وضعياتهم وإنهاء العمل بالعقود بعد إذن السلطة السياسية طبعا، لنيل موافقتها أو عدم موافقتها، على تسوية بعض الوضعيات ذات الصبغة السياسية الراجعة إلى سنة 1987 في إطار المظلمة التي سلطها بورقيبة على فئات عريضة من الشعب وفي مقدمتها أبناء الحركة الإسلامية وأنصارها.

وبحلول الأجل، ولم تجد هذه المسألة طريقها إلى الحل النهائي، وبعد أن يكون قد مر على هذا الملف أكثر من عامين على مكاتب السادة الوزير الأول ووزير الإقتصاد ووزير الشؤون الإجتماعية والمركزية النقابية والسيد والي قفصة المدعو محمد بن رجب الذي دعا إلى اشتراط القبول بالتعاقد لإرجاعنا إلى سالف مواقعنا المهنية – وتجد المسألة طريقها إلى الحل.

وبمجرد إلحاحي وحرصي على استرداد حقي، شددت الإدارة على عدم قبولي في الشغل إلا بتجديد العقد من دون كل المتعاقدين العاملين بها، والمهلة التي أعطتها الشركة للإتحاد الجهوي لتسوية القضية وإنهائها مع سلطة الإشراف – كافية في صورة عدم إمضاء العقد – لبلوغ المدة القانونية – والمحددة لستتة أيام – الكافية لأنهاء نشاطي المهني من الشركة.

فما استطاع التذرر النقابي أن يتدخل للفصل على الأقل بين المشاكل المترتبة عن سعيي الجاد للمطالبة باسترداد حقي المسلوب، وبين ضغط الشركة باشتراط قبولي بالعمل بإمضاء العقد عند حلول الأجل، وبقطع النظر عن الإتفاق الحاصل بين إدارة الشركة والإتحاد الجهوي، والذي بدوره لم يحرص على تسوية الوضعية قبل حلول آجال تجديد العقد أولا، ثم تغاضيه عن الموضوع وترك المظلمة تتكرس علي من طرف رئيس الإقليم بحسب ما يراه صالحا، بدون أن يكون هناك من يحول دونه ودون ذلك، رغم تسلطه الواضح وتجاوزاته المتكررة.

وسلطت علي المظلمة كاملة بـ :

- تجديد إمضاء العقد من دون الآخرين.

- طردي يومين آخرين (السبت 20 والإثنين 22 اكتوبر).

- حرماني من منحة الإنتاجية والمنحة الثلاثية.

- معاقبتي بمدة ثلاثة أيام أخر ابتداء من يوم 25/10/1990 .

ولئن كنت أعتبر رئيس الإقليم ظالما مستبدا من بداية المعركة حتى نهايتها، فإن تخاذل الأطراف النقابية وتورطها في المسألة كان أشد إساءة.

المظيلة في :06 / نوفمبر1990

علي شرطاني

Posted by: chortani | يناير 20, 2008

تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين

تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين

المواقف والغايات والأهداف

ـ من هو صدام حسين؟:

ليس الغرض من طرح السؤال لوضع ترجمة لحياة صدام حسين المجيد التكريتي، ولكن للقول بأنه كان من الدكتاتوريين الكثيرين على رأس النظام السياسي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وأنه كان من حب الذات بما يجعله لا يرى إلا نفسه، ولا يريد للكل أن لا يرى سواه. وأنه كان كغيره من الإستبداديين الذين لا يملكون قيمة لأنفسهم في ذاتها، ولكنهم حريصون على البحث عن تلك القيمة في إلغاء كل من سواهم، سواء قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، وسواء قاموا بذلك أو لم يقوموا به، وسواء علموا ذلك أو لم يعلموه، وسواء أرادوا ذلك أو لم يريدوه. وهو كغيره من الزعماء العرب والحكام وفي باقي الأنظمة في أوطان شعوب الأمة الإسلامية وعالم المستضعفين عموما الذين يختزلون النظام السياسي والشعب والوطن والدولة في ذواتهم، حتى لا يرى غيرهم، وحتى لا يكاد أحد يرى وطنا ولا شعبا ولا دولة ولا نظاما سياسيا.

وهو كغيره من مكونات الحركة العلمانية اللائكية ذات الأصول العربية الإسلامية الهجينة العبثية الفاسدة في الجانب الكثير منها باعتبار كل ذلك، والمستعلية على شعوب الأمة، والمؤمنة بالهدم، والعاجزة عن البناء، والتي لا إيمان لعناصرها إلا بأنفسهم وبذواتهم وبالأجنبي الذي تستمد منه قيمتها ووجودها وقوتها واستمرارها في الوجود بالقدر الذي يخدمه ويخدمها، ولا يخدم شعوبها وأوطانها. وهي المؤمنة بالإلحاق الحضاري وبالتبعية للغرب الصليبي. والمولعة بخطب ود اليهود الصهاينة مهما ادعت عناصرها ومهما أظهرت لهم من عداء ومن مناهضة، ومهما زعمت من تهديد لهم باعتبارهم قوة احتلال وحركة تهديد مباشر وحقيقي وموضوعي لأمة العرب والمسلمين وللإنسان عموما، بالنسبة لمن له إيمان بهذه الأمة وبالإنسان، وكان ذلك من المسائل الخلافية في هذه الطائفة.

فقد كان الرفيق صدام حسين عاليا من المسرفين. وقد كان استبداديا دمويا موغلا في القتل والإبادة. وكان لا يكتفي في ذلك بما أعد لذلك من أجهزة مختصة ومن تجهيزات وأماكن كافية، وبما رصد لذلك من إمكانيات ونفقات ليقوم بذلك بنفسه أحيانا، بحثا للمتعة وإشباعا للرغبة وإظهارا للقسوة، على رأس نظام علماني معاد للهوية العربية الإسلامية الأصيلة لأمة العرب والمسلمين، مهما كان مدعيا ومظهرا خلاف ذلك، وإن كان يزعم على الدوام أنه العربي المسلم المنافح عن الشرف العربي والمدافع عن الأمة العربية، وإن كان يفعل ذلك بقناعته وبطريقته. وهو الذي كان قائدا كذالك لحزب البعث العربي الإشتراكي القومي النزعة والماركسي المرجعية والقيم والمبادئ، لكنها الماركسية المزيفة في إطار قومي عربي مزيف، بعيدا عن القومية العربية الإسلامية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وذات العلاقة المباشرة بالمعسكر الإشتراكي الشرقي، حيث كان زمرة من الحكام العرب ومن يدور في فلكهم وسدنة حكمهم من عناصر الطائفة اللائكية وحتى من المستقلين عنهم والمعارضين لهم يولون وجوههم الإتحاد السوفياتي سابقا، والذين أصبحوا يعيشون بعد سقوطه حالة من اليتم أصبحوا بها بين قتيل وشريد وذليل.

أحسب أنه لا يختلف إثنان من العقلاء والعدول وأولي الألباب في أن صدام حسين كان موغلا في الدموية والإرهاب من أجل المحافظة على الملك والنفوذ والتفرد بالرأي، وفرض برنامجه ورؤيته لحكم العراق من خلال حزب البعث، كما يرى ذلك ويريده، ووفق ما يتحقق له من مصالح، وما يعتقد أن يتحقق به من مصالح الشعب العراقي، وإقصاء وتهميش واستئصال كل من يخالفه الرأي من أهل الإختصاص وغيرهم، وكل من يطالب بحقه في المشاركة السياسية، ومن يريد أن يكون له رأي ودور في إدارة الشأن العام بالبلاد، وكل من له موقف من سياسته وبرامجه وخياراته الفكرية والثقافية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والعسكرية وغيرها.

هذه هي صورة صدام حسين التي يعرفها الجميع. والتي قدم عليها نفسه للجميع. دون أن يعني ذلك أنه ليس للرجل إيجابياته وإنجازاته التي أخفتها على قدر شأنها وعميم نفعها بشاعة جرائمه وطبيعته الدموية في غير حاجة ولغير ضرورة ملحة أحيانا.

هذا هو صدام حسين من منطلق ذاتي كما نراه، ومن منطلق مبدئي ثقافي، ومن منطلق سياسي في إطار الطبيعة الإستبدادية للأنظمة السياسية العلمانية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وفي إطار النظام العالمي الإستعماري الإمبريالي، الغربي الصليبي والصهيوني المادي النفعي.

ـ إيقافه ومحاكمته وإصدار حكم الإعدام فيه:

فبالرغم من أن صدام حسين قد بدل خطابه للشعب العراقي وللرأي العام العربي والإسلامي منذ حرب الخليج

الأولى التي كانت رحاها قد دارت بين نظام البعث العربي الإشتراكي بالعراق بقيادة صدام حسين، وبين ما كان يعتقد، أو ما كان ينبغي أن تكون ثورة إسلامية في إيران، قبل أن تظهر نزعتها الطائفية والصفوية. وقد ازداد هذا الخطاب وضوحا بعد إخراج قواته العسكرية من الكويت. وأثناء الحصار الأمريكي لنظامه وللشعب العراقي، بسبب حماقاته وغبائه السياسي، وفساد رؤيته في إدارة المعركة، وخطإ حساباته في تحديد طبيعة المعركة، وفي عقد التحالفات، وفي عدم تقديره لقدراته ولقدرات خصومه وأعدائه، بإضفاء صبغة إسلامية خالصة عليه لم يعهدها من قبل، وما كان الشعب العراقي ولا الرأي العام العربي الإسلامي يعلمها عنه.

فلم يكن هذا الخطاب إلا من مقتضيات المرحلة، في المواجهة التي أصبحت مفتوحة ومفروضة عليه مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا التين كثيرا ما تغاضيتا وغيرهما من القوى الدولية الغربية، والتي كانت داعمة له في حربه التي كانت حربا بالوكالة ضد إيران التي كان يعتقد وكنا نعتقد في البداية وقبل وضوح الصورة بعد ذلك أنها ثورة إسلامية، على الجرائم التي كان يقترفها في حق الشعب العراقي، وعلى الإنتهاكات التي كان يرتكبها في حق مبادئ حقوق الإنسان، التي كان بحكم ثقافته الشرقية في المعسكر الإشتراكي لا يعترف بها. وقد استمر على ذلك حتى بعد انهياره. والذي كان يجد له أصداء أوسع وأكبر في الشارع العربي الإسلامي المناهض للغرب عموما ولأمريكا وبريطانيا خصوصا. والذي كان يلتقي في مناصرته للشعب العراقي وفي دعمه له في الحصار المضروب عليه، وفي التهديد الأمريكي البريطاني له وإعلان الحرب عليه، مع القوى المناهضة للحرب وللعولمة وللهيمنة الأمريكية الإمبريالية على العالم، ومنظمات حقوق الإنسان غير الحكومية خاصة، والكثير من أحرار العالم، بعد حماقات حزب البعث القومي العربي في العراق بقيادة صدام حسين نفسه في إشعال الحرب مع إيران بإيعاز واضح ومعلوم من الغرب، وبمباركة ومساندة ودعم من النظام العربي الفاسد. وفي غزوه للكويت، بعد أن بلغ به غباؤه السياسي، وحساباته الضيقة، وضيق الأفق الإستراتيجي عنده، وجهله بطبيعة العلاقة مع الغرب الصليبي الإستعماري الإمبريالي، الديمقراطي في أوطانه ولدى شعوبه، والمعادي للديمقراطية في أوطان شعوب كل المستضعفين في العالم وخاصة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، والإرهابي الراعي والداعم لإرهاب دولة العدو الصهيونيفي فلسطين المحتلة، ولإرهاب النظام التقليدي والعلماني اللائكي الهجين في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وقد ساد عنده الإعتقاد أن الغرب الذي دعمه بدون قيد ولا شرط في حربه مع إيران في ذلك الوقت قد أصبح صديقا. وهو الذي استطاع أن يشن الحرب عليها بالوكالة عبر نظام البعث في العراق.

وكما استجاب صدام حسين لدعوة الغرب للتصدي للثورة الإسلاميةفي إيران، فإنه لم يتقدم لغزو الكويت إلا بعد أن استشار الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، وأعطته الضوء الأخضر لإلحاق الكويت بالعراق. وكانت الفرصة المناسبة التي أعطاها للغرب بقيادة أمريكا لينتزع منه ما كان مكنه منه من نظم ومعلومات وتقنيات كان تصديرها ممنوعا دوليا أي غربيا لغير من لا يريد الغرب أن يصدرها له ذلك، ولمن يتحقق له بذلك معه من مصالح ، وما لا يتشكل عليه به من مخاطر، وهي من التقنيات والمعلومات والنظم والمواد التي لم يمكنه منها حتى أولى أصدقائه في المعسكر الشرقي الذي يدور النظام العراقي في فلكه منذ عقود من الزمن.

هذا الخطاب الذي كان معاد له، والذي كان ينزل أشد العقوبات بمن يؤمن به وبمن يتوجه به للشعب العراقي، ويعتبره خطابا رجعيا معاد للنظام وللثقافة التقدمية لحزب البعث القومي العربي، هو الخطاب الذي أصبح الوقت مناسبا ليكون خطاب صدام حسين. وهو الخطاب الذي لم يعد مناسبا ومقبولا إلا عندما يرى القائد أنه أصبح الخطاب المناسب ويمكن أن يكون مقبولا، وإنه لا يحل إلا له عندما يريد أن يستحله. وهو المحرم عندما كان هو يحرمه. وهو خطاب تقدمي عندما يصبح خطابه. وهو رجعي عندما كان ويكون خطاب آخرين من أبناء الشعب أو غيرهم، خاصة عندما يكون صادرا ممن يختلف معه في الرأي. مثلما أصبح الخطاب الذي كان يقول به المعارضون للنظام القبلي في ليبيا، والذي كانوا يحاكمون عليه بمدد طويلة في السجون، وتصدر عليهم من أجله أحكاما بالإعدام، لا حرج منه ولا ضير فيه عندما أصبح العالم يستمع لسيف الإسلام القذافي وهو يتوجه به لليبيين وللعالم ولا أحد يمنعه من ذلك ولا يترتب له عليه فيه شيء. والمواقف من سياسات القذافي الفاسدة التي أصبحت مواقف نفس الشخص ليكون مقبولا لدى الغرب في إطار ظاهرة توريث الحكام العرب في عهد الديمقراطيات الملكية والجمهورية أبناءهم. ولم يكن صدام نفسه خارج هذا الإطار. وهم من يكونوا بذلك قد أضافوا بعد توريث الرفيق حافظ الأسد ابنه بشار في جمهورية سوريا العربية مصطلحا جديدا في فلسفة العلوم السياسية وهو مصطلح الجملكيات العربية“.

فهذا الخطاب الذي أصبح يتوجه به الرفيق صدام حسين للشعب العراقي ولجماهير أمة العرب والمسلمين، هو

خطاب الثقافة العربية الإسلامية الذي كان يلتجئ إليه الزعماء والقيادات في المنطقة العربية خاصة في الملمات وفي الظروف الصعبة وعند النوائب في الداخل، خاصة في مواجهة الحركة الإسلامية، وغالبا ما يشفعونه بزيارة البقاع المقدسة حجا أو عمرة زيادة في التظليل، وفي حروب التحرير في مواجهة الأعداء والغزاة. وهو الخطاب الذي التجأ إليه الرفيق صدام حسين، بدءا بحرب الخليج الأولى، ومرورا بالحصار والغزو الأمريكي البريطاني الغربي للعراق وإسقاط نظامه، وانتهاء بفراره حتى إلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة في محكمة جائرة ظالمة تحت حراب الإحتلال. وقد ألزم نفسه مصاحبة كتاب الله حتى تنفيذ حكم الإعدام فيه يوم عيد الإضحى للسنة السابعة والعشرين وأربعمائة بعد الألف للهجرة. وهل يكون الله قد تقبل منه؟. فهو الخطاب الذي ألقى بصدام حسين في آخر أيام حياته، وبعد سقوط عرشه في بغداد، وبعد مغادرة قصوره الكثيرة إلى المساجد التي أصبح يلتقي روادها ويحرضهم على الجهاد في سبيل الله، ويستنفر من خلالها من كان يلاقيهم من أبناء الشعب العراقي للمقاومة والفداء ومواجهة الغزاة الأمريكيين والبريطانيين، وهو هائم على وجهه لا يلو على طائل، وقوات الإحتلال الأمريكي الصليبي وميليشيات الخونة والعملاء العرقيين والطائفيين تتعقبه. وهي نفس المساجد التي كان يضيق على مرتاديها وعلى خطابها وعلى خطبائها وعلى علمائها ومفكريها، ويخضعهم للمراقبة المشددة، والمتابعة والمطاردة، ويخضعهم للمحاكمات الجائرة من أجل ذلك والحبس والنفي والقتل كغيره من الزعماء والحكام العرب.

وهي نفس الأماكن التي كان يحرم على الآخرين التوجه من خلالها للناس بمثل ما أصبح يتوجه به إليهم من خلالها، ويحثهم على التوجه به لجماهير الشعب العراقي التي كانت ممنوعة من الإستماع إليه وبمعاقبتها عليه إذا كان فيه ما لا يروق له وما لا يرضيه به أصحابه وما لا يرضى به عنهم.

ورغم ذلك لم يستطع القائد الرفيق صدام حسين أن يجد لنفسه في طول العراق وعرضها ملجأ يلجأ إليه، مثلما ظل المجاهد الملا عمر والشيخ المجاهد أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري وغيرهم من المطلوبين دوليا كالحيتان في ماء بحر الشعب الأفغاني والباكستاني المسلم وقبائل وزيرستان المسلمة، ومئات الآلاف من جنود الأعداء الغربيين الصليبيين والعملاء والخونة مزودين بأحدث الأسلحة والأكثرها فتكا، والمعدات الأكثر دقة، وفي انتشار واسع لعشرات الآلاف من العناصر الإستخباراتية المختلفة الإختصاص مجهزين بأحدث الوسائل والأجهزة والمعدات والنظم الإستخباراتية، جادة في البحث عنهم وتعقبهم وترصدهم وتتهددهم بالقتل، سوى جحر أو قبو تم إعداده له تحت الأرض حتى ألقى الجيش الأمريكي القبض عليه فيه.

ـ إلقاء القبض على الرفيق صدام حسين:

كان إلقاء القبض على الرفيق القائد صدام حسين، الذي عوض أن يبقى مع شعبه على وجه الأرض في مواجهة الغزاة، قد وجد أنه لا ملجأ له إلا تحتها، ولألا تكون له بذلك علاقة بالمقاومة والمواجهة من حيث لا يريد ولا يقصد. وكيف يكون له ذلك وهو مدفون في الأرض ولا علاقة له بالعالم الخارجي معزولا، وهو الذي كان يعلم أنه قد لا يجد مكانا لنفسه فوق الأرض في أي بيت من بيوت العراقيين التي لم تسلم من بطشه وأذاه. ولو وجد ذلك ما كان ليكون ملجأه إلى ذلك القبر الذي لا يستطيع من خلاله أن يعلم ما الذي يدور من حوله، ولا هو يستطيع أن يدافع فيه عن نفسه، ولا هو مستطيع ولا قادر فيه حتى على الإفلات من العدو، قد اعتبرته قيادة البيت الأبيض إنجازا مهما. واطمأن العراقيون الخائفون من عودته حتى وهم يعلمون أن عودته لقيادة العراق قد أصبحت مستحيلة. وأصبحوا يبحثون لأنفسهم عن وضع أفضل أصبح في ظل الإحتلال والصراع والتطاحن الطائفي والعرقي مستحيلا.

ـ المحــــاكمة:

لقد جعلت قوات الإحتلال، والعملاء والخونة الذين جاؤوا معها على الدبابات البريطانية والأمريكية الغازية من إيران ومن المنافي، والذين انضموا إليها من الداخل واحتضنوها وقدموا لها الدعم والتأييد ومنحوها المساندة، من إلقاء القبض على صدام حسين سريعا ومحاكمته مشروعا مهما تم التركيز عليه، خاصة عندما أضافت إليه قضية الإرهاب وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والذي سرعان ما تشكل كقوة من قوى المقاومة في حركة تحرير العراق.

لقد كان تعويل الغزاة والخونة والعملاء على إلقاء القبض على صدام حسين وعصابته في الحكم سابقا وإخضاعهم للمحاكمة كبيرا، إلى حد الإستخفاف بالرأي العام العراقي والقومي العربي والإسلامي، في محاولة لتقديم أنفسهم على أنهم المنقذون والمحررون للشعب العراقي من الإستبداد والدكتاتورية، وأنهم إنما جاءوا لإحلال عهد جديد في العراق قوامه الديمقراطية والأمن والإستقرار والحرية والسلم الإجتماعي والعدالة والسلام.

لقد كان هذا الوهم من قناعات أربع جهات أساسية لها مصلحة في هدم العراق وإنهاء صفة العروبة والإسلام له، والقضاء على الهوية العربية الإسلامية لشعبه الذي وإن كان متعدد الأعراق والأثنيات والطوائف والمذاهب، إلا أن الجامع الذين كان لا خلاف فيه بين كل هذه المكونات هو اللسان العربي على الأقل، وذلك ما نعنيه بعروبة العراق، وهي:

1- الغرب وعلى رأسه الإمبراطورية الأمريكية.

2- إيران التي تبين أن لها أطماعا حقيقية وجدية في العراق بالتنسيق مع عملائها وامتداداتها الفارسية والطائفية والمذهبية فيه وخاصة في الجنوب منه.

3- العملاء والخونة من العرقية العلمانية اللائكية الكردية بقيادة جلال الطلباني ومسعود البرزاني، والطائفة الشيعية بقيادة مومياء النجف السوداء، الصفوي الفارسي الأصل المدعو علي السيستاني، مفتي البيت الأبيض واليمين المسيحي اليهودي الأصولي المتطرف الذي انتهى إليه حكم الولايات المتحدة الأمريكية. هؤلاء الذين دخلوا مع القوات الغربية الصليبية الغازية بتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة بعد التعاون اللامشروط الذي تم بينها وبين الشيطان الأكبر” (أمريكا) في غزوها لأفغانستان، وفي ما تسميه حربها على الإرهاب الذي انتهى بكل المراقبين والمحللين إلى القول بأنها حرب على العرب والمسلمين وبدون أدنى شك في ذلك.

4- والكيان الصهيوني المدعوم دعما مباشرا متواصلا ولا مشروطا من طرف الغرب الإستعماري الصليبي الذي أوجده، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الصهيوني العالمي، وصنائعهم في النظام العربي الفاسد وفي الكثير من مكونات النخبة العلمانية اللائكية خاصة.

لقد جعلت هذه الجهات والأطراف والمكونات الدولية من مطاردة صدام حسين وزمرته وإلقاء القبض عليه ومحاكمته مشروعا سياسيا وإعلاميا. واعتبرته نصرا ظلت تشغل به قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي: 1- في بعده الطائفي الشيعي الصفوي بقيادة السيستاني والتنظيمات المتواطئة مع إيران وأمريكا وبريطانيا والصهيونية والغرب الصليبي الصهيوني عموما، والتي يمثلها:

أ- ما يسمى: بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وهو الأبعد ما يكون عن الثورة وعن الإسلام.

ب- وما يسمى حزب الدعوة، وهو الحزب الذي يجعل من أوكد وأهم مهماته ككل التنظيمات والقوى والمراجع الشيعية، إلا ما رحم ربك ربما، الدعوة إلى التشيع في البلاد الإسلامية، بما هناك من فرق بين التشيع السبئي ذات الأصول اليهودية، والإسلام أو التشيع السني ذات الأصول العربية الإسلامية، البعيد عن عقيدة اللاهوت وعن إخضاع النص القرآني للحدث التاريخي،وعن اعتماد منهجية الطعن في التاريخ وفي الثوابت والأصول، والنيل من الصالحين من أبناء الأمة.

ج- وما يسمى بالتيار الصدري الذي يبحث عن موقع سياسي له في ساحة لا مرجعية خاصة به له فيها، وعن مكاسب مادية انتهت به إلى بيع السلاح جهارا نهارا للقوات الغازية ولعميلها إياد علاوي رئيس ما يسمى بمجلس الحكم بعد سقوط بغداد، في الوقت الذي كان الواجب الوطني والديني، لو كان له:

1- من الحس الوطني ما يجعله عراقيا حقيقيا.

2- ومن الحس الديني ما يجعله مسلما صادقا، يدعوه لرفعه في وجه الغزاة والعملاء والخونة، ويلتحق: *بالمقاومة الوطنية الشريفة التي دفعها:

- إيمانها بالله أولا.

- ثم بالوطن وبالشعب ثانيا.

- ثم بعزة الأمة واستقلالها ثالثا.

لإعلان الحرب على الغزاة، وعلى كل من ثبت وجود أي صلة له بهم.

2- وفي بعده العرقي والأثني بقيادة أكبر وأفسد القيادات العلمانية الكردية جلال الطلباني ومسعود البرزاني، وهما الذان لا يتحرجان من التصريح في تبجح معلن مخجل كغيرهما من العملاء وصنائع اليهود، بأن القوات الأمريكية والبريطانية الغازية لبلاد الرافدين هي قوات تحرير، تماما كمنطق وخطاب الحركة القومية العربية في تحالفها مع القوى الإستعمارية البريطانية والفرنسية في بداياتها من قبل، وليست قوات احتلال وتدمير.

3- وفي بعده الأثني والسياسي كذلك بالنسبة لكل من آمن بالمقاومة السياسية من منطلق مبدئي، وكخيار وحيد يمكن أن يغادر به الغزاة العراق، والذي وضع فتواه المدعو علي السيستاني:

أ- وهو الذي لا يفقه في هذه المسائل شيئا.

ب- وهو الذي ليس له منها إلا الإمضاء بعد أن تكون الجهات الدينية ذات الأصول الشيعية والعلمانية ذات التوجهات الليبرالية الإنتهازية التي تبحث من حوله لنفسها عن أي دور يتفضل به عليها ترضى به ويرضيه عنها، وهو مفتي البيت الأبيض وممثله بريمر،قد أعدت وبترتيبات إيرانية كل شيء. وأخذت القرارات، وحددت المواقف، ووضعت الأسس، وصاغت الخطاب، وحددت آليات العمل وإدارته، بإشراف أمريكي مباشر.

وأريد لهذه القضية أن تستمر، بين مطاردة لصدام حسين وإيقافه والتحقيق معه ومحاكمته أكثر وقت ممكن، لتظل الأنظار مشدودة إلى هذا الذي تعتبر:

- الولايات المتحدة الأمريكية.

- وحليفتها بريطانيا.

- والصهيونية العالمية.

- والغرب الصليبي عامة.

- والخونة والعملاء من هنا في الداخل العراقي.

- ومن هناك في النظام العربي الفاسد.

- وفي النخبة العلمانية اللائكية في جوانب وأطياف وجهات كثيرة منها، إنجازا تاريخيا مهما، باتجاه إعادة الإعتبار للعراق وللعراقيين وللعرب والمسلمين، وتخليص المنطقة العربية والعالم الإسلامي من الإستبداد والدكتاتوريات التي لم يعد من مصلحة أمريكا الإبقاء عليها، والتي ترى أنها غير منصاعة بالكامل للأمر والنهي الأمريكي. أي تلك التي تبدي بعض الإستعداد أو بوادر التمرد وإن كان مفتعلا هازلا حينا، وتستطيع أمريكا نفسها أن تتفهمه أحيانا.

لقد حاولت:

1- قوات تحالف الإحتلال الغربي الصليبي الحليف الإستراتيجي لليهود الصهاينة وللدولة العبرية في فلسطين المحتلة.

2- والقوى الطائفية والعرقية العميلة الخائنة المدعومة من الدولة الفارسية الصفوية التي طالما أيدناها عندما ظهرت علينا بثوبها الإسلامي الخادع سنة 1979 بعد الإطاحة بنظام الشاه، الذي كان أكثر وضوحا:

1- في بعده القومي العرقي الفارسي.

2- وفي عدائه للإسلام وللعرب والمسلمين.

3- وفي ولائه المعلن للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية، في زمن لم يكن العرب الذين كانوا قد شهروا سيف القومية العربية على الإسلام، وكانوا يلتقوا معه في ذلك، ولم يكونوا يقيموا وزنا للإسلام وللعلاقة بالمسلمين.

4- وهي التي لم تكن إلا ثورة ذات طبيعة طائفية مذهبية.

5- وتشكيك في العقائد دون سند ودون دليل يذكر.

6- وتمكن لثقافة الكراهية والحقد بين المسلمين بالنبش في التاريخ القديم.

7- وإثارة النعرات المذهبية والطائفية التي ليس المسلمون في حاجة إليها، ولم يكونوا يوما في حاجة إليها، ولا مصلحة ولا منفعة لهم فيها قديما ولا حديثا.

8- والنظام العربي المصطف وراء أمريكا في مواجهة شعوبه، وبسط هيمنتها السياسية والثقافية والإقتصادية والعسكرية على المنطقة العربية وعلى العالم الإسلامي عموما، وعلى دنيا المستضعفين بصفة عامة.

9- وجانب كبير من النخبة التقليدية القريبة من هذه الأنظمة الفاسدة الداعمة لها والقابلة بها.

10- وجانب أكبر من النخبة العلمانية اللائكية التي أصبحت ممثلا لطائفة جديدة من منحدر سني وشيعي إسلامي،واتخذت من الثقافة الإستعمارية الصهيونية الغربية مرجعا لها، ومنطلقا لتفكيرها ومصدر إلهام لها في مشاريعها السياسية والثقافية والفكرية والإجتماعية والإقتصادية.

وقد جعل كل هذا النسيج المتناقض والمختلف وغير المتجانس الرجعي العدمي والعبثي، من الحركة الإسلامية الإصلاحية المجددة المجاهدة تناقضها الرئيسي.

لقد حاولت كل هذه الجهات مجتمعة في العراق أن تشد انتباه قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي أكثر ما يمكن من الوقت، مستفيدة من السمعة السيئة لنظام حزب البعث القومي العربي بقيادة الرفيق صدام حسين، لصرف الأنظار عن الجرائم البشعة التي ترتكبها قوات التحالف الغربي العسكري الصليبي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، المنتشية بخروجها منتصرة في الحرب الباردة، بعد أن كانت تعتبر أنها هي التي انتهت بالإتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي كله من حوله إلى السقوط والتفكك والإنهيار، وهو المعسكر الذي كان في الحقيقة يحمل في ذاته كل أسباب التفكك والإنهيار، وهو من استوعب كل الجرائم التي كان يرتكبها الرجل الأبيض في كل المناطق التي حل بها من الأرض غازيا، وقد كان طرفا معه في ذلك بطريقته طبعا بعد ذلك، والتي أقام عليها ثقافته وحضارته، والجرائم التي كان يقوم بها حلفاؤه وعملاءه، وأولئك الذين جاؤوا به من أعوانه باعتباره قوة فتح و تحرير وليس قوة احتلال وتدمير، وقوة إحلال على حد قول بعض الليبراليين الجدد الذين كان من بين مآثرهم أن أرسلوا برقيات تهنئة لزعيم حزب العمل الصهيوني الإرهابي اليساري إيهود باراك بمناسبة فوزه في انتخابات رئاسة وزراء الكيان الصهيوني على الإرهابي اليميني بن يمين ناتانياهو، وليس قوة احتلال، من قتل وتصفية عرقية وطائفية، ومن تدمير للبنية التحتية، ومن استنزاف لقدرات العراق المادية والطبيعية والبشرية. وكان القاسم المشترك بين كل هذه الجهات والأطراف والمكونات هو التخريب والقتل والتهجير وبت الفوضى بالبلاد، والعمل على استئصال المقاومة وإنهائها عسكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا وإعلاميا، بتقديمها للرأي العام الداخلي الذي هو ملاذها ومجال تحركها، والذي منه انطلقت وإليه تعود، وهي الممثل الحقيقي للنسيج الإجتماعي الحر، وهو فضاؤها الذي يؤويها ويرشدها ويدعمها ويؤيدها ويحتضنها من أجل الحرية والتحرير والتحرر، من أجل الإستقلال والإستقلالية وتقرير المصير، بإنهاء الإحتلال واستعادة العراق العربي الإسلامي الموحد، على أنها عنف وطائفية وتطرف، وعلى أنها أطراف وجهات وتنظيمات تكفيرية، وللرأي العام الخارجي على أنها إرهاب. وهي التي مازال العملاء والخونة بقيادة أغلب مراجع الشيعة وبدعم إيراني مباشر وعلى رأسهم المدعو آية الله العظمىعلي السيستاني الذي فسح المجال لكل من هب ودب من رموز الطائفة العلمانية المتواطئة مع الغزاة لتدخل تحت عباءته بحثا عن مكاسب ومنافع ونزوات تحت سلطة الإحتلال، يحملونها مسؤولية العنف والإرهاب والقتل والتدمير والفساد الذي أصبح مستشريا في بلاد الرافدين، وبقاء الإحتلال التي يسمونها قوات التحالف، وهي التي يعتبرونها قوات تحرير العراق من الدكتاتورية والإستبداد، مثلما جاءت قوات الإستعمار للمنطقة مدعية تحريرها من الإستعمار العثماني التركي، وتقديمها موحدة لزعيم الثورة العربية الكبرى الشريف حسين ومن جاء بعده من زعماء الحركة القومية العربية، ومثلما كانت الحركة الإستعمارية الغربية تعتبر نفسها:

- وهي تعيث فسادا في كل أنحاء العالم.

- وهي التي لم تترك في أوطان الشعوب التي احتلتها تقدما ولا تقنية ولا ديمقراطية ولا حقوق إنسان.

بل كل الذي كان مما يمكن اعتباره إنجازا لها هناك هو:

1- إنهاء النظام الإسلامي.

2- وفرض بدلا منه النظام العلماني ذي الأصول التوراتية الإنجيلية.

3- وفرض الإستبداد والدكتاتورية ومواصلة رعاية ذلك.

4- وفرض الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العرب والمسلمين بدعم متواصل منها.

5- وفرض ثقافة ولغة الغرب.

6- وإيجاد طائفة جديدة وهي التي تمثلها النخبة العلمانية اللائكية التكفيرية البديل الإستعماري الغربي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وسائر أوطان المستضعفين في العالم المناهضة للإسلام والرافضة للبديل الإسلامي في بلاد العرب والمسلمين والمتصدية له، والتي كان نظام صدام حسين أحد نماذجها باسم القومية والتقدم والتطور والعقلانية والإنسانية والحداثة وغيرها من الشعارات.

لقد كانت محاكمة صدام حسين وأزلام نظامه طائفية بحتة منذ البداية، وكذلك أرادتها قوات التحالف الصليبي الغازية في إطار البحث عن صيغة تقارب مع النظام الصفوي الإيراني:

أ- الذي كان خير معين للقوات الأمريكية في غزوها لأفغانستان واحتلاله.

ب- والذي كان الداعم الأساسي لها في احتلال العراق:

ج- من خلال القبول بها وهي الشيطان الأكبر على حدودها.

د- ومن خلال الفرصة التي ستكون وكانت سانحة لإيران نفسها للتدخل المباشر وبدون قيد في الشأن العراقي الداخلي.

ه- ومن خلال الإفتاء لامتداداتها الشيعية الصفوية في العراق من مثل ما يسمى التيار الصدري وحزب الدعوة وخاصة ما يسمى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بالموافقة على التدخل الأجنبي في العراق وإسقاط نظامه واحتلاله والقبول بذلك.

و- ومن خلال التعويل على جل مكونات الطيف الشيعي بالداخل العراقي والإنظمام إليه في مهادنة المحتل والتعامل معه والقبول والرحيب به.

ز- ومن خلال التصدي للمقاومة التي يغلب عليها الطابع الوطني السني، والتي لم يكن للجانب الشيعي والعرقي الكردي ظهور متميز واضح فيها واعتبارها إرهابا، والتحالف مع الغزاة في مواجهتها، مما أثار النزعة الطائفية التي لم تكن المقاومة ولا السنة مسؤولة عنها:

1- باعتبار أن أعوان الإحتلال من المرحبين به ومن القادمين معه والذي قبلوا بما يسمى العملية السياسية بعد إسقاط نظام البعث العراقي، هم الذين بدأوا بتأكيد الإنقسام الطائفي والعرقي من خلال ما يسمى بالدستور الذي وضعه الحاكم الأمريكي بالعراق بريمر، وكان ذلك قبل انطلاق المقاومة وتشكل حركة التحرير الوطني العراقي .

2- وباعتبار أن الذين كانوا سببا في إثارة النعرة الطائفية والعرقية والإنقسام الطائفي والأثني هم أولئك الذين جاؤوا مع الإحتلال والذين قبلوا به من أغلب الطائفة الشيعية اللاوطنية والمرتبطة بالنظام الإيراني طائفيا ومذهبيا وعرقيا وجغرافيا من جهة الجنوب خاصة، ومن الأكراد بالشمال، إذا ما استثنينا مقاتلي الحركة الإسلامية الذين كانوا في مواجهة دائمة ومستمرة مع مليشيات الرفيق جلال الطالبان ومسعود البرزاني الذان استقويا عليها بسلاح الجو الأمريكي من قبل احتلال العراق. والذين انطلاقا من إيمانهم بالعملية السياسية والقبول بها استنادا إلى فتوى المرجع الشيعي الإيراني الفارسي الأصل المقيم بالعراق المدعو علي السيستاني، التي يلتقي فيها مع فتوى العلماني اللائكي المدعو جلال الطلباني وكذلك ومسعود البرزاني الذان يعملان على اقتطاع كردستان العراق والإستقلال بها، وقد قطعا أشواطا في ذلك، لم يكن أمامهم إلا أن تكون ميليشياتهم المسلحة جنبا إلى جنب مع جنود الإحتلال الأمريكي والبريطاني في مداهمة منازل المدنيين العزل، ومحاصرة المدن وقصفها، وانتهاك الأعراض وقتل الأنفس، ونهب وإتلاف الثروات والمكتسبات، ولتجد المقاومة المشكلة من كل ألوان الطيف العراقي، والتي يغلب عليها الطابع السني كما سبقت مني الإشارة إلى ذلك من قبل نفسها، ليس أمام جنود الإحتلال، ولكنها أمام عناصر الميليشيات الطائفية والعرقية المسلحة، إن لم تقتلها فهي قاتلة عناصرها ومجاهديها.

هذه المقاومة العراقية، التي أصبحت محسوبة على الطائفة السنية في المثلث السني، التي ليس أمامها إلا أن تعتبر شرعا وقانونا وأخلاقا ومصلحة وطنية أن من يقف مع الإحتلال ويؤيده ويناصره ويتولاه، ويستهدف العراقيين بالقتل والتدمير والتشريد والتهجير هو مثله، وليس أمامها إلا أن تستهدف بالقتل كل من كان استهدافه لأبناء وطنه الأبرياء العزل بالقتل وغيره من الإنتهاكات، وللمقاومة المسلحة للوجود العسكري الأجنبي، هي التي اعتبرت قد فجرت عند الطائفيين العنف، وتسببت في الإًصطفاف الطائفي والإنقسام العرقي والإقتتال الداخلي في مقاومتها للغزاة ومن يساندهم في أعمالهم الهمجية الإجرامية، ويساهم معهم في ذلك.

- وهي التي لم تكن هي البادية أولا.

- وهي التي لم تكن تستهدف إلا من يستهدفها ويستهدف العراق والشعب العراقي ثانيا.

- وهي التي لم تكن لها مشكلة إلا مع الإحتلال ثالثا.

- وهي التي في عملها على تحرير البلاد يصبح من حقها أن تستهدف المحتل ومن يقف إلا إلى جانب المحتل ويسانده ويساعده ويتصدى لها معه من الخونة والعملاء، بقطع النظر عن طائفته أو مذهبه أو عرقه أو لونه أو دينه أو وطنه أو موطنه رابعا.

- وهي التي لا تؤمن بالطائفية ولا تعمل على الإنقسام ولا الإقتتال الطائفي، ولا تؤمن إلا بالشرفاء من أبناء الوطن وبتحريره كاملا موحدا خامسا.

ثم إن طائفية المحاكمة والخيانة الوطنية كانت ظاهرة منذ البداية كذلك، ومنذ أن تم الترحيب بالقوات الأمريكية في قلب بغداد، واجتمع حولها الرعاع مهللين ومكبرين لسقوط نظام صدام حسين. وقد يبدو مقبولا تفهم موقف هؤلاء للجحيم الذي كان يعيش الناس فيه إبان حكمه وعائلته وبطانته الحزبية والعشائرية، ولكنهم لم يكونوا يتصوروا ربما نار جحيم احتلال بلادهم من طرف الأجنبي الأمريكي البريطاني الغربي الصليبي، وما يلحقهم به قبوله من خسائر ودمار، ومن مذلة ومهانة لم يذوقوا مثلها كذلك في نظام الإستبداد، وعار لا ينمحي على مدار ومجرى التاريخ، خاصة بالنسبة لمن هادنوه وأعلنوا موالاته والقبول به. والظلم لا يزال بظلم أكبر منه. والإستبداد لا يستبدل بالإحتلال. والشعوب الحرة هي التي لا تقبل بالإستبداد ولا بالإحتلال. ولا تقبل بغير تحرير نفسها من الإحتلال ومن الإستبداد. ولتكون بذلك وعن جدارة لها السيادة الكاملة فعلا على أوطانها.

ومنذ أن تم تقديم الرفيق صدام حسين ومجموعة من زمرته في حزب العبث الإشتراكي للمحاكمة في ما يعتبر من أبسط الجرائم التي كان قد ارتكبها في تاريخ حكمه، وهو المطلوب محاكمته في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بدءا بالجرائم التي ارتكبها في حق الشعب العراقي، ومرورا بالحرب مع إيران باعتباره هو البادي، البادي أظلم، وانتهاء بغزو الكويت، وهي حادثة الدجيل والتي كان الحكم فيها عليه بالإعدام شنقا حتى الموت كافيا لإنهاء المحاكمة في حقه تقريبا في ما زاد عن ذلك من الجرائم الأخرى الكثيرة وهو على قيد الحياة في حق الأفراد والمجموعات والشعب والوطن والدول.

لقد تم كل ذلك بخلفية طائفية تم التنسيق فيها بين الطائفيين الشيعة في العراق وإيران والصليبيين في أمريكا وبريطانيا إرضاء للشيعة:

1- للمحافظة على تأييدهم ومساندتهم ودعمهم واستمرار ولاءهم للإحتلال.

2- وتحقيقا لرغبة صفوية فارسية مذهبية طائفية إيرانية لتطمينها على وفاء القوات الأمريكية على عدم المساس بالمصالح والأمن والسيادة الإيرانية على حدودها، باعتبار أن الشيعة الذين كانوا الأكثر انخراطا في حزب البعث، والأكثر تأييدا لصدام حسين كانوا يحسبون أعضاء حزب البعث العلمانيين اللائكيين من أصول سنية وشيعية وعربية وكردية وغيرها أنهم سنة وشيعة، والحقيقة أنهم يصبحوا بمقتضى ذلك وعلى ذلك الفكر وتلك الثقافة لا سنة ولا شيعة. ولكنهم علمانيون لائكيون عربا أو كردا أو غيرهم من الأعراق. ويعتبرون صدام حسين سنيا، ويحسبونه على السنة، خاصة وهم الذين كانوا قد انخرطوا مباشرة في المقاومة المسلحة للمحتل. وقد بدا وكأنهم يقفون إلى جانب صدام حسين ويدافعون عنه وعن نظامه، وعليهم بمقتضى ذلك أن يدفعوا ثمن جرائم صدام حسين في حق الجميع، وأن يتحملوا المسؤولية في ذلك بالكامل. وليتقدم الشيعة المنخرطون منهم في مسلسل العمالة والولاء المحرم نصا للأجنبي المستعمر والخيانة الوطنية أنفسهم للعالم من خلال ذلك ومن خلال الدعم والمساندة الإيرانية لهم على أنهم هم وحدهم الضحايا، أو على الأقل الضحية الأكبر والأكثر خسارة وتضررا.

ـ حكـــم الإعــــــــدام:(2)

ما إن انتهى مسلسل المحاكمة التي تداول عليها وفق حسابات مختلفة، ولغايات وأهداف مختلفة، أربع قضاة من مختلف الطوائف والأعراق، ولعهم كانوا كلهم شيعة عربا وكردا علمانيين من أصول مختلفة أو شيعة أو سنة، والتي كان الجامع بينها موالاة العدو المحتل والعداء لصدام حسين ونظامه وحزبه، والخيانة الوطنية ومناهضة المقاومة واعتبارها إرهابا، والتي انتهى من الوقت ما يكفي لشد أنظار موالي الإستعمار والنظام الصفوي الإيراني، الذي حسبناه ذات يوم نظاما إسلاميا، من الشيعة والأكراد خاصة، والتي لم يعد هناك حاجة لمواصلتها بعد أن تبين أنها لم تحقق الأهداف التي كان يعتقد أنها يمكن أن تحققها بالتغاضي عن جرائم المحتل والطوائف والأعراق المتحالفة معه، والوقوف عند التشفي في نظام البعث وقياداته، واعتبار أن أهداف الشعب العراقي وغاياته في إسقاط صدام حسين وملاحقته وإلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة وتولي العراقيينالقابلين بالإحتلال والعاملين معه شأنه بأنفسهم قد تحققت، أصدرت المحكمة الأمريكية بالعراق بمنظومة قانونية عراقية وبقضاة عراقيين طائفيين وعرقيين تحت حراب قوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الإمبراطورية الأمريكية وبإدارة وإشراف مباشرين منها، حكم الإعدام في الرفيق صدام حسين المجيد الرئيس العراقي السابق وإثنان من أركان حكمه، برزان التكريتي الأخ غير الشقيق له، وعواد البندر رئيس محكمة الثورة التي أحيل عليها ما قيل أكثر من 140 من أهالي منطقة الدجيل، في محاولة الإغتيال التي تعرض لها صدام حسين في حينه أثناء مرور موكبه بتلك المنطقة التي كان قد نظم زيارة لها في ذلك الوقت. وقد تمت محاسبة صدام حسين محاسبة عسيرة على ذلك. وكان إنصاف الشيعة وإعادة الإعتبار لهم في تلك المحاكمة من دون بقية مكونات الشعب العراقي الذي لقي من العسف والقمع والإضطهاد والتنكيل به من صدام حسين وعائلته وحزبه أكثر بكثير مما حدث في تلك الحادثة. فكان الإستقواء والإستنجاد بالأجنبي طائفي شيعي بفتوى صفوية فارسية مذهبية. وكانت محاكمة صدام حسين وأركان حكمه طائفية عرقية شيعية كردية. وكان إصدار حكم الإعدام في حقه طائفيا شيعيا إيرانيا كرديا من دون مكونات الشعب العراقي. وكان إعدامه كما سيأتي لاحقا صدريا طائفيا شيعيا إيرانيا، وبتواطئ كردي أمريكي بريطاني.

ـ تنفيذ حكم الإعدام في الرفيق القائدصدام حسين:

وبعد صدور الحكم الذي لم يغير مما كان معلوما من أمر المحاكمة، ومن طبيعة المحاكمين والحكام والمشرفين عليهم والمتابعين لهم أمرا ونهيا شيئا، ولم يغير مما كان محتملا أو معلوما سلفا من الحكم، استنادا إلى ما هو معلوم من الجرائم، وإلى ما هو معلوم من المجرمين الحكام والحاكمين، والمحتلين والمتواطئين معهم بالداخل والخارج العراقي، والمحاكمين من أركان نظام صدام حسين السابق.

*- وقد كان طبيعيا أن يصدر الطائفيون العراقيون والصفويون الإيرانيون حكم الإعدام في صدام حسين، لأنه نكل بالأولين وهزم في الحرب الآخرين.

*- وكان طبيعيا أن يصدر الغزاة الصليبيون حكم الإعدام في صدام حسين لأنه:

أ- لم يكن وفيا بما فيه الكفاية لهم.

ب- ولأنه كان متقلبا في مواقفه منهم وعلاقته بهم بين الولاء والعداء.

*- وكان طبيعيا أن يكون حكم الإعدام هو الحكم الذي يجب أن يصدر في حق صدام حسين ولكن:

أ- بوجه حق لا بغير وجه حق.

ب- وبعدل لا بحيف وظلم.

ج- وأن يكون في حق الشعب العراقي لا في حق بعض شيعة العراق حلفاء الإستعمار الأمريكي البريطاني وعملاء النظام الصفوي الإيراني الشيعي.

د- وأن يصدره في حقه الشعب العراقي، الذي لم يتم إنصافه من صدام حسين، ولم يحاسبه ويحاكمه ويصدر فيه الحكم الذي يستحقه من أجل ما اقترف في حقه من جرائم، وما جلب له من ويلات ومصائب، وما تسبب له فيه من خراب ودمار.

كان تنفيذ الحكم فيه يوم السبت 30 ديسمبر 2006 على الساعة السادسة صباحا بتوقيت بغداد، الموافق للعاشر من ذي الحجة 1427 أي فجر يوم عيد الإضحى المبارك لعامة المسلمين في العالم، باستثناء الطائفة الشيعية في العراق على الأقل إن لم يكن في كل العالم.

ولقد كان ظاهرا حرص الصفويين في إيران، والأمريكيين بالبيت الأبيض وخارجه، والطائفيين الشيعة، والقوميين العلمانيين التكفيريين الأكراد، واليهود الصهاينة، لا على التخلص من صدام حسين فقط، ولكن للتمتع والتلذذ بإعدامه:

أ- بكل حيوانية ووحشية.

ب- وبكل ما في الطائفية الشيعية والصفوية المقيتة من حقد لم تبلغ في إي وقت مضى من التاريخ من التمكن والظهور والقوة لتعبر عنه. وليس من باب الصدفة أن يقترن هذا الظهور وهذه القوة وهذا التميز بظهور دولة للعصابات اليهودية الصهيونية في فلسطين من العالم العربي الإسلامي. ولكن لا يمكن إلا أن يكون لذلك دلالاته ومعانيه وانعكاساته وتداعياته ونتائجه، باعتبار أن ذلك كان من الظواهر الطبيعية والكونية والتاريخية التي لم يعرف التاريخ البشري لها وجودا منذ آلاف السنين.

ج- وبكل ما في العلمانية الكردية من كراهية للإنسان.

د- وبكل ما في الصليبية من عدوانية.

ه- وبكل ما في الصهيونية من عنصرية وعداء للإنسان.

في يوم عيد الإضحى المبارك، تماما كما قصفت القوات الأمريكية والبريطانية العراق من قبل زمن الحصار في رمضان بدون أي مبرر يذكر، وبدون أي معطى جديد يبرر ذلك التدخل من سلاح الجو وقتها وكما يعربد الجيش الصهيوني في المنطقة كلها وفي فلسطين المحتلة على مدار الزمن على امتداد عقود من السنين في كل المناسبات وبلا انقطاع، غير الإمعان في إذلال وإهانة المسلمين والعرب بصفة خاصة، وانتهاك حرماتهم. وكما يساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكثير من العواصم الغربية الصديقة للنظام العربي الفاسد، والقدوة الحسنة والمثال المحتذى للكثير من مكونات الحركة العلمانية الهجينة المزيفة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين.

وما كان حرص الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالغرب واليهود الصهاينة في كل مكان على الإسراع بتنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين، الذي كان يمضي إقامته داخل المنطقة الخضراء (الحمراء) في قبضة القوات الصليبية الغازية للعراق بمركب القصور الفخمة التي كان صدام حسين نفسه يهدر فيها ثروات الشعب العراقي، وكان ينعم فيها بحياة الرفاه والسيطرة والسطوة والتكبر والتجبر، والذي اتخذت منه القوات الأمريكية مقرا آمنا لها ولعملائها وللخائنين للعراق وللشعب العراقي، الذين لا هم لهم إلا تأمين أنفسهم وفتح أبواب جهنم على الأحرار من باقي أبناء الشعب، وعلى باقي أنحاء العراق، قيل خوفا من هروبه أو تهريبه :

- وهو الذي لم يهرب ولم يكن يستطيع الهروب حين كان يمكن أن يهرب أو حين كان مستطيع الهروب.

- وهو الذي لم يتم تهريبه حين كان يمكن أن يهرب.

- وهو الذي كان يعلم أنه لم يترك لنفسه ولو ملاذا آمنا واحدا، لا داخل العراق ولا خارجه، بعد أن كان قد فوت على نفسه الفرصة حين طلب منه مغادرة البلاد مع من يريد من أهله إلى روسيا التي أعلنت قبولها به، أو إلى أي مكان آخر يريده ويقبل به. وقد كان الكل في المنطقة وغيرها يرغب في ذلك تجنبا للتدخل العسكري الذي كانت أمريكا نفسها لا ترغب فيه، ولا مصلحة لها فيه وتخشى عواقبه. ولعله كان، وهو من هو، ينظر إلى ذلك العرض على أنه في صالح المنطقة وفي صالح العراق والشعب العراقي، وفي صالح أمريكا والغرب والنظام العربي وانتصارا لهم، وفي غير صالحه وهزيمة له. وأصر على البقاء في محيط عراقي معاد له بالكامل. وهو الذي لم يبق على أسرة واحدة تقريبا لم ييتم فيها صغيرا ولم يرمل فيها امرأة ولم يثكل فيها أما. وكانت تلك آخر حماقاته الكثيرة، وغباءه وتهوره السياسي، ونزعته الإستبدادية الدموية الفردية التي جلبت له وللعراق وللشعب العراقي كله هذه الويلات والمصائب التي لا حد لها.إنما كان كل ذلك حزما من الحكومة الطائفية للطائفي نور( ظلام) المالكي المقبولة أمريكيا، والمدعومة صفويا إيرانيا، لتنفيذ حكم الإعدام فيه، وهو الذي لم تسلمه القوات الأمريكية، على ما يبدو لمأمورها وخادمها المطيع المالكي، إلا في الوقت المقرر لتنفيذ الحكم فيه. ولعلها تعلم أنه سيتم التمثيل والتنكيل به أو حتى قتله قبل حلول موعد تنفيذ الحكم القانوني فيه. وهي المرة الوحيدة وفي المسألة الوحيدة التي تفوض فيها أمريكا لعملائها التقرير في أمر ما، وتستجيب لهم في طلب، وتتفصى من أي مسؤولية على ما حدث من تجاوزات لا أخلاقية ولا إنسانية. وكانت الخطة محكمة في من سيقوم بتنفيذ الحكم. وحضرت عدسات التصوير غير الشرعية لتلتقط مشاهد التنفيذ لحظة بلحظ. وما كان لأعوان التنفيذ أن يكونوا ملثمين وما كان ينبغي أن يظهروا أصلا ولو لم يكن إظهارهم مقصودا، وله دلالاته وأهدافه.

1- لو لم يكونوا أشخاصا بعينهم وليسوا موظفين بالوزارة كما تدعي حكومة المالكي.

2- ولو لم يكونوا يعلمون أن المشهد سيجد طريقه إلى الإنتشار على أوسع نطاق ليدخل كل البيوت التي لم يكن أهلها يتصورون أن ذلك سيكون ممكنا ذات يوم والذين انتظروها في الفترة الأخيرة طويلا، وذلك ما كانت تريده الحكومة، وذلك ما خططت له، وذلك ما حصل فعلا. وما الهتاف باسم مقتدى مرات عديدة من طرف أعوان التنفيذ إلا لأن عناصر ميلشياته هي التي تولت المهمة. وإلا ولما لا، لأن مقتدى نفسه هو الذي كان يتولى تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين بنفسه. ولأنه كان يمكن أن لا يتم تصوير المشهد إلا بعد سقوطه الرجل صريعا، وبعد أن تكون قد فارقته الحياة. ولعه من باب المصادفات النادرة، إن كان ذلك مصادفة:

أ- أن يكون ذلك يوم عيد الإضحى لكل المسلمين باستثناء الشيعة، وأحسب أن ذلك كان في الحسبان.

ب- وأن يكون ذلك موافقا ليوم السبت الذي هو يوم العطلة الأسبوعية لليهود، وهو من الأيام المقدسة عندهم، لتكون فرحة المهتمين بالموضوع منهم أكبر، لاسيما وأن صدام حسين كان قد أفزعهم مرة في حياته عندما اشتد عليه الضغط الداخلي والخارجي برمي مجموعة من الصواريخ طويلة المدى باتجاه دولة الكيان الصهيوني التي سقطت بصحراء النقب.

ج- وليكون ذلك هدية حكومة المالكي الأمريكية لسيده الصليبي الأكبر جورج بوش بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية الجديدة.

د- وما كان ليكون ذلك الحرص منه إلا استنادا لحرص مراجع الشيعة المتعاملين مع قوات الإحتلال والمتواطئين مع الصفويين في إيرانالثورة الإسلاميةعلى جواز إعدام صدام حسين يوم عيد الإضحى المبارك عند أهل السنة والجماعة.

ولا يمكن أن يكون ذلك غير مقصود به إبراز مشاعر عدم التقدير لمشاعر المسلمين غير الشيعة، وإن كان صدام حسين كما أسلفت لا يمكن اعتباره سنيا ولا شيعيا، ولكنه علماني من أصل سني.

ه- ولعلهم حرصوا على أن يكون ذلك كذلك يوم السبت باعتبار أن التشيع أصلا في ما نعلم من التاريخ وفي ما هو وارد في كتب الطائفتين التين كانتا إفرازا من إفرازات التاريخ. ولا أصل لهذا التقسيم في الإسلام الذي تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد استشهاد الخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي الله عنه بعشرات السنين، هو صناعة يهودية متأكدة في كل المراجع التاريخية وغيرها، سواء السنية منها أو الشيعية.

و- واجتنبوا كذلك أن يكون ذلك مقرونا بيوم العيد عندهم، فتحدي مشاعر أهل السنة أولى عندهم، لما تربوا عليه من حقد تاريخي وكراهية وتكفير لمن خالفهم في فهم النص وفي قراءة التاريخ، ومن خالفهم في المذهب، على قاعدة من ليس شيعيا هو كافر عندهم مستباح الدم والمال والعرض، طالما هو لا يؤمن بالركن السادس في الإسلام عندهم وهو الإمامة، مثلما يفعلوا في العراق تماما عندما أتيحت لهم الفرصة، من أن يكون العيد عندهم عيدين عيد الإضحى وعيد التضحية على صدام حسين. ولا أحسب أن يكون كل هذا الذي حصل مصادفة، وبعيدا عن الإدراك والقصد كله أو جله، وإن لم يكن لدى البعض فلدى الكل.

وهي ليست في الحقيقة المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الفعل الشنيع في تاريخ المسلمين. ولعل لسان حاال المالكي كان يقول كما قال من قبله طاغية بني أمية وسفاك دماء المسلمين الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد هشام بن عبد الملك (724 ــ 743 ) عندما أمره بقتل الجعد بن درهم لقوله بخلق القرآن لمن اجتمع حوله من الناس يوم عيد الإضحى إذهبوا ضحوا فإني مضح على الجعد بن درهم “. بما هنالك من فرق طبعا بين الدولة الأموية الظالمة في ذلك الوقت، وبين الدولة الصفوية الحاقدة والإحتلال الأمريكي الصليبي المعادي. وبين نور المالكي والحجاج بن يوسف. وبين الجعد بن درهم وصدام حسين. ولكن الصنيع واحد والتوقيت واحد والإسلام واحد والمسلمون هم المسلمون وقد أصبحوا سنة وشيعة.

وبذلك وبهذا الفعل الطائفي الإستعماري الصليبي الصهيوني الصفوي الشنيع كان صدام حسين قد عاش ظالما وقضى مظلوما.

والذي بدا أكثر وضوحا أن تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتلك الطريقة وفي ذلك الإحتفال وفي ذلك الوقت من ذلك اليوم، ليس لأنه كان ظالما مستبدا، ولكن لأنه كان عند الذين أفتوا بجواز أن يكون ذلك كذلك سنيا.

أو أنهم كانوا على قدر من الغباء والتجرد من الأخلاق والإنسانية وبعدا عن الإسلام، بما لم يتركوا لأي كان أن يكن لهم من الإحترام والتقدير ما هو جدير به مثلهم.

ـ المــــــــواقف:

لقد تحددت المواقف من زوايا متعددة ومختلفة، ولغايات وأهداف متعددة ومختلفة، ومن مواقع متعددة ومختلفة، ومن جهات متعددة ومختلفة.

فقد اعتبر صدام حسين نفسه في رسالة كشف عنها محاميه خليل الدليمي قبل إعدامه بيومين وجهها للشعب العراقي وللعرب وليس للمسلمين قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه يقول فيها(…ها أنا أقدم نفسي فداء فإذا أراد الرحمان هذا صعد بها إلى حيث يأمر سبحانه مع الصديقين والشهداء وإن أجل قراره على وفق ما يرى فهو الرحمان الرحيم وهو الذي أنشأنا وإليه راجعون فصبرا جميلا وبه المستعان على القوم الظالمين).

والملاحظ أنه لم يتوجه بهذا الخطاب للمسلمين، ولم يكن معنيا بالخطاب فيها إلا بالعراقيين والعرب.

ولم يبد أسفا ولا ندما على ما ارتكب في حق أي كان من جرائم كان يمكن أن ينظر له الله به ببعض الرضى، إضافة إلى ما أبداه من ملازمة لكتاب الله منذ إلقاء القبض عليه في ما نعلم حتى إعدامه. ولكنه لم يكن حريصا فيها إلا على تثبيت ذاته في هذه الدنيا حيا وميتا. فلا إعلان فيها للتوبة النصوح التي لا يقبل الله من عبده حتى يعلنها، وحتى يوفي بشروطها في عالم الشهادة، إلا ما كان بينه وبين نفسه، وما بينه وبين الله، ونحن أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر“. ومنها الندم على ما ارتكب من الإثم والفواحش. والندم على ما فات من غير صالح الأعمال والأقوال، والعزم على أن لا يعود لمثله أبدا. والإعتذار لمن ظلمهم وطلب العفو والصفح منهم، وتعويض كل أو ما هو قادر على تعويضه لهم من أضرار وخسائرذلك أن الله كما يقول الأصوليون قد أمر أن لا يعبد إلا بما أمر أن يعبد به.

وقد أحدث تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين كائن من كان هو يوم عيد الإضحى المبارك، ضجة كبيرة في الأوساط الإعلامية والشعبية والرسمية داخل العراق وخارجه وفي العالم. وكان ذلك مثار جدل كبير في كل الأوساط وفي كل المواقع.

فقد جاءت مواقف الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالبيت الأبيض ولندن وسدني(استراليا) والصهيونيين في تل أبيب بفلسطين المحتلة متطابقة، معتبرة أن ذلك هو قول القانون فيه، وذلك هو العدل الإلهي، وذلك بما اقترفت يداه وهو مستحق لحكم الإعدام وتنفيذه فيه، وهو إنجاز مهم وتقدم باتجاه تذليل الصعوبات أمام شعار المالكي بإجراء المصالحة الوطنية التي يريدها الأمريكان الغزاة، ولا يريدون أن تكون المقاومة طرفا فيه. وهو الذي دعا البعثيين على إثر الإمضاء على مرسوم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت في زعيمهم وقائدهم ورمزهم وعنوان ثقافتهم وسياستهم صدام حسين في موعده وعلى إثر تنفيذه، إلى المصالحة الوطنية..هكذا !

وما كان كل ذلك إلا خطوات استعمارية أمريكية غربية صليبية باتجاه فرض الديمقراطية التي لا يريدونها لنا في الأصل إطلاقا، والتي يمنعون حلولها بربوع أوطاننا، على الشعب العراقي بعد الإطاحة بنظام الدكتاتور صدام حسين وبعد إعدامه. وليست تلك إلا ذريعة أخرى كاذبة، كذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل التي اجتاحوا بها العراق وسط تأييد رسمي عربي علماني وتقليدي فاسد، وغربي صليبي صهيوني ديمقراطي إرهابي. وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد كانت الحركة الإستعمارية الغربية قد اجتاحت المنطقة العربية خاصة، من العالم الإسلامي بذرائع كاذبة كانت الحركة القومية قد تفهمتها ووافقت عليها خاصة في المشرق العربي وهي:

1- تحريرنا من الإستعمار العثماني.

2- تأهيلنا لحكم أنفسنا بأنفسنا (الإنتداب).

3- إلحاق أبناء عمومتنا من اليهود الصهاينة بنا وإقامة دولة عربية يهودية في فلسطين تكون نموذجا حضاريا في الشرق بخبرات اليهود وعلومهم كما يؤكد على ذلك الشريف حسين وابنه فيصل.

4- تسليم المستعمرين البريطانيين، العرب الوطن العربي مستقلا وموحدا.

فالديمقراطية الأمريكية الغربية لا تعني سوى الإطاحة بالأنظمة، خاصة الوطنية منها. وإلغاء الدولة وحل الجيوش ووحدات الأمن المختلفة. وذلك ما لم تقم به بالكامل إلا في العراق. وإصدار أحكام الإعدام في الزعامات والقيادات الدكتاتورية في أوطانها، والقيادات الوطنية التي لا تأتمن على مصالحها في ظلها، والتي لا تأتمر بأوامرها ولا تنتهي بنواهيها، من أمثال سلفدور ألندي ونوريقى وميليسوفيتش وأخيرا وليس آخرا صدام حسين. وتنصيب قيادات عميلة خائنة لشعوبها وأوطانها. وإدخال البلاد كلها في وضع استثنائي ودوامة من العنف والتعذيب والقصف والتدمير لا نهاية لها.

وكانت مواقف النخبة مختلفة متباينة باختلاف المكان والموقع، والخلفية السياسية والفكرية والعقدية. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر على الرجل دكتاتوريته. ولا أحد يعتبر أن صدام حسين لم يكن دمويا ولم يجرم في حق شعبه وجيرانه بصرف النظر عن المبررات والتبريرات، وعلى اختلاف في المراوحة بين العقل والعاطفة، إلا من كان مجانا للصواب أو منكرا للحقيقة أو جاحدا لأصحاب الحق من الشعب ومن الجيران حقهم، أو منحازا انحيازا عاطفيا أو مصلحيا أو حزبيا أو عشائريا أو أسريا. وقد لعبت العاطفة والطائفية والعصبية إضافة إلى الأخلاق والأبعاد الإنسانية دورا كبيرا أمام:

1- وجوده في قبضة الإحتلال الأمريكي.

2- والمأساة التي أصبح الشعب العراقي يعيشها، والوضع المتفجر الذي بدا معه زمن حكم صدام له أفضل.

3- محاكمته من طرف قوات الإحتلال عن طريق أعدائه الطائفيين، وضحاياه العراقيين والعرقيين الأكراد.

4- التواطؤ الإيراني الصفوي مع قوات الإحتلال، والتدخل المباشر عبر عملائها الطائفيين هناك في الشأن العراقي.

5- الإنقسام الطائفي الذي فرض نفسه بفعل قوات الإحتلال، وبأداء المقاومة ضد الخونة والعملاء الذين كانوا على مستوى طائفي معين وعرقي معلوم.

6- النزعة الطائفية التي اكتستها المحاكمة والحكم، وتنفيذ حكم الإعدام في الرفيق القائد العربي صدام حسين.

7- تعامل الطائفيين الشيعة معه منذ البداية حتى النهاية على أنه سني.

8- التحرك السني وردود الأفعال المختلفة في وجه أمريكا وفي وجه النفوذ الإيراني والتبجح الطائفي الشيعي المرتهن لها والمتحالف مع قوات الإحتلال.

وقد كانت ردود فعل الشارع في بعض الأقطار العربية والإسلامية عاطفية صرفة لكل الإعتبارات السالفة الذكر. فقد استمات في الدفاع عنه والإشادة به والتعاطف معه حتى أولئك الذين الحق بهم من المظالم واقترف في حقهم من الجرائم ما لا يقل عن تلك التي ارتكبها في حق الشيعة والأكراد، أمام النزعة الإنتقامية الطائفية والصفوية والصليبية والصهيونية، خاصة لما نرى أن وزير خارجيته سابقا …..الصحاف لم تتضمنه قائمة المطلوبين أمريكيا بعد سقوط بغداد، وليس معنيا بشيء مما كان طرفا فيه، بما أنه كان ضمن الزمرة البعثية الحاكمة من حول صدام حسين، لا لشيء إلا لأنه علماني شيعي الأصل. وعندما نرى طارق عزيز في وضع أفضل، وهو كذلك أحد أركان نظامه، لا لشيء إلا لأنه مسيحي، إلى آخر ذلك من الدلالات التي تفيد بكل جلاء ووضوح تركيز قوات الإحتلال الصليبي على الجانب الطائفي، وتكريم الشيعة المتحالفين معها بتنسيق مع النظام الشيعي المذهبي في إيران، للمحافظة على تأييدهم لتقوية جانبها وموقفها السياسي والعسكري والأمني، للإنتقام ممن تريد أن تنتقم منهم، ولتمكن لديمقراطية الإنتقام والثأر وانتهاك حقوق الإنسان في السجون وخارجها. ديمقراطية القصف والإبادة والكراهية والعنصرية والإنقسام الطائفي والعرقي في البلد الواحد.

ـ تنظيم مجالس ومواكب العزاء في الداخل والخارج العراقي:

1- فقد كان طبيعيا أن يستلم أهله جثمانه وأن يتولوا مواراته التراب وقد أصبح من التاريخ. وقد شهد النقلة المحتومة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب حيث الحياة الأبدية التي ليس بعدها موت. وحيث الحياة الحقيقية. وحيث يعرض الناس لا تخفى منهم خافية. ومن عمل خيرا فلا يجد إلا خيرا منه، ومن عمل خلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

2- وكان طبيعيا كذلك أن تنظم مواكب العزاء في الداخل العراقي لاعتبارات أخلاقية وإنسانية بصرف النظر عن كل شيء، وقد أصبح الرجل من الماضي ولا طمع فيه مثلما كان يطمع فيه الطامعون، ولا خوف منه مثلما كان يخافه الخائفون.

3- وقد كان طبيعيا أن يكون ذلك على أساس القرابة الدموية أو المصاهرة أو الصداقة، وبخلفية عشائرية وطائفية وعرقية:

أ- أمام ما حصل من استفزاز وتجاوز طائفي صفوي.

ب- وأمام الوجود العسكري التخريبي التدميري لقوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي جعلت من الوطن العربي والعالم الإسلامي مسرحا لعملياتها العسكرية، في الشيشان وباكستان وأفغانستان، وفلسطين والعراق والسودان والصومالمن دون مختلف ساحات العالم، في مواجهة حركة التحرر العربي الإسلامي، بتعاون وثيق ومعلن مع طرف الأنظمة العميلة الفاسدة، ومن طرف الطائفة العلمانية في جل مكوناتها إن لم تكن كلها، ومن طرف النخبة التقليدية ذات العلاقة عادة بالأنظمة أي كانت طبيعتها، للإبقاء على الأمة كلها تحت رحمة العملاء والخونة والقوى الإستعمارية الصليبية والصهيونية المساندين لها والداعمة لهم.

أما في الخارج، فلنفس هذه الإعتبارات، وبنفس هذه الخلفيات كذلك، ولاعتبارات أخرى ذات صلة بالموقف العربي الرسمي الذي لاذ بالصمت في الغالبية العظمى منه إزاء ما حصل خوفا وتهيبا من أمريكا، والذي أراد ربما أن يعبر عن نفسه بأسلوب لا يحسب عليه ولا حاجة له في أن لا يحسب له، فسمح بهذه المجالس والخيمات والمواكب والمسيرات التي خلت منها المنطقة العربية، إذا ما استثنينا فلسطين والأردن، والتي كان لها ظهور أكبر في بعض الأوطان الأخرى من العالم الإسلامي، أن تكون تعبيرا ربما وبطريقة غير مباشرة عن عدم رضاها بالنهج الطائفي الذي سلكه شيعة العراق ومن ورائهم الصفويون في إيران، دون إغضاب أمريكا والكيان الصهيوني ودول الخليج، وخاصة الكويت التي عانت حكومة وشعبا من الغزو العراقي زمن حكم صدام حسين للعراق عليهم.

فقد جعل الطائفيون والإستعمار الأمريكي للعراق بهذا السقوط الأخلاقي واللإنساني، وبهذا التمثيل والحقد والعداء للمسلمين عامة وللمسلمين السنة خاصة، والذي عبر عن نفسه من خلال فتوى مراجع الشيعة الصفويين والعراقيين المتحالفين مع الإحتلال، من الخامنائي حتى السيستاني، في جواز إعدام صدام حسين يوم عيد المسلمين السنة إهانة وإذلالا لهم وللعرب، وبشرى لليهود الصهاينة في يوم سبتهم، ولرعاة البقر بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية وفي غير يوم عيد الشيعة.

فلم يكن تصوير مرحلة إعدام صدام حسين لحظة بلحظة صدفة، ولكن لذلك دلالات ومعاني كثيرة منها:

1- لوضعها بين يدي كل الحاقدين لإشفاء غليلهم.

2- ليشاهد كل الشعب ورعاة البقر بالبيت الأبيض والعصابات الإجرامية بتل أبيب وكل الصفويين في إيران والأكراد وزعمائهم وزعماء بعض العواصم العربية العملية ويعيشونها.

3- للتأكيد لكل العالم أن صدام حسين قد أعدم وانتهى.

4- ليكون ربما عبرة لكل المستبدين والظالمين والدكتاتوريين، من وجهة نظر الناطقين باسم الشعب العراقي بالمنطقة الخضراء، ومن وجهة نظر قيادات قوات الإحتلال في العواصم الغربية.

5- للتشفي أمام نجاح المقاومة في إفشال المشروع الأمريكي في حدود إنهاء العملية السياسية وعدم التقدم فيها وتشديد الضغط على الغزاة وإجبارهم على البدء في البحث عن خروج آمن لهم، من أهل السنة والجماعة باعتباره محسوبا شيعيا صفويا وأمريكيا غربيا صليبيا عليهم، شاء من شاء منهم أو أبا من أبا، وسواء كان ذلك صحيحا أو غير صحيح، وسواء كانوا قابلين بذلك ومجمعين عليه أم لم يكن ذلك كذلك.

6- لإعطاء آل الصدر الفرصة للقصاص منه مباشرة وبأيديهم. وللتشفي منه، وقد منحتهم الحكومة الأمريكية بالعراق برئاسة عميلها الطائفي المالكي المعمد غربيا والمزكى إيرانيا والمفوض شيعيا والمدعوم صدريا هذه الفرصة. نقول هذا بكل أسف وحسرة، لأنه ما كان لما حصل أن يكون، وما كنا نريده أن يكون. وقد رأينا كيف أن الأكراد من منطلق عرقي لم يفعلوا ذلك ولم يقبلوا به، ولم يوافقوا عليه في شخص الرئيس المنصب أمريكيا وبخلفية عرقية كردية. لأنه وإن كان عميلا كغيره من العملاء لم يوافق على ذلك وبخلفية كردية وهو الذي كان معافى من الحقد الطائفي الذي بدا الأخطر في العلاقات الإجتماعية والدولية من الحقد العرقي. وليس صحيحا أن أولئك الملثمين هم موظفون بالوزارة، وحتى إذا كان الأمر كذلك فقد تم الإختيار عليهم، ويكونوا هم أنفسهم قد سعوا إلى ذلك، وليكونوا هناك ولينفذوا فيه حكم الإعدام بذلك المشهد الإحتفالي، كما سبق له أن أعدم آل الصدر وغيرهم من قبل.

7- إضعاف الروح المعنوية للعراقيين الذين مازالوا يحافظون على ولائهم لصدام حسين ولزمرته من البعثيين الذين تلوثت أيديهم بدماء الكثير من أبناء الشعب العراقي.

8- لتأكيد ولاء هذه الحكومة العاجزة الفاشلة، التي هي حكومة الوكلاء العملاء في حضور الأولياء الأعداء والإخلاص لهم، ولآل بوش بالبيت الأبيض وللنظام الفارسي الشيعي في إيران.

9- للغباء وفساد الرؤية السياسية للحكومة الأمريكية الفاسدة بالعراق برئاسة المدعو المالكي، وقد غلب الحقد الطائفي على الحكمة والأخلاق والقيم الإنسانية.

10- وربما لتوريط ما يسمى بالتيار الصدري الذي حمل المالكي لرئاسة الحكومة بما يزيد من الإحتقان الطائفي، والذي سعى على ما يبدو وبكل جهده لإنجاز مهمة إعدام الرفيق صدام حسين كعربون ود وردا للجميل، وتعبيرا منه لوفائه له، إضافة إلى تحقيق غاية في نفسه ولإرضاء أكثر من طرف ومن جهة داخلية وإقليمية وعالمية.هذا التيار ذو الصلة المباشرة والوثيقة كذلك بالنظام الإيراني، والذي أوغل في التصفية والإبادة الطائفية، مما أفسد على أمريكا خططها في مغادرة العراق ببعض ماء وجهها وقد أنهكتها المقاومة وألحقت بها خسائر كبيرة، ليس إلا أحد مكونات الطائفة الشيعية المتعاونة مع الإحتلال، والذي ينتهي دائما في رقصاته المتناقضة للعودة إلى عباءة السيستاني السوداء، وهو التيار الأكبر في الساحة الشيعية، وعلى رأسه مجموعة من المراهقين بقيادة صاحب الشطحات العجيبة المدعو مقتدى الصدر الذي مازالت مكونات الطائفة الشيعية مستفيدة من غبائه السياسي، والدفع به لإذكاء الفتنة الطائفية، محافظة منها على وضع متفجر في كل مستوى وعلى كل صعيد، لا يسمح للقوات الغازية بمجرد التفكير في مغادرة العراق حتى يبلغ الإنفصاليون من أنصار التقسيم والداعين له والعاملين عليه مستوى من العدة والعتاد والإعداد الذي يستحقونه لتحقيق مآربهم دون أن تبقى لديهم حاجة لمن يحمى مشروعهم ويدافع معهم عنه، ويتحقق كذلك لأمريكا ما تريده في المنطقة مما تسميه الفوضى المنظمة

وبإعدامه بتلك الطريقة الهمجية اللإنسانية، وفي ذلك التوقيت المقصود، يكون صدام حسين على ظلمه وبطشه وفساد نظامه قد قضى في نظر الكثيرين حتى من خصومه شهيدا” .

وبهذه المواقف وبهذا التعاطف الذي لقيه صدام حسين في الكثير من الأوساط للإعتبارات السالفة الذكر:

- بعد الذي مازال يشاهده العالم من مأساة بالعراق.

- وبعد إلقاء القبض عليه من قبل الأمريكان.

- وبعد محاكمته وإصدار حكم الإعدام بحقه.

- وبتنفيذه بتلك الطريقة المخجلة بالغ ما بلغ من الإيغال في الجريمة.

كان صدام حسين لعنة على أعدائه حيا وميتا، بسبب أن الذين أعدموه، كان من المفروض أنهم إنما جاؤوا وجيء بهم ليكونوا بديلا ديمقراطيا يحتذى في المنطقة كلها، ولينقذوا الشعب مما كان يتعرض له من هلاك كان صدام حسين وحزبه يلحقونه به. ولكن مازال الذي يتعرض له على أيديهم من بعده أكثر بشاعة. وكانوا من الخونة والعملاء. وكانوا أشد نذالة ودموية وإرهابا منه.

ـ الغايات والأهداف:(3)

فلئن كانت غايات وأهداف الطائفيين هي بعض ما تمت الإشارة إليه سالفا، سواء كانوا يقصدونها أو لا يقصدونها، وسواء كانت حاضرة لديهم أو غير حاضرة، وسواء كانوا يعلمون ذلك أو لا يعلمونه، فإن كل ذلك وغيره يمكن أن يكون صحيحا، وأن لكل ذلك تداعياته على الداخل والخارج العراقي.

وإذا كانت الغايات والأهداف القريبة والظرفية التكتيكية كذلك وفي ذلك المستوى، فإن الغايات والأهداف الإستراتيجية التي يجب الوقوف عندها، ليس من خلال إعدام صدام حسين فقط، ولكن من خلال عودة الإستعمار للمنطقة هي أكبر من ذلك.

لقد دخلت أمريكا المنطقة غازية عسكريا بأربعة عناوين لغايات أساسية هي:

1- محاربة الإرهاب: وهي الحرب الإستباقية التي أعلنتها أمريكا على العرب والمسلمين، بعد الهجوم الذي شنه عليها تنظيم القاعدة بواشنطن ونيويورك يوم 11/9 /2001، على قاعدة القانون الروماني القديم وعلى قاعدة المعتقد اليهودي القائلين بمعاقبة الجميع بجريرة البعض لإجهاض مشروع حركة التحرر العربية الإسلامية في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي وفي العالم.

2- نزع أسلحة الدمار الشامل: الذي أوهمت العالم أن النظام العراقي في عهد صدام حسين كان يملكها، وهو يشكل بها خطرا على جيرانه وعلى العالم، لضمان أمن جيرانه والمنطقة والعالم، بما في ذلك إيران، التي كان العرب والغرب كله قد مد له يد المساعدة والمساندة المطلقة واللامشروطة لشن الحرب عليها بالوكالة عنهم. وكانت ذريعته في ذلك في حينه، المشكلة الحدودية بين العراق وإيران، والتي كان من المفروض أنها منتهية منذ أن أمضى صدام حسين نفسه بالنيابة عندما كان مستشارا للرئيس العراقي حسن البكر على تسويتها مع نظام الشاه في ذلك الوقت بالجزائر سنة 1975.

3- الإصلاح السياسي وإصلاح مناهج التعليم: وهي التي تفسد ولا تصلح، بهدف فرض الثقافة العلمانية ذات الأصول المسيحية اليهودية، المشروع الإستراتيجي لحركة الإستعمار كلها منذ أن انطلقت في القرن الرابع عشر، وقطع الطريق أمام الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، المشروع الأساسي لحركة التجديد والإحياء والإصلاح العربية الإسلامية، وليس تلك الرسمية السائدة المغشوشة.

4- فرض نماذج لأنظمة ديمقراطية تحتذى: على الطريقة الأمريكية الغربية وعلى مقاسها، وبما يحقق العولمة الثقافية حيث لا ثقافة غير ثقافة الغرب ولا شعوب ولا أوطان ولا أمم ولا حضارات ولا خصوصيا ولا ثوابت غير ثقافة وحضارة الرجل الأبيض الفاتح المسلح والباحث عن الثروة.

ومن خلال هذه الغايات وغيرها يهدف الغرب الصليبي العنصري بقيادة الإمبراطورية الأمريكية إلى:

1- فرض العولمة كخيار غربي أمريكي، لتكون أمريكا هي الآمر الناهي في العالم كله بما في ذلك الدول الغربية والإتحاد الأوروبي الآخذ في التشكل والإمتداد شرقا حفاظا على أكثر ما يمكن من النفوذ والمصالح أمام تهديد النفوذ والتفوق الأمريكي ماليا واقتصاديا وإعلاميا وعسكريا. هذه العولمة التي يريدها الإتحاد الأوروبي ودول شمال آسيا غربية يهودية صليبية وثنية، وتريدها أمريكا أمريكية صهيونية، بعدما أضافت للصواريخ العابرة للقارات الإعلام العابر للآفاق، والشركات العملاقة العابرة للقارات، والرساميل العابرة للقارات، على أساس قاعدة الإقتصاد الحر القديمة المعروفة :(دعه يفعل دعه يمر).

2- تأكيد الهيمنة المطلقة لدولة الكيان العبري الصهيوني اليهودي في الشرق الأوسط كامتداد طبيعي للوجود وللنفوذ الغربي وللنمط الحضاري والإجتماعي الغربي، و كانت تراهن عليها منذ البداية لتكون إسفينا مدقوقا في ظهر الأمة العربية تحديدا، وعامل إعاقة دائمة للتطور الحضاري المعرفي التقني والعلمي والإجتماعي والإقتصادي والسياسي، وهي التي ساهمت الحركة القومية العربية، والنظام الإقليمي العربي، والدولة القطرية المولود غير الشرعي لحركة الإستعمار، في إيجادها وبقائها واستمراها في الوجود قوية، بشكل ليس هنا مجال تفصيله(يأتي بيان ذلك في دراسة لنا مازالت بصدد الإعداد والمعالجة بعنوان: خلفاء الإستعمار).

3- تنفيذ برنامجها في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي الأكثر تنوعا دينيا وعرقيا وطائفيا وأثنيا، والأكثر انقساما، والذي تسميه الفوضى المنظمة، بتفتيت المفتت لتزيد تلك الأوضاع انقساما وتوترا وتصادما وفرقة على أسس دينية وعرقية وطائفية. ولتكون هي الجهة القائمة على تنظيم هذه الفوضى التي تعمل على إيجادها، كما هي قائمة وبنجاح على تنظيم فوضى الإنقسام القطري. وكما نجح الإستعمار من قبل في تفتيت الموحد من الأمة الإسلامية وبتركيز خاص على المنطقة العربية لرمي العرب فيها بدولة الكيان الصهيوني، وكانت الحركة القومية العربية خير معين له على ذلك.

4- العمل بكل الوسائل وعلى مدار الزمن، ومع كل من يسمع لها ويطيع، على إجهاض مشروع الحركة الإسلامية المعاصرة التي أصبحت الممثل الحقيقي الشرعي صدقا وعدلا لحركة التحرير العربي الإسلامي بالرغم مما تعانيه من نقائص، وممازال يكتنف مشروعها من غموض في مواجهة الإستبداد والصهيونية والإمبريالية العالمية لتحقق برنامجها في الوحدة العربية الإسلامية والتنمية والثورة العلمية والتقنية بالتنسيق والتعاون مع كل الوطنيين والأحرار والمستضعفين في العالم.

5- مواصلة فرض المشروع الثقافي والسياسي والإقتصادي والإجتماعي الغربي على كل أمم وشعوب الأرض وفي استهداف خاص:

أ- للعرب والمسلمين بخلفية صليبية.

ب- ثم بخلفية استعمارية للهيمنة والنهب.

ومن ثمة كان حرصها على الإطاحة بصدام حسين المتقلب في المواقف، والذي لا يؤتمن جانبه بالرغم من علمانيته، ولكن يبقى دائما من بقايا امتدادات الإتحاد السوفياتي سابقا، ومازال محافظا على علاقاته بروسيا. وكان تراجعها في برنامج الديمقراطية والإصلاح للشرق الأوسط الكبير الذي دخلت به المنطقة غازية، عندما جاءت نتائج الإنتخابات النيابية التي حصلت بالمنطقة لصالح الإسلاميين في الحركة الإسلامية، وخاصة بفلسطين. وبالرغم من توتر علاقاتها بإيران منذ الثورة التي أطاحت بشرطيها في الخليج الشاه، إلا أن اللقاء قد جمعهما من أجل الإطاحة بنظام إمارة طالبان الإسلامية السنية التي لا ترغب فيها إيران خاصة، والتي كانت عينها على أقلية شيعية هناك، على قاعدة الحرب على الإرهاب.

وإذا كان لابد أن تبقى أمريكا غارقة في الوحل الأفغاني، فإنه لا حاجة ولا ضرورة بعد ذلك لإيران بأن تقاسمها الغرق في نفس الوحل، بعد أن أصبحت علاقة الأقلية الشيعية في مزار الشريف مدينة بالولاء لأمريكا وللقوات الغربية هناك، مثلها في ذلك مثل أغلب مكونات الطيف الطائفي الشيعي في العراق بعد ذلك.

وقد تبين أن علاقة التوتر الظاهرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا تحول دون الإلتقاء على نفس الصعيد عند تقاطع المصالح، وهي التي لم تلتق معها بوضوح على أي صعيد بالقدر الذي كان عليه الإلتقاء في أفغانستان بدافع طائفي عدواني لأهل السنة، خاصة بعد ما افتعلت قضية قتل الجواسيس الإيرانيين بمزار الشريف من طرف مقاتلي طالبان عندما كان لها السيطرة على نسبة % 95 من أرض أفغانستان، اعتبرت أنهم دبلماسيين في دولة لم تكن إيران معترفة بها أصلا. وليس بنها وبينها بالتالي تبادل تمثيل دبلماسي.

وبعد غرق الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة اليمين المسيحي اليهودي المتطرف في أفغانستان، كانت إيران بالرغم من مواصلة الخطاب المتوتر ضد أمريكا، وهو خطاب لا يعدو أن يكون لغير الإستهلاك الإعلامي لا ترى مانعا من إقدام أمريكا على الإطاحة بنظام صدام حسين صديق الأمس بالعراق، وهي التي أذاقها طعم الهزيمة بعد حرب بينها وبينه دامت ثماني سنوات. تلك الحرب التي كانت حقيقتها ودافعها غير المعلن استقطاب الثورة الإيرانية الشيعية المذهبية شيعة العراق بالجنوب. وكان الدافع المعلن لإشعالها، تراجع صدام حسين على رأس النظام العراقي في المعاهدة الحدودية لسنة 1975، وبدعم عربي ومباركة من جل الأنظمة العلمانية اللائكية والنخبة الداعمة لها، من منطلق الفكر التقليدي وطبيعة النظام السياسي العربي التقليدي الملامس للإسلام على المعنى المتوارث منذ الإنقلاب الأموي على نظام الخلافة الراشدة الشوري، وإقرار نظام الوراثة العضوض، وهو الذي أصبح تغلب عليه التقاليد. ومن منطلق طائفي استنادا إلى فهم للإنقسام الطائفي السني الشيعي في تاريخ الإسلام، وتلك الثورة التي كنا في حركة الإتجاه الإسلامي في تونس في ذلك الوقت، والتي هي حركة النهضة في ما بعد، قد دفعنا ثمن تأييدنا لها ومساندتنا لإيران في ذلك الوقت غاليا، عندما كان قد ساد عندنا الإعتقاد بأننا بين يدي ثورة إسلامية. وقد أدخلت بها إيران التشيع بيوتا ما كان له أن يدخلها بغيرها. وإذا كان النظام الإيراني العلماني الفارسي في عهد الشاه مناهضا للعروبة والإسلام، ومساندا وداعما وموال للغرب وللصهيونية، فإن إيران الملالي، إيران الثورة الإسلاميةقد جعلت:

- من الإسلام في مفاهيمه الطائفية المذهبية الشيعية.

- ومن إظهار العداء للإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، ومناهضة ثقافة وحضارة الغرب.

- ومن القضية الفلسطينية.

البوابة التي دخلت منها العالم الإسلامي والمنطقة العربية لاحتضان الأقليات الشيعية، وللتمكين للتشيع وتصحيح عقائد المسلمين التي يعتبر الشيعة أنها منحرفة وفاسدة يقضي الواجب الشرعي منهم إصلاحها وتوضيحها، وليس لتحرير فلسطين والقدس، لأن للشيعة من المزارات والأماكن والعتبات المقدسة ما لا يجعلهم في حاجة كبيرة للإلتفات للمسجد الأقصى، إلا ربما بعد تحرير البيت الحرام من هيمنة النواصبعليها.

وهي التي تملك من الحقد والكراهية:

1- بدافع مرارة الهزيمة التي ألحقها بها صدام حسين والنظام البعثي في العراق.

2- وبدافع عداءها للدولة العلمانية، كدولة طائفية شيعية ذات أصول إسلامية.

3- وبدافع التخلص من رجل قوي جمع كل ثقافة الإستبداد والدكتاتورية على رأس بلد يملك من الثروات والقدرات ما يجعله قوة إقليمية على حدودها مباشرة، لا يمكن إلا أن يكون معرقلا لتصدير الثورة للمنطقة، ولشد أنظار الشيعة بصفة خاصة لها، وإعطائهم روحا معنوية طائفية قوية، والبحث على نفوذ لهم في الأقاليم العربية التي لهم فيها وجود، وحادا من نفوذها ومعرقلا لتقدمها طائفيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.

وهي التي كان لابد بناء على ذلك، أن تكون طرفا مساعدا ومهما لا يرى مانعا من وجود القوات الأمريكية على حدودها في العراق، كما كانت لا ترى مانعا من وجودها (وهي الشيطان الأكبر)على حدودها في أفغانستان من قبل، إذا كانت ستغرق مرة أخرى في وحل مستنقع بلاد الرافدين. ولا غرابة في القول من دعم إيران للمقاومة في أفغانستان، وحتى لبعض الجهات ربما في العراق بطريقة أو بأخرى، فليس ذلك على قاعدة تحرير العراق وأفغانستان وفلسطين، ولكن لإحداث توازن يطيل أمد الصراع ويبقي على القوات الأمريكية والوجود الصهيوني في مناطق الصراع العسكري أكثر وقت ممكن، تكون إيران قد أخذت فيه من الوقت ما يكفي لتكون القوة الإقليمية في المنطقة بدون منازع في إطار الإعداد لمشروع أكبر ينتهي بها إلى ما يعتبره الشيعة الصفويون المهمة الكبرى والمسؤولية التاريخية التي يقتضي الواجب الشرعي منهم القيام بها وهي تحرير مكة. وإن كان هذا الذي تقوم به إيران من إعداد وإصلاحات يتناقض مع مقتضيات ظهور المهدي المزعوم الذي يستعجلون فرجه.

وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي استطاعت أن تكون طرفا في الإطاحة بنظامين تكون أمريكا هي الطرف المهم والأكبر في القيام بذلك في إطار تقاطع المصالح، حتى أنها لتبدوا أنها إنما تقوم بذلك بالوكالة عنها. وهي التي عززت موقف أمريكا المهووسة بالحرب على الإرهاب في غزو العراق بتحالف وولاء التنظيمات الشيعية بالجنوب خاصة بها، والتي أحاطها المرجع الديني الطائفي الصفوي علي السيستاني برعايته وتأييده. وفعلا فقد نجحت إيران في الإطاحة بصدام حسين عدوها اللدود بتحالف مع أمريكا عبر ميليشياتها في العراق، كما استفادت من إطاحتها بنظام طالبان وملاحقة القاعدة.

فقد كانت إيران هي المستفيد الوحيد من تورط أمريكا في تحقيق هدفها من رغبتها في الإطاحة بصدام حسين ونظامه لتتحقق لها بذلك رغبة أخرى في الإبقاء على الوضع متفجرا من حولها وفي العراق بالذات لأهداف استراتيجية منها:

1- بلوغ مرحلة متقدمة في برنامجها النووي تفرض به على المجتمع الدولي القبول والتسليم بها كما أسلفت كقوة إقليمية يحسب لها حسابها في المنطقة وفي المعادلة الدولية، وكدولة نووية تكون صاحبة حق في دخول النادي النووي الدولي.

2- الإبقاء على أمريكا في المستنقع الأفغاني والوحل العراقي حتى لا تتفرغ لها فبل بلوغ حالة الإستعصاء على إضعافها والحد من تنامي قدراتها الإستراتيجية الإقتصادية والصناعية والعسكرية، وقبل امتلاكها للسلاح النووي الذي تضعه نصب عينيها، وتسخر له كل إمكانياتها، وتسعى لامتلاكه بكل الوسائل، وهي على ما يبدو على قاب قوسين أو أدنى من ذلك. وليست المسألة إلا مسألة وقت لا غير.

فإيران هي الدولة التي لا ترى ربما أمريكا حرجا في النهاية:

أ- بعد ما علمت طبيعتها الطائفية والعرقية الفارسية.

ب- وبعد ما علمت أنها لا يمكن على أساس منظومتها الفقهية التقليدية التكفيرية أن تنسجم مع المحيط العربي الإسلامي السني الغالب، وأن لا يتم القبول بها فيه باطمئنان، ما لم تمتد جسور الحوار والتواصل الجاد وتحسن النوايا وتصدق، باتجاه علاقات أكثر وضوحا وأكثر جدية وصدقا في إطار الإحترام المتبادل والجاد من أجل صالح عموم المسلمين، بعيدا عن الحسابات الطائفية والمذهبية والعرقية، من تبادل الأدوار والمصالح معها، وذلك ما لا ترى فيه مانعا، بل لعل ذلك ما تسعى إليه مرحليا على الأقل، مثلما كانت تفعل مع الشاه من قبل، إذا ما تجاوزت حدود السيطرة عليها، وذلك ما ليس من السهل على أمريكا أن تتنازل لها عليه، ولا الإتحاد الأوروبي وإن بدرجة أقل، ولا الكيان الصهيوني الذي مازال يعتبرها خطرا جديا واستراتيجيا عليه:

1- من خلال اهتمامها بالمنطقة.

2- ومن خلال وجودها على خط التماس على الحدود اللبنانية من خلال حزب الله المنحدر من رحمها والذي جعلت منه قوة ضاربة استطاع أن يلحق بها أكثر من هزيمة بعد أن أحاط نفسه بأسطورة المالك للجيش الذي لا يقهر.

3- ومن خلال حملتها الإعلامية المتواصلة عليه، وهي كما أسلفت، مازال ذلك بالنسبة لها ليس أكثر من جزء من خطة لدخول المنطقة، ولتكون لاعبا أو اللاعب الرئيسي فيها، باتجاه استكمال أسباب القوة، وفي الخطاب السياسي والإعلامي المتوتر خاصة بعد صعود الإبن المدلل لمرشد الدولة الإسلاميةعلي خامنائي أحمدي نجاد تجاه الرأي العام العربي الإسلامي للتمكين لعقيدة التشيع والتبشير لها، وهذا ما بدأت تخطوا فيه بنجاح في الكثير من أنحاء العالم العربي الإسلامي.

فأمريكا لا تعلم اليوم كيف السبيل للخروج من المأزق العراقي. هذا العراق الذي لم تنجح إلا في الإطاحة بنظامه السابق، وإلا في إلقاء القبض على رئيسه السابق صدام حسين ومحاكمته وتنفيذ حكم الإعدام فيه من أجل أقل جرائمه التي ارتكبها فيه إثارة.

أ- فلا هي قادرة على الخروج منه.

ب- ولا هي قادرة على البقاء فيه.

حتى وهي الشيطان الأكبرفي الإعلام وفي الثقافة الإستهلاكية الإيرانية، وهي التي يتداولها الإعلام الأمريكي في تصريحات رعاة البقر من اليمين المتطرف المتصهين في البيت الأبيض على أساس أنها دولة شريرة كانوا قد أنزلوها في محور الشر مع العراق على عهد الشهيد صدام حسين ومع كوريا الشمالية، كانت الجسور غير الرسمية بينهما مفتوحة على الطريقة الأمريكية الإيرانية، لتتوجه لها ولسوريا بطلب مد يد المساعدة للبحث معها عن حل مشرف للخروج من العراق ولو ببعض ماء الوجه بعد أن أقرت بهزيمتها ومن معها من العملاء والخونة في الشمال والجنوب أمام المقاومة الباسلة المجاهدة، وبعد أن جربت سياسة التحذير والتهديد والوعيد التي عاد إليها الإرهابي بوش الصغير في خطته الأخيرة بعد ما ضرب عرض الحائط بتوصيات بيكر هاملتن وقرر إرسال 27000 جندي أمريكي إضافة إلى الـ130000 القدامى وأدار بظهره لها ولسوريا، وتوجه صوب الأردن ومصر والعربية السعودية ليكون له، ربما مع سوريا وإيران، موقف وشأن خر، وقد قوبل طلبه بالرفض، لأن البلدين من محور الشر بحكم علاقة التلازم القائمة بينهما منذ الثورة الإيرانية، والذي يشكل البعد الطائفي بين النظامين حجر الزاوية فيها، وهما الذان لا يريدان لها إلا أن تظل كذلك، حتى لا تجد ولو فرصة واحدة لمجرد التفكير لفرض أي عقوبة على أي منهما. والحقيقة أنه لا أمريكا ولا إيران ولا سوريا تملك الحل للقضية العراقية، ولا كيفيات وسبل معالجتها والخروج منها. فإيران لم تكن في الحقيقة رافضة للبحث مع أمريكا عن حل للحالة العراقية ولكن:

- أولا: لأنها وسوريا جزء من المشكلة وليستا جزءا من الحل.

- ثانيا: لأنه لا مصلحة لهما في ذلك مطلقا. وهما التان لا تريدان لأمريكا أن تخرج من كل هذه الأماكن البركانية المتفجرة.

- ثالثا : لأنهما لا تملكان الحل وليستا قادرتين عليه.

وكذلك كل دول الجوار التي مازالت أمريكا تعول ربما عليها لإخراجها من المأزق.

ولعل بعد الذي حصل في العراق وخاصة:

- بعد الضجة التي أثارها إعدام صدام حسين في الوسط السني والإنساني في العالم.

- وحملة التطهير الطائفي التي يقوم بها أصحاب الحل السياسي بالبلاد من شيعة العراق بإشراف إيراني مباشر.

- وبعد يأس أمريكا من جدوى البحث عن حلول لمشاكلها في العراق بالتعاون مع إيران وسوريا التين هما كما أسلفت لا يمكن أن يكونا جزءا من الحل باعتبارهما جزءا من المشكلة.

- وبعد القلق الأردني والمصري والسعودي من النفوذ الإيراني المتعاظم ومن خطورة الهلال الشيعي الذي تمت الإشارة إليه في العديد من تصريحات كل من قيادات مصر والأردن والسعودية.

فيبدوا أن أمريكا قد بدا أنه من الأجدى لها التوجه إلى حلفائها التقليديين الأكثر وفاء للبحث عن سبل أفضل لحل مشاكلها في المنطقة وفي العراق تحديدا، وللحد من النفوذ الإيراني وما يمكن أن يشكله من خطر على المنطقة كلها.

وما هذه المحاولات وهذا التخبط إلا محاولة للهروب مما لابد منه في النهاية. فهي محاولات جادة ومتواصلة لاستثناء المقاومة، وهي وحدها التي تملك الحل وتمسك بأوراق اللعبة، وجل إن لم تكن كل خيوطها.

وليس أمام أمريكا إذا كانت تريد أن تريح نفسها وتريح شعبها وتريح المنطقة التي لا تريد أن تريحها ولا تريد لها الراحة، وما زالت تعمل بكل جهد وبكل الوسائل لفتح جبهات فيها، والزيادة في حدة التوتر الذي لم يفارقها منذ زمن بعيد، ولعلها أكثر مناطق العالم توترا قديما وحديثا،وستظل على ما يبدو كذلك طالما:

أ- أن أهلها منقسمون على أنفسهم عرقيا وطائفيا ومذهبيا وثقافيا وحضاريا أيما انقسام.

ب- وأن ولاء أغلب الفاعلين فيها للأجنبي أكثر من ولائهم لأوطانهم وشعوبهم وللأمة.

ج- وأن كل التوقعات على أساس المعلوم من أمر مخزون الطاقة في العالم أن آخر برميل نفط سيكون استخراجه منها ومن العراق تحديدا، وتريح العالم من حولها، إلا أن تتواضع وتتنازل عن كبريائها الزائف وعنجهيتها وتعجرفها واستكبارها الذي لم يجلب لها إلا الهزائم في كل الحروب التي أشعلتها في أنحاء مختلفة من العالم، والذي ساءت بها سمعتها في الكون كله، وتتوجه صاغرة للبحث عن حل لنفسها لدى مختلف فصائل المقاومة التي وحدها كذلك مع كل أحرار العراق القادرة على بحث الحلول المناسبة للعراق وللشعب العراقي، تاركة استراتيجية محاربة الإرهاب وعدم التعاطي وعدم الحوار مع من تصنفهم إرهابيين وراء ظهرها، والإتجاه لبحث حلول للعالم وتحقيق الأمن والسلام لكل الشعوب مع من لا دور لهم في تحقيق السلام والأمن، ومعرضة عمن لا سلام في العالم بدون التشاور والتحاور وبحث الحلول معهم، لإنهاء المظالم وتوجيه النفقات الهائلة المرصودة لتغطية الحروب المدمرة وإشعال أوارها، وتكديس الأسلحة التقليدية وتطوير أسلحة الدمار الشامل، لتطوير البحث العلمي في المجالات الإنسانية، وإطعام الملايين من الأفواه الجائعة، وتوفير مياه الشرب والري لكل شعوب الأرض، ومواجهة الأوبئة الفتاكة المنتشرة في العالم، والعمل على إنقاذ الحياة على الكرة الأرضية كلها من خطر تأثير الإحتباس الحراري ،والتي لا تزيدها الحروب والتلوث الذي يصيب الكون بسبها وبفعلها إلا استفحالا، والتي تفتك بملايين الأنفس يوميا، من مثل الفيضانات والأعاصير والزلازل والجفاف والعواصف والإيدز والسرطان والملاريا والحمى القلاعية وأنفلونزا الطيور والسل الذي افلت مجددا من عقاله وغير ذلك من الأمراض الفتاكة والكوارث الطبيعية.

3- ولعل إعدام صدام حسين هو رسالة موجهة من البيت الأبيض للقيادات في النظام العربي الفاسد، مفادها أن الإطاحة بهم ودق رقابهم هو رهن إشارته في الوقت الذي تراه قياداته مناسبا، وهي القادرة عليه دائما، وهي البالغة مستوى من الإجرام يسمح لها أن تقوم بذلك متى بدا لها ذلك مناسبا إلى جانب القدرة عليه، والتي أصبح لها من التقاليد في ذلك ما لا يستطيع أن ينكرها عليها أحد. فالحي منهم من تريد له قيادة البيت الأبيض الحياة، والمقتول منهم من تريد أن يقتل، تصفية جسدية أو سياسية أو الإثنين معا. فرقابهم مملوكة لها، ومن أطاعها سلمت رقبته، ومن عصاها دقت كما دقت رقبة صدام حسين ورفاقه. وهي الواجدة على ذلك أعونا لها في المنطقة العربية وفي العالم. وقد استوعب القائد العقيد معمر القذافي الدرس جيدا. فلم يكن هتلر ولا موسيليني ولا شاوسيسكو ولا السادات ولا ميلوسوفيتش الذين أطاحت بهم شعوبهم أو قتلتهم عبرة لهم، ولكن كان صدام ونوريقا والملا عمر وهم بين محتجز و مطارد ومقتول عبرة لمن يعتبر منهم. وما من أحد منهم يخشى الله أو الشعوب على موقعه السياسي أو حياته، بقدر ما يخشى أمريكا والكيان الصهيوني. وقد صاحب ذلك ما يشبه اليقين عندهم أن حياتهم ومماتهم قد أصبحت بيد هذين القوتين. فهما القادرتين على قتلهم كما فعلت أمريكا بصدام حسين وبأيادي عراقية، وكما فعل الكيان الصهيوني بياسر عرفات وبأياد فلسطينية. وهما القادرتان على الإبقاء عليهم أحياء، وهم من كانوا دائما أحرص الناس على حياة.

4- أما هذا الهدف فإن شعوب منطقة أكبر مخزون للطاقة من النفط والغاز الطبيعي خاصة، وشعوب العالم الإسلامي عامة، وعالم المستضعفين عموما هي المعنية به. ذلك أن احتلال العراق وإعدام صدام حسين قد يكون رسالة مفادها، وربما تعني من بين ما تعنيه، أنه لا قدرة لك أيتها الشعوب على الثأر لنفسك بنفسك من المستبدين والظالمين المتسلطين الذين أوجدهم أو يوجدهم غيري، أو وجدوا بطريقة غير شرعية أو غير مقبولة، والذين مازالت لي القدرة وحدي على الإبقاء عليهم أو كنسهم، إلا بتدخلي ومساعدتي. فمن والاني واستنجد بي ليكون بديلا أفضل، وتتحقق من خلاله مصالحي المختلفة، وتدفع به عني المخاطر والخسائر، فإنه بالغ ذلك لا محالة بكل الوسائل وفي الوقت المناسب، كما حصل في الشيلي وفي غيرها من بلاد العالم قديما، خاصة في مرحلة الحرب الباردة وبعدها، ومثلما حصل في أفغانستان وفي العراق وفي الشيشان وفي الصومال حديثا كما يرى العالم كله. ومن عاداني واستغنى عني فلا قدرة له على الخلاص والتحرير. وليس أمامه إلا القبول بالأنظمة الفاسدة المستبدة كقدر مقدور عليه. وهي التي ستظل متسلطة على رقابك وأنا داعمة لها طالما كانت وفية وخادمة لي، ولا أمر لها إلا أمري ولا نهي لها إلا نهيي. فأمريكا هي القوة التي لا صداقة دائمة لها لأحد، ولا عداوة دائمة لها في النهاية لأحد. وهي التي حيث المصلحة والسلامة. وهي التي في النهاية ليس أمامها كما كل قيادات الغرب الصليبي إلا التسليم بحق من يصر على انتزاع حقه منها. والحقوق في شرائع الأرض والسماء وفي ثقافة الظالمين لا تعطى وإنما تفتك. ومن أراد حقا فليس أمامه من خيار إلا أن يفتكه ممن اغتصبه منه أو أن يموت دونه. فما ضاع حق وراءه طالب. ومن مات دون ماله وعرضه مات شهدا كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال.

5- لقد بات شبه متأكدا لأنظمة الإستبداد أن دور الشعوب في الإطاحة بها بدا بعيدا إن لم يكن مستحيلا، لأنه بقدر ما تكون وفية للقوى الدولية الإستعمارية بقدر ما تكون في مأمن من الإطاحة بها من طرف شعوبها، مما يزيدها ولاء وعمالة وخدمة لها لدرء الإسقاط ودق الرقاب، ومما يزيدها استهتارا بالشعوب واستخفافا بها والزيادة في اضطهادها وظلمها والتسلط عليها. هذه الشعوب التي أصبحت لا تأمل هي نفسها في القدرة على ذلك بدون دعم خارجي. ولعل همة أعداء الشعوب الداخليين والخارجيين تتجه نحو إسقاطها في الإحباط حتى تصرفها عن مجرد التفكير في غير ذلك، مما يفسح المجال واسعا أمام القبول دائما بأحد أمرين:

أ- أما الإستبداد.

ب- أو الإحتلال.

وتتضاءل الآمال لديها في الإستقلال، ويستقر الأمر على حال من الإحباط لم يعد فيه للشعوب أي دور سوى تزكية الإستبداد على قاعدة:

1- أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان.

2- والقبول بالسيئ خوفا من الأسوإ.

هذا الدعم الذي إما أن يكون:

أ- لصالح الأنظمة عندما ترى أن خطر إطاحة الشعوب بها أصبح واردا أو ممكنا أو بات وشيكا أو محتملا.

ب- أو لصالح الشعوب عندما ترى القوى الدولية أن أي من هذه الأنظمة لم يعد من مصلحتها الحفاظ والإبقاء عليها. وما يبدو لصالح هذا أو إلى جانب ذاك، فليس فيه في الحقيقة شيء لصالح الشعوب المستضعفة أو لصالح الأنظمة العميلة المرتهنة سياسيا، والملحقة والتابعة ثقافيا وحضاريا. وما من تدخل إلا ليكون لصالح الجهة الدولية المتدخلة لإعادة ترتيب الأوضاع في هذا البلد أو ذاك.

ولا يمكن لسنن الكون والتاريخ أن تسمح للقوى الشريرة المستبدة الظالمة أن تكون وحدها صانعة التاريخ، من غير أن يكون لحركة الشعوب بقيادة قوى التحرر دورا مركزيا فيها. ومن ثمة فإن هذه القوى بمختلف مرجعياتها وقناعاتها وتصوراتها وثقافاتها وأدواتها وإمكانياتها مدعوة للإلتقاء والتنسيق والتعاون والتضامن للقيام بمهامها التاريخية في مواجهة الظلم والقهر والغبن والحيف والإستبداد والإحتلال حفظا لكرامة الإنسان ولأمنه وسلامته ووحدته الإنسانية.

ومن هذا المنطلق وجب على حركة التحرر العربي الإسلامي أن تمد الجسور:

- مع حركة الإحتجاج ضد العولمة.

- ومع التحولات السياسية نحو مزيد تحقيق الرفاه والحرية والعدالة الإجتماعية والتداول السلمي على السلطة في أمريكا اللاتينية.

- ومع حركة الإحتجاج الداعية لغلق معتقل غوانتانامو بخليج المكسيك وغيرها من المعتقلات السرية والمسالخ في كل أوطان أنظمة الإستبداد وحيث ما حل الإحتلال، والتي تسحق فيها إنسانية الإنسان الحر الرافض للإستبداد والإحتلال والظلم والحيف والاستعباد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

- ومع المسيرات الإحتجاجية في مختلف أنحاء العالم، والتي ينظمها ويقودها ويشارك فيها الكثير من شرفاء العالم من مختلف الأديان والمعتقدات والثقافات والأجناس والأعراق والألوان لمناصرة الشعب الفلسطيني والداعية لإنهاء الحرب في العراق ومغادرة قوات الإحتلال له.

والذي بات مؤكدا ولا مفر منه:

أ- إذا كانت هذه الأمة، من خلال ما حصل وما هو حاصل تعلم أنها كلها في دائرة الإستهداف الغربي الصليبي واليهودي الصهيوني.

ب- وإذا كانت تريد أن تكون يوما ما محترمة ومهابة.

ج- وإذا كانت تريد أن ترى المنطقة محررة من الإستبداد والإحتلال والإستعمار.

د- وأن لا تظل مسرحا للحروب وساحة لتجريب آخر ما تنتجه مصانع شركات وتجار الأسلحة.

أن تتجاوز خلافاتها، وقد اختلط في المنطقة العربية أربعة أطراف رئيسية غير متجانسة ومختلفة إلى حد التناقض وهي:

1- النظام العربي العلماني والتقليدي الهجين وملحقاته من النخبتين العلمانية والتقليدية الداعمتين بكل انتهازية وعبثية وعدمية له.

2- الكيان الصهيوني رأس حربة الغرب الإستعماري الصليبي في المنطقة، والذي أصبح يمثل التناقض الأخير في أولويات النظام العربي والنخبة العلمانية التي أصبحت تشعر رغم احتضان القوى الدولية لها، أنها في الهزيع الأخير من ليلها.

3- الحركة الإسلامية التي هي في طريق اكتمال تشكلها كحركة تحرر عربية إسلامية، والتي أصبحت تمثل التناقض الأول في فكر وسياسة واستراتيجية النظام العربي المنتهية صلاحيته والذي يلعب اليوم في الوقت بدل الضائع، والنخبة العلمانية المراهنة في الكثير من مكوناتها على الدعم الغربي لها لتحقيق بعض الإستمرار في الساحات الوطنية والإقليمية. وليس ثمة ما هو أكثر وضوحا في المشهد مما يحصل في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي مصر وفي تونس وفي الجزائر وفي الصومال وفي كل البلاد العربية الإسلامية.

4- النظام الإيراني وطبيعته القومية الفارسية في إطار المنزع الشيعي المذهبي، والذي سعى منذ البداية لأن يكون مركز استقطاب للأقليات الشيعية التقليدية خاصة، وإلى التبشير للتشيع ككل ثورة تعمل على التمكين لفكرها وعقيدتها وثقافتها من خلال طبيعة نظامها السياسي. وذلك ما سعى إليه في المنطقة منذ الإطاحة بنظام الشاه. والذي عمل بذلك على تفجير التناقض الطائفي الذي انتهى إلى الإحتراب خاصة في العراق. وهو النظام الذي مازال أبعد ما يكون إلى الآن عن الإنسجام مع مكونات المنطقة الرسمية منها والإسلامية. والذي يبدو محاربا للكيان الصهيوني من خلال حزب الله في جنوب لبنان، ومتحالفا عبر امتداداته مع قوات التحالف الغربي بقيادة أمريكا في أفغانستان والعراق.

وإذا كانت إيران قد اتجهت بعد الثورة إلى المنطقة العربية والعالم الإسلامي بعد أن كانت معرضة عنها قبل ذلك، لتلمس طريقا في العالم الإسلامي إلى الأقليات الشيعية وعبرها، على خلفية عداء تاريخي تكفيري لأهل السنة وكل من خالف الشيعة في المذهب، وذلك ما تنص عليه المنظومة الفقهية الشيعية، وكتاباتهم في التاريخ، وقراءتهم وفهمهم للنصوص القرآنية والسنية، مازالت لم تراجع نفسها فيه، ولم يبدو منها استعداد لذلك، ولا للتخلي عن ما هو منه من الموروث التاريخي الذي يبعد ولا يقرب، ويفرق ولا يجمع، ويفسد ولا يصلح، ويضر ولا ينفع، فإن النظام العربي الفاسد خاصة العلماني منه، كان جادا في استبعاد الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة. وكان أبعد ما يكون عن الموروث الثقافي العربي الإسلامي، والذي ظل يرفض أي معنى وأي وجود للنظام الإسلامي على أي نحو وعلى أي شكل، هو الذي بعدائه للإسلام الذي كان ومازال يعبر عنه من خلال إعلان حربه على الحركة الإسلامية السنية التجديدية الحديثة ومشروعها الإسلامي الأصولي الإصلاحي منذ بداية ظهورها، يمكن للبرنامج الإيراني الطائفي المذهبي، وسط جهل المسلمين بالإسلام الصحيح، وبالثقافة الشيعية التي تغلب عليها الخرافة والأسطورة. وبفسح المجال للجمعيات الثقافية التي تدار من خلالها الكثير من الأنشطة، والتي وهي كذلك، إلا أنها لا تخلوا من أنشطة استخباراتية، ومن ضخ مالي كبير لشراء الذمم لكسب أكثر ما يمكن من الأنصار والمؤيدين (كجمعية أهل البيت الثقافية بتونس) مثلا. في هذا الجهل وهذه الحرب المعلنة على هوية الأمة العربية الإسلامية في المنطقة العربية، ومحاصرة الحركة الإسلامية ومنعها من إنجاز مهمة إقامة النظام الإسلامي الراشد، بدت إيران الأنموذج الوحيد للنظام الإسلامي في العالم، والذي جاءت به حركة الخميني عن طريق ثورة على أقوى نظام في المنطقة. فكان النظام الجديد مركز استقطاب منذ ذلك الوقت للكثير من المثقفين والشباب المتدين منه خاصة، لاعتبارات ولأسباب ولأهداف كثيرة لا يتسع لها هذا المقال. وكغيره من الأنظمة التي قامت في المنطقة العربية، فقد كان اهتمام النظام الإيراني مبكرا بالقضية الفلسطينية، وعمل على إلحاق أكثر من هزيمة بالكيان الصهيوني بالوكالة، عن طريق منظمة حزب الله الشيعية امتداده الطائفي والمذهبي بجنوب لبنان، مقابل تقلص أو انتهاء اهتمام النظام العربي الرسمي بها، هو الذي جعله يكون مع الصفة الإسلامية له قريبا من وجدان العرب والمسلمين غير الشيعة.

لهذه الإعتبارات اعتبر النظام الإيراني والطيف الشيعي من حوله ومن التحق به مذهبيا، كما التحق الكثيرون في العالمين العربي والإسلامي من قبل ومازالوا بالنظام الناصري وبالأنطمة البعثية واليسارية في الحركة القومية وفي الحركة اليسارية الشيوعية في العالم، أن تجربته ناجحة. وبات من حقه أن يعمل على تصديرها بطرقه الخاصة لباقي أنحاء العالم الإسلامي خاصة للشيعة وعبرهم. وهو في ما يبدو أنه صراع مع الغرب وفي ما يبدو أنها مناهضة للصهيونية والكيان العبري في فلسطين المحتلة، يعمل على فرض أمر واقع في المنطقة لتكون بوابته الأوسع إليها بعد لبنان العراق، معولا على الأقلية الشيعية في كل دول المنطقة، ليصنع منها قوى ضغط على الأنظمة داخل أوطانها بحسب ما يراه صالحا، تارة بالقبول بالأجنبي، وأخرى بإظهار مناهضة وجوده فيها كما في سوريا (نظام علماني منحدر من رحم طائفي ) وفي البحرين (أغلبية شيعية تحكمها أقلية سنية) وفي السعودية (أقلية شيعية تعتقد أنها مهضومة الجانب) وفي العراق (ما يقال عن أغلبية موصولة به وهي الحليف الإستراتيجي الأكبر لقوات الإحتلال الغربي الصليبي بقيادة أمريكاالشيطان الأكبرفي القاموس السياسيللثورة الإسلامية“). وفي أفغانستان ( أقلية تنعم بالحماية الغربية الأمريكية في نظام كرزاي العميل). وفي لبنان (العلمانية ذات الأصول الشيعية المتمثلة في حركة أمل الإمتداد السياسي ذات الخلفية الطائفية للنظام السوري) (والأصولية الشيعية ذات العلاقة العضوية والمرجعية المباشرة بإيران ). وفي اليمن ( حركة الحوثي التي رفعت عاقرتها في توجيه سلاحها للنظام اليمني رافضة لاستباحة المخابرات الأمريكية للبلاد على قاعدة تعقب عناصر القاعدة في غير تأييد للتنظيم في إطار ما أسمته حربها على الإرهاب، والتي تم إجهاضها) وغيرها من الأماكن في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي.

وهكذا مستفيدا من الوجود الأجنبي بإظهار مناهضته له تارة وبالتحالف معه أخرى، سواء عبر ملاحقه الطائفية والمذهبية أو عبر تقاطع مصالحه معه. هذا الوجود المبغوض جماهيريا في المنطقة والمحسوب على غيره من الأنظمة هو الذي يعمل على أن يكون محسوبا له من خلال إظهار مناهضته، مما يكون له به من التأيد الشعبي ما لا يكون به لغيره من الأنظمة، وما يكون لها به من رفض. فهو النظام المستفيد من الوجود الأجنبي:

أ- من حيث أنه يلتقي في مناهضته له مع الجموع الواسعة من جماهير شعوب المنطقة والأمة مقابل احتماء النظام العربي خاصة به، وتأييده والقبول به وسط رفض شعبي واسع له، مما يتحقق له به الإستقطاب المطلوب، وما يقوم به من حرب بالوكالة معه ومن تحالفات لأغراض طائفية وسياسية واستراتيجية كما في لبنان وسوريا.

ب- ومن حيث أنه مستفيد من تقاطع المصالح، بإبرام صفقات معه لصالحه ولصالح الشيعة والتشيع كما في أفغانستان وفي العراق، ولغير صالح المنطقة وأمة العرب والمسلمين من غير الشيعة منهم طبعا.

فالذي بدا واضحا أن المشكلة في المنطقة العربية والشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي عموما، هي الأنظمة الفاسدة، والوجود الصهيوني، والأجنبي الغربي. ولمن كان يريد البحث عن حل، خاصة لمعضلة المنطقة العربية التي أصبحت مسرحا للصراع العالمي من أجل النفوذ والطاقة، فليس أقل من أن لا نحيلها إلى صراع طائفي وعرقي وأثني لا يستفيد منه في النهاية إلا الغرب الصليبي والصهيونية العالمية. ويجب أن تتجه الهمم والمجهودات كلها نحو توحيد الموقف من العدو المشترك للأمة كلها، والذي يهدد القابل به والرافض له، والمعادي والموالي له، والمناهض والمساند له. وعلى النظام العربي أن ينتهي من سياسة معاداة الشعوب وحركة التحرر والإصلاح في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، ومن موالاة الأجنبي ومهادنة الصهيونية الحليف الإستراتيجي للغرب، الذي أصبح لا يشك أحد في عداوته للأمة وفي تهديده المستمر لها. وعلى النظام الإيراني أن ينتهي من توظيف الوجود الأجنبي بالمنطقة، ومن قبول النظام العربي به، لغايات وأهداف عرقية طائفية مذهبية تكفيرية. وأن يعدل خطابه وموقفه ليكون نظام دولة إسلامية وليس دولة شيعية. وأن يعمل على: 1- توحيد المسلمين لا على تفريقهم على خلفية طائفية مذهبية، ولا على قاعدة ليس مسلما من لم يكن شيعيا“.

2- عدم النظر للأقليات الشيعية في العالمين العربي والإسلامي كما ينظر اليهود للأقليات اليهودية في الحارات قديما وفي العالم حديثا.

3- وان يتجاوز مراجع الشيعة ومفكروهم وقياداتهم في إيران وخارجها الخلافات التاريخية التي مازالوا يبنون

عليها مواقفهم واجتهاداتهم الفقهية ويقيمون من خلالها مواقفهم من الآخر المخالف الطائفي والمذهبي والسياسي.

4- الإنتهاء عن سياسة التبشير للتشيع في البلاد العربية الإسلامية إذا كان هذا النظام لا يعتبرها بلاد كفر كما يزعم مراجع الشيعة وقياداتهم ومفكروهم وإنهاء هذه الخطط وهذا التمويل.

كما على النظام العربي العلماني والتقليدي:

1- أن ينتهي من صداقة العدو ومن معاداة الشعوب.

2- وأن يقطع مع سياسة وثقافة التمكين للأجنبي، ومع محاربة حركة التحرر والإصلاح في الوطن العربي. 3- العمل على القطع مع ثقافة التكفير وعدم إحيائها، ومد الجسور مع النظام الإيراني لإقامة علاقات حوار وحسن جوار وتعاون وتكامل باتجاه توحيد الصف بعد توحيد الموقف من مجمل قضايا المنطقة، وخاصة في ما لا يجب أن يكون محل خلاف، وهو الجانب المتعلق بالعلاقة بالأجنبي، والتي يجب أن تتظافر الجهود لتحويلها من علاقة ولاء وتحالف كتلك التي يقيمها معه النظام الرسمي العربي، والتي تؤمن بها بعض مكونات الطائفة العلمانية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وعلاقة تعاون وتآلف كتلك التي يقيمها معه النظام الإيراني، إلى علاقة اقتراب وابتعاد بحسب ما يتحقق للأمة من مصالح وما يجنبها من أضرار وخسائر.

وعلى شعوب الأمة أن تتحمل مسؤولياتها في المساهمة الجادة والنشيطة في إحداث من التغييرات ما هي في حاجة إليه بما يقرب شعوب الأمة وعموم المستضعفين بعضهم من بعض باتجاه:

1- وحدة الموقف من الإمبريالية والصهيونية والإحتلال والإستبداد.

2- ووحدة الصف في التحرر والتحرير.

أ- من الإستبداد بالمساهمة والمساندة والمؤازرة.

ب- ومن الإحتلال بالتأييد والتعاون والتحالف وبكل ما يوحد الأمة في إطار المشترك من الهموم والمشاغل والإهتمامات ومن المبادئ والقيم والثوابت والمقدسات.

ج- وبالعمل بكل جدية وصدق على تجاوز النعرات العرقية والمذهبية، وعدم الإلتفات للفتاوى التقليدية القديمة التي تقسم الأمة إلى طوائف ومذاهب، والتي تجد لها أصلا ومبررا في التاريخ ولا تجد لها مبررا ولا أصلا في الواقع، والتي لم تعد الأمة اليوم في حاجة إليها. وهي في أمس الحاجة إلى ما يوحدها أمام أعدائها الذين يتداعون عليها كما تداعى الأكلة على قصعتها وأن لا تعود إليها، وليبق السني على سنته أو أن يتحول عنها إذا أراد وبمحض إرادته وخارج تأثير أي حركة تبشير وأي صفقة شراء وبيع للذمم، وليبق الشيعي على تشيعه أو أن يتحول عنه بمحض إرادته وباختياره الحر إذا أراد. ويجب الإنتهاء عن الإنشغال بعمل كل طائفة على توسيع طائفتها على حساب الأخرى. ولتحذر الأمة المنقسمة اليوم إلى سنة وشيعة وعلمانية من أصل شيعي وأخرى من أصل سني من جعل المعركة بين هذه الطوائف الثلاث باتجاه تكفير الشيعة للسنة كما هو ظاهر الحال اليوم في العراق خاصة، وبدعم إيراني للأسف الشديد واضح، وبغطاء أمريكي غربي صهيوني، والعمل على تصفيتهم واستئصالهم وتهجيرهم. وتكفير السنة للشيعة مقابل ذلك وبناء عليه، والدخول في ردود أفعال تكون مبررا لوجود الأجنبي بالمنطقة وبالأوطان ولبقائه، وليتواصل الصراع والإقتتال بين أبناء الأمة الواحدة. وتكفير الحركة العلمانية ذات المرجعية الغربية الإنسانية التي تجد لها أصلا في المسيحية التوراتية لكل من الشيعة والسنة استنادا إلى أصولهم الإسلامية القرآنية السنية، والتي تجد لها في الصراع الطائفي مبررا للقول بفساد النظام الإسلامي الذي لا تكتمل، ولعلها لا تصح أصلا عبادة الأمة لله إلا به، والذي لا تعترف به هذه الطائفة أصلا، وبصلاح النظام العلماني الذي لا يصلح للأمة في عبادتها لله، ولعلها لا تصح به أصلا. وبعيدا عن كل هذه الإنقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية، لم يعد أمام العرب والمسلمين إذا ما كانوا يريدون الحرية والكرامة والإستقلال، إلا أن يبحثوا في ثقافتهم وفي الثقافة الإنسانية عن ما يوحد الأمة بما يقبل به أكثر أبناء ها بمختلف ألوانهم وأعراقهم ومعتقداتهم وطوائفهم ومذاهبهم الإسلامية والعلمانية.

وليس ثمة أكثر مرونة من النظام الإسلامي إذا ما أحسن التعامل معه وتطبيقه بعيدا عن التضييق والتعصب والتلفيق والتلبيس، وزيادته ما ليس منه وإنقاص منه ما فيه، لتجد فيه كل مكونات المجتمع المختلفة حقوقها وحاجاتها، وفق مقتضيات المصلحة العامة، ووفق خصوصيات الأعراق والمعتقدات. وبذلك وبذلك فقط تكون الأمة قد وضعت أقدامها على طريق الإستقلال الذي لا يتحقق إلا بالإستقلال الثقافي، والذي من خلاله يكون الإستقلال السياسي. وتخرج الأغلبية الإسلامية من حرج البقاء على طبيعة نظام سياسي وثقافي لا علاقة له بتاريخها وحضارتها وثقافتها وأمجادها ودينها، والذي يجد له أصلا في الديانتين المسيحية واليهودية وغيرهما من المعتقدات والأديان. وهو النظام الذي تجد فيه الأقليات الدينية من غير المسلمين في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية ما لا يخل بعقائدها ومعتقداتها، وما لا ينقص من قيمة مقدساتها، في الوقت الذي يجد فيه المسلمون أنفسهم أبعد ما يكون عن ثوابت دينهم وعقيدتهم التي لا تصح بها طاعتهم لله وعبادتهم له،ولا أصالتهم وتاريخهم وحضارتهم. ولا يتحقق لهم به استقلالهم، ولا تتحقق لهم به وحدتهم وحريتهم ومصالحهم التي لا وجود ولا مستقبل لهم بدونها.

تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين “.

بقلم: علي شرطاني

قفصــة - تونـــس

حديث الصراحة مع الأستاذ علي شرطاني - الجزء الأول

مازال في ذاكرتي العديد من مشاهد الإحتلال الفرنسي لتونس والمحن توالت علي في ظل دولة الإستقلال .

زوجتى نالتها العقوبات البدنية وهي مطرودة من وظيفتها كأستاذة تعليم ثانوي

أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم أوضاعا جد مأساوية

مازال القلق هو سيد الموقف في الأوساط الأمنية والسياسية تجاه المساجين السياسيين السابقين

القوى الإستئصالية هي العصب المتحكم في السلطة وسياساتها

اليمين الدستوري هو النسخة الجديدة لحزب بورقيبة

إستبداد العصابات بالوضع السياسي والإقتصادي والثقافي والإجتماعي والإعلامي والأمني والقضائي ظاهرة تونسية

دوائر القرار لا تملك الشجاعة لتحقيق مصالحة حقيقية

الخيرين في الدولة لا نعدمهم ولكن لا صوت ولا وزن لهم

هذه بعض العناوين من الحوار الذى أجريناه مع صاحب القلم السيال والتحاليل المسهبة الأستاذ المناضل علي شرطاني الذى أجاب على أسئلة السبيل أونلاين نت مشكورا , و في ما يلى الجزء الأول من نص الحوار

السبيل أونلاين نت : نود التعرف على الأستاذ على شرطاني , فكيف تقدم نفسك للمطلعين على هذا الحوار ؟

بسم الله الرحمان الرحيم

علي بن محمد بن علي شرطاني من مواليد سنة 1953 بسقي المظيلة أحد إمتدادات بوادي ولاية قفصة. مازال في ذاكرتي العديد من مشاهد الإحتلال الفرنسي لبلادنا، حيث كان الفرنسيون وحشود المرتزقة الأفارقة يتعقبون المجاهدين في تلك الدواوير(وهي تجمعات البدو في خيامهم) التي كانت المجال الحيوي لهم، دعما ماديا ولوجستيا وبشريا نساء ورجالا. ووالله لقد عشت تلك المعاناة التي كان يعيشها أبناء البدو في ذلك الزمن وأنا صغير جدا. ومرت الأيام حتى حلول سنة 1959، أي بعد ما سمي في تاريخ بلدي الحديث الإستقلال، حيث حل الإستبداد محل الإحتلال، حيث انتقل بي أبي وقد كنت أصغر إثنين من إخوتي الخمسة ، من البدو إلى القرية حيث مازال النفوذ الكامل للأجنبي وفق الصفقة المهينة التي أبرمها الهالك الحبيب بورقيبة مع إدارة الإحتلال الفرنسي في ما سمي في حينه بالإستقلال الداخلي، ولم يكن لأهل الجهة المنجمية حق في الشغل بمناجم الفسفاط في ذلك الوقت إلا بالشراء، أي بدفع معلوم مالي محدد مقابل القبول به في خطة عامل منجمي. ولم يتسن لي الدخول للمدرسة إلا في السنة الدراسية 1960 / 1961 حيث أنهيت دراستي الإبتدائية. وبعد نيل شهادة ختم الدروس الإبتدائية انتقلت سنة 1967 إلى مدينة قفصة حيث أنهيت دراستي الثانوية بنيل شهادة الباكالوريا كمترشح حر شعبة آداب، وهي التي بها يتم ختم الدراسة الثانوية، لأنتقل سنة 1977 إلى الجامعة التونسية، حيث تم توجيهي إلى كلية الحقوق والعلوم الإقتصادية شعبة حقوق، وهناك عرفت بداية نشأة الجناح الطلابي للحركة الإسلامية التي أطلق عليها سنة 1979 ” حركة الإتجاه الإسلامي “. وفي ظروف اجتماعية وصحية ومادية صعبة تعذر علي مواصلة الدراسة هناك. وفي أول فرصة لانتداب عدد محدود من المشاركين في مناظرة كانت وزارة التعليم الثانوي قد دعت إليها بالمدرسة الصادقية، كنت من بين الفائزين. وفي السنة الدراسية 1980 / 1981 تم تعييني في خطة قيمأي ناظر للقيام على شؤون التلاميذ بالمبيت في المراجعة والمتابعة وبالمطعم وبالمبيت وما يتبع ذلك من علاقة بالإدارة. ولم ألبث في هذه الخطة إلا قليلا حتى جاءت أول حملة أمنية ضد الحركة في ذلك الوقت لأكون سنة 1982 من المحالين على القضاء من أجل الإنتماء إلى حركة الإتجاه الإسلامي التي هي حركة النهضة حاليا، وقد صدر ضدي حكم بـ 6 أشهر سجنا، وجدتني بعدها عاطلا عن الشغل. وفي سنة 1983 تقدمت بمطلب لوزارة التعليم إثر الإعلان عن انتداب معلمين للمدارس الإبتدائية، ووفق الشروط المطلوبة كنت من المقبولين، وتم تعييني بأولاد منصور على الطريق الرابطة بين ولايتي قابس وقفصة بالجنوب التونسي، وسرعان ما تفطن المخبرون للأمر وبلغ ذلك البوليس الذي يعلم أنني ممنوع من الوظيفة العمومية بمقتضى المحاكمة السياسية السالفة الذكر، ولم ألبث هناك إلا شهرين حتى تم استدعائي من طرف مندوب التعليم الإبتدائي بمدينة قفصة ليعلمني بانتهاء مهامي في خطة معلم بمدارس التعليم الإبتدائي. وبانتقالي إلى تونس العاصمة للتداوي من بعض ما كان ملم بي من مرض في ذلك الوقت، وقد صادف أن كانت حملة أمنية تستهدف القيادة المركزية والطلابية للحركة في ذلك الوقت أيضا فتم إيقافي هناك. وبعد أربعة أشهر من الإيقاف تم إخلاء سبيلي. وفي سنة 1984 شاركت في امتحان لقبول موظفين بالإقليم الشرقي لشركة فسفاط قفصة بمسقط رأسي، وباجتيازه بنجاح أصبحت موظفا بالشركة , وبموجب انكشاف في صفوف الحركة التي كانت تنتهج السرية في التنظيم في ذلك الوقت غادرت الشغل والمنطقة كلها في حالة فرار، وكان ذلك سنة 1985، حيث استقريت مدة ثلاثة أشهر بالعاصمة صحبة الأخوين محمد عون ومحمد الرحيمي القياديين بالجهة كذلك في ذلك الوقت.وفي آخر شهر جوان من تلك السنة عدت إلى مسقط رأسي حيث تم إلقاء القبض علي لأمضي مدة 11 يوما بزنزانات وزارة الداخلية للتحقيق معي في ما نسب إلي من بعض من كان قد تم إيقافهم من الأخوة الذين أفرج عنهم بعد ثلاثة أشهر من الإيقاف والتحقيق. ولما لم يثبت عني أي شيء تم الإفراج عني لأعود إلى وضع البطالة مجددا. وتستمر السنين العجاف حتى سنة 1987 وبعد زواجي بما يقارب 7 أشهر، تم إيقافي في حملة أمنية استباقية وذلك في شهر فيفري، وقد تركت زوجتي حاملا بإبننا البكر محمد أمين وقد مضى على حملها أقل من أربعة أشهر، وهي السنة التي استمرت فيها المواجهة بين الحركة الإسلامية ممثلة في حركة الإتجاه الإسلامي خاصة ونظام الهالك بورقيبة، والتي انتهت بسقوطه عن طريق الإنقلاب الأبيض المعروف الذي قام به عليه وزير داخليته ورئيس وزرائه زين العابدين بن علي، وقد حكم علي بستة أشهر سجنا من أجل الإنتماء إلى جمعية غير مرخص فيها، وهي التهمة التقليدية التي يكون توجيهها لكل مخالف في الرأي للنظام السياسي العلماني الإستبدادي المغشوش في تونس، والذي يمارس حقه الدستوري الذي تمنعه منه القوانين اللادستورية ولا تعترف له به. وما إن خرجت من تلك المحنة حتى وجدتني في محنة أشد. ذلك أنه وبعد إنهاء العقوبة البدنية ومغادرتي السجن بمدينة صفاقس، وجدت زوجتي وقد مضى عليها شهر منذ أن وضعت إبننا البكر الذي تركتها حاملا به، وكان ذلك أواخر شهر أوت. وما إن حلت السنة الدراسية 1987 / 1988، وبعد منتصف شهر سبتمبر، حتى تم وضع زوجتي آمنة عكرمي أستاذة تعليم ثانوي مختصة في تدريس التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي والعلوم الشرعية عموما في حالة إيقاف، على خلفية تقرير وجهه مدير معهد أحمد التليلي بمدينة القصر المدعو محمد الطاهر القرقوبي ، وهو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الإشتراكي الدستوري الحاكم، لمحافظ منطقة شرطة قفصة، يذكر فيه أنها هددته عندما إمتنع من مدها بجدول أوقات العمل تطبيقا للمنشور 108 سيئ الذكر الذي كان المدعو محمد مزالي رئيس وزراء إحدى حكومات الهالك الرئيس الحبيب بورقيبة قد وضعه، والذي جاء مانعا للباس الشرعي، والذي مازال الشعب التونسي كله يعاني من ويلاته إلى الآن. وظلت هي وإبننا محمد أمين الذي لم يتجاوز عمره الأربعين يوما تقريبا في زنازين منطقة الشرطة والسجن المدني لمدينة قفصة ولما لم ينقطع عنها دم النفاس الذي يقدر أقصاه بأربعين يوما بعد إلى غاية 20 أكتوبر، تم إخراجها من السجن، ولتبقى في حالة سراح حتى يبت القضاء في التهم المنسوبة إليها، وكان ذلك بموجب تقرير طبي أعده طبيب السجن يؤكد فيه أن وضعها وإبنها الصحي لا يحتمل الوجود والبقاء في السجن. لتظل ممنوعة من التدريس بعد ذلك سنة كاملة، وفي ذلك تفاصيل يطول ذكرها. وفي الوقت الذي كانت فيه الإيقافات والمحاكمات بالآلاف في صفوف الإسلاميين وغيرهم من بعض أطراف المعارضة العلمانية متواصلة، وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد تعيش فراغا حقيقيا واضحا في ظل إستبداد الهرم والشيخوخة بالرئيس الحبيب بورقيبة، كانت الفرصة مواتية للمخابرات الأمريكية لتأتي بعميلها زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987، لتبدأ البلاد مرحلة جديدة في تاريخها. فتم الإفراج عن المساجين السياسيين و إعادة الأغلبية الساحقة إلى سالف مواقعهم بالشغل. فكنت وزوجتي ممن بموجب ذلك تمت إعادتنا إلى سالف عملنا.

ولم تكن تلك إلا استراحة المسافر، وليتم الإعداد مجددا لجولة جديدة ضد الحركة الإسلامية والمشروع الإسلامي مرة أخرى، وبمكونات جديدة وبجهات وأطراف جديدة الكل يعلم أن عداءها للإسلام وللحركة الإسلامية أشد وأكبر من عداء بورقيبة وزمرته لهما. وما إن أوشكت سنة 1990 على نهايتها حتى بدأت الحملة ضد الحركة التي أصبحت هذه المرة حركة النهضة بعد ما بدا في ظرف من الظروف أن استبدال التسمية يمكن أن يساهم في حل مشكلة الإعتراف القانوني بها. إلا أن الخطط قد رسمت والسكاكين قد شحذت لتكون الحركة العلمانية الهجينة بكل مكوناتها هذه المرة صفا واحدا من خلال السلطة ومن خارجها في مواجهة الحركة الإسلامية بكل مكوناتها في خيار دموي استئصالي طال وبدون مبالغة حتى الأجنة في بطون أمهاتهم. وكنت كذلك وكالعادة دائما من بين الأوائل الذين شملتهم الحملة بصفتي عضو مكتب المنطقة المشرف على المكتب السياسي الجهوى وعضو مجلس الشورى الموسع. وبعد 5 أشهر من الإيقاف سلط علي فيها من التعذيب ما إن كدت أفقد منه الحياة، تم الإفراج عني. ثم ألقي علي القبض من جديد بتونس العاصمة بعد أن دخلت في حالة فرار. وبعد أكثر من 3 أشهر من الإيقاف بثكنة بوشوشة، أحلت إلى سجن 9 أفريل بالعاصمة بتقديمي للمحاكمة حيث قضت المحكمة الإبتدائية بتونس بسجني 8 أشهر من أجل الإنتماء إلى حركة النهضة الإسلامية تم نقلي بعدها إلى سجن برج الرومي حيث قضيت كامل العقوبة. وفي آخر شهر أفريل 1992 تم الإفراج عني لأخضع بعدها ولأكثر من 9 سنوات للمراقبة الإدارية كعقوبة تكميلية مقررة من الجهات الأمنية المباشرة. وما إن تم إنهاء العمل بالمراقبة الإدارية الباطلة سندا وقانونا حتى تم إلقاء القبض علي يوم 13 /11 /2002 مع مجموعة من الأخوة بسبب مد يد المساعدة لعائلة أحد أخوتنا المساجين. فتمت إحالتنا جميعا بتهمة المحافظة على جمعية غير مرخص فيها وجمع أموال بدون ترخيص، قضت فيها المحكمة الإبتدائية ومحكمة الإستئناف بقفصة بسجننا لمدة 13 شهرا قضيت منها 5 أشهر بالسجن المدني بولاية قفصة و8 أشهر بالسجن المدني بولاية القيروان في نقلة عقوبة من أجل الإستمرار في إضراب عن الطعام لمدة أربعين يوما من أجل المطالبة بالمحجوز المتمثل في بعض الكتب وبعض الوثائق والمجلات، وخاصة في الكثير مما كنت بصدد كتابته في ذلك الوقت من كتابات في مختلف القضايا، والتي بفضل الله استعدت جلها بعد خروجي من السجن. وكان الفضل في ذلك لله أولا، ثم لاستماتتي في المطالبة بها، ثم للمجهود الكبير الذي بذلته زوجتي جازاها الله عني وعن الإسلام والمسلمين كل خير من أجل ذلك. وهي من الكتابات التي منها ما تمكنت من الإنتهاء منه وتم نشره، ومنها ما لم أتمكن من ذلك بعد. فعسى الله أن يكون في عوني حتى يجد طريقه إلى القارئ الكريم الباحث عن الكلمة الصادقة الملتزمة إنه سميع مجيب .

السبيل أونلاين نت : بوصفك سجين سياسيي سابق ومقيم داخل تونس , كيف تصف أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم ؟

إن الحديث عن أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم حديث طويل لمن أراد أن يستوفيه حقه، إلا أني وباختصار أقول : أنها كانت ومازالت أوضاعا جد مأساوية وفيها من المعانات والمأساة ما لا يحتمل. وهي معاناة حقيقة مأساوية طالت النساء والرجال والكبار والصغار والقريب والبعيد والصاحب والجار وكل من له علاقة بالسجين السياسي الإسلامي وأسرته.

فمنذ أن إستباح البوليس السياسي البلاد ومنذ البداية في الحقيقة، ضمن ما هو مبرمج من طرف السلطة وفي إطار ما رسمته من خطط لاستئصال الحركة الإسلامية بعد إبرام صفقة التحالف الإنتهازي بين مختلف مكونات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة بواجهة اليمين الدستوري، وبفعل وإشراف اليسار الماركسي وبعض مكونات اليسار القومي العربي الضعيف أصلا، والذى أعطيت له صلاحيات واسعة، ظل ذلك النفوذ وتلك الصلاحيات قائمة. وإستمر الوضع الأمني على ذلك الأساس، وفي حالة إستنفار دائمة. وظلت البلاد في حالة طوارئ غير معلنة، ولكنها واضحة للعيان ويعلمها كل الناس ويعيشونها، فقد فرض البوليس جوا من الرعب من خلال الأخوة المسرحين ومن حولهم بالإنتشار الدائم في الشوارع وفي الساحات العامة والخاصة، يجوب بسياراته المختلفة البلاد طولا وعرضا بالليل وبالنهار. يراقب كل حركات الأخوة وكل سكناتهم وكل تنقلاتهم وكل علاقاتهم وكل أنشطتهم المهنية والتجارية وكل أسباب الإرتزاق. ويتدخل في أي علاقة لأي كان مع أي كان من الأخوة المسرحين الذين أخضعوا كلهم للعقوبة التكميلية المتمثلة في المراقبة الإدارية غير القانونية، ويداهمون المنازل في أي وقت شاءوا من الليل والنهار، وخاصة في المناسبات المختلفة وكلما جد حادث جديد من صنع أي مقاومة في العالم. لقد ظللنا فاقدين للأمن والأمان وبصورة دائمة ومعلومة حتى سنة 2000 لترفع حالة الطوارئ وينتهي العمل بالمراقبة الإدارية على من كانت مفروضة عليهم بغير موجب قانوني، وكان كل المجهود البوليسي متجها نحو إنهاء أي علاقة لأي كان من الأخوة بعضهم ببعض. بحيث كان أي تفطن لأي علاقة مباشرة وبمجرد اللقاء والسير معا في نفس الطريق موجب للعقوبة البدنية والتعنيف والترهيب. وفرض على الشارع على أن ذلك من الجريمة غير المغتفرة، حتى أصبح الناس كل الناس أو على الأقل جل الناس يتجنب ويتحاشى أي لقاء مع أي كان من الأخوة، وخاصة حين يكون من الأخوة المعلوم لديهم أنه من الرموز التاريخية للحركة. في هذا الجو المشحون بالرعب، كان النساء والأطفال والآباء والأمهات والأقارب والجيران يعشون قلقا وحرجا وخوفا وإرتباكا دائما، حتى أن عقدة الخوف والفزع التي أصبح يعاني منها التونسيون كل التونسيون للأسف الشديد قد أصبحت حقيقة. وأصبحت تلك قوة النظام الوحيدة.

وأنا أتابع عبر الإعلام الحر والرسمي مأساة الشعب الفلسطيني الصابر الباسل في الأرض المحتلة، وأنا أعيش ماساة الشعب التونسي الخانع الخائف الطامع ومأساة المساجين السياسيين وأنا واحد منهم، أستطيع أن أؤكد بكل موضوعية وأمانة، أن أوضاع الشعب الفلسطيني تحت السيطرة والتهديد الصهيوني والقصف والحصار أفضل من أوضاع الشعب التونسي كله تحت سيطرة الطغمة النيرة المستنيرة والتقدمية والحداثية البسيسيةفي تونس. أما عن المساجين السياسيين من إخوتنا وليس ثمة غيرهم وغير المعترف لهم رسميا وعلى خلاف ما عليه الأمر في العالم كله بذلك، فهم من قد أمضى السنوات الطوال بين المتابعة اللصيقة والمراقبة الإدارية والزيارات المفاجئة والمداهمة والتفتيش في أي وقت من الليل والنهار التي كانت تقوم عليها وتقودها عصابات البوليس السياسي طيلة عقد كامل ومازالت متواصلة وإن بأقل حدة إلى الآن. وفي إطار حالة الإستنفار الدائمة التي عليها هذه العصابات المجرمة فإن إخواننا كانوا ومازالوا يعيشون ظروفا صعبة للغاية، في أحوالهم الأسرية والعائلية والنفسية والبدنية والإجتماعية والمهنية. فهم من عانت ومازالت عائلاتهم تعاني من آثار الحملة من التمييز الإجتماعي في الحقوق وفي المعاملة. وهي العائلات التي كان مطلوبا منها إعلان البراءة من أبنائها وأسرهم والتخلي عنهم لتستقيم نظرة السلطة إليهم ولا يكون التعامل معها بطريقة خاصة في المغنم والمغرم. وهي العائلات التي فقدت من فقدت من أبنائها ممن سقطوا شهداء. وهي من العائلات التي حرمت من حرمت من أبنائها المهجرين في المنافي. وهي من العائلات التي ظلت تتحمل أعباء أحد أبنائها ممن ظل يعاني من البطالة وتقدمت به السن ولا أمل له في بيت ولا في زوج ولا في خلف. وهي العاجزة على أن توفر له ولو الحد الأدنى من الضروريات. وهي العائلات التي وجدت نفسها وقد فقدت عائلا كانت تعول عليه في مد يد المساعدة إليها، وهي التي إنتظرته كثيرا ليصبح عالة عليها ليس بمفرده أحيانا ولكن بعد أن أصبح صاحب أسرة بزوجة وأولاد وما يتطلب ذلك من كفالة ورعاية وإحاطة ولباسا ومعاشا وسكنا وعلاجا وتعليما. وهي العائلات التي كان أبناؤها الأقل حظا في التمتع بحق الشغل وبحق المنحة الجامعية وبكثير من الحقوق الأخرى. فهي العائلات التي مازالت تدفع ضريبة إحتضان أبنائها وأسرهم. وهي من العائلات التي منها من إبتعد عن أخ أو إبن أو قريب أو صهر أووإن قل ذلك.

أما الأسر وأعني بها عوائل المساجين السياسيين من إخوتنا، فقد صبرت وصابرت وعانت الفقر والفراق والخصاصة والحرمان والعزلة والحصار الأمني لمنع أي معين من مد يد المساعدة لها، وتشديد المراقبة على أفراد عائلاتها حلا وترحالا، وإخضاعهم للمساءلة إذا لزم الأمر عن مصادر تمويلهم وعمن يعينهم ويعيلهم في غياب العائل، وعن علاقتهم بالآخرين ممن يعرفون من إخوانهم أو من أسرهم لمنع أي علاقة تواصل بين الأفراد أو بين الأسر. فكانت الرقابة مشددة على الشوارع وعلى الأحياء وعلى الأسواق وعلى المساجد وعلى الفضاءات العامة والخاصة وعلى الداخل للمدن والقرى وعلى الخارج منها

أما بخصوص الأفراد فإن الأمر أشد وأنكى. فقد منع التلاميذ من مواصلة دراستهم ومنع الطلبة كذلك من حقهم في مواصلة الدراسة. أما الذين تخرجوا فلا حق لهم في الشغل. وأما الذين كانوا بوظائفهم فقد تم فصلهم منها بمجرد إيقافهم على ذمة التحقيق ومازالوا مفصولين بالرغم من صدور أحكام من طرف المحكمة الإدارية لصالح من رفعوا أمرهم إليها. وقد إنصرف الجميع وسط هذا الجو المسموم والمستعر من حولهم للضرب في الأرض الضيقة من حولهم بالمراقبة والمتابعة وتحديد الإقامة بحثا عن الرزق، زادهم في ذلك إيمانهم بالله وتوكلهم عليه، بما كان قليلا من الجهد وبلا شيء أو ما قل جدا من المال. ومن خلال ما كان قد تم رسمه في خطة تجفيف المنابع وتقليم الأظافر، فقد كانت سياسة التجويع وقطع الأرزاق هي الآخذة طريقها إلى التنفيذ. فقد كانت عصابات البوليس المنتشرة في كل مكان لا تتردد في الضغط على من يستعد لتشغيل أي كان. وكان في البداية القليل جدا من هؤلاء من يصمد أمام تلك الضغوطات، في الوقت الذي كان الكثير من المشغلين يبدون رغبة كبيرة في تشغيل هذه الفئة من أبناء المجتمع لما يعلمونه عليهم من أمانة ومن جدية وصدق وإخلاص، ولكن لا يكون لمن لا يقوى منهم على غضب هذه العصابات دائما ما يرغب فيه وما فيه مصلحة له.

وكانت دائمة المساءلة لمن علمت أن له ما قل من المال كان قد حصل عليه من خلال الإقتراض أو بيع أو رهن بعض ما كان يملك أو من خلال ما يمكن أن تقدمه العائلات من بعض ما تجمع أو من بعض ما لديها مما قد يكون زائدا على الحاجة أحيانا أووكانت هذه العصابات المتفرغة لهذه المهمة لا تسمح لأخوين إثنين أو أكثر أن يجتمعوا على عمل أو يشتركوا في تجارة أو يستعين بعضهم مع بعض على بعض ما فيه مصلحة لهم وما يمكن أن ينجر لهم منه نفعا.والأشد نكالة وأمعن في الظلم والقهر والتسلط أن هذه العصابات لا تنته عند هذا الحد ولكنها تجاوزته إلى مضايقة أي كان ممن يكون على علاقة ذات صلة بالشغل والتشغيل والكسب بأي من هؤلاء الأخوة. وقد كان القصد موجودا لديها في كثرة التردد على محلات التجارة أو أماكن تواجدنا بالسوق سواء في مواقع البيع أو الشراء لصرفنا عن تلك المواقع أو صرف الآخرين عنها حتى لا يستقيم لنا الكسب فيها. ولقد كانت العقوبة البدنية والنفسية نصيب من يتم ضبطه متلبسا بجريمة بيع أحدنا للآخر أو الشراء منه. وقد وصل الأمر بهذه العصابات أن تخضع للمساءلة من يشتري من أحدنا أو يبيعه أو يزن له بضاعة أو يزن عنده حتى أصبح الكثير من الناس يعتبر أن ذلك من المشاكل التي عليه أن يسعى لاجتنابها وإن كلفه ذلك خسارة أو تجاوز حق له عند أحدنا والتفريط فيه والتنازل عليه. وما من مكان من أماكن تواجدنا إلا وكان لها به حلول لتخضع للمساءلة من يرافق أحنا أو من يجالسه معنصحهبضرورة الإبتعاء عنا دفا للشبهة وتبرئة للذمة وتحقيقا للمصلحة ودفعا للضرر. في هذه الظروف الصعبة التي استمرت فيها الأحوال على هذا النحو أكثر من عقد من الزمن لتستقر الأمور في النهاية على حال وجد فيها الأخوة أنفسهم أبعد ما يكون بعضهم من بعض وقد استقرت أوضاعهم وأحوالهم على النحو الذي استطاع كل أخ أن يتحقق له به من الإستقرار ما يبعد به عن نفسه وأسرته وعائلته فواجع ومضايقة تلك العصابات الأمنية التي منحت من الصلاحيات ما لا تسأل به عن أي عمل تقوم به ضد أي كان منا في أي زمان وفي أي مكان. فمنهم من استقر له الأمر وجاءته الدنيا وهي طائعة. ومنهم من تحققت له حياة وسطا. والأغلبية منهم مازالوا يعانون ما لا يعلم إلا الله من الفقر والمرض وضيق ذات اليد ولا أحد يسأل عنهم ولا أحد يتدبر معهم أمر الحياة وهم صابرون في الحقيقة محتسبون بين البطالة والمرض والمعوقين من الأبناء والديون في أصعب ظروف تمر بها البلاد كلها قتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا

السبيل أونلاين نت : كيف تتصرف السلطة تجاه تواصل المساجين السياسيين السابقين في ما بينهم

لقد كانت سياسة السلطة مركزة منذ البداية كما سبق أن أشرت في السابق على فك أي ارتباط مهما كان صغيرا أو بسيطا بين كل هذه العناصر وعائلاتهم وأسرهم لمنع قيام أي علاقة تنظيمية ولمنع أي تعاون وتضامن اجتماعي ومادي. وبالضغط ومواصلة الضغط حققت أقدارا مهمة مما كانت تريد أن يتحقق لها في ذلك.

ومازال القلق هو سيد الموقف في الأوساط الأمنية والسياسية تجاه تواصل المساجين السابقين في ما بينهم. ومازال الإستنفار الأمني هو المظهر الأبرز في صورة أي نوع من التواصل المعلوم والظاهر. وقد أصبحت الدوائر الأمنية تعتبر أن حالة التذرر التي أوصلت إليها هؤلاء المساجين السابقين هي من الحقوق المكتسبة التي تعمل على أن لا يتم التفريط فيها وعلى المحافظة عليها. وأنه ليس من حق هؤلاء أن يستعيدوا العلاقة في ما بينهم على أي نحو وعلى أي أساس. وإذا كان بعض الأخوة قد سلم لها بذلك وتنازل عن كل حق إمتدت يداها لسحبه منه فإن آخرين صمدوا ومازالوا صامدين من أجل الحفاظ عن كل ما هو حق ومن أجل العمل على استعادة أي شيء هو لها حق ولها فيه حق .فلا بقاء لحق لا تنافح بالليل والنهار للمحافظة عليه، ولا نيل لحق لا تصارع بالليل والنهار لافتكاكه. فليس والله للمرء في أنظمة الإستبداد من حق إلا ما يستخلصه من أيدي العصابات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية والأمنية والقضائية المكونة لهذه الأنظمة. لأن نظام الإستبداد هو نظام مثل هذه العصابات.

السبيل أونلاين نت: ماهو تقييمك لأوضاع تونس الداخلية حاليا من مختلف المناحي ؟

أحسب وأزعم في الحقيقة أن مثل هذا التقييم الذي يطول فيه في الأصل الحديث هو الذي ضمن قراءة نقدية ومقاربة ثقافية وسياسية واجتماعية قد قمت به في كل ما كتبت مما عرف طريقه للنشر ومما مازالت صعوبات كثيرة تحول دون إحضاره في صياغته النهائية ومعرفة طريقه إلى ذلك كذلك. فأسأل الله أن يوفقني إلى ذلك قبل أن ألقى الله إنه سميع مجيب.وهذا ما لا يمنعني من محاولة الإجابة عن السؤال بما يقتضيه المقام والمقال. وبذلك أقول وقد سبق أن قلت أن نظام الإستبداد والوريث غير الشرعي لمشروع الإستعمار والراعي لمصالحه بالبلاد هو نظام العصابات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية والأمنية والقضائية، وبذلك وجب إحترام هذا التسلسل في التقييم الذي لا يمكن في مثل هذا المقام إلا أن يكون مختصرا.

*المجال السياسي لتحرك العصابات السياسية:(العصابة الأولى)لست مبالغا حين أقول أن البلاد قد سقطت في حكم عصابات سياسية، كانت العصابة الأولى التي سلمها الإستعمار الفرنسي مقاليد الحكم في البلاد، وهي عصابة الحزب الإشتراكي الدستوري بقيادة الهالك الحبيب بورقيبة والتي التحقت بها بعد انقلاب المخابرات الغربية عليه والتي نصبت مكانه الجنرال زين العابدين بن علي عصابات اليسار الماركسي والقومي العربي، وهي العصابات التي لم يجمع بينها إلا طبيعتها الإستبدادية العنيفة والإنتهازية، وعداءها المبدئي للديمقراطية وحقوق الإنسان والهوية العربية الإسلامية للشعب وللأمة، والتآمر على الحركة الإسلامية وإعلان الحرب على الشعب من خلالها، ونهب ثروات البلاد بعد أن قبلت بجدولة ديونها وتسليم سلتها الغذائية واقتصادها للمؤسسات المالية الدولية وإنهاء القطاع العام، ووضع اقتصاد البلاد تحت سيطرة القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال الأجانب، وكانت هذه حصيلة السياسة المتبعة منذ ما يزيد عن 17 سنة.

وهي عصابات على ما بينها من القواسم المشتركة وعلى ما يجمع بينها مما تمت الإشارة إليه سالفا، إلا أنها ليست متجانسة. وهي التي ليس لواحدة منها برنامجا سياسيا معلوما وواضحا. فكان اليمين الدستوري هو الممثل للواجهة برموزه القديمة التي كان الزعيم بورقيبة لا يقبل لأي كان منها أن يفكر ولا أن يكون له رأي معه. وهو الذي رباهم على ذلك. وهم الذين استوعبوا تلك التربية وقبلوا بها.وكان اليسار الماركسي وبعض مكونات اليسار القومي العربي وهما الجهة التي تحتكر العقل والعقلانية والتقدم والتقدمية والحداثة، وهما من أهم مكونات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة المزيفة المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وإذا كان اليسار القومي العربي ممثلا في بعض العناصر البعثية أساسا ضعيفا وغير ذي فاعلية كبيرة، فإن اليسار الماركسي المدعوم بهذه العناصر التي لا تختلف معه كثيرا في القناعة هي القوة الضاربة في دوائر أخذ القرار، وهي صاحبة التصورات والرؤى التي تفرض من خلال السلطة على الشعب بالقوة .فنحن أمام قوى استئصالية لا يؤمن بعضها ببعض ولا تؤمن بغيرها ممن يختلف معها في الرأي وفي المرجعية الفكرية والسياسية. وإذا كانت الطائفة العلمانية بمختلف مكوناتها وتجلياتها تبدي انزعاجها من الحركة الإسلامية وتعتبرها العائق الوحيد والأكبر أمامها لإقامة النظام الديمقراطي المنشود الذي تنظر إليه على أنه الإبن الشرعي للحركة العلمانية وأنه لا قيام له بدونها، وهو من طبيعتها وأنها الوحيدة القادرة عليه، وأنه لا معنى لها بدونه. فهي التي وفي غياب العائق الإسلامي العاق وغير المرغوب فيه لم توجد إلا هذا الدمار الذي تشهد به هي نفسها. فكان تحالفا انتهازيا قهريا دمويا استئصاليا لا هو أقام النظام الديمقراطي المزعوم ولا هو أبقى على الحركة الإسلامية باعثة الدفئ والحياة في المجتمع وفي ساحات السجال الفكري والثقافي والسياسي. وهي التي حافظت على المجتمع المدني من الإنهيار. وهو الذي انهار بانهيارها والذي يسعى اليوم لإعادة التشكل والظهور مجددا. وهو الذي يقيم بناءه على ما حافظت عليه الحركة الإسلامية من وجود في المعارضة ومن مساحات أهرقت فيها دماء الأحرار وانتهكت فيها الحرمات وأهدرت فيها الكرامات وقطعت فيها الأرزاق وتعددت وتنوعت فيها المأساة، وتلك كانت أهم إنجازات الحركة العلمانية مجتمعة في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب في تونس العروبة والإسلام. لقد كانت الحركة الإسلامية هي الصخرة التي تحطمت عليها أسطورة التقدمية والتقدميين والحداثة والحداثيين والديمقراطية والديمقراطيين والإنسانية وحقوق الإنسان التي كانت كل مكونات الحركة العلمانية تقدم نفسها على أنها صاحبة ذلك والقادرة عليه.

فالأقرب إلى الصحة والصواب أن هذه المجموعات لم تلتق على برنامج سياسي ديمقراطي حقيقي، ولا يمكن لها بحكم طبيعتها المادية والإستئصالية، ولا على خطة إصلاح إداري وقضائي، ولا على خطة وبرنامج تنمية اقتصادية، ولا على برنامج إصلاح زراعي ولا بنية صناعية، ولا على مشروع تجاري وخدمي متطور لتحقيق الكفاية والأمن الغذائي، ولا لتخليص البلاد من المديونية التي ازدادت فيها ترديا. ولكن كل الذي كان يجمع بينها احتكار السلطة، وإنقاذ المشروع الثقافي والبديل السياسي الإستعماري، والإستثراء غير المشروع، ومحاربة المشروع الوطني الأممي والكوني للحركة الإسلامية المتمثل في البديل الطبيعي الثقافي والسياسي العربي الإسلامي للمشروع الثقافي والسياسي الإستعماري.

وإذا كانت هذه الطائفة قد نجحت في شيء، فإنها إنما تكون قد نجحت في إدارة الأزمة وإطالة عمرها. ومازالت تستبعد الحل وتمني البلاد بالخسارة لمدة بعض العقود من الزمن لا قدر الله. وهي التي تلعب اليوم في الوقت بدل الضائع. وهي التي لم يعد لها ما تقدمه للشعوب والأوطان. وهي التي لم تقدم لها ولعقود من الزمن أكثر من الحد الأدنى من البنية التحتية ومن القوت اليومي التي مازالت تعول فيه على الأجنبي وتجلبه من وراء البحار. وهي التي تدير دفة الحكم في أوطان لا تنقصها الأراضي الشاسعة ولا المياه المتدفقة ولا المعادن والثروات الجوفية المختلفة ولا الطاقات البشرية المختلفة المواهب والحائزة على أعلى الدرجات وعلى أفضل مستويات التعليم وعلى مختلف أنواع الإختصاص ولكن ينقصها العقل والأبعاد الإنسانية والروح الحضارية والتواضع والبعد عن الله الذي لا يزيد أهله إلا مزيدا من البعد عن الحق وعن الصواب وعن المصلحة وعن الوطن وعن الشعب. فهي لا تدير المعركة على أساس وطني ولكن تديرها على أساس شخصي وأسري وفئوي وحزبي وجهوي.. ولا تديرها ضد التخلف والفقر والمرض والجهل من أجل الوفرة والكفاية ومن أجل الإستقلال الحقيقي والسيادة والكرامة، ولكن تديرها من أجل الأجنبي والدخيل وضد الوطني والأصيل. تدير المعركة وتهدر فيها طاقات وإمكانيات لا تعوض من أجل النزوات والشهوات والأهواء. من أجل المحافظة على العلمانية المغشوشة وإن أفلست وفشلت وتأكد إفلاسها وفشلها، واستبعاد الإسلام وإن كان ناجحا وكذلك حتى لا ينجح ليكون الكل في الخسارة والإفلاس والفشل سواء. “إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا“.

*المجال الثقافي لتحرك العصابة الثقافية“:(العصابة الثانية)

فإذا كانت السياسة هي حسن تدبير الشأن العام وحسن إدارته، فإن هذه العصابات المستولية على هذه المساحة والمنتشرة عليها لا تحسن إلا تخريب الشأن العام وإفساد إدارته. وليست هذه نظرة سوداوية عدمية ولكنها الحقيقة كما نعيشها وكما يستطيع أن يعلمها كل مراقب ومتابع لإدارة الأمور بالبلاد، ودون أن يعني ذلك أنه لا وجود لمخلصين ووطنيين، ولا لمحبين للخير ولا لجادين في الإصلاح وحمل هم البلاد والعباد، ولكن أنى لهؤلاء أن يرفعوا بناء وجل من معهم يعمل فيه هدما من حيث يشعر أو لا يشعر ومن حيث يريد أو لا يريد ومن حيث يقصد أو لا يقصد، وبناء ما يمكن أن يكون لا ما يجب أن يكون، وبناء على ما نلاحظه وما نراه وما نفهمه وما نعيشه.

وإذا كان لا بد لكل نظام سياسي من رؤية وبرنامج ثقافي، فإن نظام العصابات السياسية في تونس العهد الجديدقد سار على طريق سلفه الهالك بورقيبة ليجعل الغرب الصليبي قبلته. وأبى إلا يكون أمينا على المشروع الثقافي التوراتي الإنجيلي الإستعماري الصهيوني، والكل يعلم إلى أي حد تواصل توطيد العلاقة بين الكيان الصهيوني ونظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب، ولكن بالطريقة التونسية طبعا، وهي الطريقة التي ينال فيها الأجنبي وأي طرف مغضوبا عليه شعبيا وجماهيريا سرا ما لا يناله جهرا.

ولم يكن النظام الأسوأ على الإطلاق إلا لشدة وفائه للتغريب وإصراره على الإلحاق الحضاري واعتبار ذلك من المكاسب التي تفتخر بها النخبة العلمانية اللائكية في تونس عن غيرها من بقية النخب العلمانية في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، ومحاربته للثقافة العربية الإسلامية الأصيلة بكل وضوح وبكل صلف ووقاحة وتبجح.

وإن اختلفت هذه العصابات جزئيا إلا أنها تلتقي في النهاية ونظرا لطبيعتها الإنتهازية والمادية على المشروع الثقافي الغربي الصليبي، ولا يهم بعد ذلك أن تكون صياغته باللغة العربية أو تبقي على ما أقره عليها الإستعماريون انفسهم من لسان فرنسي ولغة فرنسية. والكل يعلم إصرار الطائفة العلمانية وفي شقها اليساري الماركسي خاصة، وهو الأكثر نفوذا في نظام التحالف، على التمكين للغة الفرنسية. وهو الذي قاتل واستمات في القتال من أجل المحافظة على لغة المستعمر، وإنهاء أي دور في الإدارة وفي الحياة الثقافية للغة العربية التي اختزلها في الصياغة القائلة بأنها أداة رجعية للتعبير عن مضمون رجعي. فإذا كانت هذه العصابات على هذا النحو وهذا القدر من الولاء للأجنبي والدخيل، والعداء للوطني والأصيل، فماذا يمكن أن تكون عليه الخيارات والسياسات الثقافية لمثل هذه العصابات؟

هؤلاء هم من تولى بوضوح حقيبة أهم وزارة سيادة بالبلاد، وهي وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي. وهي الوزارة التي كان الهالك بورقيبة في إطار توجه فرضته الأحداث واقتضته المواجهة مع الحركة الإسلامية عام 1987 وما قبله، لما قيل وقتها أنه خيار لإصلاح التعليم، لابنه المدلل آنذاك محمد الصياح،الذي لا يخفى على الكثيرين توجهاته اليسارية، وتدخلاته لدى الهالك بورقيبة لصالح اليسار الذي كان معارضا لنظامه، وكان اليساريون لا يشيرون إليه إلا بالعمالة والخيانة. وهو نفس النظام الذي يتفيؤوا وارف ظلاله اليوم، ويعتبرون إنجازاته من المكاسب التي يفدونها بأرواحهم ودماءهم. وما كان لذلك الإصلاح أن يكون لولا ما اقتضته الضرورة السياسية من مراجعة برامج التربية الإسلامية وهيكلة الجامعة الزيتونية التي أصبح ينظر إليها على أنها قلعة من القلاع التي تتحصن بها الحركة الإسلامية وأصبحت مجالا من مجالاتها الحيوية. وكان لا بد لنفس الخطة أن تتواصل. وكان لا بد أن يكون عليها هذه المرة أشرس يساري ماركسي مدعوما باتحاد طلابي ذات لون يساري ماركسي كذلك، وبقوة من البوليس تعمل مع هذا وذاك للقضاء على الإتحاد العام التونسي للطلبة المستقل الذي كان ينظر إليه على أنه اتحاد الإسلاميين، وعلى استئصال الوجود الإسلامي بالجامعة كما كانت عملية استئصاله متواصلة بالبلاد.

في هذا الإطار وفي هذه الظروف الصعبة الإستثنائية التي زج فيها بالبلاد، كان لا بد أن يكون الخيار الثقافي مركزا بالكامل ومصخرة له كل الإمكانيات ومفتوحة له كل الفضاءات على كل المضامين والبرامج البعيدة كل البعد عن كل ما هو إسلامي، إلا ما اقتضته ضرورة إضفاء الشرعية الدينية والقداسة على كل ما لا علاقة له بالدين وبالإسلام وكل مدنس، باسم الحداثة وباسم التسامح وباسم الإجتهاد والوسطية وغير ذلك من الشعارات المسمومة المغشوشة المخادعة، إفسادا للإسلام واستخفافا بالإنسان. فتم بذلك حل كلية الشريعة وأصول الدين ليجعل منها الأستاذ الوزير كان الرفيق محمد الشرفي معاهد عليا تماما كمعاهد اللاهوت العليا الخاضعة لإشراف الكنائس في الغرب. وتمت برمجة كتابات العلمانيين عن الإسلام المعادين له في مجملهم والمناهضين لثقافته والجاهلين به سواء في التعليم الثانوي أو التعليم العالي. وأصبح لا حق لأحد أن يكون له فهم للإسلام غير الفهم الرسمي تماما كما كانت الكنيسة تحتكر فهم الكتب المقدسة المحرفة. وتشكلت لجنة لمتابعة الكتاب الإسلامي القديم منه والحديث لمصادرة كل العناوين الأكثر تداولا بين الناس وسحبها من نقط البيع بكل المكتبات. وكان على رأسها اليساري المعروف الرفيق أنس الشابي وكانت هذه العصابات تعترض سبيل الحجاج عند عودتهم لتصادر منهم كل العناوين التي لا تروق لها. مما أصاب البلاد بحالة من التصحر الثقافي والفكري، خاصة في كل ما له علاقة بالكتاب الإسلامي وبالثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي الجاد، وبآخر الإصدارات وآخر الإنتاج. فكانت البلاد تعيش شللا كاملا في مستوى النشر والتوزيع، إلا مما كان مبتذلا سخيفا داعرا، وما كان ضرره أكثر من نفعه، إذا كان لابد من بعض النفع فيه. وفتحت إذاعات بكل معهد وفضاءات بكل كلية ومعهد للرقص والتمايل على أنغام كل ألوان وأنواع الموسيقى الصاخبة، وعلى رأس هذه الأنغام المزودالذي هو آلة موسيقية شعبية محلية مما يجيد استعماله السوقة وغير أصحاب المروءات والأذواق السليمة، وفسح المجال واسعا لثقافة الرقص في كل المحيطات وكل الفضاءات الخاصة والعامة. وفتحت أبواب الإذاعات والقنوات التلفزية المحلية والوطنية الرسمية والخاصة أبوابها واسعة لكل السفلة وسقط المتاع ممن لا يجيدون إلا السفالة والرداءة والهبوط، لتكون مراتع لهم بالليل والنهار، يصولون فيها ويجولون بدون أي ضابط أخلاقي ولا إنساني ولا فني ولا أدبي، لصرف الرأي العام عن كل اهتمام جاد وعن قضاياه الحقيقية وأمراضه وأوجاعه ومآسيه ومآسي وطنه وأمته ومآسي الإنسان المستضعف الذي تطحنه رحى قوى الهيمنة الدولية المالية منها والإعلامية والعسكرية. وكان من أهم وأوكد اشتراطات الإنخراط في جوقة هذه الثقافة ظاهرة العري التي يجب أن تكون عليها النساء كبارا وصغارا، ومن خالف ذلك الإشتراط أو نهى عنه فإنه ليس أقل من أن يكون مشتبها في أمره، وإلا فإن لعنة التطرف والإسلاميين تظل مطاردة له حتى يثبت خلاف ذلك.

وإن كانت هذه من الثقافات التي ليست في حاجة كبيرة لمن يقوم بها أو يجيدها ويبدع فيها، إلا أن أكبر روادها والضالعين فيها والمروجين لها هم مجموعات اليسار الماركسي التي كان لا مكان لمعظمها في عهد الهالك بورقيبة بالبلاد، والتي أمضت عمرا في المهجر تتربى وتتكون وتتربص على خدمة قضايا اللوبي اليهودي في ما تعتقد أنه من الإبداع في ما كانت تنتجه من أعمال فنية سنمائية ومسرحية وأدبية وغيرها. وبمجرد إبرام صفقة التحالف مع الإنقلابيين ومع بقايا الدستوريين أعداء الأمس، حتى هرع من هذه العصابات للداخل من هرع وبقي هناك من بقي في إطار تقاسم الأدوار لآداء نفس المهمة. فكنت لا تسمع إلا الأغنية الماجنة الداعرة. ولا ترى من المرأة إلا الجسد. ومن الجمهور إلا الراقصين والراقصات. ومن الأفلام إلا الهابطة شكلا ومضمونا فنيا وأدبيا. وإذا كان من عمل هادف ومبدع فإنه لا يوحي لك من الإسلام وبكل ما يتعلق بالهوية العربية الإسلامية للشعب والبلاد إلا بما هو خرافة أو أسطورة بشيء، إلا بما فيه إساءة لكل ذلك ولماضينا وحاضرنا. وكان التركيز في كل ذلك على إبراز وإحياء الماضي القرطاجي والبونيقي والروماني. وعلى التعلق بالماضي الإستعماري والحاضر الغربي. ولقد تم صرف الرأي العام بقوة الإعلام وبقوة البوليس الذي يصول ويجول في كل مكان من البلاد يرصد الحركات والسكنات ولا يستثني كبيرا ولا صغيرا، للغناء الهابط وللموسيقي الصاخبة وللرقص، وفي أحسن الحالات لفضاءات الرياضة وملاعب كرة القدم.

ومازالت هذه الثقافة مدعومة بكل قوة، ولكن الشعب التونسي برهن بما لا يدعو مجالا للشك أنه محب لدينه ومتمسك به رافض في النهاية لكل البدائل المشبوهة والمغشوشة والمشوهة. بحيث كانت النتيجة أن استعاد الشعب أدراجه، وفي الوقت الذي ظنت فيه هذه العصابات أنها بلغت به حد عدم الرجعة في ساحات الدعارة والفساد والإنهيار الأخلاقي، بعد أن أعتقدت أنها قد أغرقته في وحل العري والرقص والفساد والدعارة والإنحلال والتهميش والعزلة، حتى تفاجأت هذه العصابات كلها بنتائج عكسية تلقت فيها الرفض الواضح لخياراتها الفاسدة والإصرار على التمسك بهويته وبثقافته الأصيلة المصادرة وبعقيدته التي يرى دائما أنها الملاذ من المهالك والحامية له من الأخطار

* المجال الإجتماعي لتحرك العصابة الإجتماعية“(العصابة الثالثة)

أما في المستوى الإجتماعي، فدعني أقول أن المعركة وإن كانت قديمة، أي سابقة لحملة الإستئصال التي قادتها مختلف مكونات الحركة العلمانية اللائكية التي لم يتخلف منها في ذلك إلا القليل النادر، ضد الحركة الإسلامية وضد الإسلام من خلالها، وضد الهوية العربية لتونس العروبة والإسلام ولشعبها العربي المسلم، إلا أن اللافت أن الحملة كانت تحت ثلاث شعارات رئيسية تقريبا:

1- الحفاظ على المكاسب والتمكين لمشروع الحداثة الذي لا يمر إلا عبر الثقافة العلمانية الغربية على حد زعم كبار حاخامات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة.

2- إزاحة العقبة الكأداء والعائق الأكبر المتمثل في الحركة الإسلامية في نظر النخبة العلمانية اللائكية الهجينة من الطريق التي تصبح سالكة بعد ذلك لقيام النظام الديمقراطي المنشود، الذي لا علاقة في رأيهم للإسلام ومن ثمة للحركة الإسلامية به، والذي لا علاقة في الحقيقة كذلك لهذه النخبة العلمانية الهجينة الإستئصالية العنيفة ولمشروعها العلماني المغشوش الدخيل به.

3- إنهاء الصراع العلماني الإسلامي من أجل تغيير طبيعة المجتمع الذي تعتقد النخبة العلمانية التونسية أنها قد انتهت به إلى حد من العلمنة لم يعد مسموحا ولا مقبولا مراجعته والتراجع فيه باتجاه الأصل والأصالة العربية الإسلامية. وإذا كان لابد من عروبة وإسلام فلا يمكن إلا أن تكون عروبة علمانية وإسلام علماني.

فكان تحرك العصابات الإجتماعية في هذا الإطار وفي هذا الإتجاه ولهذه الغايات والأهداف. وكان أن صحب الحملة الإستئصالية الأمنية، وإن كان ذلك يتم من قبل في الحقيقة، ولكن بأقل حدة وبأقل وضوح، برامج ثقافية وإعلامية وتعليمية فيها إمعان واضح لفرض النمط الإجتماعي الغربي. فكان العمد واضحا في محاولة إخفاء التظاهرات الشعبية في المناسبات الدينية. وإذا كان لابد من الوقوف عند بعض الشيء منها، فبفتور وبالتركيز على الجانب المادي الإستهلاكي فيها، وعلى جوانب التهريج والخرافة والفلكلور، بما يكون من إضفاء ما تعتبره هذه النخبة المستولية على منابر الإعلام والمحتكرة للإشراف على الفضاءات الخاصة والعامة والمسيرة لها عليها من مظاهر الحداثة التي يتم إقحام المرأة فيها إقحاما على صورة جسد ولحم ودم ومتعة تضيع فيها إنسانيتها وأنوثتها وكرامتها باسم الحرية والتحرر واستعادة الحقوق والمساواة ورفض التمييز بين الجنسين. كما كان العمد واضحا في المبالغة في الإعداد للمناسبات الوطنية والعالمية وإحاطتها بأكثر ما تحتاجه من عناية وإعلام وتمويل. وبقدر ما كان عليه الشعب التونسي من إصرار على فرض، وبتلقائية مناخات وأجواء أصيلة مستمدة من عقيدته ومن ثقافته العربية الإسلامية، والتي دخلت وتأصلت في عاداته وتقاليده على البلاد كلها في المناسبات الدينية، بقدر ما نجحت الآلة الإعلامية الرسمية والنخبة العلمانية في جعل الكثير من المناسبات الغربية ظاهرة أصبح مفروضا على الخاصة والعامة الإنخراط فيها، كمناسبة رأس السنة الميلادية وأعياد الميلاد وعيد الحب وغيرها من المناسبات التي لا علاقة للشعب العربي المسلم في تونس ولأي من شعوب أمة العرب والمسلمين في بلاد العرب والمسلمين بها.

فلا حديث عن حقوق الجار، ولا على حسن الجوار، ولا على إكرام الضيف، ولا على صلة الرحم ووصلها، ولا على التضامن الإجتماعي التلقائي الذاتي، ولا على ضرورة إيواء المسنين وكبار السن والعجز والرأفة والرحمة بهم، ولا على بر الوالدين، بل فتحت أبواب المآوي الخاصة بالعجز للتخلص من هذه الفئة الإجتماعية التي لا حاجة للمجتمع العلماني الإنساني بها، ولا على أي شيء من هذه الثقافة الإجتماعية التي تجعل النسيج الإجتماعي أكثر ترابطا وأكثر تعاونا وأكثر تضامنا وأكثر انسجاما وتواصلا. بل لقد كان كل غير ذلك هو الحاصل. فكانت العائلة والأسرة والعرش والجهة أحيانا كل أولئك منبوذا رسميا ومستهدفا من أجل أن كان أحد أو بعض الأفراد من هذه الأسرة أو من هذه العائلة أو من هذا العرش أو من هذه الجهة ممن ثبت انتماؤه أو انتماؤهم للحركة الإسلامية، أو وجود علاقة له أو لهم بالإسلام كما يفهمه وكما تفهمه وكما لا تفهمه النخبة العلمانية في سدة الحكم أو القريبة منها والداعمة والمعاضدة لها.ولقد فسح المجال للشباب للتهور بلا حدود حتى أصبح اعتداء الإبن أو البنت المشبعان بثقافة الرذيلة والرقص على أي من الوالدين أمرا شبه مألوف، ولا يرى أو يجد فيه الكثير كبير حرج. وأصبح اعتداء التلميذ على أستاذه أو أستاذته أمرا متكررا في المؤسسات التربوية والتعليمية ويحسب له حسابه. وانسحب كل من الولي والمربي معلما كان أو أستاذا من العملية التربوية، وتم استبعاد كل الإجراءات الزجرية الرادعة، وأصبح الولي معرضا للوجود تحت طائلة القانون بمجرد تأديب إبنه أو إبنته، بعد أن رفع النظام القمعي الإستبدادي شعار الحوار والتحاور بين أفراد العائلة، وهو الذي لا يقبل بتحاور أي كان معه، ولا بالتحاور مع أي كان، لنتصور وليا مقموعا لا رأي له ولا صوت، وغير مقبول منه إلا السمع والطاعة، مدعوا لاعتماد الحوار أسلوبا في وسطه العائلي، وإن كان هذا مما ليس جديدا في الحقيقة على ما نعلم في أوساطنا العائلية، وعلى غير المعنى الذي تدعو إليه السلطة طبعا، ولغير الأهداف والغايات. وبرعاية من السلطة السياسية وتحت وطأة إعلامها خاصة قبل الثورة الإعلامية وتعدد البث الرسمي والحر عبر الأقمار الصناعية، وتحت لهب سياط أدوات قمعها البوليسية، لظهر مختلف فئات الشعب، وخاصة نخبته وعامته الإسلامية، وبعض الأحرار من مختلف مكونات الطيف السياسي والثقافي والإعلامي في مكونات المجتمع المدني. فقد أصبحت الكلمة الطولى للنساء والفتيات والفتيان، ليكون الآباء تحديدا في المرتبة الأخيرة بين قابل بأمر واقع غير مقتنع به وغير قادر إعادة الأمور لنصابها وعلى وضع الأمور تحت السيطرة، وبين موافق على ذلك الوضع ومقنعا به، وبين جاهل لذلك الواقع وغير مكترث به، وبين متجاهل للوضع تاركا الحبل على الغارب طلبا للنجاة وهروبا ببعض الراحة من العناء، وبين كل هذا وذاك مواقف وآراء ومواقع. فاستشرت الرذيلة وأصبحت الخيانة الزوجية والخلان والخليلات أمرا مقبولا طوعا أو كرها خوفا أو طمعا في ظل استشراء الفقر وانتشار ظاهرة البطالة وتسريح العمال الذي أصبح يقتضيه جشع ومصلحة الرأس مال الخاص الذي استلم المؤسسات الإنتاجية والتجارية والخدماتية والإقتصادية عموما من القطاع العام. حصل كل هذا خاصة منذ بداية تسعينات القرن الماضي إلى نهايته ومازال يحصل، إلا أنه بخبو وهج الخطاب السياسي المغشوش، وزوال بهرجه الكاذب، وظهوره على حقيقته خاصة في ما بدا لكل عاقل ولكل ذي فطرة سليمة ولكل حر من أبناء شعبنا عداءه الحقيقي والواضح والصريح لهوية الشعب العربية الإسلامية ولعقيدته ودينه عموما. وبظهور الإعلام الحر المختلف والمتنوع، وببروز الحركة الإسلامية في العالم ممثلا لحركة التحرر مدافعة عن الأمة في مواجهة التحالف الصليبي الصهيوني وفي التصدي لأنظمة الإستبداد في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، وفي وضوح من الفرز الثقافي والسياسي بدا من خلاله بوضوح انحياز حركة التحرر العربي الإسلامي للشعوب ولقضايا الحق والعدل والحرية ولمعسكر المقاومة والممانعة والإستضعاف، وانحياز الحركة العلمانية عموما انحيازا كاملا وبوضوح كامل في مستوياتها الرسمية كلها وحتى في بعض مستوياتها في من يعتبرون أنفسهم في المعارضة للغرب الإستعماري الصهيوني، وليس مطلوبا من الصورة أن تكون أكثر وضوحا مثلما هي عليه في أفغانستان وفي العراق وفي فلسطين وفي الصومال وفي لبنان، حدث تراجع كبير وواضح في كل الأوساط باتجاه التدين المحاصر والمطارد في أوطانه، والممنوعة منه شعوبة المؤمنة به. وليس في الحقيقة في ذلك أي بدع من القول، لأن الثابت تاريخيا أن هذه الأمة ليس لها في الحقيقة وفي النهاية من عاصم يعصمها، ومن ملاذ تلوذ به غير عقيدتها عقيدة التوحيد وشريعتها شريعة الإسلام. ومن كانت عزته بالله يعز ولا يذل ومن كانت عزته بغير الله يذل ولا يعز. في هذا الإطار وفي هذه الظروف عافت نفس الشعب ذلك المنحدر للرذيلة وللعري الذي كان يساق إليه سوقا ويفرض عليه فرضا، وتاقت وخاصة فئات الشباب منه إناثا وذكورا إلى علو الهمة واعتلاء ربوة الفضيلة والعفة والكساء والستر والحشمة المحارب من طرف نظام الدولة العلمانية الحديثة، سواء في عهد المجاهد الأكبرأو في عهد الحاج بن علي حامي الحمى والدينفانتقلت حركة المجتمع من المهادنة والطاعة إلى المواجهة السلمية والعصيان والصبر والمصابرةمن الإيمان بالطاغوت إلى الإيمان بالله، من القبول بدين الملك إلى القبول بدين الله في بلد وفي وضع مازال إصرار الرعاة وأولي الأمر على فتح الخمارات والمواخير وقاعات الليل وكل أوكار الفساد والرذيلة، وعلى الزج بأبناء الشعب قصرا بمكر الليل والنهار وبقوة الإعلام والبوليس والقانون في أتون الرذيلة والمخدرات والعلاقات الجنسية المحرمة، وعلى إغلاق المساجد وتعطيل دورها الحضاري في الإصلاح والبناء والتوعية والترشيد والتربية والتكوين. هكذا يعيش المجتمع التونسي في مثل هذا الضنك وفي مثل هذا التناقض وفي مثل هذا المرجل الذي يوقد ناره كرزاي تونس وامرأته حمالة الحطب وبسيسه. وإذا كان قديما لكل فرعون هامان فإن السنوات الأولى من الألفية الثالثة قد جاءت مؤكدة أن الإستعمار والصهيونية واجدان في كل بلد من بلاد أمة العرب والمسلمين كرزاي لهما وأنهما جاعلان لكل كرزاي بسيس(نسبة إلى المدعو برهان بسيس)، وهو رمز المؤجر لسانه دفاعا عن الطاغوت وعن خلفاء ووكلاء الإستعمار والصهيونية في أوطان أمة العرب والمسلمين. ولعل مثل هؤلاء هم من صنف العضاريط الذين يقدمون خدمات لمن يطلب منهم مقابل إطعام بطونهم.

* المجال الإقتصادي لتحرك العصابة الإقتصادية“(العصابة الرابعة)

أستطيع أن أؤكد وعلى مسؤوليتي على أن هذا النظام ليس إلا نظام العصابات السبع. وليس من المصادفة أن يكون ذلك منسجما وعلى توافق تام مع نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب الذي ليس إلا نظام تحالف مختلف مكونات طائفة الحركة العلمانية اللائكية في هذه العصابا ت كما سبق أن بينت ذلك، وهذا ما يعلمه شعبنا في الداخل، وهذا ما تعلمه مكونات المجتمع المدني الآخذة في إعادة التشكل بعد حالة الإنهيار التي انتهت إليها طوعيا بفعل حالة الغباء السياسي التي كانت عليها الحركة العلمانية والخوف غير المبرر والطمع والإنتهازية التي لا يمكن إلا أن تكون من ثوابت الثقافة العلمانية بحكم طبيعتها المادية الطبقية الإستعمارية.

ومع العصابة الرابعة نتحدث قليلا عن نشاطها الإقتصادي في ما أعلم وما أرى وما أسمع. لأن لهذا المجال في الحقيقة رجاله الذين يفهمون فيه جيدا ويجيدون الحديث فيه في إطار قواعد وأطر ومناهج العلوم الإقتصادية.

إلا أني من موقع المتضرر ومن موقع المستهلك ومن موقع الحر الغيور على وطنه وشعبه وأمته أقول:

أن المسألة الإقتصادية للبلاد، كان منذ البداية قد تم تسليمها ومنذ أن قبل نظام عصابات 7 نوفمبر الرهيب بإعادة جدولة الديون التي ترتبت على البلاد جراء سوء إدارة المال العام، وجراء الفساد المالي المستشري في أوساط المغتصبين للإشراف على الشأن العام بالبلاد طيلة فترة حكم الهالك بورقيبة إلى يوم الناس هذا وإدارته بلا حسيب ولا رقيب، للعصابات المالية والإقتصادية الدولية المتمثلة أساسا في صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الذان للإمبراطورية الأمريكية وربيبتها الصهيونية كما هو معلوم السيطرة الكاملة عليهما. ولعل مراقبة ومتابعة هذه المؤسسات المالية لاقتصاد البلاد يقلل من حجم الإختلاسات والفساد المالي وتبديد المال العام وتحويله بدون أدنى عناء ولا مشقة للحسابات الخاصة وصرفه في ما لا مصلحة فيه للشعب وللوطن في الشهوات ونداء الرغائب  وإشباع الغرائز وفي المآرب الخاصة والشخصية. وللإفلات من هذا الحرج الذي ربما تلاقيها هذه العصابات كلها وخاصة المجعولة منها على خزائن الأرض بالبلاد أو تخشاه، انبرت عبر كبيرها جميعا الذي علمها السحر، وهو الأقل من الكثير منها علما، إن لم أقل أجهلها بهذه الأمور الخطيرة والدقيقة، في وقت مبكر لبعث مؤسسات مالية موازية تخفف من حرج اختلاس المال العام من خلال ميزانية الدولة ومؤسساتها المالية والإقتصادية، وهي مؤسسات لهذه العصابة إشراف مباشر عليها. وكانت جباية كل مواردها المالية من الشعب مباشرة، في جو من الرعب والخوف الشديد والهلع، لا يستطيع أحد كبير كان أو صغير أن يمتنع عن تقديم وإعطاء ما يطلب منه. لأن ذلك يضعه في عيون الإستبداد وأعوانه من المناهضين لنظام المستبد الأكبر. وكانت التهمة التي كان مجرد اتهام الزوج زوجته بها، أو اتهام الأب إبنه، أو الزوجة زوجها، أو الإبن أبوه أو أمه، أو أي كان أي كان بها كافية للزج به في السجن أو طرده من عمله، أو ليس أقل من إنزاله في قائمة المشتبه بهم والمشكوك في ولائهم له، هي الإنتماء إلى الإسلام على فهم الحركة الإسلامية له، وليس على فهم هذه العصابات له، وما يترتب عن ذلك الإتهام أو الإشتباه من مأساة ومن معاناة ليس من السهل أن تنتهي، في عمليات ابتزاز واحتيال قل أن يوجد لها نظير. فكانت الظروف مناسبة لألا يتخلف أحد. وكان الناس من مختلف الفئات وفي مختلف المسويات والمواقع يتسابقون لدفع كل أكثر مما هو مطلوب منه، بل ليدفع من عجزه وفقره ما ليس مطلوبا منه. وهو الذي لا يعرفه أحد ولا علم لأحد بوجوده أو عدمه أصلا. ولكن الضغط الإرهابي وهاجس الرعب الذي أدخلته هذه العصابات لكل بيت ولكل قلب من كل من في كل بيت. وقد أرسلت هذه العصابات إعلامها المأجور زاعمة أن ذلك من إبداعات قائد التغيير، أي قائد كل هذه العصابات لإشاعة ثقافة التعاون والتراحم وغرس روح التضامن بين المواطنين “. سميت عملية النهب تلك وما تم جمعه وما يتم جمعه كل عام من اعتمادات وقيم مالية ضخمة لا يعلم أحد من دافعيها ولا من الذين من المفروض أنهم من أصحاب الحقوق في التمتع بها بصندوق التضامن 26 – 26 .وهو الصندوق الذي حل محل ما كان قد تم تكليف ما سمي في حينه المجلس الإسلامي الأعلى عند بداية المسرحية وفي مشاهدها الأولى بإنشائه ليكون صندوقا للزكاة. وذلك ما لم يرق لمن أصبحوا من أصحاب النفوذ الأكبر في سدة الحكم والضامنين للصنم الأكبر استمراره في موقع الرئاسة مدى الحياة من مختلف مكونات طائفة اليسار الماركسي والقومي العربي الملتحقين بالسلطة لتعزيز صفوف اليمين الدستوري في مواجهة والتصدي لما أسماه في ذلك الوقت أحد رموز البعث العراقي بمدينة قفصة(وهو الأستاذ الشافعي العلياني ) بالمارد الأسود، في إشارة إلى الإسلاميين في الحركة الإسلامية، لما في ذلك من دلالة ورمزية إسلامية لا تليق بالدولة العلمانية اللائكية الحديثة المغشوشة طبعا، ولا يقبل بها العقلانيون التقدميون الحداثيون الديمقراطيون جدا جدا. وهم من أوجد هذه الديمقراطيةالتي يلتهم لهيبها الحارق اليوم كل الناس بمن فيهم بعض أولئك الذين أوقدوا نارها. فكان هذا الصندوق الذي لا يعلم دائما أي كان وبكل شفافية ماليةفي الديمقراطية التونسية التي تديرها وتشرف عليها وتسيرها النخبة العلمانية المستنيرةوالمستنيرة جدا المؤمنة بالفكر الإنساني النير وبفلسفة الأنوارذات الأصول التوراتية الإنجيلية هذه المرة في مواجهة الظلامية الإسلاميةالمؤمنة بالنور الذي أنزل مع محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كم من القيم المالية التي تجمع في كل مرة. وهي التي ينضاف إليها في بعض السنوات يوم عمل من كل اليد العاملة النشيطة في كل القطاعات الخاصة والعامة. هكذا تنقلب الموازين. وهكذا تقلب الحقائق باسم العقل والعقلانية، وباسم التقدم والتقدمية، وباسم الحداثة والإستنارةولا يعلم أي كان بل وليس لأي كان أن يسأل أو أن يعرف كم كان حجم الإنفاق وكم كان حجم الإستثمار وكم كان حجم الأرصدة المتبقية في كل سنة على الأقل، في الوقت الذي يتم الإعلان فيه على صرف هذه القيم على مشاريع وهمية في معظمها في بعض الأرياف وما اصطلح على تسميته مناطق الظل التي انتهت هذه العصابات إلى اعتبارها المناطق المنتجة لما أسموه بالتطرف والإرهاب. وهي التي جعلت منها في الحقيقة نفس هذه العصابات مناطق ذل. وببعض أشكال المتابعة تبين لي أن الذين من المفروض أن ينتفعوا بهذه الأموال الطائلة التي تجبى كل عام على الأقل هم أنفسهم مساهمون، إما بمساحات الأرض التي تقام عليها بعض المرافق الصحية كالمستوصفات والمدارس وجلب المياه والكهرباء لهذه المناطق، أو باليد العاملة، أو بالمواد اللازمة من حجارة وحديد وإسمنت ورمل وغير ذلك مما هو لازم لإقامة مثل هذه المشاريع التي هي في الحقيقة مستحقات وحقوق كان من المفروض في إطار سياسة اقتصادية نزيهة وشفافة وراشدة أن يكون هؤلاء قد تمتعوا بها منذ زمان بعيد، لما لم تكن الكثافة السكانية لتونس لم تتجاوز الأربع ملايين نسمة. وفي مواجهة ضرورة تغطية عملية النهب القوية بدا أن هذا الصندوق لم يعد كافيا. فتقرر إنشاء بنك التضامن21/21 ” كمؤسسة مالية تستمد رصيدها المالي وقيمها المادية من الشعب كذلك مباشرة، من المؤسسات الخاصة والعامة، ومن الأفراد الذين يدفعون دفعا بكل وسائل الإكراه والإبتزاز لما أسموه لهم تبرعا وتضامنا تحت شعار إعلاني التونسي للتونسي رحمة“. وهي المؤسسة المالية التي تم الإعلان على أن الإهتمام فيها سيكون ببعث المشاريع الصغرى في معالجة مشكلة البطالة المستفحلة والزائدة في الإستفحال، في زمن أنفقت فيه أموال طائلة للإنتهاء بالنمو الديمغرافي في تونس إلى أدنى مستوى له، بدت بعض مظاهره في تسحر المدارس الإبتدائية من تلك الكثافة المعهودة من الناشئة إلى حد أن بعض المدارس لم يعد بالإمكان الحصول فيها على عدد كاف من التلاميذ لتكوين قسم للسنة الأولى. وانتهى هذا الوضع إلى أنه أصبح هناك في قطاع التعليم الإبتدائي خاصة بطالة في اليد العاملة النشيطة. أي وجود بعض المعلمين بدون مهمة من حقهم أن يتقاضوا مرتباتهم ويتمتعوا بكل الحقوق التي يتمتع بها غيرهم، وهم في حالة عدم مباشرة حقيقية وفعلية، وما يمكن أن تكون عليه الحال بعد ذلك في المعاهد الثانوية والجامعات والمعاهد العليا للتعليم العالي

أما المؤسسة المالية الموازية الثالثة فهي ما سمي صندوق التنمية الرياضية وهو في الحقيقة صندوق يستمد أرصدته من عمليات القمار التي أغرقت فيها هذه العصابات كل التونسيين تقريبا إلا من رحم ربك شيبا وشبابا نساء ورجالا. وهي عملية يتراهن فيها كل المشاركين على النسبة الضعيفة من الرصيد الحاصل والذي يصل أحيانا إلى ملايين الدينارات ليكون من نصيب الفائز الذي ينجح في توقع نتائج الفرق المتبارية في لعبة كرة القدم لكل أسبوع، أو يتقاسمها مع من يكونوا قد حالفهم الحظ في الوصول إلى نفس النتيجة. وبذلك تكون هذه العصابات قد حصلت على أرصدة مالية ضخمة في كل أسبوع من كل شهر على امتداد الموسم الرياضي. وأعطت فرصا للضحايا من أبناء الشعب لينهلوا ويعبوا من المال الحرام عبا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال :جسم غذي بالحرام النار أولى بهثم والأخطر من ذلك أنها قد نجحت بذلك في صرف كل الأنظار بالكامل أكثر من أي وقت مضى إلى ساحات التهميش الرياضية، وأسست لعقلية الإنتظار والسعي إلى الكسب السريع المحرم، وما إلى ذلك من الأضرار والخسائر التي تلحق من ذلك وبذلك الأفراد والمجموعات. وقد قيل في ذلك أن كل ذلك يرجع إلى القدرة على الإبداع والإستشراف التي يتمتع صانع التغيير وحامي الحمى والدين الجنرال الحاج زين العابدين بن علي. وهو الذي أوجد حلا لمشكلة مناطق الظل لتزويدها بالمدرسة وبالمستوصف وبالماء الصالح للشراب وبالكهرباء. وهو الذي أوجد حلا لمشكلة البطالة ببعث بنك التضامن. وهو الذي أو جد حلا كذلك للبنية الأساسية الرياضة بالكامل بالبلاد. وهو العبقري الفذ الذي مازال يتم تقديمه في كل مرة من طرف زبانيته وبطانته للشعب التونسي الذي يعرفه جيدا والذي وفي الحقيقة قد انفض من حوله وانصرف عنه منذ زمان على أنه ليس ثمة في تونس من هو مثله أو أفضل منه لمواصلة تبوء مقعد القيادة فيها.. هكذا.

أما الأرصدة المالية الموازية الرابعة والتي لم يكن بالإمكان وضعها في مؤسسة مالية خاصة بها فهي الإيرادات المالية الحاصلة من مؤسسات القطاع العام المالية والإقتصادية المختلفة التي تم التفويت فيها للقطاع الخاص، والتي لا يعلم أحد ممن له الحق في ذلك من كل أبناء الشعب المالك الحقيقي لكل تلك المؤسسات والمنشئات والقطاعات كم بلغت تلك الإيرادات وما هو مصيرها.

يحصل كل هذا في وقت انتهى فيه الحديث في البلاد عن مجانية التعليم وعن مجانية الصحة، والحديث في هذه المسألة كذلك يطول. واستنادا إلى ما تقدم لم تبق الميزانية مسؤولة على الإنفاق بالكامل إلا على قطاعات الجيش وما تسميه هذه العصابات سلك القضاء الذي جعلت منه عصابة من العصابات المكونة لنظام العصابات السبع لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب وقطاع البوليس أو ما يسمى الأمن، وهو أحد العصابات السبع كذلك وهي الأشد خطرا على الشعب. وهي الموكولة لها المهمة الأكبر والدور الأكبر في حماية بقية العصابات المكونة لهذا النظام وجزئيا على التعليم والصحة، وهما القطاعان من القطاعات التي مازالت لم يتم التفويت فيها بالكامل. وبذلك نجد أنفسنا أمام المعادلة الصعبة التي سأل فيها جحا أخته عن اللحم الذي كانت قد أكلته، فقالت له أن القطة قد هي التي أكلته، فوزن القطة التي وجد أن وزنها لا يمكن تكون به هي آكلة اللحم، فقال لها إن كانت هذه القطة فأين اللحم وإن كان هذا اللحم فأين القطة ؟ فوجدت نفسها في النهاية بعملية حسابية مضبوطة مطالبة إما باللحم أو بالقطة.

وبلك نستطيع نحن أن نقول كذلك لهذه العصابات، إذا كانت مناطق الظل بالريف التونسي قد وجدت مشاكلها الحل عن طريق المؤسسة المالية الموازية الأولى صندوق التضامن 26/26، وإذا كانت مشكلة البطالة واجدة بعض حلولها على الأقل حتى لا نكون مبالغين عن طريق المؤسسة المالية الموازية الثانية بنك التضامن 21/21، وإذا كانت مشكلة البنية الأساسية للرياضة واجدة طريقها إلى الحل عن طريق المؤسسة المالية الموازية الثالثة صندوق التنمية الرياضية، فأين نصيب هذه القطاعات من الناتج القومي الخام، أي ما من المفروض أن يكون قد رصد لها من ميزانية الدولة كل سنة؟

وأين الإيرادات المالية الحاصلة من التفويت في مؤسسات القطاع العام؟

هذه الأموال الطائلة هي كلها فضاءات لاقتصاد مواز حاصلة قيمه المالية من النهب المباشر للشعب انطلاقا من الأطفال في رياض الأطفال ومرورا بالتلاميذ والطلبة والعمال والفلاحين والموظفين في مختلف القطاعات الخاصة والعامة وانتهاء بأصحاب المؤسسات والمهن الحرة، ولا يعلم أحد أين تذهب وماذا يفعل بها. وهي من المال العام المعرض للنهب والتهريب بعيدا عن أي مراقبة دولية ولا وطنية. وهو المال الذي يجمع من الشعب بغير وجه حق استغلالا للنفوذ وتحت الإكراه والإبتزاز وبالترغيب والترهيب ليؤول في النهاية جله على الأقل حتى لا نقول كله أحيانا إلى العائلات والأقارب والأصهار والمقربين، إضافة إلى ما تصل إليه أيديهم من المال العام الوطني ومن الموازنات المخصصة لما تبقى من المؤسسات التي مازالت تابعة للقطاع العام وما تتم جبايته من الضرائب والأتاوات والأداءات والمعاليم.

وهذه العصابة يعلم شعبنا كله ممن تتكون ومن يديرها. وهي التي تتصرف على خلفية وقاعدة أن البلاد كلها ملكا لها. وقيل أنه عندما تم إلفات نظر الرجل الأول في البلاد لوضع هذه العصابة يدها على ما تريد من أموال خاصة وعامة وعلى ممتلكات مختلفة والتصرف في كل شيء بدون أي رادع وعلى غير أي قاعدة ولا اعتبار عندها لقانون ولا لمصلحة عامة ولا لأي مسؤولية في أي مستوى، فلا يستطيع أحد أن يعترض ولا حق معها لأحد في القبول أو الرفض، وهي التي لا يسأل أفرادها وهم يسألون، ولله المثل الأعلى، فكانت إجابته باللهجة العامية التونسية على ما شاع في حينه من القول، وهو الذي لا يجيد أكثر منها من اللغات ومن اللهجات، يزيهم ما مشاو حفايا، وبهذه اليد المطلوقة في البلاد تختلس وتنهب وتهرب وتغتصب وتبتز. وهي التي لم تترك قطاعا من القطاعات المربحة إلا و استثمرت فيه. وهي التي تغرق السوق بكل أنواع التجارة الموازية المعفية من الضرائب الجمركية وغيرها من الضرائب التي تؤخد على غيرهم. فكانت تعيق اقتصاد البلاد وتلحق أضرارا كبيرة بالتجار والصناعيين والموردين والمصدرين ممن يعتمد عليهم اقتصاد البلاد سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام

فهي عصابة تعمل وتتحرك خارج إطار القانون المنظم للحياة الإقتصادية والمالية. بل فوق كل القوانين المنظمة لمختلف أوجه الحياة بالبلادإلخ

وإذا كان رب البيت للطبل قارعا فلا تلومن الصبية عن الرقص.

* المجال الإعلامي لتحرك العصابة الإعلامية“:(العصابة الخامسة )

وهذه لمحة كذلك على المكون الخامس لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وهو الذي حوله ما يشبه الإجماع في المستوى الدولي على أنه القوة الرابعة أو السلطة الرابعة. بل ثمة من يبوئه المكانة الأولى في كل السلطات وفي كل القوى، وهو المجال الإعلامي الذي تستولي عليه استيلاء شبه كامل العصابة الخامسة. وهي التي تتصرف كذلك في إعتمادات وإمكانيات مالية ومادية هامة للدعاية والغش والتضليل وقلب الحقائق.

هي عصابة مكونة من كل أصحاب الأقلام المأجورة، وكل أصحاب الأصوات المبحوحة، وكل مؤجري ألسنتهم من الإنتهازيين وأصحاب الأنفس الضعيفة المتفانين في خدمة المستبد الأكبر، والذين لا يهمهم ما يمكن أن يلحق الوطن والشعب والأمة والإنسان عموما من خسارة وضرر مما يكتبون ومما يقولون. فكانت هذه العصابة من أخطر العصابات. وهي الخادمة لها جميعا لما هي عليه من قدرة على التلبيس والغش والخداع والكذب وتزيين الأعمال السيئة لفرض انطباع لدى الرأي العام على أن الأوضاع السيئة والبالغة الخطورة أحيانا هي أوضاع جيدة وعلى المواطن أن لا يخشى أي حرج ولا أي قلق ولا أي ضرر أو خسارة. وهي التي تخرج المجرم على أنه بريء. وتظهر البريء على أنه مجرم. وتساوي في أحسن الحالات بين المجرم والضحية. وقد برعت هذه العصابة إضافة إلى ذلك في شراء الذمم و منابر الإعلام والأقلام المأجورة من هنا وهناك لفرض واقع مزيف مغشوش بعيدا كل البعد عن حقائق الأشياء والأمور. وهي التي تحتكر كل منابر الإعلام الوطنية الداخلية وتسيطر سيطرة كاملة عليها. وهي التي تمتد أيدي أصحابها إلى بعض المنابر الحرة والمستقلة ليفرضوا من خلالها ما لم يكونوا قادرين على فرضه من خلال كل منابر الإعلام الداخلي التي لهم عليها السيطرة الكاملة. وأنا أقصد بالعصابات الإعلامية كل الذين يعلمون أن ما هم بصدد القيام به هو جريمة في حق الشعب والوطن، وهم مستمرون في ذلك في إصرار وبهمة وعزيمة ولا يتورعون في فعل أي شيء مخالف للقانون وللذوق العام ومخل بالمروءة  والشرف ولا مصلحة فيه إلا لهذه العصابات.

فهي عصابة تحتكر كل المنابر الإعلامية وتحكم الرقابة الشديدة والصارمة بتعاون مع باقي العصابات وخاصة العصابة الأمنية على كل منبر حر لمحاصرة الكلمة الصادقة والرأي الحر ولمحاصرة الحقيقة حتى لا تتجلى للناس الذين تحاول أن يظلوا أسرى اباطيلها وتضليلها وغشها وخداعها ومهارتها في قلب الحقائق. ويدخل في هذه العصابة القائمون على إعلام ما يسمى أحزاب المعارضة الإدارية التابعة، المعارضة للمعارضة..وهي من مكونات النظام ومن احتياطيه البشري والإعلامي. وأقلام وصحافة هذه الأحزاب هي أقلام ومنابر لترشيد هذه العصابات ونصحها والتستر عن جرائمها خوفا من بطشها وطمعا في سخي عطائها وفي منحها من المقاعد التي قبلت هذه الأحزاب أن تكون من خلالها شاهد زور ما ليست أهلا له وما لا تستحقه. وهي التي قبلت بتمثيل نيابي بدون الحد الأدنى من القاعدة الإنتخابية على سبيل الصدقة من موقع أحزاب التسول السياسي. فأحزاب التسول لا يمكن أن يكون لها من الإعلام إلا ما يرضي الجهة المانحة ويرضيها عنها. ومن هنا فهو الإعلام الأخطر فعلا لما يمكن أن يكون قد تخلد في أذهان بعض السذج والأغبياء والمغفلين من أن ذلك الإعلام هو إعلام معارض وإعلام معارضة.

* المجال الأمني لتحرك العصابة الأمنية“(العصابة السادسة):

هي أداة وآلة رهيبة من أدوات وآلات أنظمة الإستبداد في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي وفي كل الأنظمة الظالمة الفاسدة في كل وطن من أوطان شعوب العالم. وهي من العصابات المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وهي من العصابات التي حلت في أوطان شعوب أمتنا وفي بلادنا وفي أوطان الشعوب المستضعفة التي وطأتها جيوش الإحتلال الغربي الصليبي محل أدوات وعصابات الإستعمار وآلته الحربية المدمرة.

فلئن كانت الأجهزة والفرق والتشكيلات الأمنية مطلوبة وشرطا من شروط تحقيق الإستقرار والأمن وتثبيت مبدإ التعاقد الإجتماعي والحفاظ على الأنفس والممتلكات والحرمات والأعراض، إلا أن الذي نراه وبدون مبالغة لا علاقة له تقريبا بالكثير من هذه المهام، حتى لا أقول أنه لا علاقة له بها مطلقا.وبالإشارة إلى جهاز الأمن في أنظمة الإستبداد والقهر والإرهاب على أنه مجموعة من العصابات مختلفة المهام والأدوار، فإن ذلك لا يعني أنه ليس في هذه الأجهزة صالحون ووطنيون وأبناء أصول، ولكن السياسة التي تحكم الجميع هي سياسة فاسدة يستوي أمامها الصالح والفاسد المسلم والمجرم الأصيل والهجين الرجال وأشباه الرجال، وإدارة التوجيه والتحكم هي المسؤولة في النهاية عما يحصل من أي من هؤلاء المسلمون والمجرمون، الصالحون والفاسدون وغيرهم معا. وذلك ما لا يعفي أي كان من المسؤولية في الحقيقة أمام الله ثم أمام التاريخ وأمام الشعب. ولا يكون الفرز ممكنا وقائما إلا على خلفية أن المسلم يبقى دائما ذلك الذي، وإذا كان لا بد من ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لأي جريمة لا يكون قام به إلا من موقع المضطر اضطرارا شديدا، وعسى أن يكون ذلك له عذرا كافيا بين يدي الله يوم القيامة، ويمكن أن يجد من يتفهمه له عندما تحين فرصة المكاشفة والمحاسبة قبل ذلك، و يمكن أن يعاد له الإعتبار حيا أو ميتا في التاريخ.

لا يمكن لجهاز الأمن أن يكون محققا لأمن وراحة وحماية الفرد والجماعة إلا في النظام الصالح المحقق للمواطنة والأكرم فيه عند الله هو الأتقى. وهي الحالة التي يجوز الحديث فيها عن الأمن. وهي الحالة التي يستقيم أن نسمي فيها مثل هذا الجهاز جهاز أمن. أما في أنظمة الإستبداد التي هي ضرورة وحتما أنظمة فاسدة، فإن هذا الجهاز لا يمكن أن يحقق الأمن والراحة والحماية للفرد ولا للجماعة، وهو النظام السالب للمواطنة والأكرم فيه عند الله هو الأشقى عند هذا الجهاز الذي هو جهاز رعب وغيره من الأجهزة المماثلة. وهي الحالة التي لا يجوز الحديث فيها عن الأمن. وهي الحالة التي يستقيم أن نسمي فيها مثل هذا الجهاز الذي لم يعد فيها جهاز أمن ولكنها الحالة التي يكون قد تحول فيها إلى جهاز قمع وظلم وخوف ورعب. بل ولا يستقيم أن نتحدث كذلك عن جهاز أمن ولكن يصبح الكلام عن عصابات رعب وخوف وترويع وإرهاب هو الأقرب للصواب والأوفى بالغرض. وكل الذي تقوم به هذه العصابات بل كل ما هو مطلوب من هذه العصابات القيام به هو الحفاظ على أمن المستبد الأكبر وأعوانه ومساعديه وعائلته وأقاربه وأصهاره وكل الدائرين في فلكه والملتقطين فتات موائده الذين يحيط نفسه بهم يستعملهم كيف شاء ومتى شاء ولأي غرض ولأي هدف شاء. ويتحصن بهم ممن قد تمتد إليه يده بسوء.

ونحن هنا في وارد الحديث عن عصابات أمنية تحرص أمن النظام ومصالح المتنفذين في هذا النظام، ولا شأن لها بحراسة المواطن والوطن ومصالحهما، على خلفية أن الكل ملك للمستبد الأكبر وللكل عليه واجبات له ولا حق لأحد عليه. هكذا الإستبداد وهكذا صورة المستبد. وإلا فلا مجال للحديث عن استبداد ولا عن مستبد ولا على عصابات أمنية. هي العصابة السادسة في غير ترتيب تفاضلي المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. ومن هنا تأتي الكثير من معاناة الشعب التونسي الذي جعل الإستبداد السياسي العلماني اللائكي من أبنائه عصابات منظمة ومدربة ومسلحة مستعدة في كل وقت للإعتداء عليه وسومه العذاب والهوان لمجرد أن يكون تكلم بما لا يرضي الفرعون وسحرته وجنوده، وبمجرد أن يطالب يوما وبكامل الهدوء بحقة في العيش بكرامة. أما إذا تظاهر وطالب بحقه في المواطنة والمشاركة السياسية والمتابعة والمراقبة والمحاسبة فلا أرض تقله عندئذ ولا سماء.

هذه العصابة هي التي تفعل بمن تشاء ما تشاء متى شاءت وأين ما شاءت ولا تسأل عما تفعل. فإذا ما استثنينا دور بعض الفرق منها في ما يزعم من محاربة المخدرات والجريمة وحفظ المؤسسات والشخصيات من كبار رؤساء مختلف العصابات المكونة للنظام، فإن الآلاف المؤلفة من عناصرها مدعوة بأن لا تهتم بشيء اهتمامها بالمثقفين والأحرار الذين لهم رأي آخر غير رأي من هم في سدة الحكم من العناصر المكونة للعصابة السياسية والذين يفكرون بطريقة مختلفة ويرون أن مصلحة بلادهم لا تتحقق بما يقول من هم في السلطة أنها تتحقق به، بعدما تبين أن هؤلاء هم مجرد عصابة حقيقية ليس لهم من مصلحة البلاد والشعب شيء، وأفعالهم وسلوكهم شاهد على ذلك.

والذي زاد الأمر خطورة أن هذه العصابة كغيرها من العصابات الست الأخرى قد التحق بها الكثير جدا من العقائديين يمينا ويسارا وخاصة في مواقع أخذ القرار والتنفيذ، والذين لهم ثارات مع المخالفين لهم في الرأي وفي المرجعية الفكرية والثقافية والعقائدية وخاصة مع الإسلاميين. وهي الفرصة التي لم يكونوا يحلموا بها يوما. وهي أن نكون بين أيديهم وهم في موقع القوة الذي يكونوا قادرين علينا ولا نكون قادرين عليهم فيه. ومن هنا كانت مأساة الشعب التونسي هذه المرة على أيدي هؤلاء خلافا لما كانت عليه الأمور من قبل وفي جولات سابقة لم تكن العناصر المكونة لهذه العصابة هي نفس العناصر يوم كانت هذه العناصر نفسها في المعارضة وإن كانت مخترقة للنظام كما يقول حاخام اليسار الأكبر الشيخ الرفيق محمد حرمل، إلا أنها ليست في المواقع التي تستطيع من خلالها أن تفعل دائما ما تريد بمن تريد.

فأنشط العناصر المكونة لهذه العصابة هي عناصر أما على الهوية اليسارية الماركسية أو على الهوية اليسارية القومية العربية.وأنا من واقع المعانات والعلاقة المباشرة الدائمة بها، ولمعرفتي المباشرة للعناصر المعلومة لدي، لست في حاجة إلى إثبات ذلك بأكثر من ذلك، وما زاد على ذلك من الإنتهازيين والمغفلين والإمعاوات وأصحاف الأهواء والنزوات والجبناء والطماعين. فما ترى مثل هؤلاء فاعلين بالرجال الأتقياء الأنقياء وبالنساء الفاضلات العفيفات وبالصغار الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء رجال كانت كل جريمتهم أنهم انتظموا في الفكرة الإسلامية وقالوا لا للظلم والفساد والكفر والتكفير، نعم للعدل والحرية، وللحق والفضيلة والعفة، وللإسلام والهوية العربية الإسلامية لتونس العروبة والإسلام وللشعب التونسي العربي المسلم.

هذه العصابة هي التي سقط على أيديها العشرات من الشهداء ومازالت تعيث فسادا في طول البلاد وعرضها،وهو ما يسميه الصحفي مراسل الكسيبي الحزب السري داخل السلطة، ومازالت تمعن في القتل والتنكيل والتعذيب في وقت تعددت فيه مراكز أخذ القرار، وتعددت فيه المسؤوليات بحسب كل جهة في النظام ونفوذها وإمكانياتها وقدراتها. وهو الذي كان ومنذ البداية في الحقيقة أضعف حلقة فيه هي رأس السلطة بعد أن التحقت به الكثير من العناصر والقوى القوية، والتي أصبح لها نفوذ كبير في ظل استعداد الكل للضرب بقوة على أيدي كل من له علاقة من قريب أو بعيد بالحركة الإسلامية. فكان ذلك مجال تنافس ومزايدة بين العناصر النافذة والقوى الملتحقة بالسلطة والقريبة منها والمعاضدة والمساندة لها والمتحالفة معها على ذلك. هذه العصابة هي التي مازالت تروع إلى اليوم كل الناشطين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين وتعتدي عليهم بالعنف الشديد في كل مكان ومن أجل أي سبب وبدون سبب إلا لعلمها أنه ليس على رأي هذه العصابات المحكمة قبضتها على البلاد منذ عقدين من الزمن. هذه العصابة هي التي يتمت المئات إن لم يكن الآلاف من الأطفال ورملت بالموت والحياة المئات كذلك من النساء وثكلت المئات من الأمهات. وهي العصابة التي مازالت منتشرة في طول البلاد وعرضها ولها السيطرة الكاملة على كل الأوضاع وكل الفضاءات وكل الساحات تطارد الشباب المثقف وغير المثقف من أجل إسلامه ومن أجل توقه للإنخراط في مقاومة المحتلين والغزاة لأوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وعلى رأسهم الأمبراطورية الأمريكية التي تقاتل هذا الشباب وأسره وكل أبناء شعبنا من خلال قانون الإرهاب سيء الذكر الذي تزج هذه العصابة على أساسه كل يوم تقريبا بزرافات من أنباء الشعب في غياهب السجون وتسومهم سوء العذاب. وهي العصابة التي مازالت تطارد بناتنا وأبنائنا ونساءنا في كل مكان من البلاد من أجل اللحية والحجاب. وهي العصابة التي تحكم الرقابة المشددة على كل مساجد البلاد ليهجرها الشباب والناس جميعا والواقفة وراء غلق الكثيرمنها. وهي التي تجعل من قانون المساجد سيء الذكر سيفا مسلطا على كل من يخالفه. وهي العصابة التي قطعت ومازالت تقطع أرزاق مئات الآلاف من أبناء الشعب بسبب رأيهم السياسي وبسبب رفضهم مواصلة فرض على الشعب التونسي العربي المسلم أي هوية أخرى وتصديهم لذلك، ولعملية التكفير الجماعي الممنهج التي يتعرض لها، والتمسك بهوية الشعب والبلاد التي لا يريدون إلا أن تكون عربية إسلامية والتي لا يمكن إلا أن تكون كذلك.

* المجال القضائي لتحرك العصابة القضائية“:(العصابة السابعة):

والذي يؤسف كل تونسي وكل إنسان في الحقيقة أن يجد نفسه مضطرا إلى الحديث عن ما من المفروض أنها السلطة الثالثة على أنها قد أصبحت إحدى سبع عصابات تحكم البلاد منذ ما يربو عن نصف قرن من الزمن.

والذي نأسف له أن يكون بما علمناه عن سلطة القضاء وبما علمناه من القانون وبما عانيناه من القانون ومن سلطة القضاء التي من المفروض أنها سلطة مستقلة مقدسة، أن جل قضاتها استنادا إلى الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والذي جاء فيه أن القضاة ثلاث: قاض علم الحق وعمل به فهو في الجنة وقاض علم الحق ولم يعمل به وقاض لم يعلم الحق ولم يعمل به فهما في النارأو كما قال صلى الله عليه وسلم مع اعتذارنا الشديد لهذه السلطة الجديرة في الأصل بالإحترام والتقدير والإجلال، ومع اعتذارنا الشديد لرجال صادقين فيها يحاولين ما استطاعوا أن يجتنبوا استغلال نفوذهم وموقعهم وسلطتهم لإلحاق الظلم والضرر والأذى بالناس، ويعملون ما استطاعوا على رفع المظالم وإنصاف المظلومين وإن قلوا. وبالمناسبة فليس منا من لا يترتب عليه واجب الشكر للقاضي الهمام الذي صدع بكلمة الحق في الوقت الذي كان فيه الجميع يعانون وملازمون فيه الصمت الأستاذ مختار اليحياوي، ليأتي في المرتبة الثانية الهيئة الشرعية المطاردة لجمعية القضاة، وليكون في المرتبة الثالثة الأستاذ المجاهد محمد عبو وفي المرتبة الرابعة رجال لا نعلمهم ولا نخالهم إلا موجودون يؤدون الواجب على الوجه الذي يقيم العدل وينصف المظلومين ويجعل حدا لظلم الظالمين، وليبق في المرتبة الخامسة العصابة القضائية، وهي المكونة من المرتشين وضعاف الأنفس والإنتهازيين والجبناء والساقطين أخلاقيا من الزناة والعربيدين والمستهترين والمعينين الظالم على ظلمههذه العصابة هي التي تأتمر بأوامر البوليس وبأوامر كل صاحب موقع ونفوذ في السلطة التنفيذية. وهي التي لا يعنيها القانون ولا يلزمها، وإذا كان ولابد ففي المرحلة الأخيرة وبعد أي طلب أو أمر من هنا أوهناك. هذه العصابة هي التي انضمت إلى باقي العصابات المشار إليها سالفا لتكوين نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب الذي هو نظام شراكة بين اليمين الدستوري واليسار الماركسي واليسار القومي العربي. وهو نظام العصابات السبع أو المافيات السبع.وهي التي كانت ومازالت ضالعة في المجزرة التي قام بها هذا النظام بهذه المكونات العلمانية وبهذه العصابات ضد الشعب. والتي بدأت فصولها الأكثر درامية منذ 1990. والتي مازالت متواصلة إلى اليوم. والتي بعد انتهاء شهر العسل وزواج المتعة بين بعض مكونات الحركة العلمانية اللائكية وبعضها الآخر أصبحت أكثر شمولا، ولا استثناء فيها لأحد. وكان الدور الأشد درامية في المحاكمات التي طالت عشرات الآلف من الإسلاميين في العقد الأخير من القرن العشرين هو دور العصابة القضائية، وإن كان ليس من السهل القول أن دور هذه العصابة كان أشد درامية من دور العصابات الأخرى لأن كل مشاهد المجزرة كانت درامية وكل من كان له فيها دور كان دراميا، ولم يكن مقبولا من أي كان أن يكون له دور غير درامي في هذه المجزرة التي مازالت مستمرة وعلى نفس المستوى من الدرامية، لأن ساحته هي الحرية والهوية والعدالة الإجتماعية. وبذلك لا يمكن أن تنتهي حتى يحق الله الحق وتبطل الباطل ولو كره الكافرون والتكفيريون والمنافقون والإنتهازيون.

نقلا عن موقع السبيل أونلاين نت <!– var prefix = ‘ma’ + ‘il’ + ‘to'; var path = ‘hr’ + ‘ef’ + ‘='; var addy90302 = ‘info’ + ‘@'; addy90302 = addy90302 + ‘assabilonline’ + ‘.’ + ‘net'; document.write( ‘‘ ); document.write( addy90302 ); document.write( ” ); //–>n

في الديـــــــــــــــن والسيــــــاسة

بـــسم اللــه الرحمـــان الرحـيــــم
الفهرس

-مدخل………………………………………………………………………………………………….ص:2
-توطئة…………………………………………………………………………………………………ص:3
-مقدمة………………………………………………………………………………………………….ص:4

– إشكالية الدين والسياسة؟……………………………………………………………………………..ص:9
– إستغلال الدين؟ !……………………………………………………………………………………..ص:14
– ما معنى التستر بالدين ولماذا؟……………………………………………………………………….ص:17
– تناقضات النظام السياسي والنخب العلمانية اللائكية والتقليدية في التعامل مع الإسلام ومع الحركة الإسلامية في لعبة السياسة الإقليمية والدولية………………………………………………………….ص:19
– الإستبداد والإلغاء، قيمة من لا قيمة له:………………………………………………………………ص:55
– السياسة بين العبادة في النظام الإسلامي والعادة في غيره من المناهج والأنظمة:………………….ص:70

– ملحق………………………………………………………………………………………………….ص:84
– قانون المساجد………………………………………………………………………………………..ص:87

– رسالة إلى السيد وكيل الجمهورية العام بمحكمة الإستئناف بقفصة بخصوص لمحجوز…………..ص:88
– رسالة إلى وزير الداخلية…………………………………………………………………………….ص:89
– رسالة إلى رئيس منطقة “الأمن الوطني” بقفصة…………………………………………………..ص:90
– نداء إلى كل من يهمه الأمر………………………………………………………………………….ص:91
– رسالة إلى السيد قاضي تنفيذ العقوبات………………………………………………………………ص:92
– رسالة إلى السيد وكيل الجمهورية العام للتدخل لإعادتي من سجن القيروان إلى سجن قفصة…….ص:93

مدخـــــل

يقول الله تعالى:
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا(58) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا(59)ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا(61)

*سورة: النساء
تـــوطئة

فتاوى علمانية لائكية؟ !:

وإذا كان نظام الحكم الدستوري يمثل العائق الأساسي الأول أمام تحقيق الديمقراطية في بلادنا وإرساء نظام جمهوري ديمقراطي فإن الحركة الإسلامية بمشروعها الإستبدادي المتستر بالدين وبما تدفع إليه من ردة عامة في المجتمع تمثل العائق الأساسي الثاني.

* * *
إن الشعوب العربية لن تعرف طريقها إلى الديمقراطية إلا متى جعلت من الدين شأنا خاصا بكل فرد في المجتمع وفصلته عن السياسة وعن الشأن العام وبالتالي عن الدولة، وحجرت توظيفه من قبل أي كان.
الأسس العامة لبرنامجنا-

“الحزب الإشتراكي اليساري

مقـــــــدمة

ليس عنوان “في الدين والسياسة” إلا دراسة متواضعة تناولت فيها موضوعين من أكثر الموضوعات إثارة للجدل ائتلافا أو اختلافا قربا أو بعدا اتصالا أو انفصالا منذ وقت مبكر من التاريخ الإنساني.
ولم يسبق أن طرحا على بساط السجال والجدل والنقاش من قبل على الأقل بالقدر الذي طرحا فيه في التاريخ المعاصر للحضارة الغربية وتحديدا منذ عصر النهضة الغربية.
وإذا كان التاريخ يثبت أن السياسة لم تكن يوما مختلفة عن الدين أو متناقضة معه ولا مفارقة له ولم يكن الساسة والحكام يستطيعوا أن يكونوا بعيدين عن المقدس وعن رجال الدين ورموزه ومؤسساته ويستمدون الدعم منهم ويسعون لمباركة الآلهة لهم مما جعل السياسة في خدمة الدين تستمد منه القداسة التي تعطي للسياسي نفوذا أكبر وقوة أكبر ويحضى من خلال ذلك بتأييد أكبر ويحصل على قوة معنوية أكبر حتى في مواجهة الأعداء والخصوم والمخاطر والصعوبات…وجعل الدين في خدمة السياسة مباركا لها ويضفي عليها من القداسة ما يمكن لها حيث لا مكان للتمكين لها بدونه.
فالتاريخ الإنساني هو عموما وحتى اليوم وإن بدرجة أقل أحيانا وفي بعض الجهات ولدى بعض الشعوب والأمم هو تاريخ الشراكة بين الدين والسياسة في إطار النظام السياسي الواحد على تنظيم حياة الشعوب والأمم. فحتى النظام الشيوعي الذي لم يعرف التاريخ له مثيلا في إلغاء الدين أصلا، وإلغاء العقول وإنسانية الإنسان، ونفى أي وجود حقيقي له في تاريخ الشعوب والإنسان قد زعم لنفسه من الناحية النظرية على الأقل أنه كما يسمح بحرية المعتقد لحسابات معينة ولظروف معينة فإنه يعطي لنفسه كما يؤكد ذلك الرفيق لينين قائد ثورة اكتوبر1917 في روسيا في أحد خطاباته حرية الدعاية ضده.
وما إن جاء الوقت الذي استلم فيه الغرب في إطار الحتمية الكونية التي تقضي بتداول الأيام بين الناس زمام المبادرة الحضارية بعد أن سقطت بفعل نفس الحتمية من العرب والمسلمين وفقدوها، حتى كان الصدام بين العقل والدين المسيحي بحكم الطبيعة التحريفية التي أصبح عليها بعد رفع المسيح عليه السلام ممثلا في نظام الكنيسة المسيحية الظالم والذي كان قد بلغ من الفساد حدا أصبح ينظر إلى الدين المسيحي خصوصا والدين عموما من خلاله على أنه مفسدة وعلى أنه تسلط وظلم وقهر وفساد واستبداد. في وقت ظل فيه العقل الغربي المنتقل من البربرية إلى المسيحية المحرفة بعد إنهاء الإسلام دور النظام المسيحي على أساس من الدين المسيحي من مناطق نفوذه التقليدية في جنوب آسيا وجنوب شرق إفريقيا وشمالها وانتقاله إلى شمال البحر الأبيض المتوسط حيث أوروبا البربرية يعيش في عتمة الجهل والخرافة والأسطورة إلى أن استنار بالمعارف والعلوم التي لا قبل له بها من قبل والتي انتقلت له من حركة الإحتكاك المباشر التي دامت قرونا بين الغرب الصليبي والعرب والمسلمين حربا وسلما قربا وبعدا.
وما إن استوعب هذا العقل الحر هذه العلوم والمعارف وأصبح مبدعا، حتى وجد نفسه وجها لوجه مع العقل الكنسي المقدس المتحجر، ومع المقدس الإنجيلي المحرف والمزور ، ومع التحجر والإنغلاق ومعاداة كل جديد وكل مبادرة علمية مبدعة مختلفة مع فهم رجال الدين المسيحي الكنسي للعلم وللكتاب المقدس ومحاربة ذلك ومصادرته، ومطاردة واضطهاد أصحابها والتنكيل بهم إلى حد القتل بعد أن يكون نظام الكنيسة قد وجه لهم تهمة الهرطقة التي يفضي الحكم في من ألحقت به تطهيره من الشيطان الذي يعتقدون ويروجون على أنه قد أصبح يسكنه حرقا.
واقتضى هذا الوضع أن يكون الصراع متواصلا بين العقل الكنسي المقدس باسم الدين وبين العقل الحر المشكل عربيا إسلاميا وإغريقيا(1) من خلال ما تلقى من معارف وعلوم صحيحة كانت الحضارة العربية الإسلامية قد وضعتها بين أيديهم.
ولقد أنتج:
1- الإحتكاك الطويل الذي ظل قائما بين العرب والمسلمين والفرنجة خاصة مدة الحروب الصليبية التي كان الغرب المسيحي يشنها طويلا على العرب والمسلمين واليهود والمسيحيين الشرقيين الشركاء الحقيقيين للعرب والمسلمين، والذين كانوا يتمتعون بكامل حقوق المواطنة بالرغم من اختلافهم معم في الدين والمعتقد في البناء الحضاري العربي الإسلامي.
2- تحجر العقل الكنسي المسيحي للنظام السياسي الكنسي ومعاداته للعقل العلمي الحر ومصادرته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يثبت التاريخ أن بداية طريق العقل الغربي لعلوم ومعارف الإغريق العقلية كان أول ما كان عبر حركة الترجمة التي عرفها العالم الإسلامي للعلوم والمعارف المختلفة لمختلف الأمم والشعوب التي انتهت به إليها حركة الفتح الإسلامي.
3- بلوغ العقل الغربي العلمي الحر درجة من اليقين بصحة تكوينه من خلال الحقائق العلمية والنتائج التي انتهى إليها وإيمانه بضرورة انتزاع حرية التفكير وتحرير العقل من مكبلات المقدس المحرف والفهم الكنسي له الذين أصبحا يصادران العقل الحر والإستمتاع بأنوار العلم والمعرفة.
4-ارتباط العقل الغربي الحر بالعلم والتقنية بعد أن انتهى إلى نتائج وحقائق علمية يقينية تم ربطها برأس المال بعد ذلك لتكون هذه الأوضاع الحضارية المالية والعلمية والتقنية.
وما إن بدأ الصراع لهذه الأسباب وفي تلك الظروف بين الكنيسة والعقلانيين من رجال الفكر والفلسفة والأدب والعلم والتقنية، أي بين العقل الكنسي الظلامي والعقل الحر التنويري، الذي اكتسب ذلك النور من المعارف والحقائق العلمية للعقل الإسلامي، الذي كان قد استمد نوره من كتاب الله، حتى أصبح صراعا بين العقل والدين الذي كان لابد أن يكون أو أن يتحول إلى صراع بين الدين والسياسة: أي بين السياسة الكنسية ذات الطبيعة الدينية والسياسة الزمنية المدنية ذات الطبيعة العقلانية الإنسانية، التي كان يطالب بها الملوك وأصحاب الطموح السياسي الزمني، من غير رجال الدين الذين كانوا يستغلون نفوذهم الديني ويحتكرون تفسير الكتاب المقدس، ويحتكرون من خلال ذلك السلطة السياسية والنفوذ السياسي، الذين أصبحوا يرون أن السياسة الكنسية الدينية هي سياسة ظالمة مستبدة ومعيقة للتقدم والتطور، ومصادرة للعقل المبدع الخلاق. وأصبح لابد من إنهاء نفوذها السياسي وفرض نظام سياسي مدني زمني عقلاني يحكم فيه الإنسان الإنسان بحكم الإنسان وبعقل الإنسان الحر وفق صيغة تعاقدية يتنازل فيها الناس عن الكثير من حرياتهم لصالح من يحكمهم في إطار صيغ قانونية متفق عليها منظمة لمختلف أوجه الحياة…وقد كانت حركة الإصلاح والنهضة الأوروبية قد انطلقت في ذلك مستندة إلى ما بالإنجيل من حقائق دينية تعطيهم هذا الحق باتجاه فصل ما جاء الكتاب المقدس فاصلا بينه وما كانت الكنيسة جامعة بينه من الدين والسياسة لإصلاح الدين وإصلاح الدولة.
وبهذه الملحمة الطويلة التي بدأت بين الدين والعقل، ثم بين الدين والعلم، لتكون بين الدين والسياسة، لما بين هذه المكونات الثلاث من علاقة ومن ترابط واتصال، والتي انتهت بسقوط النظام الكنسي ذو الصفة والطبيعة الدينية المحسوب على الدين، وانتصار العقل وقيام النظام السياسي المدني الزمني على قاعدة إعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله كما جاءت نصوص الإنجيل مؤكدة له ودالة عليه في وضوح لا يعتريه لبس، ظل الجدل قائما في المسألة التي استشكل فيها الأمر في الغرب بين الدين والعلم والسياسة، أي بين الدين والعقل والدولة، الأمر الذي لم يكن مطروحا ولم يطرح في العالم الإسلامي على امتداد تاريخ الحضارة العربية الإسلامية إلا بعد انتقال العدوى إلى الأمة من الغرب بفعل الإنحطاط والغزو الفكري والإختراق الثقافي وتواصل الهيمنة السياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية والإعلامية والعسكرية المباشرة أو بالوكالة عن طريق النخبة التقليدية والعلمانية اللائكية، مما انتهى ببعض المفكرين والفلاسفة الغربيين إلى القول أن عصر قيام الأنظمة السياسية على أساس ديني قد ولى وانتهى وأصبح من التاريخ، ولم يعد مناسبا للإنسان المعاصر إلا أن ينظم حياته ويقيم أوضاعه على أساس نظام سياسي مدني زمني يقوم على العقل وحده ولا مكان فيه للدين

وإذا كان الغرب قد انتهى إلى هذه الحقيقة وإلى هذه النتيجة على أساس إنجيلي ديني وليس كنسي سياسي بعد أن كان قد أعاد الأمور إلى نصابها بإعطاء كما أشرنا إلى ذلك سالفا ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فإن هذا الجدل مازال قائما في الشرق، وخاصة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وكان ينبغي أن لا يكون. وكان ينبغي كذلك أنه إذا كان لا بد أن يكون قد انتهى. وكان يجب أن لا يعمر طويلا باعتبار أن:
1- العقلانية التي حارب بها الغرب نظام الكنيسة الديني قد اكتسبها مما انتهى إليه من الثقافة والعلوم والمعارف التي لا أصل لها إلا في الدين الإسلامي ومن العقل الإسلامي المبدع المستنير.
2- وأن الدين الإسلامي ليس كالدين المسيحي ولا كغيره من الأديان والنحل، وليس النظام السياسي أي نظام الشريعة الإسلامية كنظام الكنيسة.
3- وأن أمة العرب والمسلمين ليست كأمة أهل الكتاب ولا كغيرها من الأمم الأخرى، ليس استعلاء ولا عنصرية، ولكن من جهة أنها أمة صاحبة تاريخ وعلم ومعرفة وثقافة وحضارة إنسانية.
4- وأن في الإسلام من الوضوح نصا وتجربة تاريخية، ولقرون من الزمن ما يجعل مثل هذه الإشكالية ومثل هذه المسائل غير ذات مثار للجدل.
– وتحت تأثير عصور الإنحطاط وجهل المسلمين بحقيقة دينهم أولا.
– وافتتان النخبة في أوطان أمة العرب والمسلمين خاصة بالنظام الحضاري الغربي ثانيا.
– وفرض الغرب الإستعماري الصليبي العنصري لنظام الدولة العلمانية الحديثة بعد إلغاء بالقوة العسكرية العمل بالنظام الإسلامي واستمراره في حماية نظامه والدفاع عنه والمحافظة عليه بكل الوسائل لمنع قيام نظام الشورى الإسلامي ثالثا.
انتقل الصراع بين مكونات النخبة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين من أنصار ثقافة التغريب القائلين بفصل الدين عن السياسة اقتداء بالغرب وتأثرا به واهتداء بهديه، وأنصار التعريب القائلين بعدم جواز ذلك، والأمر في هذه المسألة وفي هذا الموضوع، متعلق بالدين الإسلامي وليس بالدين المسيحي أو غيره من باقي الأديان في العالم.
وبعد أن استقر الأمر للحركة العلمانية اللائكية الدخيلة أو حسبت أن الأمر كان كذلك بالنسبة لها، في أوطان تعمقت فيها الهوة بين الشعوب وإسلامها بفعل عصور الإنحطاط والجهل والأمية، وبفعل حركة الإستعمار الغربي الذي جاء مالئا الفراغ بمضمون ثقافي غربي عنصري صليبي تكفيري، وإنهاء العمل بالنظام الإسلامي حتى في صورته الفاسدة المنحرفة، وفرض نظام الدولة العلمانية الحديثة وما كان تابعا لها وما تقوم عليه من مضمون، أو قل بديل ثقافي، ومنظومة فقهية تشريعية، ونظام إداري، ولغة أجنبية بديلة عن اللغة العربية التي تم تقديمها على أنها عاجزة على استيعاب ثقافة العصر والتعبير عنها، لم يلبث الأمر كذلك إلا قليلا حتى انطلقت الدعوة من مختلف أنحاء العالم الإسلامي وبدرجات متفاوتة وعبر مراحل مختلفة وبأساليب مختلفة إلى ضرورة السعي إلى استعادة العمل بالنظام الإسلامي الصحيح بديلا عن النظام التقليدي الفاسد المنحرف المحسوب على الإسلام، وعن النظام العلماني الإستعماري الصليبي الغربي، على أساس الثقافة العربية الإسلامية والشريعة الإسلامية وأداته الأفضل والأصلح تعبيرا عنه اللغة العربية، لتتواصل بذلك إشكالية العقل والنقل والدين، والعلم والدين والسياسة، أو الدولة الغربية المنشإ والأصل والتي لا أصل لها في الشرق العربي الإسلامي، في الطرح بين معسكر الولاء للغرب ولثقافته ولمشروعه السياسي والثقافي والإقتصادي الربوي الإحتكاري والإجتماعي، ومعسكر الولاء للشرق وللهوية وللأمة وللمستضعفين في مواجهة المستكبرين، ولمشروعه السياسي والثقافي والإجتماعي والإقتصادي الإسلامي العادل الذي يحرم الربا والإحتكار وكل أنواع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
ولم يشهد هذا الصراع اشتدادا على مستوى العالم الإسلامي كله كذلك الذي شهده ويشهده في تركيا وتونس.
وفي هذه الظروف التي توهمت فيها الحركة العلمانية الهجينة الدخيلة أنها قد أصبحت هي الأصل وأن الإسلام هو الإستثناء، والتي جاءت فيها الحركة الإسلامية الأصيلة طارحة نفسها على أنها هي الأصل كذلك، وهي التي في الحقيقة كذلك، وغيرها هو الإستثناء، وهو الذي في الحقيقة كذلك، ظلت مسألة العلاقة بين الدين الذي هو الإسلام هذه المرة، والسياسة التي هي السياسة العلمانية ذات الأصول الإنجيلية والسياسة عموما، مطروحة اتصالا وانفصالا. وكانت موضوع جدل مازال مستمرا بين الحركتين لم يحسم بعد. وستظل مطروحة ما دام للحركة العلمانية الغريبة والدخيلة في أوطان الشعوب الإسلامية التي أصبحت تمثل طائفة جديدة في نسيج مجتمعات شعوب أمة العرب والمسلمين لم يعرف تاريخ الحضارة الإسلامية لها مثيل من قبل وجودا.
في هذه الظروف، وفي هذه الأوضاع المتوترة التي كان الصراع فيها عنيفا بين الحركة العلمانية الدخيلة المغتصبة للحكم والمتسلطة على رقاب شعوب الأمة، والمدعومة من طرف الإستعمار والإمبريالية والصهيونية، والحركة الإسلامية الأصيلة الممثل الحقيقي لحركة التحرر في الوطن العربي والعالم الإسلامي، والتي جاءت عاملة على إزالة آثار العدوان الإستعماري، وإعادة الأمور إلى نصابها كما جاءت حركة الإصلاح والنهضة الغربية عاملة على إزالة النظام الكنسي المعيق للتقدم والتطور وإعادة الأمور إلى نصابها، وهي التي لا يمكن أن يتم لها ذلك إلا بإنهاء العمل بالنظام العلماني الدخيل، والذي بدا واضحا أنه قد جاء معيقا لحركة الإصلاح وللتقدم والتطور ولعملية التحرر والإستقلال الحقيقي، وإعادة لشعوب الأمة حقها في العيش في كنف نظامها الإسلامي الذي هو نظامها السياسي والثقافي والإقتصادي والإجتماعي الطبيعي الذي تعبد به الله من خلال الإصلاح الدائم والشامل، والتي لا تستقيم عبادتها له بدونه، في هذه الظروف كتبت هذه الدراسة المتواضعة تحت ضغط أمني قمعي استئصالي، وضغط إعلامي شديد كانت الحركة العلمانية كلها، إلا من رحم ربك، طرفا فيه، وكل من موقعه وبطريقته وأسلوبه، سلك فيه الجناة والمجرمون من مختلف تجليات الطائفة العلمانية الموحدة في إطار نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب هذه المرة وخارجه في حق أبناء شعب تونس العروبة والإسلام طريق تكفير المخالف لهم في الرأي وفي المشروع السياسي والثقافي والإجتماعي، خاصة وقد كان هذا المخالف هو الحركة الإسلامية، وكان المشروع إسلاميا، وشن حملة تصفية واستئصال وإرهاب وقمع واسعة ضد أبناء الشعب المختلفين معهم في مشروعهم التكفيري الإستعماري الغربي.
وفي ظل هذه الحملة التي كانت متواصلة منذ وقت مبكر من تاريخ تونس الحديث، أي تاريخها الإستعماري منذ أن وطئت أرضها أقدام الغزاة الفرنسيين إلى اليوم الذي ينتهي فيها العمل بالنظام العلماني، وهو اليوم الذي يبدأ فيه الشعب التونسي الحديث عن الإستقلال والحرية، وخاصة منذ أن أنشأت حركة الإستعمار الغربي الصليبي الصهيوني الحركة العلمانية التكفيرية الدخيلة ووجدت طريقها إلى سدة الحكم، كانت إشكالية الدين والسياسة مطروحة، وكانت التهمة الأكبر التي كان ومازال يوجهها الجناة للحركة الإسلامية هي الخلط حسب زعمهم بين الدين والسياسة. وأن قياداتها وأنصارها ومؤيديها وقواعدها ليسوا إلا متسترين بالدين، الذي يحضى بالرعاية الكاملة من طرف الدولة حسب زعمهم، لتحقيق أهداف سياسية. ولذلك أوليت الإهتمام فيها بمناقشة مسألة الدين والسياسة والعلاقة الواقعة بينهما، والتي يمكن أن تكون بينهما، وتلك التي يجب أن تكون بينهما في ديننا الإسلامي الحنيف خاصة.
ولم أوجه اهتمامي فيها للجانب النظري للوقوف عن دلالات ومعاني كل من الدين والسياسة على وجه الدقة لغة واصطلاحا. ولا كيف تطورت العلاقة بينهما تاريخيا بعدا وقربا، قوة وضعفا، ائتلافا واختلافا واتصالا وانفصالا. ولكن كان الإهتمام فيها مركزا على الواقع والتاريخ الحديث واستنادا إليهما وانطلاقا من طبائع الأشياء ومن حقيقة تطور أحداث التاريخ.
فكانت المناقشة والمحاججة موضوعية أكثر منها نظرية. وهي تستند للواقع والتاريخ، كان لابد أن تتم إحالة الجهات والأطراف المعنية للجانب النظري الذي يستندون إليه ولمصادره الصحيحة والحقيقية.وقد حاولت أثناء ذلك معالجة تهمة التستر بالدين لأهداف وأغراض سياسية الموجهة للإسلاميين وللحركة الإسلامية وللإسلام عموما من طرف العلمانيين واللائكيين التي يبررون بها قمعهم للشعوب وارتكاب الجرائم والمجازر في حقها.
فقد انتهيت من كتابتها منذ منتصف العقد الأخير من القرن الماضي، وهي الفترة الزمنية التي كان القمع العلماني “الديمقراطي”في تونس على أشده بكل “ديمقراطية وكل وطنية” وقد طال حتى الأجنة في بطون أمهاتهم. وظللت محتفظا بها أمام انسداد كل الآفاق بالبلاد، وأنا أعلم أن عثور البوليس السياسي الذي كان دائم المطاردة والمتابعة اللصيقة لي، والذي كان دائم مداهمة المنزل في كل وقت من الأوقات ليلا ونهارا بسبب أني المدان دائما بالإسلام في وطن العروبة والإسلام. وفعلا وعندما تم إيقافي يوم 13 /11/2002 كانت هذه الدراسة من بين ما تم العثور عليه بمكتبتي الصغيرة أثناء التفتيش. وكانت من بين الوثائق التي تم اعتمادها لإثبات الإدانة الثابتة بالنسبة له سلفا، وتوجيه التهمة التقليدية التي يوجهها البوليس السياسي عادة دائما لمن لا تثبت له عنده تهمة من المخالفين للنظام في الرأي، وفي قضايا الخلاف السياسي في بلادنا، وهي الإنتماء إلى جمعية غير مرخص فيها أو المحافظة عليها، وقد انضافت إليها هذه المرة جمع أموال بدون ترخيص، ولم يكن الأمر يتعدى مجرد صدقة في شهر رمضان تقدمت بها ومن اعتبر مورطا معي في القضية لعائلة فقيرة كانت الزوجة فيها في حكم الأرملة المتعففة ومن اللائي تريد السلطة أن تضطرهن وتكرههن على البغاء، وأبنائها الثلاثة في حكم الأيتام القصر، وبعض ما تستعين به على زيارة زوجها السجين في قضية حركة النهضة الإسلامية، وتمكين أبنائه من رؤيته، ولتكون فرصة لأبيهم ليراهم لأول مرة منذ تم إيقافه وبعد أكثر من إثني عشر سنة.
وبفعل الإستبداد وبحرص المفسدين على إلحاق الأذى والضرر بالمؤمنين، ومحاولة إحقاق الباطل الذي لا يمكن أن يصبح حقا، وإبطال الحق الذي لا يمكن أن يكون باطلا، قضت هذه الدراسة وما معها من أعمال فكرية وسياسية أخرى في الحجز بمخافر فرقة الإرشاد وفرقة”فساد”:(فرقة سلامة أمن الدولة) بقفصة بقدر ما قضيت بالإيقاف وفي السجن.
وخوفا مني على هذه الأعمال من التلف بين يدي أعداء الحرية والفكر والثقافة والعلم والمعرفة من سدنة نظام الإستبداد، حيث لا بقاء لشيء ذي بال، وحيث لا يأمن الناس في هذه البلاد في هذه الأماكن على أموالهم ولا على أعراضهم ولا على أنفسهم ممن من المفروض في غير نظام الدولة العلمانية الحديثة أنهم الحافظون لكل ذلك والحامو ن له والمؤتمنون عليه، كنت شديد الحرص والإلحاح بدءا بالإيقاف ومرورا بالسجن وانتهاء بالمحكمة وكل الجهات والهيئات المعنية والمسؤولة، على المطالبة بكل المحجوز الذي من المفروض أن تتم إعادته لي بعد الفراغ من إثبات التهمة به علي، إن كان في تلك المضامين الفكرية والسياسية الخاصة ما يصلح ليكون شاهد إدانة لي ومن معي من الأخوة على ذلك، والذي لم تقع مصادرته باسم القانون، والذي يقضي القانون نفسه في من يعتبر أصحاب القرار بالبلاد أنها “دولة القانون والمؤسسات” بإعادته، سواء بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة والتي تكون بتوكيل مني لزوجتي أو لمحامي أو لأي جهة أثق فيها وأطمئن إلى ائتمانها عليه، ولكن بدون جدوى. وظلت مطالبتي بذلك مستمرة قرابة الستة أشهر دخلت فيها في إضراب عن الطعام لمدة أربعين يوما من أجل إعادته لي أو لزوجتي التي كانت في حركة دائمة متنقلة من أجل ذلك بين مختلف المسؤولين في الفرقة المذكورة المعنية بالأمر ومختلف المسؤولين والمعنيين بالمحكمة ومدير السجن المدعو طارق الرابحي. وقد توجهت برسائل كثيرة في الغرض لوزير الداخلية وللمدير العام لإدارة السجون وغيرهم من المسؤولين(1)، إضافة إلى المطالب التي توجهت بها شخصيا من داخل السجن لكل هذه الجهات والأطراف اللامسؤولة ولإعطائه مدى وبعدا يتجاوز الجهة المباشرة للإشراف عليه والمحتفظة به، عسى أن يكون ذلك مساعدا على المحافظة عليه وعدم إتلافه في صورة ما إذا لم يقع إرجاعه.
وقبل إنهاء الإضراب، ولإنهاء مواصلة المطالبة بذلك، وجدت إدارة السجن بقفصة، وبالتنسيق طبعا مع باقي الجهات”الأمنية” والإدارية والقضائية المعنية طريقا للتخلص مني، والإنتهاء من وجع الرأس الذي كان يسببها لها ولباقي الجهات ذات العلاقة بالموضوع عدم تنازلي عن الإستمرار في المطالبة بكامل المحجوز لدى الجهات القمعية التي لا تريد أن يستمر إحراج بعضها بعضا بخصوص هذا الموضوع. فتم نقلي وبصورة سريعة ومفاجئة، وأنا في حالة إضراب إلى سجن القيروان، حيث لم يعد من المناسب مواصلة المطالبة بالمحجوز الذي كان كله ذات طابع فكري مضموني لا علاقة له بالقضية ولا بالتهمة مصدر العقاب وكانت هذه الدراسة من بينه.
وفعلا فقد طوي الملف بالإبعاد وبفقدان السند الخارجي وبحالة الإرهاق التي أصبحت عليها لأكثر من سبعة أشهر.
وبعد إنهاء العقوبة البدنية ومغادرة السجن المدني بالقيروان يوم 14/12/2003 وبعد فترة نقاهة دامت قرابة ثلاثة أسابيع، تحولت إلى فرقة”فساد” حيث وجدت أني قد أكون قد أبقيت بذلك المجهود على معظم المحجوز بعد أن فقد منه بعض الوثائق والكتابات، إضافة إلى ما تم حجزه بصفة قيل أنها قانونية، وهي التي مازالت في خزائن وأدراج مكتب نيابة الحق العام بمقر المحكمة. وقد علمت أني ربما بذلك المجهود وبتلك التضحيات إلى حد الموت والهلاك قد أكسبت ما تبقى من الأعمال والدراسات والوثائق الحياة.
وهي الدراسة التي حرصت بعد ذلك وبعد جهد كبير رغم الإرهاق والظروف الصعبة أن تجد طريقها إن شاء الله إلى القراء ذات يوم في شكل كتاب أسأل الله أن يكون به من النفع ما يقربني إليه زلفى.
والله من وراء القصد وهو وحده الهادي إلى سواء السبيل.

علـــي شرطـــــاني
(1) انظر النسخ المطابقة للأصول بالملحق بآخر الكتاب.
– إشكالية الدين والسياسية ؟
حين نكتب في الدين والسياسة لا يعني ذلك بالضرورة اقتناعا منا بأن هناك دينا يجب التحدث عنه بمعزل عن السياسة أو أن هناك سياسية يجب التحدث عنها بمعزل عن الدين. بل إننا حين نكتب عن كل ذلك نكون محكومين بقناعة ويلازمنا يقين لا يخالطه شك بأنه لا اكتمال للدين بغير بعده السياسي، ولا صلاح للسياسة خارج إطارها الطبيعي الذي إذا تم فصلها عنه تصبح فاقدة لكل معنى من معاني الحرية الحقيقية والعدل الحقيقي والشورى الحقيقية والمساواة والإخوة الحقيقتين وكل القيم والمبادئ الإنسانية النبيلة.وعادة ما يزعم المنتصبون على تنظيم حياة الناس وإقامة الحكم فيهم، أنهم إنما يعملون على تحقيق هذه الأهداف التي تمثل محط أنظار كل الناس ومصدر اهتمامهم، وما تهفوا إليه نفوسهم، وغاية ما يطمحون إلى تحقيقه في حياتهم. فلا معنى للدين بغير سياسة ولا صلاح للسياسة خارج إطار الدين. وهي التي لا صلاح لها بدونه وهي التي بما يبدوا منها من صلاح تبقى فاسدة ومفسدة بدونه كذلك. إننا حين نتكلم عن الدين والسياسة أو نكتب فيهما، إنما نريد أن نعيد الأمور إلى نصابها، بعد أن بلغ الأمر بكثير من المنتسبين اعتباطا للإسلام إلى استلهام ثقافة المستعمر استلهاما لم يبق معه في نفوسهم مكانا لمراجعتها أو إعادة النظر فيها، أو مجرد الشك في اشتمالها على الخطإ أو مجانبة الصواب، من حيث يقصد أصحابها أو لا يقصدون.
إن هذه الطائفة من الذين يريدون أو يراد لهم أن يكونوا مثقفين بل ومن المثقفين قد بلغ بهم الإعجاب بالفكر الغربي والثقافة الغربية حد القداسة. وقد وصل بهم الأمر في ذلك إلى حد النأي بهما عن الخطإ المخل بتنظيم الحياة على أساسها. وأنه لا مكان ولا سبيل لثقافة بديلة عن الثقافة الغربية تصلح لتنظيم حياة الشعوب والمجتمعات والدول.
فهذه الطائفة من المثقفين العلمانيين إنما تفعل ذلك لأسباب قد لا يكون من السهل حصرها، ولكننا نعلم أنهم يتراوحون في عضهم عليها بالنواجذ والإستماتة في الدفاع والذود عنها، والإجتهاد فيها مساهمة منهم في استمرارها والإبقاء عليها بين الإقتناع الصادق بها ما لم يتوفر لهم من الأسباب ما يجعلهم يقتنعون صدقا بغيرها، وبين الإصرار عليها ولو وضعت بين أيديهم كل الدلائل والبراهين العلمية والعقلية والموضوعية التي تجعلهم يقتنعون بغيرها أو على الأقل يغيرون رأيهم فيها. وقد يكون هؤلاء ممن يصدق فيهم قول الله تعالى :”أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور”(1). في هذا الإطار أصبح مطروحا على ساحات الصراع والمناجزة والمناظرة أمور عديدة. بل أصبحت كل القضايا تقريبا قابلة للمناقشة وتناول الرأي فيها. مما جعل قضية مثل قضية الدين والسياسة وقضية المرأة على وجه الخصوص، وغيرها من القضايا الخلافية الكثيرة محل جدل كبير. فانقسم الناس فيها إلى تيارين كبيرين مختلفين اختلافا بلغ حد التناقض في أكثر من موقع من القضية الواحدة.
ويقف كل من هذين الفريقين على أرضية معينة. ويجعل لنفسه أهدافا وغايات يريد تحقيقها من خلال قناعاته وثقافته وفهمه للتاريخ وللحياة والإنسان والكون ماضيا وحاضرا ومستقبلا. فالتيار التغريبي ومن خلال وقوفه على أرضية الثقافة الغربية، يرى ما رآه ويراه أسياده من رواد الفكر والثقافة الغربيين، وقد يصل الولاء بهؤلاء المقلدين حدا يظلون مراوحين فيه المكان الذي عهدوا وصول أسيادهم إليه، وإن كان أولئك قد غادروه، وهم لا يكونوا قد شعروا بتلك المغادرة. وقد يظلون كذلك أحيانا حتى وهم يعلمون أن تجاوزا ما قد حصل لبعض القضايا والمفاهيم والمسائل. فهم ملتزمون باقتفاء أثرهم والسير على خطاهم في ما يصيبون وما يخطئون فيه. وقد بدا واضحا أن التيار التغريبي في البلاد الإسلامية غير العربية والعربية الإسلامية قد ظل محافظا على كثير من المفاهيم التي تجاوزها المفكرون الغربيون أنفسهم، وتخطاها الفكر والثقافة الغربيين بشكل عام وفق مقتضيات حركة التطور السريعة المطردة في أوطان شعوب الغرب المختلفة، إما جهلا من مثقفيه بهذا التجاوز لعدم مواكبتهم لنسق تطور هذه الثقافة سلبا وإيجابا، أو لعلمهم بذلك، ولكن مصالحهم الذاتية الشخصية والفئوية والطبقية والحزبية والجهوية كانت تمنعهم وتحول دونهم ودون ذلك وقد كانت نتاج تطور المجتمع والعلوم والتقنية، وعاملا مهما في تطوير المجتمع والمؤسسات العلمية والتقنية. إلا أن انتهازية السائرين على نهج الإنتهازية من المغرورين والمخدوعين من أبناء شعوب أمة العرب والمسلمين جعلتهم يحرصون على إعطاء هذه
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الحج:46
المفاهيم بعض المعاني الخاصة تكرس التغريب والتبعية والإلحاق بمحاولة تأصيلها في المحيط العربي الإسلامي، وفي الثقافة العربية والإسلامية، وتكرس الإستبداد السياسي والفساد المالي والإداري والأخلاقي أما بمساندته أو التغاضي عنه أو المشاركة فيه والتعاطي معه، مثل مفاهيم الحضارة والثقافة والأخلاق والتطور والحداثة والديمقراطية والإبداع والدين والسياسة وغير ذلك من القضايا… ولذلك كان من المفاهيم المثيرة لكثير من الجدل عبر القرن العشرين وربما حتى في أواخر القرن التاسع عشر وخاصة بعد ظهور الحركة الإسلامية المعاصرة والصحوة الإسلامية التي أخذت مداها بامتدادها عبر المنطقة العربية والعالم الإسلامي والعالم كله، هما مفهوما الدين والسياسة. ومن خلالهما احتد الصراع بين مختلف الأطروحات الفكرية والتنظيمات والتيارات والتشكيلات والحركات السياسية بخصوص ما زاد عن ذلك كذلك من القضايا الخطيرة ذات العلاقة بالهوية وطبيعة المجتمع والأمة والتاريخ والحضارة… مثل قضية الديمقراطية والمرأة والحرية والإقتصاد والثقافة والتراث وغير ذلك من القضايا.
وإذا كانت هذه القضايا مثارة عند المثقفين المتغربين بحكم شرب ثقافة الغرب في قلوبهم وعقولهم، وقد أصبحت أفكارهم خالية من كل تصور لأصالتهم وهويتهم وعقيدتهم وثقافتهم الإسلامية، فما سبب إصرار الكثير من الحكام العرب والمسلمين ذوي الثقافة التقليدية أو المحدودة في إحكام تطبيق هذه البدعة ذات الأصول الغربية والذود عنها. واعتبار كل منطلق من الإسلام والمطالبة بحق الوجود السياسي المنظم أو غير المنظم والمعترف به قانونيا أو غير المعترف به ليس إلا متسترا بالدين من أجل تحقيق أغراض سياسية ؟ !
فليس لذلك في الحقيقة سبب واحد وإنما هي أسباب كثيرة نذكر منها ما يلي :
1- السبب الأول: أن الذي لا شك فيه أن ذلك كان من جهل المسلمين بإسلامهم، وقلة صدقهم وإخلاص مع الله وعدم الخوف من عقابه وعدم الطمع في جزائه وثوابه، بما في ذلك ملوكهم وحكامهم بمختلف نزعاتهم وأهوائهم والشعارات الملوحين بها والرافعين لها،من قبيل الحرية والإشتراكية والوحدة والعروبة والديمقراطية والحداثة والإسلام نفسه. وكان كل ذلك أحد الأسباب الرئيسية في القبول بغير الإسلام نظاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.
2- أما السبب الثاني: فهو وإن كان في الحقيقة ذرائعيا فقط، إلا أن أعداء الإسلام من مبشرين ومستشرقين وغربيين صليبين قد أوحوا إلى وكلائهم من المحسوبين على الإسلام من العرب وغير الغرب من مختلف الأعراق أن الإسلام هو السبب الرئيسي في تخلفنا وانحطاطنا. ولا فائدة بالتالي من إعادة المراهنة عليه مرة أخرى. وقد روي عن سيء الذكر الهالك الحبيب بورقيبة سابقا قوله لما وقع الحديث معه بعد سنة 1956 بخصوص طبيعة النظام السياسي للبلاد التونسية بعد مغادرة المحتل الفرنسي لها عسكريا، إن كان بالإمكان استئناف الحياة الإسلامية بها: “أنا لا أراهن على جواد خاسر”، وهم من أصبحوا عندهم محل ثقة وناصح أمين، ويملكون زمام المبادرة الحضارية والعلمية، مما يستوجب معه الأخذ بنصيحتهم واعتماد آرائهم وأفكارهم مما قد يتحقق به بلوغ المرام الذي بلغوه والمكاسب التي حصلوا عليها والقوة والتفوق الذين انتهيا إليهما. وأصبحت عندهم بذلك قناعة أن ما كان سبب تخلف وانحطاط لا ينبغي أن يكون في يوم من الأيام سببا من أسباب التقدم والتطور والرقي والنهضة، فأوصدوا دون ذلك ألف باب. ولم يصبح عدم المجاهرة بالإساءة إلى هذا الدين إلا خوفا من الجماهير وإظهار بعض الإحترام المزيف لمشاعرها. وما خطاب الإطراء له وتمجيده وإظهار الإعتزاز به إلا من قبيل العملة المتداولة بين الأجهزة التنفيذية والإعلامية للأنظمة الفاسدة المعادية في الأصل له. يضفون بها على أنفهم مشروعية لا يستطيعون اكتسابها إلا من قدسيته التي ليس أمامهم إلا الإقرار والإعتراف له بها رغم أنوفهم.
3- السبب الثالث: هو تنكرهم له وهم يعلمون أن صحة الإسلام وشموله وصلاحيته لكل زمان ومكان لا يمكن أن تجعله يوما ما من أسباب التخلف. وهو الذي تأكد تاريخيا أنه نظام كوني بعث أمة وأقام حضارة واستجمع كل أسباب النهضة الأوروبية الغربية التي أنجزت هذه الحضارة واستكملت أسباب بروزها وتفوقها. ولكن أهواءهم واستسهال إقامة نظم أخرى ولو مناقضة له كان الأهم عندهم، وذلك ما كانوا الأقدر على فعله، بل لم يكونوا مخيرين في ذلك بحكم انصياعهم انصياعا كاملا لقوى الهيمنة الإستعمارية التي أوجدتهم ومكنت لهم وهي الحامية والراعية لهم.
4- أما السبب الرابع: فهو اختيار الإنسجام مع الأوضاع العالمية والدولية ولو كان ذلك لغير صالح الشعوب والأوطان وهم في ذلك صنفان إثنان لطائفة واحدة:
أ) صنف من الحكام قد يجد نفسه غير مستطيع العمل على استئناف الحياة الإسلامية وإقامة النظام الإسلامي وإن كانت له قناعة بذلك نظرا للتحديات الجسام التي يجدها هذا الحاكم وذاك مطروحة عليه، والصعوبات التي تواجهه في معركة البناء، ولا يجد على ذلك معينا أو ناصحا أو مشجعا أو مساندا من قوى أو أطراف يطمئن إليها ويثق بها. وهذا ما تذرعت وتتذرع به أحيانا وللأسف الشديد الكثير من الزعامات والأنظمة في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي عامة.
وإذا كان ثمة من هذه الأنظمة من ملك القدرة على تحمل مسؤوليته في ذلك في ظروف تاريخية خاصة ولاعتبارات شرعية خاصة، فقد كانت تجربة تقليدية جدا ومتخلفة مكرسة للإنحطاط والتخلف والرجعية أكثر مما كانت مكرسة في عصور الإنحطاط نفسها، إذا اعتبرنا جدلا أن تلك العصور قد ولت. وكانت مسيئة للإسلام أكثر مما هي مشرفة له. وهي أبعد ما تكون عن نظام الشورى الإسلامي كما تبدوا معالمه واضحة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وكما جاءت عليه التجربة الأولى وإن كانت بدائية ولم تعمر طويلا زمن الخلافة الراشدة التي قطع عليها الطلقاء أبناء الطلقاء، الذين أعطوا فرصة لليهودي عبد الله بن سبأ لشق صفوف الأمة وإظهار التشيع الذي أصبح يقدم به الإسلام للعالم اليوم على أسوإ وأبشع صورة لم يسبق أن ظهر عليها في أسوإ مراحل تاريخه، الطريق وجعلوا نهاية سريعة لأي فرصة يمكن أن يأخذ فيها طريقه بعد ذلك إلى التطور الذي بدأ يشهده على عهد الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وليأخذ مكانه حكم الوراثة العضوض حتى سقوطه سنة 1925 ،مثل التجربة السعودية التي أصبح ينظر إليها على أنها رمز للتحالف مع قوى الهيمنة الإستعمارية الزارعة للكيان الصهيوني اليهودي والراعية له. وكان ينظر إلى أن ذلك يحصل وللأسف الشديد باسم الإسلام. وأن الإسلام هو الذي يجيز ذلك وعلى ذلك النحو. مما أعطى انطباعا للجاهلين بالإسلام وأعدائه وخصومه بأنه لا وجود لنظام إسلامي ولا لتصور إسلامي خارج القبول بهيمنة قوى الظلم والطغيان والإستكبار على الشعوب والأوطان. وذلك ما لم يعط لهؤلاء أنفسهم أي استعداد للقبول بأي تصور ولا بأي نظام للإسلام بعيدا عن الصورة والأنموذج الذي قدمته لهم في التاريخ المعاصر عائلة آل سعود.
أما حقيقة الذرائعيين فهي: أنه لم يصدق منهم العزم على مواصلة جعل الإسلام نظاما سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا بعد الإنتهاء من معركة التحرير. ولم يكن ذلك في الحقيقة من قناعاتهم. ولم يكن لأي طرف من هذه الأطراف المتعذرة بما تعذرت به، أي تصور ينطلق من الأصول والثوابت الإسلامية ويستوعب الواقع الحضاري الدولي الإجتماعي والثقافي والسياسي والإقتصادي والعلمي والعسكري ليقيم عليه معركة البناء. بل إن الذي يؤكده التاريخ الإستعماري الغربي الصليبي أنه كان دوما ومازال يعمل بوعي وبمسؤولية كاملة على الحيلولة دون اكتساب الرموز الإسلامية والحركات والقوى الإسلامية أي أهلية تجعلهم يتصدرون بها قائمة القوى المهيأة والقادرة على تولى زمام الأمور من بعده. ولم يكتف بذلك فقط، بل تعداه إلى دعم القوى والرموز التي أبدت استعدادا واضحا، وخبر منها ذلك، لمواصلة المسيرة التي بدأها، والإبقاء على الأوضاع على الشاكلة والنحو الذي يريده، ويضمن استمرار مصالحه في مستعمراته بعد مغادرتها اختيارا واضطرارا سلما و حربا، وتأكد من اقتناعها بضرورة إقصاء الإسلام من إدارة شؤون الشعوب والنهوض بالأوطان.
إن الذي يؤكد زيف أعذارهم وسو نواياهم ما بدا منهم من إخلاص وأمانة للتجربة الإستعمارية في نظام الحكم والإدارة والقانون، بما يجعل الأوطان تابعة استراتيجيا للنظام الإستعماري العالمي الغربي، والشعوب مرتهنة للقوى والمؤسسات الثقافية والإقتصادية الإستعمارية، وما جعلهم يثبتون في استراتيجية عملهم السياسي والفكري والثقافي والأمني أولوية تصفية كل ما له علاقة بالإسلام، بتعلات مختلفة وبمبررات كاذبة زائفة غالبا ما يقع الإستناد فيها إلى الإسلام نفسه، عن طريق أئمة السلطة وفقهاء البلاط وعلماء الإرتزاق ، وباعتماد أسلوب إسكات الأصوات الصادقة وخنقها وتكميم أفواهها، واستعمال القوة والإرهاب ضد أصحابها، وقد أورثهم الإستعمار من أسباب القوة والإرهاب ما يملكون به القدرة على القضاء على كل من يخشون تولي زمام الأمور من بعدهم، ممن قد يكونوا سببا في جعل من الإسلام والمسلمين مرة أخرى قوة تهدد مصالحهم وقلاعهم، وذلك ما يخشونه دائما.
يقول كرزون وزير بريطانيا لعصمت أينونوا المندوب التركي “إننا لا نستطيع أن ندعكم مستقلين لأنكم

تكونون حينئذ نواة يتجمع حولها المسلمون مرة أخرى فتعود المسالة الشرقية التي عانينا منها طويلا”(1)
ب) صنف من الحكام بدا أكثر صدقا مع نفسه ومع الشعوب، وأكثر وضوحا منذ البداية، وأكثر ولاء لأعداء الأمة والشعوب والأوطان، وهم أولئك الذين أعلنوها علمانية لائكية منذ البداية، وولوا وجوههم الشرق والغرب، وهؤلاء أنفسهم لا يختلف عنهم في الحقيقة كثيرا أولئك الذين زينوا المادة الأولى من دساتيرهم بالإشارة التي تبدو صريحة أن دين الدولة الإسلام. إلا أن وجه الإختلاف بينهم، أن أولئك غير ملتزمين قانونا وتشعريعا وسياسة واقتصادا وثقافة بأي حد من مبادئ الإسلام وقيمة، ويعتبرون أنه
ليس لأحد الحق في مراجعتهم في ما يعتبرونه من الثوابت القارة المميزة للنظام السياسي العلماني.
أما أولئك الذين انتهجوا سياسة الإزدواجية في الخطاب والكيل بمكاييل كثيرة ومختلفة تملقا وخداعا للرأي العام الشعبي أو القومي، مستفيدين من دعم قوى الهيمنة الإستعمارية لهم، ومن جهل الشعوب بإسلامها، وقد خضعت إلى نقلة نوعية قسرية، من عصور الإنحطاط التي كان من أهم نتائجها الإستبداد السياسي والجهل وانعدام الوعي الشعبي ولو في حدوده الدنيا بمخاطر الجهل والفقر والمرض، وتعمق الهوة بينها وبين هويتها وأصالتها، وافتقارها للمضمون الثقافي الكافي الذي يجعلها قادرة على المشاركة بوعي وبمسؤولية في الوقوف إلى جانب قياداتها الروحية والفكرية، والتصدي لكل المعادين لهويتها وأصالتها، إلى عصر الإستعمار الذي وجد عندها القابلية بحكم الفراغ الذي أصبحت عليه، لتقبل بكل أو بجل ما يمليه أو يفرضه عليها من أوضاع وأفكار وثقافة، ومن تخلف الطرح الإسلامي كذلك وتقوقع جل رموز الهوية والثقافة والفكر الإسلامي، مما جعله غير قادر على تقديم بدائل مكتملة ومتكاملة وواضحة. وحتى إذا كان هناك بعض الوضوح في التصور والطرح، فلم ينجح في إقامة علاقة مباشرة بالعمق الشعبي والجماهيري وتعبئته بمضمون نظري إسلامي ملامس للواقع الموضوعي، وتقديم معالجات صحيحة لمشاكله الحقيقية اليومية. والذي يجب أن نعلمه جيدا، أن هذه المهمة صعبة جدا وتواجهها مخاطر ومصاعب كثيرة جدا نذكر منها :
1- هيمنة الفكر التقليدي الإسلامي ورموزه على الحياة العامة.
2- حضور القوى الإستعمارية بما تملكه من إمكانيات ووسائل ضغط متطورة.
3- نشاط المستغربين الذين أصبح من قناعاتهم مصارعة ومواجهة الغرب بنفس الوسائل والأدوات والمضامين التي ينتهجها في مواجهة الشعوب الواقعة تحت هيمنته على حد زعمهم، وهم لا يعلمون أو يتجاهلون أنهم قد أصبحوا بذلك مجرد استمرارا له، ومنفذين لمخططاته سواء كانوا يعلمون ذلك أو لا يعلمون، أو كانوا يدركون ذلك أو لا يدركون، وسواء كانوا يقصدون ذلك أولا يقصدون.
4- صدق الحركة العلمانية الناشئة مع قوى الهيمنة الإستعمارية ووفائها وإخلاصها لمشروعها الثقافي والحضاري وطبيعة المجتمع الذي تريده.
ولعلي أستطيع القول أن الذين أعلنوها علمانية لائكية مثل اليهودي أو صنيعة يهود الدونمة كمال أتاتورك كانوا أقل خطر من الذين غلفوا اللائكية والعلمانية بغلاف إسلامي، يظهرون به منزعا إسلاميا مغشوشا “يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون”(2) ويستبطنون به عداء للإسلام وولاء للغرب الصليبي اليهودي الصهيوني ولثقافته وفنه مثل الهالك الحبيب بورقيبة الذي رعاه الغزاة الفرنسيون، فتخرج من جامعاتهم وحذق لغتهم (وليست المشكلة في ذلك ولكن في الأمر شأن آخر) وزوجوه امرأة منهم، وصاغوا خطابه وشكلوا عقليته ووجهوا تفكيره، وأبقوا عليه حيا من دون الكثيرين من زعماء الحركة الوطنية التونسية الذين ذاع صيتهم وطبقت شهرتهم الآفاق، ليكونوا بعد ذلك بين شهيد وطريد. وهو الذي قيل أنه ظل رافضا للإمضاء على الدستور الذي أعدته الهيئة التأسيسية التي تم تشكيلها لإعداد دستور للبلاد بعد سنة 1956 والذي لم يصادق عليه إلا بعد ما يقارب شهر من الزمن بسبب ما ورد بالمادة الأولى من الفصل الأول منه، بأن تونس دولة حرة مستقلة ذات سيادة الإسلام دينها والعربية لغتها. وقد ظل لا يخفي إعجابه بمصطفى كمال أتاتورك، والذي ظل لا يتردد على التصريح والمجاهرة بأن ذاك اليهودي هو قدوته ومثله الأعلى. إن الخطورة في أمثال هؤلاء لا
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مجلة الأمة – العدد:1 – السنة الثانية – شهر نوفمبر 1981 .
(2) البقرة: 9
تكمن في الإبقاء عندهم على هامش المناورة عند الإقتضاء، وإن لم يكونوا في البداية يقصدون ذلك، ولكن في جرأتهم في ظروف استثنائية خاصة على تحدي مشاعر الجماهير والشعوب، بالإساءة إليها من
خلال الإساءة إلى مقدساتها وعقيدتها وثوابتها ومقومات شخصيتها في غير تردد ولا حرج.وهم الذين لم يكن يدر في خلد معظمهم يوما أنه ربما يكون منهم من قد تمتد به العمر إلى أن يعيش حرج التحرك باتجاه إعادة إثبات الهوية الذي قد تضطره إليه قدرة هذا الدين على التسلل إلى القلوب والعقول، ليكون بذلك قوة شعبية وفكرية وثقافية تشكل عليهم خطرا حقيقيا،ليجد الذين بقوا منهم أحياء أنفسهم مضطرين للبحث عن إضفاء الشرعية الإسلامية على أنفسهم وعلى خطابهم في مواجهة الحركة الإسلامية الناشئة.
وإذا كان عداء العلمانيين المتطرفين واللائكيين للإسلام واضحا ومعلنا وصريحا مهما حاولوا مغالطة الرأي العام الداخلي والخارجي وخداعه، ومهما جدوا في التستر عن ذلك بالحفاظ على بعض المظاهر وبعض المناسبات وبعض الطقوس والتي لا يستطيعون إلغاءها أو تجاهلها أو إنكارها تجنبا للإصطدام المباشر مع ضمير الشعب وعقله الجمعي ووجدانه ومع جماهيره، وتوظيفا لها لإضفاء على أنفسهم وعلى برامجهم وتصوراتهم وعلى وجودهم السياسي والإجتماعي والثقافي، وعلى مواقعهم ومكاسبهم وشرائعهم شرعية لا يتم ولا يستقيم القبول بهم بدونها.وليس أمامهم من سبيل إلا المضي قدما في فرض قناعاتهم وتصورهم على المسلمين في بلاد المسلمين مثل بلد كتركيا وتونس على وجه الخصوص، وبكل عزيمة ووضوح، ويراد للصراع إلا أن يستمر سجالا بين الشعب المتمسك بهويته الإسلامية وبين الطغمة العلمانية التكفيرية المتطرفة التي لا تخفي عداءها للإسلام والعمل بكل قوة وبكل الوسائل على إبعاده عن قيادة الجماهير، فهم في الحقيقة في أقل حاجة، إن لم يكونوا ليسوا في حاجة أصلا لدفع حرج العداء للإسلام، وعليهم أن يواصلوا المعركة تثبيتا لأنفسهم ولمشاريعهم وقناعاتهم وتصوراتهم واستئصالا لخصومهم إن استطاعوا حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا، فإن المنافقين سينتهجون أسلوبا آخر وسياسة أخرى وهي سياسية خداع الجماهير والشعوب، مستفيدين من جهلها بحقيقة الإسلام الذي ظل يصورونه لها طوال حقب حكمهم لها كما يمليه عليهم مستعمليهم الذين استأمنوهم على ثقافتهم ومصالحهم في بلاد المسلمين، على أنه لا شأن له بإدارة شؤون الناس وتنظيم حياتهم على أساسه. وإذا كان لابد من ذلك، فليس أكثر من أن يكون مضمونا نظريا تقليديا لا علاقة له بحاضر الشعوب ومستقبلها. وأن الدين لا يمكن أن يكون أكثر من مسألة شخصية “وقل الحق من ربكم فمن شاء فيلؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا”(1) حسب زعمهم “….كبرت كلمة تخرج من أفواهم إن يقولون إلا كذبا”(2). ولا يمكن أن يكون في هذا العصر، عصر العلم والتقنية والعقل أكثر من مجموعة من الطقوس والشعائر التعبدية والشطحات الفلكلورية التي لا تليق في معظمها بما أصبح عليه كثير من الناس ممن “استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا أن حزب الشيطان هم الخاسرون”(3) ممن تغربوا سلبا فكرا وثقافة وسلوكا من هيبة مزيفة واقتدار مغلوط وتطور مغشوش. إن السواد الأعظم من جماهير الشعوب الإسلامية المنتقلة من عصر الإنحطاط، عصر الجهل والفقر والمرض والضلال إلى عصر الإستعمار، عصر التبعية والإلحاق والتغريب والتكفير، والتي أصبح ينطبق عليها في هذا المجال قول السموئل: “ثكل وغدر أنت بينهما فاختر وما فيهما حظ لمختار” ظل عقودا من الزمن خاضعا لسياسات الإستخفاف التي سبق وأن انتهجها ومارسها فرعون على بني إسرائيل والفراعنة من قبل على عهد موسى بن متى عليه السلام، والتي جاء فيها كلام الله في كتابه العزيز بقوله:” فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين”(4) والتي يتبعها الساسة من الملوك والأمراء والقادة والرؤساء في كل أقطار العالم الإسلامي، وهم الذين من شعوبهم على شاكلة وبمكان فرعون من قومه، ومن حولهم دوائر من المتمجدين المعادين في توجهاتهم وفي قناعاتهم وفي أصل تكوينهم الفكري والمزاجي للفكر الإسلامي بل للإسلام في جوهره، وهم منهم بمثابة السحرة من فرعون، وهو رمز الألوهية والربوبية والطيعان والإستكبار. وقد جاء في ذلك قول الله تبارك وتعالى مخاطبا موسى عليه

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكهف: 29
(2) الكهف: 5
(3) المجادلة: 19
(4) الزخرف:54.
السلام في مواجهته لسحرته يوم الزينة وقد حشر الناس ضحى”والق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى”(1) ويكونوا بذلك قد أضلوا هذه الشعوب، وعمقوا فيها الجهل بحقيقة إسلامها، وأطفأوا فيها نور عقيدته وأحكموا السيطرة عليها وقد أخضعوها لثقافة الميوعة والإنحلال في إطار سياسة الإستبداد والإستخفاف “وأضل فرعون قومه وما هدى”(2)
_استغلال الدين ؟:
لقد سبقت منا الإشارة إلى أن الأنظمة السياسية الإستبدادية سواء أكانت علمانية اشتراكية أو ليبرالية “ديمقراطية رأسمالية أو عسكرية أو إسلامية تقليدية، قد جاء الوقت الذي وجدت فيه نفسها تعيش حرجا حقيقيا ربما لم تكن تتوقعه بعد أن كانت قد استلمت إدارة الأوطان الإسلامية بعد رحيل جحافل الجيوش الغربية الغازية عنها اضطرارا أو اختيارا، وقد اعتبرت نفسها قد وفقت في حسم الأمر في ما يخص إقامة النظام السياسي الذي رأته مناسبا. وقد بدا واضحا لورثة الغزاة من الحكام والنخب الداعمة لهم أنه لا ثالث لمنهجين من الحكم. ولا إمكانية لوجود ثالث لهما. وهما المنهج الإشتراكي المنهار والمنهج الليبرالي الديمقراطي الرأسمالي الصليبي الصهيوني الإستعماري الغربي العنصري العدواني الذي جاءت نتائج الحرب الباردة لصالحه، فكان هو الباقي. وبمقتضى ذلك التوازن الرأسمالي الغربي والغربي الشيوعي الإشتركي الشرقي أصبح من المسلمات التي لا يجوز الجدل فيها الدينونة بالولاء لأحد هذين المعسكرين اللذين كانا يتنازعين اقتسام العالم توريدا وتصديرا، سلما وحربا، استقرار وتوترا وهيجانا واضطرابا، وقد اختل هذا التوازن الدولي لصالح الغرب الديمقراطي الرأسمالي. وقد أصبحت أمريكا بمقتضى ذلك صاحبة اليد الطولى في النظام العالمي الجديد بعد سقوط المنظومة الإشتراكية بزعامة الإتحاد السوفياتي سابقا. وقد تمثل مصدر الحرج الذي وجدت هذه الأنظمة نفسها قبالته في انبعاث تيار فكري سياسي وحضاري إسلامي يطرح نفسه كنظام ثالث ينسجم مع طبيعة الأمة الإسلامية كلها بمختلف مللها ونجلها وشعوبها وطوائفها وأوطانها، ومع فطرة الإنسان السوي أينما كان، داعيا لإعادة الإعتبار للإنسان وللأمة من خلال جعل عقيدة التوحيد جنسية لها وشريعة الإسلام منهجا لها وحضارة الإسلام مرجعا لها وثقافة الإسلام ذاكرة لها والعقل والعلم رائدان لها في الحياة، وحضارة الغرب عامل إثراء وساحة انتقاء لها و”الحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها “كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال.
وبحكم الطبيعة الإستبدادية الظالمة لهذه الأنظمة، وبحكم عمالتها للشرق أو للغرب، وبحكم علمانيتها ولائكيتها وتغرب نخبتها الممسكة لها والمتمسكة بها، فإنها لم تهتد إلى أي وجه من وجوه التعامل معه، سوى مواجهته بالعنف وبكل قسوة، على قاعدة استئصاله أو إجباره على التخلي والتنازل عن دعوته إلى تنظيم المسلمين حياتهم على أساس نظام إسلامي مستقل. أو على اعتبار أن هذه الدعوة خاطئة ولا تصلح بحكم طبيعتها الدينية لأن ينظم عليها الإنسان المعاصر حياته. وقد أصبحت النخب العلمانية اللائكية خاصة تعتقد جازمة أن الحضارة الغربية المعاصرة إنما كانت ردا وتأكيدا على أن عهد قيام الحضارات على ذلك الأساس قد ولى وبدون رجعة. وأنه لا شيء يصلح أساسا لحضارة الإنسان المعاصر غير العقل والعلم والطبيعة. وعليه فإن فصل الدين عن الدولة هو القاعدة التي لا سبيل إلى وجود أي قوة سياسية أو تيار فكري لا يقوم على أساسها إذا كان لابد من وجود قوة سياسية أو تيار فكري مخالف للقوة السياسية الرسمية والتيار الفكري الدائر في فلكها.
– وبحكم الطبيعة الأصيلة والشعبية للحركة الإسلامية.
– وبحكم قدرتها على التجذر في المجتمع الذي انبعثت منه وإليه تعود.
– وبحكم اعتبارها ترجمة حقيقة عن الهوية المفقودة كأوضح ما تكون الترجمة.
– وبحكم قدرتها على استعادة الذاكرة للأمة وانسجامها مع الضمير الجمعي للمجتمعات والشعوب، ومخاطبة الإنسان المسلم عقيدة وثقافة وحضارة، وغير المسلم حضارة وثقافة باللغة التي يفهمها، معتمدة في ذلك قوة البرهان والحجة والمنطق بإقامة علاقة جدلية في الخطاب والسلوك بين العقل والوحي والواقع. فكانت أول حركة استكملت الشروط الحقيقية والأساسية التي تجعل من أي حركة سياسية أو فكرية ثقافية حركة جماهيرية وشعبية. وقد أفرزت رموزا وقيادات علمية واجتماعية وسياسية ذات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طه:69.
(2) طه:.79 .
كفاءات عالية أصبح مشهودا لها بالأمانة والصدق والقدوة الحسنة والنزاهة”لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا”.(1)
فقد وجدت الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي كله نفسها مدعوة:
– بحكم مرجعيتها ومنطلقاتها اليقينية المستندة إلى كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، – وبحكم التحديات التي تواجهها قطريا وإقليميا ودوليا إلى إدارة صراع حضاري شامل مع القوى المحلية والدولية التي أبدت لها منذ الوهلة الأولى عداء كبيرا لما تحمله دعوتها من نقض لكثير من المفاهيم السائدة ومراجعة لكثير من العلاقات الإجتماعية والثقافية والإقتصادية والسياسية
فكان لابد من التصادم بين تنظيمات تتمتع بشرعية واقعية وتاريخية وحضارية تمتد إلى قرون من الزمن، وتجعل من الدين الإسلامي ومن عقيدة التوحيد أساسا لكل بناء اجتماعي وسياسي واقتصادي وثقافي وحضاري، وكيانات رسمية تحتكر في العادة الساحة السياسية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية والإعلامية وغيرها من الساحات والفضاءات والمناشط وتجد لها على ذلك أعوانا من المثقفين المغتربين أو المتغربين الذين يعتبرون أنه إذا كنا نريد أن نبقي للدين على هيبته وصفائه ونقائه وقداسته، كما يزعمون، أن نبعده عن المعترك السياسي حتى نتجنب الخلط بين الذاتي والموضوعي، وبين ما هو أرضي وما هو سماوي، وبين المقدس والمدنس، وبين الميتافيزيقي والطبيعي، وحتى يتحقق للمسلمين الإنسجام مع المنظومة الحضارية الغربية ،وحتى لا نثير حفيظة الأقليات العرقية والدينية التي تشاركنا العيش في أوطاننا. ويعتبرون أن ذلك غير ممكنا إلا باقتفاء أثر الغرب في فصل الدين عن الدولة. فكان الصراع صراعا حقيقيا بين قوتين متنافرتين هما أقرب إلى التناقض منه إلى التقارب، يتربصان بعضهما ببعض، ويكيل بعضهما التهم لبعض. وقد كانت المبادرة في أغلب الأحيان من طرف الأنظمة والنخبة في طائفة الحركة العلمانية خاصة بوصد كل أبواب الحوار مع التيارات السياسية في الحركة الإسلامية، وقطع كل جسور التواصل بين الطرفين الذين أصبحت الأنظمة والنخب والجهات المختلفة الداعمة لها لا تريد أن تكون العلاقة بينها إلا علاقة صراع، اقتناعا منها وتنفيذا لأوامر من نصبوها بشكل أو بآخر وكيلة لهم في أوطان شعوب المسلمين، فكانا متصارعين، تمكينا لثقافتهم وتنفيذا لخططهم الهادفة إلى الإبقاء على حالة التشرد والتذرر والإنقسام والفرقة، التي أصبحت عليه الأمة الإسلامية خاصة والشعوب المتخلفة والفقيرة والمنحطة والمستضعفة عامة. وهذا الوضع الذي يراد المحافظة عليه غباء أو خيانة أو تخطيطا أو دهاء، يدخل في إطار تنفيذ استراتيجية القوى الإستعمارية الإمبريالية والصهيونية العالمية القائمة أساسا على عدم السماح للإسلام بالظهور كمنهج سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي… متكامل يعيد للأمة وحدتها وقوتها وهيبتها واستقلالها في إطار خصوصيتها الحضارية. وليس المقام هنا مقام إدانة هذه القوى الشريرة والمعروفة بعدائها التقليدي للإسلام والمسلمين، فهي تقوم بدورها بما يبقى على ضعفنا وانحطاطنا، وبما يزيدها تمكينا وقوة، لأنها تعتقد جازمة أنه لا قوة لها بدون ضعفنا ولا تقدم لها بدون تخلفنا ولا غنى لها بدون فقرنا، ولا صحة لها وعافية بالتالي بدون اعتلالنا ومرضنا…
ولكن الملفت للإنتباه والمخيب للآمال أن نرى حرصا شديدا من أبناء هذه الأمة وقياداتها ورموزها المختلفة على تنفيذ هذه الخطة المعلنة، محملين المسؤولية في ما آلت إليه الأمة، وما أصبحت عليه الشعوب والأوطان من انهيار على كل الأصعدة وفي كل المستويات للإسلام أولا، وللأعداء ثانيا، دون أن ينتبهوا إلى ما هم فاعلون بأنفسهم وبأوطانهم وإلى الخسائر التي يلحقونها بها وإلى الأخطار التي تحيق بها بفعل حماقاتهم وانفعالاتهم وغبائهم وغفلتهم وأخطائهم وتوجهاتهم واختياراتهم القاتلة. أليس الأجدى بهم أن ينتبهوا من غفوتهم ويتخلصوا من الكوابيس والأوهام الملمة بهم، ويتوجهوا بالإدانة إلى أنفسهم ف”الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني” كما جاء في الحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويحملونها المسؤولية عما حدث ويحدث، ليكون ذلك بداية النهاية لمأساة هذه الأمة وهذه الأوطان وهذه الشعوب.
إن صرف النخب العلمانية اللائكية لأنظار الشعوب عن أعدائها الحقيقيين المباشرين لقضاياها، والموكول لهم حل مشاكلها، والمشرفين على تصريف أدق دقائق حياتها اليومية، إلى أعداء غير مباشرين ومعلوم عدائهم لها، لا يعفيها من المسؤولية الكاملة عن كل ما أصاب ويصيب هذه الشعوب
ـــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأحزاب: 21 .
من كوارث ونكبات وهزائم. ولا شيء يمنع هذه الشعوب من ممارسة حقها في محاسبتها حين تجد من يأخذ بيدها ويرتقى بوعيها إلى مستوى الإدراك الحقيقي لمشاكلها، ولخطورة التحديات التي تواجهها، وينتهي بها إلى معرفة أعدائها الذين لها عليهم حق تأديبهم. وذلك أقصى ما تخشاه الأنظمة والنخب المتغربة الداعمة لها، وإن من مواقع المعارضة أحيانا.
والذي بدا واضحا أنه لا أمل للشعوب الإسلامية في الخلاص إلا بتأييد ومساندة أبنائها المنتظمين في الحركة الإسلامية خاصة بعد سقوط المنظومة الإشتراكية والفشل الذريع الواضح والمؤكد الذي منيت به الأنظمة الدائرة في فلك النظام العالمي الحر والديمقراطية الغربية والحركة القومية، والتي وللأسف الشديد أخرت ومازالت تؤخر انطلاق الأمة لإنجاز مهمات أكبر في الوحدة والنهضة الإقتصادية والتنموية والعلمية والتقنية وإنجاز مشروع الحداثة في إطار الهوية الثقافية العربية الإسلامية لشعوب أمة العرب والمسلمين وسائر المستضعفين، وإن كان بعض رموزها ومفكريها قد أجروا بعض المراجعات الجادة سواء من مواقع الإعتراف بفشل التجربة و إفلاسها، أو من مواقع الإنتهازيين الذين أدركوا أن الأمور والأوضاع تتجه حتما بفعل تنامي التيار الإسلامي وتأثيره على الساحات الوطنية والإقليمية والدولية إلى حيث لا يملكون لها ردا، فاختاروا السباحة مع التيار حتى يضمنوا لأنفسهم البقاء والإستمرار ولو لم يكونوا مقتنعين تمام الإقتناع بما يحدث أو بما يعمل غيرهم على إحداثه وليكونوا طرفا فيه. وفي كل الحالات فهذه مواقف تحسب لهم لأن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الرسالة التي وجهها إلى القاضي أبي موسى الأشعري، وإن كانت تجاربهم في الحقيقة مازالت قائمة وهي محسوبة عليهم كذلك، ومازالت ممعنة في استنزاف طاقات الأمة وفي إهدارها في مالا طائل من ورائه. وهذه التجارب ممثلة في أنظمة سلطوية مثل أنظمة حزب البعث الإشتراكي والنظام الليبي القبلي الفردي المستبد، خاصة وهي كلها محسوبة على الظاهرة القومية الآخذة في الإنسحاب والأفول، ولكنها مازالت مع ذلك سائرة في مصادرة الرأي الآخر ومطاردة الأحرار والمخالفين لها، وموغلة في القتل ومسرفة في التنكيل بكل من يرفع عقيرته ليقول للطاغية أخطأت وأسأت أو خالفت أو أضررت أو ما شابه ذلك مما يمكن أن يطرأ على الإنسان عامة من سهو أو نسيان أو سوء فهم أو قصد أو تأويل خاطئ أو تنزيل باطل، وخاصة عندما يكون الخطاب إسلاميا، فإن لذلك وقعا خاصا يستوجب منها ردة فعل خاصة.
إن المواجهة المفتوحة التي أصبحت قائمة بين التيارات الإسلامية في الحركة الإسلامية وبين الأنظمة العلمانية خاصة والتقليدية بصفة ربما أقل توترا يأتي على رأس أسبابها:
1-الإختلاف المرجعي العقائدي والثقافي الحضاري.
2-إصرار الإسلاميين على انتزاع حقهم في الوجود السياسي.
3-والإختلاف الجوهري الجذري بينهم وبينها في طبيعة المجتمع وطبيعة النظام السياسي.
ونعني بالنظام العلماني كل نظام سياسي لا يعتبر الإسلام نظاما قانونيا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا ولا يؤمن القائمون عليه بذلك ولا يسعون لإقامته بل يمنعون ذلك ويتصدون له، ولا يحل في تشريعاته وفي أدبياته ما أحل الله ورسوله ولا يحرم فيهما إلا ما حرم الله ورسوله قولا وعملا، خطابا وممارسة.
ففي الوقت الذي تتمسك فيه الأنظمة السياسية القمعية المدعومة بالأقلام والأصوات العلمانية المأجورة بإقصاء الإسلام عن الساحة السياسية، يصر الإسلاميون فيه على عدم التنازل عن هذا المشروع الإستراتيجي البديل الذي لا صلاح في عالم الشهادة للأمة وللإنسانية قاطبة ولا نجاة لهما في عالم الغيب إلا به. وأن التنكر له ومحاربته وإقصائه وطرح بدائل عنه هو المقتل الذي أصابنا منه أعدائنا. فما كان من وكلاء الإستعمار في الحكم والأمناء على ثقافته والأوفياء له من حيث يريدون أو لا يريدون ومن حيث يقصدون أو لا يقصدون ومن حيث يشعرون أو لا يشعرون والراعين لمصالحه إلا أن جاهروا بالعداء لمشروع النظام الإسلامي الذي كان يطرح نفسه منذ تاريخ مبكر في الحقيقة ومنذ أن أسقط التآمر الإستعماري الصهيوني والضعف والإنحطاط والتخلف العربي الإسلامي رمز نظام “الخلافة”في رأس الربع الأول من القرن العشرين ، وعقدوا العزم على السعي الجاد لإجهاضه، واستمروا في إصرار على تسديد الضربات القاسمة والقاتلة له، بما يحقق اطمئنانهم على الإستمرار في البقاء في السلطة في مأمن مما يعتبرونه خطرا ماحقا يتهددهم، والذي ليس هو في الحقيقة كذلك،وتنفيذا لخطة الإستعمار الغربي الصليبي والصهيونية العالمية في القضاء على المسلمين بقطع كل صلة لهم بالإسلام، والذي جاءت الحركة الإسلامية المعاصرة المنظمة لإحيائها وتمتينها والإبقاء عليها. مما جعلها هدفا للأنظمة المستبدة الجائرة. وكان على رأس الشعارات التي كان يطلقها الإعلام المسعور والمصاحب للحملات المتلاحقة ضدها، تستر مفكريها وزعمائها وعلمائها والمنتظمين والمتعاطفين فيها والمؤيدين والمحبين والمساندين لها بالدين لتحقيق أغراض سياسية. وهم يعتقدون أن ذلك يمكن أن يكون كافيا لإصدار أحكام الإعدام والإسراع في تنفيذها على الدعاة والعلماء والمفكرين والأتباع النشطين، ونصب المحاكمات الصورية لكل من يعتقدون أنه يمكن أن تكون له صلة بتنظيماتها. ويكون مجرد الشك كافيا لصدور عقوبة السجن والنفي والإبعاد في حقه، ومصادرة كل حقوقه المدنية. لأن هذه الأنظمة السلطوية استأجرت زبائن لها وأكسبتهم القدرة على تحويل الشك إلى يقين باتجاه الإدانة طبعا، وتحويل البراءة إلى إدانة لتكون الأبحاث مخالفة للقاعدة القانونية القائلة بأن الفرد برئ حتى تثبت إدانته وتكون منسجمة مع القاعدة اللاقانونية القائلة بأن الفرد مدان حتى تثبت براءته. ولكن التجارب أفادت بما لا يدعو مجالا للشك أن كل القواعد والحكم والحقائق يقع قلبها في ساحة الصراع السياسي عامة، وبصفة خاصة إذا كان الأمر متعلقا بالصراع مع الحركة الإسلامية، لأنه لا سند لها بعد الله سوى الشعوب التي لا تبخل عليها بشيء أو عطاء هي قادرة عليه. إن التأييد الشعبي للتيارات الإسلامية في الحركة الإسلامية هو السبب الرئيسي في استهدافها بجدية وحزم، لأن عمقها الإستراتيجي هو الشعب. ولأنها لا يمكن أن تكون تنظيمات نخبوية قد تقلق الأنظمة ولكن لا تخيفها. وانطلاقا من علم الأنظمة المستبدة بطبيعة الحركة الإسلامية، فإنها تعتبر نفسها أمام خطر حقيقي، ولذلك كانت تسارع لتطويقها ومحاولة إضفاء كل الصفات المنفرة للشعوب منها. فتراها بعد إعلان الحرب عليها ورفض كل حوار معها ترميها بالتشدد وبالعنف في الوقت الذي يمارس عليها، وبالإرهاب في الوقت الذي هي ضحيته وبالتطرف والتستر بالدين في الوقت الذي تستمد اعتدالها من اعتدال الإسلام، وأسباب القوة من الأسباب التي يمدها بها الإسلام، ووضوح توجهها السياسي بما لا يلجئها إلى التستر والمناورة والمراوغة والخداع في أدائها السياسي الإسلامي، على أنه ليس في القرآن والسنة ما يفيد ولو تلميحا فصلا بين ما يعتبر دينا وما يعتبر سياسة، بل العكس هو الصحيح. ذلك أن القرآن والسنة صريحان في تأكيد أن السياسة هي الأداة الرئيسية لإقامة الدين. فلا قيام للإسلام بدون سياسة. وليعلم الذين يروجون لغير ذلك أنهم إنما يسيئون لهذا الدين وينتقصون منه من حيث يشعرون أو لا يشعرون ومن حيث يعلمون أو لا يعلمون ومن حيث يقصدون أو لا يقصدون.
ففي الحملة التي استهدف فيها النظام في تونس على عهد الهالك الحبيب بورقيبة حركة الإتجاه الإسلامي يقول الوزير الأول محمد مزالي في ذلك الوقت: “فنحن نحترم الإسلام لأننا مسلمون غير أننا لا نقبل أن يستعمل الإسلام جماعة لأغراض سياسية فالسياسة شيء والدين شيء آخر”(1)
ما معنى التستر بالدين ولماذا ؟
إن أول ما يتبادر إلى الذهن حين تقرع مسامعنا عبارة التستر بالدين، هو لبس وارتداء عباءة الدين للظهور بمظهر الوقار والورع والتقوى تسترا للإتيان من الأقوال والأفعال والممارسات ما هو مخالف للدين ولقيمه ومبادئه وعقيدته وشريعته ولأخلاقه وآدابه ولأوامره ونواهيه ، أو مخالف لما تواضع عليه الناس منه واتفقوا عليه مما أصبح عرفا أو قانونا أو عادات وتقاليد لأنه لا ينبغي أن يكون للمسلمين من العادات والتقاليد ما يخالف الإسلام وما يكون بديلا عن قيمه ومبادئه وأحكامة، وليتحقق له بذلك ما لا يمكن أن يتحقق له إلا بالظهور بذلك المظهر الخادع. أليس المتستر بالدين هو ذلك الذي لا علاقة له بالدين أصلا وهو الذي في الحقيقة معاد أو مخالف له تفكيرا وممارسة اقتناعا أو امتناعا أو اصطناعا مع إبداء الإصرار على انتمائه له وتمسكه به واحترامه والمحافظة عليه؟
فهل يمكن أن يكون المسلم الحق ذلك الذي لم يحدث نفسه يوما بالإنضباط للإسلام عقيدة وشريعة
فضلا على عدم دعوته الآخرين إلى ذلك، بل يتعداه إلى المخالفة الصريحة المتعمدة، والإستهتار بكل ما هو مقدس عملا وقولا؟
وهذه هي المفارقة العجيبة التي تضعنا أمامها الأنظمة الطاغوتية وشراذم السحرة من العلمانيين والتقليديين الدائرين في فلكها وهم الذين يعتبرون أنفسهم محترفي سياسة وأساطنة فكر. وأن هذه الساحات يجب أن تظل حكرا عليهم. وليس لأحد ممن يخالفهم الرأي والتصور والتفكير خارج الإطار
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة العمل 18/07/1981.
العلماني والتقليدي أن يقتحمها عليهم. وأن يكون شريكا لهم فيها. أو تصلح له أو يصلح لها. ولا مكان في اعتبارهم فيها لمن خالف فهمه للدين والسياسة خاصة فهمهم لهما.
فلا وجود لمعنى للحرية عندهم ولا وجود لمعنى للديمقراطية التي ليس التشدق بها عندهم حديثا، بل هو قديم قدم خروج الأوطان سواء في المنطقة العربية أو في العالم الإسلامي من الهيمنة الإمبريالية الإستعمارية الغربية، وقد أكسبوا مصطلحات الدين والسياسة والديمقراطية والحرية معاني خاصة بعيدا حتى على ما هي معروفة به في الأدب والفكر والثقافة الغربية فضلا على ما يجب أن تكون عليه في الفكر الإسلامي والثقافة الإسلامية يقول أحمد القديدي مدير تحرير جريدة العمل لسان حال الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في تونس من سنة 1956 حتى سنة 1987 بزعامة الهالك الحبيب بورقيبة:”… إن الديمقراطية ليست تسيبا أو تحريرا لعقد الحقد والشر وإنما انضباط تلقائي واحترام للدولة والقانون وإقرار للأخوة والوئام بين البشر”(1)
ولئن كان هذا المقال صحيحا فإن ذلك لا يعني أن الديمقراطية هي الإقصاء والإستئصال والإنفراد بالرأي واحتكار السلطة ومصادرة حقوق الآخرين في التعبير عن آرائهم ومعتقداتهم ووجودهم السياسي المستقل.
إن أقل ما تعنيه الديمقراطية في معاجم الفقه السياسي هو القبول بالآخر حين يكون في خلاف مع الآخر سواء كان في السلطة أو خارجها. والمستقرئ للتاريخ يجد أن هؤلاء ليس لهم أي استعداد للقبول بالغير ممن يخالفهم الرأي. وقد سارعوا بالقضاء حتى على الذين كان الإستعمار قابلا بهم. فقد كانت القوى السياسية والتيارات الفكرية المختلفة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي عامة، متمتعة في ظله بما لم تسمح لهم به الأنظمة السياسية المباشرة للسلطة بعد مغادرة الإحتلال الغربي للبلدان التي كانت له عليها هيمنة كاملة عقودا من الزمن بالتمتع به من بعض هوامش الحرية الفكرية والسياسية والإعلامية.
فعن أي ديمقراطية يتحدث وكلاء الإستعمار هؤلاء والورثاء غير الشرعيين له من الحكام ومن النخبة المتغربة في الحركة العلمانية المدعية للتفتح والتطور والتسامح والحداثة…؟
وأي معنى للدين عندهم حتى يعتبروا أنفسهم الممثلين الحقيقيين والحامين له، وليس غيرهم عندهم إلا مجرد متستر به ليتحقق له من الأغراض والأهداف والغايات ما ليس ممكن أن يتحقق له بدون ذلك ؟
إن كل الذي حذقته الأنظمة العلمانية في المنطقة العربية خاصة والعالم الإسلامي عامة، هو ازدواجية الخطاب الذي تريد أن تضرب به طائرين بحجر واحد:
1-مخاطبة الوجدان العربي الإسلامي: بإرسال الخطاب باتجاه العروبة والإسلام نفاقا وخداعا للرأي العام بمخاطبته بما يرضيه وبما لا يرى له أثرا في حياته.
2 -كسب ثقة القوى الغربية بما يجعلها تطمئن على مصالحها مما يجعلها تمثل دعما غير مشروط، وسندا قويا يعمل باستمرار وبدون تردد على تثبيتها والمحافظة عليها، ومن غير أن يكون ذلك مانعا لها من اتهام الإسلاميين بما اعتبرته من أمر ازدواجية الخطاب عيبا حين أصبح الوقت مناسبا للدعاية المغرضة والكذب والإفتراء، وحين أرادت أن تشكك في الخطاب الإسلامي في تأكيده على ضرورة إقامة مناخ ديمقراطي، والدعوة إلى ذلك والإستعداد للمشاركة فيه ودعمه. وقبول الإسلاميين في خط الإعتدال والوسطية في كثير من الأقطار بل في كل الأقطار في العالم الإسلامي باللعبة الديمقراطية، وأن يكونوا أحد الأطراف المديرة للصراع الفكري والثقافي والسياسي فيها، والإنخراط في عملية الإصلاح الإجتماعي، والمساهمة في المعالجات اللازمة للمشكلات الإجتماعية الحقيقية.
وقد انطلقت انظمة الحركة العلمانية خاصة في ذلك التشكيك والإتهام بالتستر بالدين و بازدواجية الخطاب انطلاقا من طبيعة خطابها، منكرة ذلك على نفسها أو مجيزة له بحسب ما يتحقق لها من مكاسب وتأييد وقبول، ومحرمة له على غيرها ككثير مما زاد على ذلك من الأساليب والأفكار والمعاني، معتبرة أن التيارات الإسلامية تبدي استعدادها للقبول مؤقتا بما لا تستطيع وبما لا يمكن لها القبول به لاحقا، فتستفيد من المناخ الديمقراطي حتى إذا صلب عودها وأصبحت القوة المنظمة للساحة السياسية تنكرت للديمقراطية وسارعت إلى إلغائها. وليس ذلك في الحقيقة إلا تعلة لا يراد منها إلا أن تكون مبررا كافيا عندها لقطع الطريق على التيارات الإسلامية ومنعها من التنظيم وممارسة نشاطها في إطار القانون، ولإضفاء الشرعية على انتهاج الحل الأمني ضدها. وإلا فكيف يعقل أن تمثل التنظيمات
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة العمل 18/07/1981.
الإسلامية أو حتى غير الإسلامية خطرا على ديمقراطية غير موجودة أصلا، ولا يمكن لهذه الأنظمة بحكم طبيعتها الإستبدادية أن تسمح بوجودها إلا اضطرارا؟.
بل وكيف يعقل أن تجد أي جهة جادة ومسؤولة حياة ديمقراطية يحصل منها النفع والصلاح للبلاد والعباد ويتحقق بها النماء والأمن والإستقرار وتتمتع فيها بكل حقوقها وتقوم فيها بمسؤولياتها بكل حرية ووضوح وشفافية وتنقلب عليها وتهدمها لتحل محل كل ذلك الفساد والخراب والفوضى والإستبداد…؟
فعن أي حرية فكرية أو ديمقراطية يتحدث هؤلاء في الوقت الذي لا تقبل فيه القوى العلمانية بعضها ببعض، على ما بينها في الغالب من التباين والإختلاف البسيط والتماثل والإئتلاف الكبير ؟
فكيف يمكنها الحديث عن ديمقراطية ليست موجودة في الحقيقة أصلا يخاف الحكام والنخبة الداعمة لهم عليها من الذين يختلفون معهم جذريا في الرأي وفي المنهج؟
فإذا كانت ازدواجية الخطاب عند الإسلاميين حسب ما يدعيه العلمانيون تفيد من بين ما يزعمون أنها تفيده، إظهار القبول بالديمقراطية وهم لا يؤمنون بها، وانتهاج أسلوب الخطاب الإسلامي أي “الديني” وهو غير مقصود لذاته وإنما لتحقيق مكاسب سياسية فإن هذه الإزداوجية نفسها متبعة عند العلمانيين عموما، وهم لا ينتهون من الكلام عن الديمقراطية سواء من موقع المعارضة أو من موقع الحكم ، أو من كان داعما منهم للسلطة أو من كان معارضا لها، وهم المعلوم عنهم، وفي الجانب الكبير منهم، إن لم يكونوا كلهم جميعا ولفترة طويلة من الزمن، ومنهم من مازال إلى اليوم على ذلك، مناهضتهم لها، وإيمانهم بالعنف وبالدكتاتورية التي يعتبر كل واحد أو جهة منهم أن موقفه أو موقفها منها ليس كذلك، وليس ذلك كذلك إلا عند الآخرين منهم ومن غيرهم، وليس الموقف منها كذلك عند كل هؤلاء في المعارضة حين يكونوا في المعارضة، ولكنه كذلك عند من هم في السلطة والحكم منهم وهم ابعد ما يكونوا عن الإسلام وعن الديمقراطية التي يدعون الإيمان بها وينصبون أنفسهم مدافعين عنها وحامين لها مع عدم إيمان منهم بها وعدم وجود لها، واستحالة، بحكم طبيعتهم الإستبدادية والعلمانية الهجينة واللائكية إيجادها. ولا ينتهون أو لا ينتهي البعض منهم عن الكلام عن الإسلام والدفاع عنه وتنزيهه عن أن تكون له أي علاقة بمستنقع السياسة خاصة، سواء من موقع المعارضة أو من موقع الحكم، أو من كان داعما منهم للسلطة أو معارضا لها، وهم المعلوم عنهم كذلك عند من يعلم طبيعة تفكيرهم وطبيعة وحقيقة مرجعيتهم وحقيقة سلوكهم ومواقفهم منه، مناهضة الكثير منهم ومعاداتهم أصلا له. والمسلمون الجيدون منهم، هم أولئك الذين يريدونه إسلاما على مزاجهم وليس ذلك الذي أراده الله لهم كما أراده لجميع خلقه من الإنس والجن. وليست الإزدواجية عندهم إلا استراتيجية صادق لهم عليها أساتذتهم من المبشرين والمستشرقين والإستعماريين والصهاينة. وليست عيبا عندهم إلا على خصومهم والمختلفين معهم والمخالفين لهم إن وجدت أو أوجدوها. وهم مقتنعون بأن ذلك ليس أكثر من ذر للرماد في العيون للإستخفاف بالشعوب الإسلامية ولاستمداد الشرعية منها. وهي تعلم أنهم غير صادقين في ذلك. وليس ذلك بحسب زعم الإسلاميين أو تحاملهم عليهم، ولكنها قناعة مؤكدة عندهم. وأسلوبا متبعا عن علم وتخطيط، مستفيدين من جهل الشعوب بالمعاني الحقيقية للدين والديمقراطية والحرية والعدالة وحقوق الإنسان وغيرها، وغير ذلك من المعاني والمفاهيم والقضايا. وهم إنما يسيئون في الحقيقة بذلك للدين أكثر بكثير مما يحسنون له. فهم، وفي جانب كبير وخاصة اللائكيون منهم، أعداء حقيقيون للحرية التي لا يريدونها إلا لهم، وبالمعنى الذي يريدونها أن تكون عليه، أي بذلك المعنى الذي استوعبوه من الجاهز المحنط من المعاني والمفاهيم الواردة في الوافد من الفكر والثقافة الغربية ذات الأصول التوراتية الإنجيلية وذات المنشإ والتطور الإستعماري الإمبريالي الصهيوني، أكثر مما هم أحرار. وهم أبعد ما يكونوا عن الديمقراطية التي يدعون الإيمان بها وينصبون أنفسهم مدافعين عنها وحامين لها، مع عدم إيمان يصل إلى درجة الكفر بها لدى البعض من مكونات حركتهم وعدم وجود لها في ظل أنظمة هم على رأسها وبدعم غربي لهم بكل ما يستحقونه من دعم. وحسبنا أن نتحدث في هذه الإزداوجية خصوصا عن الدين والديمقراطية والسياسة والحرية التي هي الإطار الذي يجب أن تتنزل فيه كل هذه المفاهيم والآليات والمناشط .
– تناقضات النظام السياسي والنخب العلمانية اللائكية والتقليدية في التعامل مع الإسلام ومع الحركة الإسلامية في لعبة السياسة الإقليمية والدولية:
إن الخطاب الرسمي، المستمد من طرف النظام العلماني اللائكي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين من الأسس النظرية الغربية، والمستند إلى ثقافة التمركز حول الذات، التي أنشأها الرجل الغربي الأبيض، والقائمة على تفوقه على كل من سواه من الأعراق الدنيا، باعتباره خلاصة ما انتهى إليه تطور النوع البشري، وباعتبار المسيحية التي هي دينه خلاصة ما انتهت إليه الأديان والنحل والعقائد في تطورها عبر الزمن، وباعتباره صاحب العقل الأكثر انقداحا والأكثر قدرة على الإبداع العلمي والمعرفي، التي نجح المبشرون والمستشرقون والصهاينة والصليبيون في تلقينها إبان المرحلة الإستعمارية وما بعدها لمن كانوا فاضي الو طاب من أبناء هذه الأمة من كل ما يجعلهم يتمتعون بالحصانة الكافية، من عقيدة صلبة، وثقافة عربية إسلامية تجعل منهم طاقات قادرة على استيعاب كل ما وجدوا من علوم الغرب ومعارفه وثقافته إلى استيعابه سبيلا، دون أن يقع استيعابهم واجتثاثهم من هويتهم، وليقع تحويلهم بعد ذلك إلى معاول هدم للأوطان والشعوب والأمة، كان يتجه منذ البداية، كما وقعت الإشارة إلى ذلك سابقا، إلى الضرب على وتر المقومات الأساسية للأمة، من دين ولغة وتاريخ وحضارة ووحدة ترابية وبشرية، ليجعل من كل ذلك إطارا تتنزل فيه ثقافة وعادات وتقاليد الغرب، وكل قشور حضارته ومظاهرها. وكان ذلك هو الأسلوب الذي بدا مناسبا، لتظل الطغمة العلمانية التكفيرية مقبولة به عند الشعوب المقهورة الجاهلة بحقيقة الواقع وبطبيعة العلاقة التي أصبحت قائمة بينها وبين هؤلاء الذين أصبحوا يمثلون قياداتها السياسية والثقافية والمدنية والميدانية، وبحقيقة الوضع و بطبيعة العلاقة التي يجب أن تكون قائمة بينهم وبينها وتظل كذلك مقبولة به عند أولئك الذين أذاقوهم وأذاقوا شعوبهم معهم مرارة اغتصاب الأوطان واستحلال المحارم ونهب الخيرات والثروات والأموال والنفائس من مجرمي الحرب من الصليبيين واليهود الصهاينة.
أليس من أعجب العجب أن يصبح عدو الأمس صديق اليوم؟ وأن تصبح ثقتنا مباشرة في ما عنده أكبر من ثقتنا في ما عندنا؟ وأن نصبح على علم وعلى علاقة بما لديه من ثقافة أكثر مما نحن عليه من علاقة ومن علم بما لدينا من ثقافة؟ وأن نعتبر أن الموقف قد أصبح محسوما لصالح ثقافته وحضارته لمجرد أن يكون هو قد حسم ذلك؟
لعمري إن هذا لهو النحو الذي أضحت عليه العلاقة بين الغالب والمغلوب، وبين الغاضب والمغصوب، وبين الظالم والمظلوم، أي بين قوى الغرب الإستعماري والذين كانوا ضحية الإنهزام الحضاري من المتغربين من أبناء الأمة الذين لبسوا مسوح القومية والإسلام وجدوا في تثبيت قيم الغرب وآداب الإنحلال وفنون الميوعة ومظاهر التفسخ، والإكفتاء بالأخذ من الحضارة إلا بالقشور وبما لا طائل من ورائه مما نزداد به بعدا عن الحضارة والحداثة وعن أصالتنا وهويتنا وخصوصياتنا وما لا يمكن مطلقا أن يزيدنا ولو بعض القرب من الغرب صاحب المبادرة الحضارية المتطورة الرائدة. لأننا لا نزداد في الحقيقة منه إلا بعدا بالقدر الذي نحسب أننا إنما ازددنا منه قربا. وإنه إنما يبتعد منا بأضعاف ما نحسب أننا نقترب به منه.
إن التيارات الفكرية والقوى والتنظيمات السياسية المختلفة داخل الحركة الإسلامية على بعض الإختلاف في ما بينها في الطرح والتصور والخطاب والممارسة، وبما سقطت وتسقط فيه من أخطاء اختيارا أو اضطرارا، كانت على قدر كبير من الوضوح في أغلب الأحيان في التعامل والتعاطي الصادق مع الواقع. فكان خطابها يقوم بشكل عام على إعادة تشكيل العقل العربي والمسلم بما يجعل مسألة الهوية والأصالة تحتل الصدارة في اهتمام حتى الإنسان العادي، وفيه دعوة صريحة لإعادة الإعتبار للقيم والمبادئ والمفاهيم والأخلاق الإسلامية. وأنه لا قيام للأمة ولشعوبها مما تردت فيه من مهاوي التخلف والإنحطاط بدون إجراء مصالحة حقيقية وصادقة مع عقيدتها وشريعتها وتاريخها وتراثها ولغتها وثقافتها. وإنه لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها فـ”نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أدلنا الله” كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وعدم التردد في أخذ كلما نجد أنفسنا قادرين على أخذه من حكم الحضارة الغربية، ويأتي على رأس ذلك العلوم الصحيحة والتقنية وكلما يزيد ثقافتنا ثراء وقدراتنا العلمية والمعرفية نماء وشعوب أمة العرب والمسلمين قوة وتطورا وسيادة واستقلالا ووحدة.
إن الحركة الإسلامية المعاصرة هي بوجه عام الوريث الشرعي للثقافة العربية والإسلامية بشكل عام. وهي استمرار للحركة الفكرية والثقافية التي أنشأها زعماء النهضة والإصلاح في القرن التاسع عشر، والتي نشطت نشاطا كثيفا في أواخر عهد “الخلافة” العثمانية وبدايات اكتساح الحركة الإستعمارية والصهيونية للعالم وللعالم الإسلامي عامة، والمنطقة العربية بصفة خاصة، وفق مخطط خاص ومدروس، وبمقاييس ومعايير مضبوطة وخاصة، للإنتهاء به إلى الوضع الذي هو عليه الآن. وأنه لا أحد يستطيع التشكيك في صدقها في الإنتماء إلى الإسلام الصحيح انطلاقا من أصوله التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها من لدن حكيم عليم. فكانت الصحوة الإسلامية المعاصرة تمثل حركة أحياء حقيقي، واستنهاض للهمم، وثورة على ثقافة الخرافة والدراويش والأفهام الرعوانية لقضايا الغيب والشهادة والقضاء والقدر. وتصحيحا للمفاهيم في مواجهة حركة الجمود وتحنيط الفكر والثقافة الإسلامية من ناحية أولى، وتصديا للهجمة الإستشراقية الغربية والإستغرابية للحركة العلمانية واللائكية الهادفة إلى جعل الثقافة الإسلامية ضمن الثقافة الإستعمارية الغربية وامتداد لها من ناحية ثانية. وقد أخذت الصحوة الإسلامية طريقها إلى الوجود معلنة وجودها وطبيعتها الدينية الإسلامية، في الوقت الذي كانت الكثير من القوى السياسية والتيارات الفكرية تخجل من مجرد الإشارة إليها بالصفة الإسلامية، وتراها تسارع إلى التبرئ من كل ما هو إسلامي شكلا ومضمونا، ظاهرا وباطنا.
وإذا كان لابد من قبول بعض ما ترى أنها مازالت في حاجة إليه، فليس أكثر من القدر الذي يرضى أصحاب المبادرة الحضارية في الغرب وتحقيق مصالحهم.
وليس أدل على وضوح وصدق توجهها الإسلامي الصرف، من مواجهة خصومها وأعدائها لها، وإعلانهم الحرب عليها من أجل صفتها الإسلامية وتوجهها الإسلامي وطبيعتها الإسلامية، وكان ذلك ما أكده الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه لإخوانه من جماعة الإخوان المسلمين منذ بداية التأسيس. ولم يكن ذلك قدرة من الرجل على استشراف الغيب ولا قوة حدس عنده، ولكنه كان مدركا منذ البداية لطبيعة الإسلام، ولطبيعة القوى المناهضة له، ولطبيعة المعركة التي كانت ويمكن أن تكون بينه وبينها.
وإنه لمن المفارقات الغريبة أن تشن الأنظمة اللائكية العلمانية والإسلاموية العشائرية الحرب على تنظيمات وتيارات وفصائل وأي مكون من مكونات الحركة الإسلامية المعاصرة من أجل طبيعتها الإسلامية تلك، تحت غطاء إعلامي كثيف تتهمها فيها بالتطرف والعنف والتشدد، والتستر بالدين.
وقد رفع شعار التستر بالدين في وجه التيارات الإسلامية داخل الحركة الإسلامية على خلفية:
-اعتقاد التيارات الفكرية والقوى العلمانية أن الدين والسياسة نقيضان لا ينبغي مطلقا أن يحويهما وعاء واحد، وأن لا يلتقيا على صعيد واحد أولا.
– وعلى خلفية أن للسياسية بابا واحدا في ظل الأنظمة الإستبدادية لمن أراد أن يكون له بعض الدور السياسي، هو الباب الرسمي الذي ينتصب فيه القائد الملهم والزعيم الفذ واقفا ولسان حاله يقول ترديدا لقول فرعون: “يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض فمن ينصرنا من بأس الله إن جاءنا قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد”(1) وهو الذي جاء فيه قول الله تبارك وتعالى في معرض الحديث عنه:”يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود”(2) ثانيا.
وإن لبس هؤلاء مسوح الإسلام، الذي ليس له في الحقيقة في ظن كل أو جل مكونات الحركة العلمانية التكفيرية الدخيلة من يمثله أحسن تمثيل، وفي كل ما يصدر عنها من مزاعم ومن مغالطات وخداع وتضليل، غير رهبان سدنه الحكم والسلطة، إنما يريدون به احتيالا:
– أن يكون لهم به دور سياسي من غير أن يدخلوا الساحة السياسية الضيقة جدا من الباب الوحيد الذي لا يمكن للراغب في الدخول إليها إلا منه. وبذلك تكون الأفعال المكونة للجريمة بحسب ما تتضمنه لائحة الإتهام الصادرة عن الطاغوت وعن سدنة حكمه والسحرة من حوله، هي التستر بالدين أولا.
– ثم العمل على فتح باب غير مسموح بفتحه للتسلل إلى الساحة لتحقيق بعض الأغراض السياسية، التي ليس لأحد الحق وفق شريعة الطاغوت في مجرد تحديث نفسه له بالمطالبة بهذا الحق المسلوب، فضلا عن الطمع في ممارسته على خلفية أن الحق السياسي والممارسة السياسية لا ينبغي أن يكونا من اهتمام كل الناس، وقد تولى هذه المهمة من ليس ثمة من يجيدها أفضل منه، لتصبح المناشط والإهتمامات السياسية بمقتضى ذلك حقا للمستبد وحده، وعلى كل من عداه أن يتبعه في ذلك، ويجعلون من المجتمع والشعب كله وكأني به لا يتحمل أكثر من وجود طبقة أو فئة أو عائلة أو عشيرة أو قبيلة أو حركة أو حزب ليس لها على الوطن إلا حقوقا. ويجعلون من المجموعات التي تمثل الغالبية العظمى من الشعب ليس للوطن عليها إلا واجبات، لتصبح بذلك المعادلة الصحيحة عندهم أنه ليس للأوطان والشعوب من حق على الطاغوت، بل كل الذي عليها أن تظل مطالبة بأداء الواجب له، وبالمقابل فإنه ليس ثمة من
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غافر: 29 .
(2) هود: 98 .
واجب للطاغوت على الأوطان والشعوب. بل كل الذي عليها أن تفي بحقوقه عليها. واعتقد أن هذه هي الصورة الكاملة للعلاقة التي تحكم الشعوب والأوطان المقهورة بالأنظمة الطاغوتية المستبدة بكل أشكالها
شمولية فردية كانت أو أسرية عشائرية أو غيرها في غير مبالغة ولا تهويل، وبعيدا عن كل ردود الأفعال الإنفعالية المتوترة. إن الذي لا شك فيه أن الأسر الفكرية المحيطة بكل نظام سياسي، والذي أما أن تصيغه أو يصيغها، أو توجده أو يوجدها، أو تؤثر فيه أو يؤثر فيها، هي التي تساهم في تحديد ملامحه وطبيعته، وهو الذي يستمد عند الإقتضاء وعند الضرورة عناصره منها، وهي التي تزوده في الوقت المناسب بما يستحقه وبما هو في حاجة إليه ثانيا.
ألم تر كيف أن الأنظمة الغربية الديمقراطية لا تعاني من مشاكل التداول السلمي على السلطة، ولا تعاني من مشاكل الحرية الشخصية والجماعية، ولا من عقدة الإيمان بالإحتكام للقانون وللمؤسسات والعمل بذلك، والتسليم بسيادة الشعب وإرادته الحرة واستقلالية الأوطان، وهي التي تواجه باستمرار مشاكل من نوع آخر وتحديات أخرى تقتضيها المراحل المختلفة التي تمر بها مجتمعات شعوبه في تطورها.
لم تنته الأنظمة الديمقراطية الغربية إلى هذه المرحلة إلا بعد أن خاضت التيارات الفكرية والفئات والطبقات الإجتماعية المختلفة صراعات مريرة، تشكلت من خلالها الساحة الثقافية والسياسية والإجتماعية على نحو متوازن لم يعد يمسح فيه لطرف واحد بالإستبداد بالساحة السياسية أو الثقافية أو الإقتصادية أو الإجتماعية أو الإعلامية. وأصبحت تلك مقتضيات هيمنة الطبقة الرأسمالية والبورجوازية وتقاليدهما في الإشراف على تنظيم الشأن العام وتوظيف كل قدرات وفعاليات وإمكانيات وطاقات وخامات المجتمع لصالحها، في محاولة لتعميم النفع على أكثر ما يمكن من فئات وقطاعات المجتمع بما يخدم مصالحها ويحقق لها أكثر ما يمكن من الإستقرار. في ظل هذا التوازن للقوى الفكرية والسياسية والإجتماعية والثقافية أصبح الصراع الديمقراطي في ظل دولة القانون والمؤسسات واستقلالية القضاء فعلا هو القاعدة التي لا قيمة بل لا وجود لمن يشذ عنها، ولا مستقبل للأوطان والشعوب خارج هذا الإطار الذي يقوم الرأسمال الإستعماري على تنظيمه وتمكين شعوب الغرب من الرفاه المطلوب من خلال اجتياح الحركة الإستعمارية العالم وإحكام تنظيم حركة النهب للثروات والعودة بالنفع من ريع تلك الحركة لتلك الشعوب.
فإذا كانت الأسر الفكرية الغربية هي المحددة لطبيعة النظام السياسي الديمقراطي في الغرب، فإن الأسر الفكرية في البلاد العربية الإسلامية كذلك هي المحددة إلى حد كبير لطبيعة الأنظمة السياسية الإستبدادية. إن الأنظمة السياسية الإستبدادية في المنطقة العربية متأثرة بأسرتين فكريتين مختلفتين ومؤثرة في نفس الوقت فيهما وهما:
الأولى: الأسرة الفكرية التقليدية المحافظة الرجعية المتعصبة.
الثانية : الأسرة الفكرية العلمانية التغريبية الهجينة المستهترة.
فقد شهدت المنطقة العربية انقساما مبكرا بين تصورين مختلفين من النظام السياسي الإستبدادي، استدار كل منهما عن القبلة التي كان عليها نظام الحكم في الإسلام الذي أخذ رموز الأسس الفكرية النظرية التي يقومان عليها يجتهدون في إثبات عدم وجوده أصلا. ومن كانوا مع وجوده منهم فبالصفة التي عليها النظام الوراثي العدمي العضوض الذي أقره الطلقاء أبناء الطلقاء من بني أمية بعد استشهاد الخليفة الراشد الرابع علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه والذي تلاه الخطأ التاريخي الذي ارتكبه ابنه الحسن رضي الله عنه بتسليم قيادة المسلمين لمعاوية بن أبي سفيان الذي لم يكن يطلبها بوضوح حتى ذلك الحين. وهو الذي أحدث في الإسلام بعد ذلك الإكراه على البيعة بدل الشورى. وهو الذي أسس لنظام الملك بعد نظام الخلافة بإجبار المسلمين على مبايعة ابنه اليزيد المشهور الفسوق بعده، وهو المأثور فيه قول المسلمين في ذلك العهد وفي العهود التي تلته “سب اليزيد ولا تزيد”. وجعلت الأنظمة السياسية التي أوجدها الإستعمار وأوكل لها مهمة إدارة شؤون البلاد بعد مغادرته لها عسكريا كل من أمريكا وبريطانيا وفرنسا وكل العواصم الكبيرة ذات النفوذ الإستعماري الإمبريالي في المعسر الغربي الليبرالي عموما قبلة لها.
وجعلت الأنظمة الثورية التي سيطرت على الحكم وتولت ممارسة السلطة السياسية من خلال المؤسسات العسكرية الكتلة الشرقية وعلى رأسها الإتحاد السوفياتي سابقا قبلة لها. وقد أصبح واضحا أن:
1- أول قاسم مشترك بينها: هو ولائها الصادق لأعداء الشعوب والأوطان والإسلام.
2- والقاسم الثاني : هو تحويلها القبلة التي كانت عليها من المسجد الحرام إلى الشرق الشيوعي والغرب الإستعماري الصليبي الصهيوني.
3- والقاسم الثالث: فهو عدائها للشعوب والأوطان والإسلام.
4- أما القاسم المشترك الرابع: فهو طبيعتها الإستبدادية.
وأما بعض أوجه الإختلاف فتتمثل في:
1- صدق ولاء كل واحد منها لأحد ثاني أعداء الأمة وشدة معاداته للآخر.
2- وفي تحجر وتعصب بعض هذه الأنظمة التي تبدو محافظة وتغلب عليها الرجعية والإنغلاق. فهي تعتزم اعتماد الإسلام مرجعية لها، بينما جاهرت أنظمة تقدمية وثورية أخرى بطبيعتها العلمانية التغريبية المستهترة، أو على الأقل الأشد والأكثر استهتارا وانحلالا، وهي تعتمد منهجية فصل الدين عن السياسية : أي فصل الدين عن الدولة ومن ثمة عن الحياة في نظامها السياسي، رافعة شعارات الحرية والثورية والتقدمية والإشتراكية والوحدة… ويؤكد الكثير منها كذلك على أن دين الدولة هو الإسلام الذي هو دين التقدم والحرية والوحدة والتسامح والحضارة… إلى ما إلى ذلك من عبارات الإطراء التي تم الإجهاز بها عليه.
وكانت النتيجة أن أضاعت الأنظمة الإستبدادية العربية خاصة والإسلامية عامة إسلام الشعوب والأوطان والأمة في النظام والحكم بين شرق وغرب تحجرا واستهتارا، واعتماد له في صورة مشوهة لا أصل لها فيه واعترافا به، وتحييدا وإنكارا له. فكان بأسها بينها شديدا وكل حزب منها بما لدى عناصره فرحون. علما وأن تسمية هذه الأنظمة الفاسدة أنظمة إسلامية هو من قبيل اعتبارها أنظمة سياسية يجري حكمها وبسط سلطانها على الشعوب الإسلامية في أوطان أمة العرب والمسلمين فقط. وهي في طبيعتها وفي مرجعيتها وفي أديانها وفي منظومتها القانونية وفي أسسها الفكرية التي تعتمدها في إدارة شؤون المسلمين في بلاد المسلمين تكاد لا تكون من الإسلام في شيء، أو هي ليست في شيء منه فعلا. وكان الصراع والتآكل على أشده بينها. وكان الأصدقاء الأعداء متفانون في نضح الوقود على النار المستعرة بين الأشقاء، فيزداد اشتعال أوارها وتأتي على الأخضر واليابس من طموحات الشعوب وآمالها وماضيها وحاضرها ومستقبلها. ومازال الصراع مستمرا لينضاف هذه المرة طرف ثالث للحلبة، وليصبح عنصر جمع وتقارب بين الأخوة الأعداء من الأنظمة العربية والأسر الفكرية المحيطة بها. وكان هذا الطرف غير مرغوب فيه من الجميع. وكان مثيرا لكثير من الجدل، لأنه يمثل صرخة الجماهير المسحوقة والمغتصبة جميع حقوقها. وهو تعبيرة صادقة عن القضايا الحقيقية للأمة بشكل عام. وكانت الحركة الإسلامية المعاصرة بمختلف تياراتها وتنظيماتها وتجلياتها ممثلة لهذا الطرف، دون أن يفوتني أن أشير إلى أن هذا الذي ربما يبدو إطراء للحركة الإسلامية وانحيازا مطلقا لها وتهجما على خصومها وأعدائها لا يعني إعفاءا لها مني من كثير من الأخطاء القاتلة التي وقعت فيها اختيارا واضطرارا، أو تغاض مني كذلك على الكثير من السلبيات والنقائص المتعلقة بها، سواء في ما يتعلق بأساليبها ومناهجها وبرامجها وأدبياتها وتصوراتها وأطروحاتها الفكرية ومنظومتها الفقهية وفهمها لقضايا الشعوب والإنسان المعاصر عامة.
وبحضور جميع الأطراف على ساحة الصراع الفكري والسياسي الميداني والإجتماعي، يكون العرب والمسلمون بعد تيه وطول ترحال قد استكملوا شروط مرحلة بداية النهاية. وتكون كل التجارب قد أخذت من الوقت ما يكفي لإثبات قدرتها على تحقيق الوحدة والحرية والعدل والمساواة والأخوة ومشروع الحداثة الذي ينادي به أدعياء الحداثة ولم يستطيعوا أن يتقدموا في ذلك قيد أنملة ولم يصابوا إلا بالفشل الذريع والإخفاق وبخيبة المسعى والأمل. ولم يعد لهم من مستقبل في الحقيقة إلا بالقدر الذي يستطيع المستفيدون من بقاء الأمة على هذه الأحوال المضعضعة إبقاءها عليها.
وبعد أن كانت المعركة قائمة بين معسكرين نشئا في جانب كبير جدا من تخطيط اليهود ومكرهم وتدبيرهم. وكانت المنطقة العربية والعالم الإسلامي والعالم كله ساحة لها. وكانت الشعوب والأوطان العربية والإسلامية مادة لها. وكانت الأنظمة العربية والأنظمة السياسية في العالم الإسلامي أدوات لها. فقد بدأ قدر كبير من الوضوح الآن، وبعد سقوط الكتلة الشرقية بفشل التجربة الشيوعية، وبعد أن تأكدت بداية العصر الأمريكي والصهيوني، أن مستقبل الصراع الحضاري الذي بات محتوما وأصبح مفروضا علينا في غير إيمان به ولا أصل له في حضارتنا يجب أن يكون بين نمط حضاري غربي أمريكي أوروبي صهيوني يهودي يريد أن يظل مهيمنا، ونمط حضاري إسلامي يتلمس طريقه إلى الوجود رغم الكوارث والأعاصير والحصار والحرب المعلنة ضده على أكثر من جبهة وعلى أكثر من صعيد، ومن طرف أكثر من جهة من الداخل العربي الإسلامي نفسه ومن خارجه، فإذا الأطراف فريقان يختصمون:
“فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة….”.(1)
إن اختلال موازين القوة الدولية في العالم، جعل في وقت قريب جدا من الأنظمة الثورية والقوى التقدمية حلفاء استراتيجيين للأنظمة التقليدية والقوى الرجعية مثلما حصل في حرب الخليج الأولى من تحالف استراتيجي بين كل أنظمة المنطقة والنظام العراقي وكل المنظومة الغربية. وكانت مرحلة من التاريخ بلغت فيها فوضى التحالفات أشدها. والملاحظ أن سبب هذا الإرتباك هو دخول الإسلام وإن كان في صورته الطائفية المشوهة في ساحة المعركة الثقافية الحضارية والإعلامية والعسكرية. فحدث أن تحالف عملاء أمريكا والغرب عموما مع عملاء موسكو والمعسكر الشرقي عموما في مواجهة الثورة الإيرانية التي من المفترض أنها ثورة إسلامية والتي طغى عليها الطابع والمنزع المذهبي الطائفي الشيعي والقومي الفارسي. وحدث في نفس الوقت وفي نفس المرحلة من التاريخ، أن التقت مصالح بعض مكونات الحركة الإسلامية المعاصرة ومصالح أمريكا وعملائها في أفغانستان في مواجهة الإتحاد السوفياتي سابقا وعملائه. وقد بدا واضحا أن كل القيم والمبادئ والشعارات والعلاقات والإرتباطات يمكن أن تسقط حين يتعلق الأمر بإدارة المعركة مع الإسلام، ولا يبقى أثر لغير المصالح والنفوذ. وفي حرب الخليج الثانية أثر غزو نظام البعث العراقي لدولة الكويت حليفة الأمس في ما سمي وقتها حرب الخليج الثانية ينظم نظام البعث القومي العربي السوري التقدمي الثوري الطائفي إلى قوات التحالف الغربي بقيادة أمريكا لتحرير الكويت، وإعادة النظام الأسري العشائري الرجعي الكويتي إلى الحكم، مثلما دخل لبنان إبان الحرب الأهلية سنة 1975 تلبية لدعوة من الكتائب اللبنانية وبعد أخذ تفويض في ذلك من الكيان الصهيوني، مما جعل الكيان الصهيوني في الأرض المحتلة لا ينظر بعين القلق إلى استمرار الوجود العسكري السوري بلبنان إلا مؤخرا لما أصبح حزب الله في المقاومة الوطنية الإسلامية القوة الضاربة في جنوب لبنان، ولما لا في لبنان كلها بدعم مباشر من إيران “الإسلامية”، وبعدم قدرة سوريا على الإعتراض على ذلك لأسباب كثيرة ومعقدة لا يتسع لها المقال في هذه الدراسة. والجدير بالملاحظة في هذه الفوضى من التحالفات وعقد الصفقات المختلفة، وهذا الإرتباك الذي طغى على الساحة السياسية والعسكرية، أنه إذا كانت خطة المواجهة مع ما اعتبر خطرا إسلاميا أصوليا على مصالح وثقافة كل من المعسكر الشرقي والغربي على حد سوى، قد وضعت وفق استراتيجية مشتركة للتصدي لخطر حقيقي مشترك داهم يدخل ضمن استراتيجية موسكو في التصدي للخطر الإسلامي من خلال عملائها في النظام الأفغاني الشيوعي التي تدخلت بكل قواتها مستعملة كل أسلحتها لتثبيت النظام الشيوعي الموالي لها في أفغانستان، وإصدار الأوامر لنظام البعث العراقي الذي يبدو الأنسب من غيره لإعلان الحرب على نظام الثورة “الإسلامية” في إيران بمباركة وتأييد ومساندة ودعم من الأنظمة الغربية كلها، وعلى رأسها أمريكا التي تدعم الخطة الشرقية في التصدي للثورة الإسلامية في إيران عبر كل الأنظمة العربية في المنطقة. وهي التي تشد أزر المجاهدين الأفغان سواء بطريقة مباشرة أو عبر الأنظمة العربية والإسلامية الراجعة إليها بالنظر والدائرة في فلكها، مستفيدة من العداء الإيديولوجي العقائدي بينها وبين الإيديولوجية الماركسية والنظام الشيوعي الشمولي، فإن الخطة الأولى تأتي في نطاق إدارة الحرب الباردة والصراع التقليدي بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي، ولم يكن ذلك من استراتيجية أمريكا ولا من قناعاتها، ولكنها تهدف من خلال ذلك إلى التقليص من امتداد نفوذ الإتحاد السوفياتي شرقا، وإن كان يمكن أن يكون ذلك لحساب طرف لا تثق به ولا يثق بها، وقد تواجه معه بعض المشاكل، ولكن يبقى على الأقل في النهاية طرف ضعيف قد تتمكن من استمالته إليها واحتوائه بطرق ووسائل الإحتواء المختلفة والمتعددة، أو تجبره في النهاية بآلة الدمار العسكرية على الإذعان، لا سيما وأنه سوف لن يجد أي سند عسكري أو اقتصادي أو إعلامي هذه المرة. وفعلا فقد حصل ذلك بعد أحداث 11 /9 / 2001 في ما يطلق عليه تنظيم القاعدة (غزوة منهاتن) والتي كان على إثرها غزو أمريكا والتحالف الدولي الصليبي لأفغانستان ثم بعد ذلك للعراق.
ألم تر كيف استطاعت أمريكا أن تجمع في ساحة الجهاد الإسلامي الأفغاني وحرب الخليج الأولى بين المشاركة في التصدي لما اعتبرته خطرا إسلاميا إيرانيا ولو كان طائفيا شيعيا وقوميا فارسيا على
ـــــــــــــــــــــــــــ
الأعراف: 30 .
المنطقة وعلى مناطق نفوذها حيث أكبر مخزون استراتيجي للنفط ،إلى جانب فلول عدوها التقليدي الإتحاد السوفياتي، عبر الأنظمة العربية بمختلف إيديولوجياتها وولاءاتها، وبين التصدي للنفوذ السوفياتي
بدعم الخطر الإسلامي الأصولي “المتطرف” الذي مازال بمختلف فصائله وتنظيماته غير مصنف عندها وبصورة قطعية غير قابلة للمراجعة إرهابيا مثلما أصبح عليه الأمر بعد هجوم 11/9 /2001 على عاصمتيها السياسية والإقتصادية، المتمثل في الجهاد الإسلامي عبر الأنظمة العربية التقليدية خاصة، لما كان لها من مصلحة في التصدي للإتحاد السوفياتي الشيوعي ومن خلال ذلك، عبر جيش المتطوعين للجهاد في أفغانستان من أبناء الحركة الإسلامية في العالم الإسلامي كله.
والذي نستطيع أن نؤكده من خلال كل ما تقدم، أن الإلتقاء “الاسلامي” الأمريكي لا يمكن أن يكون استراتيجيا. ذلك لأن الإسلام يأبي على المسلمين إلى حد التحريم بما للتحريم من معنى ومن نتيجة ومن تأثير وأثر على المسلم في حياته العاجلة والآجلة، باعتبار:
– أن الولايات المتحدة الأمريكية والغرب عموما وفي مستوى مراكز أخذ القرار تحديدا هو قوة شريرة تدميرية كافرة. وقد أثبت التاريخ الإستعماري القديم والحديث إذا كان من الجائز الفصل بين الإستعمار القديم والحديث، وإذا افترضنا جدلا أن الحركة الإستعمارية قد عرفت نهاية لها، لا يؤتمن جانبهما أولا.
– ثم أن أمريكا تعلم جيدا أنه ليس من مصلحتها في شيء وعلى المدى البعيد على الأقل أن تراهن على تحالف استراتيجي مع ما يحلو لها غالبا أن تسميه ويسميه وكلائها وعملائها بالأصولية الإسلامية وأخيرا بالإسلام الفاشي على حد تعبير الإمبراطور الأمريكي جورج بوش الإبن في إحدى تصريحاته، وتنعته بالإرهاب. وتشن حربا عالمية ضد الإسلام والعرب والمسلمين على قاعدة ما أسمته الحرب على الإرهاب ثانيا.
وإذا كان لابد أن ينقلب السحر على الساحر، فإن ذلك ما حصل في حرب الخليج الثانية، والتي اكتوى فيها نظام البعث في العراق بنار التحالف العسكري الغربي الذي كان لا يضن عليه بشيء يمكنه من تحقيق التفوق العسكري على إيران الثورة “الإسلامية”(الشيعية الفارسية). وكانت النهاية أن الطرف الوحيد الذي آلت إليه كل الأوراق هو الطرف الأمريكي. والطرف الوحيد الذي بقي في المواجهة هو فصائل الصحوة الإسلامية التي تعلم أن الأنظمة العربية التقليدية والأنظمة العلمانية في أوطان الشعوب الإسلامية التي كانت تستفيد من رغبتها في الإنخراط في مواجهة الجيوش والآلة العسكرية السوفياتية الغازية لبلاد المسلمين بأفغانستان، هي نفس الأنظمة التي أصبحت تشن ضدها حربا لا هوادة فيها في أوطانها بتأييد ودعم ومباركة وعون من الغرب كله ومن أمريكا خاصة.
وإذا كان المجاهدون إنما يفعلون ذلك جهادا في سبيل الله استجابة لأمر الله بالجهاد في سبيله، وقياما بواجب أوجبه الله على عباده المؤمنين حين وحيث يكونوا قادرين عليه، فإن بعض الأنظمة العربية التي تنكر عليهم أداء هذه الفريضة في أوطانهم وتنكر عليهم ممارستها ضد أنظمة لا تختلف عن النظام الأفغاني الشيوعي في شيء، تدعوهم إلى ممارستها وتساعد على إعدادهم للقيام بها حيث تريد وضد من تريد في أي مكان من العالم تريد حيث يكون ذلك ممكنا لها باعتبارها مطلبا إسلاميا قد يتحقق لها وللقوى الدولية الموالية لها به من المصالح ما لا يتحقق لها بدون ذلك وينالها ، ولأنه سينالهم من خلال الإنخراط في المعركة رضا أسيادها وأولياء نعمتها من الأمريكان والصهاينة. وإلا فكيف يجوزون لهم من الإسلام على هذه الساحة ما لا يعتبرونه جائزا على ساحات أخرى مثلها ويقاتلونهم عليه فيها.
ألم تنخرط هذه الأنظمة في معركة وجدت نفسها فيها مساندة لطرف لا يقول ولا يؤمن بفصل الدين عن السياسة، وفي مواجهة لنظام سياسي مثلها من قناعاته ومن ثوابته فصل الدين على السياسة، وهو إنما يخوض في ذلك معركة ضد التطرف والتستر بالدين لأغراض سياسية تماما كالذي تفعله هذه الأنظمة ضد أبناء هذه الحركة الناشطة في “أوطانهم”؟
ألا يعتبر ذلك إقرارا منها بصحة هذه القضية وإنكارا منها لها على نفسها وعلى القائلين بها جحودا وتناقضا؟
لقد وجدت، الأسر الفكرية التقليدية العدمية والعلمانية العبثية الممثلة للبنى الفكرية والأسس النظرية لهذه الأنظمة نفسها تعيش تناقضا واضحا بين القول بالشيء وإقراره، والقيام بنقيضه، وبين ما تقبل به لنفسها ولبعضها وما لا تقبل به لغيرها. وعوض أن تواجه هذه الأطراف المشكلة بجرأة وشجاعة، تراها سادرة في اللف والدوران، باحثة لنفسها عن مبررات عادة ما تكون فاقدة لأي سند عقلي أو قانوني أو شرعي أو منطقي. وجعلت من التضليل وقلب الحقائق سياسة وأسلوبا. واختارت أمام اشتداد الضغط الذي تحدثه عليها الصحوة الإسلامية والحرج الذي أوقعتها فيه، أن تعتبر أن كل الترهات والمخالفات الشرعية والحلول والبرامج المستورة إنما هي اجتهادات في الإسلام، ومحاولات لفهمه على ضوء الواقع والزمان والمكان المتغيرين ومحدثات الأمور. وما أن حسبت أنها خرجت من حرج حتى تجد نفسها قد وقعت في حرج أكبر منه، باعتبار أن ذلك لا يلتقي ولا ينسجم مع مبدإ فصل الدين عن السياسة الذي تؤمن به وتصر عليه، ولم يعد لها بعده مبرر لاعتبار الحركة الإسلامية عاملة على حشر الدين في ما لا علاقة له به، وفي تحميله ما لا يحتمله، وفي إثقاله بما ليس منه. ذلك أن الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي عامة وفي المنطقة العربية خاصة قد كانت منقسمة على نفسها إلى مدرستين مختلفتين أو توجهين مختلفين:
1- أنظمة سياسية تقليدية:
كانت إفرازا طبيعيا لما كانت القوى الإستعمارية الغربية تريد أن تبقي عليه الوضع في المنطقة بعد ما توصلت إليه من تحالف بينها وبين العرب والحركة الصهيونية في إطار ما اصطلح عليه في التاريخ الحديث من قيام الثورة العربية ضد الإستعمار التركي سنة 1919 كما يزعمون، والذي كان يتحقق به الحلم الإستعماري الصهيوني في المنطقة وفي العالم الإسلامي بإمكانيات بشرية ومادية عربية وإسلامية في :
أ) اعتبار الإستعمار والصهيونية قوى تحريرية وتحرير وحليفا صادقا كما تعتبر الجهات الخائنة لعراق العروبة والإسلام اليوم قوات التحالف الغربي الصليبي الصهيوني الغازية للعراق بقيادة الإمبراطورية الإمبريالية الأمريكية قوات تحرير وتعمير وليست قوات احتلال وتدمير.
ب) إسقاط “الخلافة الإسلامية” رمز وحدة العرب والمسلمين وقوتهم، وفرض واقع التجزئة والقبول به.
ج) التمكين للحركة الصهيونية في إقامة كيان صهيوني لها في أرض المسلمين والعرب فلسطين.
فكانت هذه الأنظمة تجد في الفكر التقليدي موطئ قدم لها، ولا تقول من خلال ذلك بفصل الدين عن السياسية. وهي تعتبر كذلك أنه لا مبرر لأي معنى لأي علاقة أخرى بين الدين والسياسة غير ما تقوم عليه هذه الأنظمة السياسية نفسها. بل كانت في مرحلة من المراحل المتقدمة لتاريخ الصراع بين الأنظمة العلمانية والحركة الإسلامية تجد نفسها معنية أحيانا بالتعاطف على الأقل مع الحركة الإسلامية المعاصرة ورموزها، إن لم يصل الأمر إلى حد اختلافها الكبير معها أحيانا وإظهار عدائها للأنظمة المعادية للدين في جوهره، والقائلة بفصله عن السياسة، وعلى غير المعنى الذي تقول به المدرسة التقليدية التي تجعل هذه الأنظمة من فكرها منطلقا لسياساتها.
2- أنظمة سياسة عصرية :
وهي الأنظمة التي تتراوح بين التقدمية الثورية ذات اللون القومي الإشتراكي، والعلمانية المعتدلة ذات المنحى القومي كذلك، وهي الأقرب في نظامها السياسي إلى المنهج الليبرالي الرأسمالي. وهي أنظمة في مجملها هجينه، لا هي إسلامية كما تزعم لنفسها، ولا هي اشتراكية كما يمكن أن تكون الإشتراكية وكما هو عليه النظام الإشتراكي، ولا هي ليبرالية رأسمالية كما يمكن أن يكون النظام الليبرالي الرأسمالي وكما هو كائن. ولعلها وبحكم وجودها في هذه الوضعية قد اعتبرت ذلك اختيارا تقتضيه خصوصيتها العربية الإسلامية. وليس الأمر في الحقيقة كذلك، ولكنها الوضعية التي تجد فيها الأنظمة نفسها حين تنتهج سياسية الإسقاط، وتجاهل طبيعة الشعوب والأوطان وخصائصها. أما الأنظمة السياسية المعاصرة خاصة في المنطقة العربية، فقد كانت لها تجربة مبكرة في التصادم مع الحركة الإسلامية، كالتجربة الناصرية في مصر، وحزب البعث في سوريا والعراق والملكية في الأردن… وتلتها بعد ذلك في تونس والمغرب والجزائر وموريتانيا وغيرها. وقد كانت هذه الأنظمة ومازالت تعتبر أن الإسلام لا يمكن أن يقام على أساسه نظام سياسي قادر على مواجهة تحديات العصر والحضارة الغربية. وأن الصورة الوحيدة الممكن اعتمادها في التعامل معه هي الإبقاء عليه على النحو الذي فهم ويفهم عليه الغرب الدين عموما وكما أراد لنا أن نفهم عليه الإسلام، وأراد لنا أن نحافظ على فهمنا له كذلك، أي أن نعتبره مسألة شخصية بحته لكل فرد الحرية التامة في ممارسة ما أراد من شعائره التعبدية أو تركها، واعتبار ما زاد على ذلك ليس من الإسلام في شيء على حد ما تريد هذه الأنظمة أن تقر عليه الشعوب. وهي تذهب في ذلك من النقيض إلى النقيض. فالإسلام تارة مسألة شخصية ولا شأن له عندها في ما هو من مجالات السياسة وميادين فعلها وساحات عملها، وأخرى مدرسة فكرية وساحة ثقافية ورابطة عقائدية لاستلهام السياسات، ومصدر رئيسي من مصادر التشريع إلى ما هنالك من محاولات تأصيل هذه الأنظمة نفسها فيه والحرص على الإبقاء لعلاقة به. وهذه المساحة الواسعة من المناورة والتلاعب بمعنى الإسلام غالبا ما تلجأ إليه الأنظمة المستحكمة في رقاب الشعوب الإسلامية في المزايدة على بعضها بعضا حين يتعلق الأمر بالتسابق إلى إثبات الهوية وتأكيد الأصالة بين هذه الأنظمة كلها. وما أكثر ما تلتجئ إلى ذلك لشدة ما بينها من توتر وفرقة وتنازع، وخاصة بين الأنظمة التقليدية التي تعتبر نفسها الممثل الوحيد للإسلام والداعية له والمطبقة لقيمة ومبادئه وشرائعه، مثل الأنظمة الخليجية والعربية السعودية خاصة، وبين الأنظمة العصرية ذات النزعة العلمانية التي تعتبر نفسها راعية للإسلام وضامنة له ما يستحقه من قداسة بعدم الزج به في مستنقع السياسة القذر على حد زعمها، وعدم السماح بذلك لأي كان، ولكنها تأخذ منه حسب زعمها بين الفينة والأخرى ما تراه صالحا لسياستها التشريعية والثقافية والإجتماعية. وكأن الإسلام الذي هو من وحي الله سبحانه وتعالى وهو الذي فوق كل ذي علم عليم، إلى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، فيه ما هو صالح وما هو ضار، أو على الأقل غير صالح لأهل هذا الزمان في هذا المكان… مؤمنون ببعض الكتاب وكافرون ببعض وما جزاء من يفعل ذلك “إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب…”يقول تعالى:”ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون”.(1)
وإن ما أصبح يجمع بين هذه الأنظمة، على ما بينها من اختلاف وتناقض، وفي مرحلة أصبحت متقدمة من التاريخ، إلا العداء للصحوة الإسلامية المعاصرة وأداتها التنظيمية الحركة الإسلامية بمختلف تياراتها وتنظيماتها وحركاتها ومكوناتها، وعلى ما بين هذه التيارات والتنظيمات من تباين واختلاف يصل إلى حد التناقض في بعض القضايا والمواقف أحيانا.
ولئن كان التيار الفكري التقليدي في البلاد العربية منقسما إلى فئتين اثنتين:
1- فئة قائمة على صياغة الأسس النظرية للأنظمة العربية التقليدية التي لا تقوم على أساس تصور أصولي للإسلام قوامه اعتماد المفاهيم الإسلامية انطلاقا من القرآن والسنة، وإنما تنحوا مجرد منحى إسلامي تجتمع فيه كل النقائص والإنحرافات التاريخية القديمة، إضافة إلى ما اعتبر من مستلزمات التواصل مع المستجدات الحضارية المعاصرة التي لم يقع إخضاعها للنظر الشرعي وفق منظومة فكرية إسلامية متطورة، وقراءة جديدة للواقع والنصوص الشرعية على مقتضى المستجدات والحوادث لاستخلاص الأحكام الشرعية لها من أدلتها الشرعية.
2- وفئة أخرى من هذا التيار وجدت نفسها عديمة الجدوى والفاعلية في ظل أنظمة استبدادية لها نخبها العلمانية التي تمدها بكل ما تستحقه من تصورات وأفكار ومقترحات ووجهات نظر وبرامج، وليس مطلوب من النخبة التقليدية إلا تزكية هذه المشاريع بإبداء الرأي باتجاه الموافقة والتزكية، أو السكوت وعدم المعارضة. وباعتبارها لا تستشار ولا يطلب منها إبداء الرأي أو تقديم المقترحات، فإنه ليس مطلوب منها أكثر من ذلك. ولقد كانت هذه النخبة تتنازعها أهواء شتى:
أ) فمنها من ساير التيار التغريبي وجاراه رغم ثقافته التقليدية.
ب) ومنها من اعتبر نفسه في انسجام مع قناعاته وثقافته وهويته ومنزلا في إطاره الطبيعي حين يكون في ركب الحركة الإسلامية، فالتحق بها انتظاما وعضوية أو تعاطفا ومناصرة.
ج) ومنها من آثر الإنقطاع والإنكفاء على الذات ومغادرة الساحة بكل أبعادها الثقافية والفكرية والسياسية.
د) ومنها من اختار الإستقلالية والإكتفاء بما هو متاح من الأنشطة بما لا يجعل لأحد عليه سلطانا، وبما لا يجعله محسوبا على طرف دون آخر، وبما يجعل في كثير من الأحيان كل الأطراف تسعى لكسبه إلى جانبها، أو على الأقل تحييده والإبقاء عليه بعيدا على الجهة التي يسود الإعتقاد أنه الأقرب إليها، لما يبدو بينه وبينها من قواسم مشتركة ومن محاور ونقاط التقاء، وغالبا ما يكون هذا الطرف هو أحد تيارات الحركة الإسلامية، والتي غالبا ما كانت تلقى دعما وتأييدا ومساندة من كثير من عناصر هذه النخبة، والتي كانت تسارع للإنحياز إلى أنصار الأصالة والهوية والثقافة العربية الإسلامية كلما كانت
ــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة: 85 .
الفرصة سانحة. وهذا ما حدا بالنخبة العلمانية اللائكية التغريبية التكفيرية بتصنيفها حينما يتعذر عليها كسبها أو تحييدها خاصة، على أنها حليف استراتيجي للإسلاميين. وقد بدا ذلك واضحا في تونس مثلا بعد الضغط الشديد الذي أحدثته الحركة الإسلامية على نظام الهالك بورقيبة خلال عام 1987 وما قبله، والذي انتهي بإسقاطه، ولكن وللأسف، فإن ذلك لم يكن لصالح حركة الإتجاه الإسلامي آنذاك، ولا
لصالح الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان، أي لصالح الحركة الديمقراطية التي كان بالإمكان تشكيلها وإقامتها، ولكن الهدوء الذي خيم على الساحة إثر عاصفة سقوط بورقيبة، والخطاب السياسي الإستهلاكي الذي ميز تلك المرحلة من تاريخ البلاد، جعل كل ذي قناعة يزداد قربا من ذي قناعته ويلتحق بمن يشاركه ويلتقي معه فيها وفي ثقافته، ويأمل أن تتحقق من خلاله أهدافه وطموحاته وأحلامه. في هذه الأثناء، خرج الكثير من هذه النخبة عن صمتهم تجاوزا لترددهم واعتقادا منهم أن الوقت والظرف قد أصبحا مناسبين لذلك، وظهرت رغبتهم بوضوح في الإلتحاق بتيارات الحركة الإسلامية، مما جعل الطائفة العلمانية تطلق صرخة فزع، واعتبرت نفسها تواجه خطرا حقيقيا تعزز فيه تنظيم الحركة الإسلامية بالعديد من رموز النخبة الزيتونية التقليدية، معتبرة في النهاية أنه لا فرق بين كل هؤلاء. وأن بعضهم أولياء لبعض. وقد جاء في النص الكامل لمرافعة النيابة العمومية في محاكمة حركة النهضة الإسلامية سنة 1992 بجريدة الصباح الصادرة يوم الثلاثاء18 أوت 1992 بتونس قولها “… كما أن تمسك مجموعة الإنقاذ بانتمائها إلى الصوفية فهو من المفارقات العجيبة… إن ذلك يؤكد مرة أخرى أن التطرف ملة واحدة لا فرق بين فرقة وأخرى ومهما اختلفت الأسماء فالمسمى واحد وأن تنظيمات المتطرفين لا تغدو أن تكون روافد متضامنة تصب في بؤرة واحدة هي الإرهاب وإذكاء نار الفتنة”(1) على حد قوله، ومنها من أبي إلا أن يكون بوقا من أبواق السلطة، وفقيها من فقهاء البلاط وإماما من أئمة الإرتزاق تمرر عبره السلطة المدعومة بالتيارات العلمانية التغريبية التكفيرية، وإن بدت مختلفة أحيانا ولاعتبارات مختلفة، مشاريعها وسياساتها ومواقفها التي تستحق أحيانا أن تمر عبره.
أما ما كان من النخبة العلمانية التغريبية بمختلف مشاربها وعلى اختلاف تصوراتها وأفكارها فهي، فإن
كانت قد اتفقت على شيء، فليس أكثر من اتفاقها على معاداة الحركة الإسلامية ومعاداة الإسلام من خلالها والكيد له ولها.
فقد مرت التنظيمات السياسية والتيارات الفكرية التغريبية التحديثية التكفيرية بتونس بثلاث مراحل، بحسب قوتها وضعفها، وبحسب تشددها وتسامحها، وبحسب اعتدالها وتطرفها، وبحسب قوة الحركة الإسلامية وضعفها، وبحسب صمودها وانهيارها، بقطع النظر عن مواقفها من مجمل القضايا الأساسية بالبلاد، ومن موقفها من التيارات الفكرية والقوى السياسية الوطنية والإقليمية والدولية، وهذه المراحل هي :
1- مرحلة الإنتقاد الجارح والتشكيك والتصدي والمواجهة مع بداية ظهور الحركة وهي ضعيفة.
2- مرحلة القبول بها والتأييد أحيانا، والمساندة لها والتنسيق معها أخرى بعد إثبات قدرتها على التصدي في المواجهة وهي قوية.
3- مرحلة اقتناع المعارضة الهزيلة بالتحالف مع النظام القوي لوأد الحركة الإسلامية التي حجبتها وأصبحت تهدد النظام المستبد الذي أكسبه ضربها في البداية مزيدا من القوة، وازدادت به الحركة العلمانية الحليفة له هزالا، وقد تم احتوائها بالكامل وتدجينها، وقد منحها من المواقع في المؤسسات المهيمن عليها هيمنة كاملة ما ازداد به كذلك قوة، وما اكسبها المزيد من الضعف والهزال وفقدان المصداقية، باعتبارها قد أصبحت تتمتع قياسا إلى حجمها بما لا يمكن أن تتمتع به أبدا، وكان ذلك تفضلا من النظام ومنة منه عليها.
“…إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون”.(2)
إن النخبة العلمانية بحكم عزلتها عن الجماهير في تفكيرها وسلوكها لا تستطيع ولا يمكن لها أن تشكل تنظيما جماهيريا واسعا حتى وهي مجتمعة. ولقائل أن يقول:”أليست الأنظمة الحاكمة هي الأكثر جماهيرية وهي الأوسع قاعدة شعبية” ؟ وليس ذلك في الحقيقة لطبيعتها العلمانية التغريبية اللائكية ولكن

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة الصباح يوم الثلاثاء 18 أوت 1992 عدد 14155.
(2) ) الأعراف: 30 .
لمجرد أنها تنظيم أو طائفة أو عائلة أو قبيلة أو عشيرة بحسب القطر مستولية على الحكم ومالكة للسلطة، وذلك هو فقط السر في انتشارها الشعبي والجماهيري.
فهي أي النخبة العلمانية وإن كانت تغازل الجماهير وتهفوا نفسها إلى استقطابها، إلا أنها لا تؤمن إلا بالعمل النخبوي، ولا تستطيع إلا ذلك بحكم مزاجها وطبيعة تكوينها وطبيعة خطابها وثقافتها. وهي إنما تحدد وجودها على الساحة الوطنية سواء في تونس أو في غيرها من الأقطار العربية والإسلامية على
ما أعتقد على النحو التالي :
1- فمنها الممسك بالسلطة والمتحكم والمسيطر على مؤسسات الإعلام والثقافة وغيرها من المؤسسات العامة والخاصة.
2- ومنها من التحق بتنظيمات وجمعيات وأحزاب سياسية معارضة أو شبه معارضة أو محسوبة على المعارضة على الأقل، مع تسجيل حضورها حتى المكثف أحيانا في ساحات محسوبة على السلطة. وبحكم الطبيعة العلمانية التي تجمع بينها ينتفي الفرق بين وجود هذا الطرف أو ذاك، خاصة في المؤسسات الإعلامية والثقافية بحكم بساطة الإختلاف الذي لا يكاد يظهر في الفهم والطرح والخطاب بين علمانيي السلطة وعلمانيي”المعارضة” في كثير من الأحيان.
3- ومنها من يؤثر الإستقلالية وغالبا ما تكون التنظيمية وليست الفكرية والسياسية. وقد يكون ذلك غالبا إن لم يكن دائما، إما اقتناعا أو خوفا أو طمعا أو خوفا وطمعا. فهي على ما هي عليه من بعض أوجه الإختلاف في ما بينها، تلتقي كلها على ما صيغت عليه عقول أصحابها من قيم ومبادئ وتصورات وقناعات ومناهج نهلوها من ثقافة المستعمر: من مثل مبدإ فصل الدين عن الدولة، ليجدوا أنفسهم حتما وبالضرورة في الصفوف الأمامية في المواجهة الواقعة والممكنة والمحتملة مع الحركة الإسلامية. ويجب أن يكون واضحا أن المشكلة ليست في الإنفتاح على ثقافات العالم المختلفة، فذلك ما يجب أن يكون زمام المبادرة فيه للإسلامي، باعتباره مدعو شرعا لذلك وباعتبار أن ذلك كان ثابت من ثوابت الثقافة والحضارة والتاريخ الثقافي والفكري الإسلامي. وهو من التقاليد المتبعة من طرف كل مفكري وفلاسفة وعلماء الأمة على امتداد كل التاريخ الحضاري لأمة العرب والمسلمين. وذلك ما يمكن أن يكون من فروض الكفاية على الأقل عليه. ولعل التطور الهائل الذي أصبحت عليه وسائل الإعلام والإتصال يجعل من ذلك فرضا من فروض العين. فإذا كان ذلك من مقتضيات العادة عند العلمانيين واللائكيين فهو عند الإسلاميين والمسلمين عموما من مقتضيات وموجبات العبادة. ولكن المشكلة تكمن في النقل الأمين لهذه الثقافات والتصورات والأفكار والمناهج. والفرق بين الإسلاميين والعلمانيين التغريبيين في تناول المضامين والمناهج الثقافية والتراثية المختلفة يتمثل أساسا في:
1- إصرار العلمانيين عموما على التمسك بتثبيت الثقافة الغربية بحلوها ومرها، ولعل مرها كان أكثر من حلوها، في واقع لا علاقة له بهذه المضامين الثقافية والتصورات الفكرية، وهذه المذاهب الإقتصادية والمناهج السياسية والطبائع والعلاقات الإجتماعية. والتنكر لكل ما هو أصل وأصيل. وصرف كل الجهود والإمكانيات للتخلص منه ورفضه، إلا ما حاولوا تطويعه لقناعاتهم ولثقافتهم مما كان من التراث أو من بعض ما كانوا ينتقونه لغرض أو لآخر ولغاية أو لأخرى أو لهدف أو لآخر من الثقافة العربية الإسلامية ليجعلوه منسجما مع قناعاتهم، ليوهموا به أنفسهم ويوهموا غيرهم أن تلك القناعات قد أصبحت معبرة عن الهوية، وقد أصبحت بذلك أصيلة بعد أن كانت دخيلة (الأصالة والمعاصرة).
2-وجود فريقين من الإسلاميين:
أ)أحدهما ليس أقل سوءا من الحداثيين الذين أمسوا ضحية للإنهزام الحضاري والغزو الفكري. وقد كان أصحابه ومازالوا مصرين على رفض كل ما هو غربي إلا ما كان علميا خالصا وإن كانوا يتفيؤون وارف ظلال منافعه، وينجلب لهم به النفع، ويندفع عنهم به الضرر، ومتمسكين، وعلى قدر كبير، بكل ما هو إسلامي وإن كان من مضامين عصر الإنحطاط ومن إنتاج عهود الإستبداد الذي ابتليت به الأمة في تاريخ مبكر ومنذ الانقلاب الأموي على الخلافة الراشدة تحديدا واستبدال نظام الوراثة العضوض الفاسد الظالم بنظام الشورى الصالح العادل.
ب)والآخر جاد في تلمس الحل لما تعانيه الأمة كلها من انحطاط وتخلف وتبعية وإلحاق وفرقة وفق قراءة نقدية متأنية للموروث الثقافي الإسلامي وللإنتاج الفكري الثقافي والحضاري العربي وللمنظومة الفقهية الكاملة، في محاولة للتوفيق بين كل ما هو من الحكم النافعة في عموم الموروث الثقافي العربي الإسلامي وبين ما هو من قبيل الحكمة التي هي ضالة المؤمن أينما وجدها فهو أحق الناس بها من هذا التراكم الثقافي الفكري والحضاري الغربي. وقد وجد هؤلاء أنفسهم بين سندان أخوانهم من الغلاة المحافظين والتقليديين، ومطرقة التطرف العلماني التكفيري والإستبداد السياسي المدعوم بالقوى الدولية الغربية المهيمنة.
لقد كانت النخب العلمانية أو المحسوبة على العلمانية المشكلة لدوائر القرار السياسي في الأنظمة السياسية العربية العلمانية المحكمة قبضتها على الشعوب الإسلامية في المنطقة العربية وخارجها وتلك الداعمة لها، لها نفس الموقف وإن بدرجات مختلفة ومتفاوتة من كل ما له علاقة بالإسلام من قريب أو بعيد. وقد جاهرت في جانب كبير منها وبدرجات وأساليب مختلفة بحسب الأوضاع والظروف والضغوطات والمصالح والأهواء بعدائها له في جوهره، من خلال حتى بعض ما كان إسلاميا تقليديا، فضلا على أن يكون “متطرفا” ويزعم لنفسه أو يزعم له حتى بعض الزاعمين أنه معتدل، ومن خلال منطلقاتهم الثقافية الإستعمارية والصهيونية، وقد جعلوا في مقدمة اهتماماتهم، سواء اقتناعا أو خوفا أو طمعا، ضرورة الإبقاء على فصل الدين عن السياسة كما تشير عليهم الأسس النظرية لعلوم الإجتماع والسياسة التي صاغها كبار مفكري اليهود الصهاينة والغرب الإستعماري، من غير إعطاء أي اعتبار لما عسى أن يكون عليه الأمر في الإسلام الذي يعتبر الكثير منهم، إن لم يكن كلهم أو جلهم، نفسه رغم كل ذلك مسلما، ولا يسمح لأحد أن يشكك في ذلك. ويأتي على رأس هؤلاء كبار رؤوس الإستبداد والظلم والتسلط.
يقول رئيس الوزراء الأسبق محمد مزالي على عهد الهالك الحبيب بورقيبة في حديث لوكالة يونايتد براس “فنحن نحترم الإسلام لأننا مسلمون غير أننا لا نقبل أن يستعمل الإسلام جماعة لأغراض سياسية فالسياسة شيء والدين شيء آخر”.(1)
“أما في خصوص منهجنا السياسي فقد اخترنا البورقيبية المسلمة مذهبا والإشتراكية الدستورية منهجا ارتكزت دعائمها واستمدت مبادئها من الإشتراكية الإسلامية وهذا ما دفع بي في مجال من المجالات أن
قلت من لا يؤمن بالإشتراكية الدستورية فهو خارج من حضيرة الإسلام..(2)
فإذا كان الإسلاميون جادون في الدعوة إلى الإسلام والتذكير به “وذكر فأن الذكرى تنفع المؤمنين”(3) وهم مجتهدون في إخلاص بالإلتزام بكل ما هم قادرون على الإلتزام به من مبادئه وقيمه وأوامره ونواهيه، وحلاله وحرامه قولا وعملا، فإن الذين احتلوا مواقع لهم في دوائر القرار السياسي وعلى رأسهم المستبد الأعظم والزمر المختلفة الأغراض والأهداف والنوايا المحيطة به والمشرئبة أعناقها إليه، والواقفة على أبواب خزائنه، والمتسارعة لتسلق أعتاب قصوره ومراكز السهر على تنفيذ سياساته، لا يلتزمون ولا يلزم بعضهم بعضا، ولو في حدود الإمكان على الأقل، بما يؤمنون به من أفكار، وبما يصيغونه من تشريعات، وبما يضعونه من برامج. فإذا كان الأمر على هذا النحو في ما يؤمنون به من ذلك وفي ما ينظمون على أساسه حياة الناس، فكيف يمكن أن تكون الحال عندما يتعلق الأمر بالإسلام الذي ما إن يتم فصله عن السياسة حتى تصبح قيمه ومبادئه لاغية، وأحكامه معطلة، وحلاله حرام وحرامه حلال. فأنى يمكن لمن لا يؤمن بالإسلام منهجا متكاملا للحياة بكل مناشطها كما أراد الله لخلقه، أن يلزم نفسه بالتزاماته وقيمه ومبادئه وتشريعاته وأوامره ونواهيه …ويدعو الآخرين إلى القيام بمثل ذلك، وهو الذي لم يكن قادرا على الإلتزام بما هو مقتنع به من مبادئ وقيم ومناهج الفكـر المستوردة والتي يجوز أصحاب النفوذ السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي أن يخالفوا الناس فيها لما يدعونهم إليه، محلين لأنفسهم ما يحرمون على الآخرين، ويسمحون لأنفسهم بما يمنعون على الآخرين… فيدخلون بذلك في طائفة من يحق فيهم قول الله جل جلاله.”أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون”(4) ويندرج في هذا السياق كذلك قول الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم “إن الذي أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم القوى تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد فوالله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها”.
والذي يبدو واضحا أن إصرارهم على التمسك بالمناهج الغربية في السياسة والإقتصاد والإجتماع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جريدة العمل. السبت 18 جويلية1981 .
(2) الأصداء نشرية داخلية للشباب الاشتراكي الدستوري فرج بن مصطفى.
(3) الذاريات: 55 . (4) البقرة: 44 .
والثقافة والإعلام إنما هو إفلات وهروب منهم من الإلتزامات التي تبدو لهم صارمة، تلك التي يفرضها عليهم الإسلام، والتي تجعلهم في نفس المستوى أحيانا مع من يعتبرونهم أقل منهم منزلة وحظا، وقد تصبح الحياة عندهم بلا معنى إن لم يكونوا من أصحاب الإمتيازات والمنازل الرفيعة والمقامات المحمودة. والذي لا شك فيه كذلك أن هذه النخب المكونة لنسيج الدوائر الرسمية والخاصة في السياسة
والإقتصاد والثقافة والإدارة إنما تعتبر نفسها، أو لسان حالها يقول على الأقل، أنها أكبر من أن ينطبق عليها من أحكام الإسلام ما انطبق على الذين كانوا من قبلهم ممن هم في منزلتهم، وهم يعلمون أو لا يعلمون أن القرآن الكريم يعتبر ذلك استكبارا عن عبادة الله. يقول تعالى “وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين”.(1)
إن تناقض الأنظمة السياسية التقليدية والعلمانية على حد سواء في ما يخص التعامل مع الإسلام، قد بدا واضحا عندما داهمت عليها الحركة الإسلامية المعاصرة أوكارها واقتحمت عليها ساحات وفضاءات ما كانت تعتقد يوما أن طرفا ما يمكن أن يسبب لها فيها حرجا أو إرباكا، قد جعلها تعيش اضطرابا شديدا، فلا هي كانت قادرة على إثبات إسلاميتها الكاملة والواضحة والصحيحة لأهل الإختصاص ولمن توضحت عندهم الصورة في ذلك من أبناء الشعوب الواقعة تحت نفوذهم والخاضعة لحكمهم، فلا هي كانت قادرة على تأكيد علمانيتها الصريحة وإقناع كل أبناء الشعوب العربية الإسلامية بها، أو التنكر لها
أو مراجعتها باتجاه التراجع عنها، ولا هي كانت قادرة كذلك على إزالة الإسلام على أي معنى من المعاني المطروحة أو التي يمكن أن تطرح، وقد أصبح يمثل مصدرا فعليا من مصادر الحرج والإرباك
والإزعاج الذي ما إن وجد بعد عدم وجود على النحو الذي أصبح مطروحا به ويطرح به نفسه، حتى يصبح من الحتمي تواصل تأكد وجوده مع الأخذ بالإعتبار فترات الضعف والإندحار التي كانت تتخلل مسيرة الصراع مع الآخر السابق له بالوجود، والمالك لكثير إن لم يكن لكل أسباب القوة، المدعوم عادة بكثير من القوى الداخلية والخارجية. فإذا كان الكثير من القوى السياسية والإجتماعية والتيارات الفكرية قد وجد ليصبح بعد زمن يطول أو يقصر في عداد التجارب الفاشلة، فإن الحركة الإسلامية إنما وجدت لتبقى، سواء قوية يتعزز وجودها وتزداد قوة وانتشارا، وفي أسوإ الأحوال مترددة بين القوة والضعف، وبين السرية والعلنية، وبين شرعية الوجود أو الوجود الشرعي وغير الشرعي. وليس هذا الإنبعاث وليد الصدقة أو اختيارا بشريا صرفا، أو من تدبير قوى الهيمنة ورعايتها كما يحدث ذلك في مختلف أنحاء العالم، بإنشاء قوى وتنظيمات وحركات وأحزاب غير إسلامية تابعة لها، وإنما هو تحقيق لوعد الله ونفاذ لأمره وفق الوعد الذي وعد به عباده الصالحين في قوله تعالى: “ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون”(2) وفي قوله تعالى: “وعد الله الذين أمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون”.(3)
فإذا كانت الأنظمة التقليدية المدعومة عادة بالتيار الفكري الإسلامي التقليدي تعتبر نفسها منسجمة مع الإسلام أو قريبة منه في جملته وفي إطاره العام، فإنها منزلة في إطار فهم فج لا يستجيب لا بسط تجليات الحياة المعاصرة، ولا يصلح أن يكون حتى مجرد امتداد لنظام ملوك بني أمية وأنظمة الملك العضوض التي أبت إلا أن تستمر في اغتصابها لحق الشعوب في ممارسة حقها في الشورى قرونا من الزمن وهي محسوبة على الإسلام. ولعلها على ما هي عليه من فساد واستبداد أفضل من هذه الأنظمة الهجينة التي أقيمت أما على هامش من الإسلام لا يحسب لها بل هو محسوب عليها، وهي التي تأبي إلى
الآن أن تثوب إلى رشدها وتراجع قراءتها وحساباتها، ويعلن القائمون عليها توبتهم وينتهوا عن المخالفات الشرعية التي يقومون بها، والتي يأتي على رأسها اغتصاب حق المسلمين في اختيار قيادتهم أو قياداتهم على النحو الذي يمنحهم الإسلام. ولتكون المراجعة أما بإنهاء حتى ذلك الهامش والقطع معه، أو بالشروع في تدارك أمرها وإتمام الصورة بتعزيز ذلك الهامش نفسه والارتقاء إلى مستوى الإنسجام المطلوب شرعا وواقعا مع المفهوم الإسلامي للإنسان والحياة والكون. وبذلك فقط تكون هذه القيادات قد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) غافر: 60 .
(2) آل عمران: 104 .
(3) النور: 55 .
غادرت مواقع الظالمين لأنفسهم وجعلت نهاية لحالة الإنبتات، والمنبت من لا أرض قطع ولا ظهر أبقى، كما وقعت الإشارة إلى ذلك في حديث الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. فلئن كانت هذه الأنظمة لا تعادي الإسلام في جوهره، فإنها لا تقدمه إلا في صورة مشوهة يستحق من خلالها أن يرثى لحاله مقارنة بما يجب أن يكون عليه بالرجوع إلى أصليه ومصدريه الأساسيين المتمثلين في كتاب الله وسنة
رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم الذين يقول فيهما النبي عليه الصلاة والسلام في خطبة حجة الوداع “… وإني تركت فيكم ما أن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا كتاب الله وسنتي…” والذي يبدو واضحا أنها تتعامل معه وفق ما يتحقق به للطغم الحاكمة المغتصبة للسلطة والطفيليات العائمة في مستنقع ظلمها واستبدادها واعتدائها على الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم باعتدائها على هذا الدين، من مصالح وأغراض وأهداف، ولا حرج عندها في تحليل حرامه حينا وتحريم حلاله حينا آخر. وليس لها مشكلة معه في اعتماد ما تعتبره صالحا منه في مجال من مجالات سياساتها، وفي ترك ما تعتبره غير صالح منه، وكأن لها دليلا منه على فعل ذلك. فهو في تصورها وسلوكها استثناء لا يقع اللجوء إليه إلا في ما يتعلق ببعض الحالات المسببة لكثير من الحرج كعقود الزواج، والطلاق وأحكام الميراث وما شابه ذلك من الأحكام الفقهية والشرعية ذات الصلة في أغلب الأحيان بمسائل الأحوال الشخصية والشعائر التعبدية كالصلاة والزكاة والصوم والحج وما شابه ذلك مما لم تتجرأ القوى الغربية الغازية للعالم الإسلامي على أي محاولة مباشرة وواضحة وصريحة لإلحاق أي مساس به دون أن يدخل ذلك في الحقيقة في احترامها لمشاعر الآخرين ومقدساتهم، ولكن لتجنب أكثر ما يمكن من استفزاز للرأي العام بخصوص هذه المسائل، مما يوفر عليها أقل ما يمكن من الأحقاد، ومما يقلل عليها أكثر ما يمكن من هزات وانتفاضات وتصعيد ضدها ليست في حاجة إليه، ومما لا علاقة له بالتحديات والمشاكل والمشاغل اليومية للفرد والجماعة، واعتبار ذلك ليس من شأن الإسلام أن يتدخل فيه، ولا يمكن أن تنتظم الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية في كثير من شعبها على أساس منه. وأن كل ذلك ليس إلا من شأن التصورات والبرامج المتنوعة والمناهج التي ارتضاها الغرب المتفوق حضاريا لنا. وهو الذي يمتلك زمام المبادرة الحضارية، وقد أجاد في ابتكار وتطوير المناهج المختلفة المنظمة لمختلف أوجه الحياة، مما لم يبق معه إمكان لإيجاد ما هو أفضل منها، وإن كان ذلك ممكنا. فليس لنا نحن وما علينا إلا أن نظل محيطين بموائدهم في انتظار التقاط بعض ما يسقط من فتات لنقتات منه. وقد أوعزنا عجزنا إلى عجز الإسلام، وقصورنا في نقل العلوم إلى لغتنا إلى قصور في اللغة العربية، وأسباب تخلفنا وانحطاطنا إلى الإسلام كذلك. وعلى افتراض أن ذلك كان كذلك، فأين نحن من التقدم والتطور والعزة والحرية، وقد أمضينا عقودا من الزمن متخذين القرآن مهجورا. وقد جاء في كتاب الله جل جلاله: “وقال الرسول يا رب أن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا”(1). وقد وضعتنا القوى الدولية صليبية وصهيونية يهودية على النهج الذي يبقي علينا تحت أنظارها. وامتدادا طبيعيا للنسق الحضاري الغربي الذي يعلمون جيدا أننا لا يمكن إلا أن نكون تبعا لهم فيه. ومن كان تابعا لا يمكن أن يكون متبوعا. ومن فرض عليه التقليد ورضي به لا يمكن أن يكون مبدعا في ما لغيره فيه سبق في الإبداع إلا نادرا جدا وبعد زمن طويل وفي إطار نفس الأنساق ونفس الخيار والخصوصية الحضارية. ومن أراد أن يحقق يوما ما نصرا على عدو ما فليس أمامه من حل إلا أن يوفر على نفسه أسلحة خاصة غير تلك التي يوفرها له عدوه ويمده بها خصمه لمحاربته بها، لأنه ليس ثمة أشد غباء من ذلك الذي يظل يعتبر أن عدوه يمكن أن يعطيه ولو فرصة واحدة للإستفادة منه بما يكسبه أي قدرة على إحراز أي تفوق ذات يوم عليه، أو يمكنه ولو من بعض الأسلحة التي يمكن أن يلحقه بها الهزيمة.
أما الأنظمة الحديثة والتي جعلت من الحداثة شعارا مغريا استقطبت به اهتمام الجماهير المتعطشة إلى الرفاه والتقدم والتطور، والراغبة في امتلاك أسباب القوة والتفوق والمماثلة الحضارية مع الغرب، فإن
حكايتها مع الإسلام تتراوح اقترابا وابتعادا واتفاقا واختلافا أكثر مما هي عليه الحال مع الأنظمة التقليدية. وهي ليست في الحقيقة أنظمة حديثة أو أنظمة ومناهج أصيلة مبتكرة، لأن القائمين عليها لم يحدثوها وما كانوا يوما قادرين على إحداث شيء في هذا العصر الصهيوني اليهودي الصليبي الذي أصبح فيه هؤلاء الذين اختاروا في النهاية أن يكونوا حداثيين، بعد أن عملوا في ساحات كثيرة ولعقود كثيرة من منطلقات مختلفة وعلى أرضيات مختلفة كذلك، على مواجهة الإسلام عقيدة وشريعة ومنهجا
ـــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرقان: 30 .
للحياة تحت طائلة العلمانية والتغريب. فها هم اليوم وقد أخذوا يدفعون عن أنفسهم صفة العلمانية والتغريب، ليستبدلوها بشعار الحداثة والتحديث، وكأن ذلك شيء مخالف، وهو الأخطر في الحقيقة، لأنهم جعلوا لأنفسهم موقعا على الأرضية الإسلامية ليتحقق لهم به من الأهداف ما فشلوا في تحقيقه منذ عقود من الزمن مضت على أرضية العلمانية والتغريب “وما نضال الحركات السياسية والنقابية في هذا
الإطار” (إطار الدعوة إلى عدم الإلتزام بالأحكام القرآنية التزاما حرفيا) بل وقبول التشريعات الوضعية والعمل بها إلا خير شاهد على أن هؤلاء المفكرين ولئن كانوا مفكرين هامشيين إلى حد ما فذلك لا يعني البتة أنهم منبتون عن بيئتهم الروحية والثقافية رغم قلة عددهم المعبرون على الإسلام الحي في عصرنا”(1)
فهم ليسوا في الحقيقة إلا من المحدثين الذين يقول فيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” (2) وفي حديث آخر”… وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة”.(3) وهم ليسوا في الحقيقة من الحداثيين والتحديثيين، بل هو من الإستنساخيين مع إضافة بعض المساحيق والديكور على ما يستنسخونه ليوهموا الرأي العام وحتى أنفسهم أحيانا أنهم إنما جاؤوا بشيء حديث وبسحر عظيم. والحديث هو في الحقيقة الجديد الذي لا قبل للناس به من قبل. وإذا كان الأمر كذلك فعن أي حديث أو حداثة يتكلم هؤلاء العلمانيون التغريبيون التكفيريون وهم من لم يأتوا يوما للأمة بجديد، وليس ذلك ممكنا لهم. وإن كل الذي يتحدثون عنه ويمارسونه ويطبقونه من مناهج وبرامج وتصورات هو من قبيل البضاعة المستوردة الجاهزة للإستهلاك كغيرها تقريبا من المواد الإستهلاكية التي تلتهمها مجتمعات الإستهلاك التي أحدثتها كل من الأنظمة التقليدية العدمية والأنظمة العلمانية التغريبية العبثية على حد سواء.
إن الأنظمة العلمانية الحديثة ومن حولها طابور الإنتهازيين وعصابات اللصوص وقطاع الطرق وكل
فرق المافيا الإقتصادية والسياسية والثقافية والإجتماعية والأمنية والإعلامية وجماعات الزندقة الفكرية والفنية وحتى الصادقين المستفيدين من الأوضاع المساهمين في إقامتها والمدافعين عنها والمقتنعين والذين يعملون على إقناع الآخرين بها من خلال كل منابر الإعلام المتاحة، والتي لهم عليها السيطرة الكاملة تقريبا. ومن خلال جعل العلمانية أمرا واقعا لا خيار للرأي العام الشعبي في القبول أو الرفض في المشاركة فيه أو المقاطعة له، لم تستطيع أن تعلن علمانية الدولة صريحة بالتنصيص على ذلك في دساتيرها العرفية أو المكتوبة مثلما فعل كمال أتاتورك في تركيا بعد أن استكمل المرحلة الأخيرة من إسقاط “الخلافة” وأعلنها تركية طورانية علمانية صريحة، ولكنها اختارت طريق التحايل على الرأي العام الشعبي، تجنبا لردة فعله حين يعلم أن هناك من يريد أن ينال من حسه الإسلامي ومن عقيدته الإسلامية ومن انتمائه الإسلامي. ووشحت تلك الدساتير والمواثيق المنظمة للحياة السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية بدبائج
وصياغات تقر فيها بإسلامية الدولة وعروبة اللغة في البلاد العربية طبعا. وتكون بذلك قد أمنت غضب
الجماهير واستبعدت احتمال ثورتها عليها، وحتى مجرد شعورها ذات يوم بعدم شرعية قيادتها لها بخصوص هذه المسألة البالغة الحساسية، خاصة في المراحل الأكثر قربا من عهود الإحتلال الغربي لبلاد المسلمين قبل أن تتقدم العلمانية الموروث الشرعي للغزاة الصليبيين خطوات نوعية في تبليد الذهن الإسلامي وإضعاف الحس الاسلامي عند أبناء الشعوب الإسلامية والعربية في البلاد العربية والإسلامية على حد سواء، على اعتبار أن الروح المعنوية المستمدة من الإسلام وحده في تلك العقود من التاريخ كانت السلاح الأنفذ في مواجهة الغزاة الغربيين. وقد بدأ ذلك كاف لهذا الرأي العام الشعبي المخدوع الجاهل فعلا بحقيقة الإسلام وبحقيقة هذه الأنظمة أن هذه القيادات صادقة في التعامل معه وفي التعاطي مع الإسلام ولغته العربية. ويكون العلمانيون بذلك قد نجحوا في تمرير لعبتهم القذرة مستفيدين من الجهل والخوف والطمع والثقة المودعة فيهم وهم الذين ليسوا في الحقيقة أهلا لها وإقامة واقع حياة علمانية لا يكاد يكون للإسلام المشار إليه عندهم أي تأثير على التفكير والسلوك والنظام العام لحياة الشعوب والنظام الخاص لحياة الأفراد الذي يجب أن يكون في مجمله منضبطا للقوانين والتشريعات
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الإسلام والحداثة عبد المجيد الشرفي.
(2) البخاري ومسلم.
(3) أبو داود والترمذي.
والمناهج الوضعية العلمانية المنظمة لكل أنواع ومختلف المناشط اليومية للأفراد والمجموعات، إذا استثنينا بعض المؤسسات والمناشط التي تبدو نشازا داخل المنظومة القانونية المنظمة لها هي نفسها وداخل البرامج التعليمية والإعلامية والإقتصادية والسياسية والثقافية والإجتماعية الجاري بها العمل والسارية المفعول والنافذة في مناشط المجتمع تفكيرا وسلوكا. ووجب أن تكون هذه المؤسسات وهذه
المناشط عندهم تنفيذا لتلك الديباجة المزخرفة للبند الأول من الفقرة الأولى من الفصل الأول من الدستور
العرفي أو المكتوب عادة. فهم يزعمون أن العناية يجب أن تقع من خلالها بالدين الحنيف على حد قولهم
غالبا. وهي التي تأخذ شكل إدارة تهتم بالشؤون الدينية ملحقة بإحدى الوزارات تارة أو تشكل وزارة في
البناء الهرمي العام للتركيبة الإدارية لمؤسسات الدولة طورا. فهي تتراوح بين التضخيم والتقزيم بحسب تقلب الأحوال واختلاف موازين القوى بالبلاد.
ولكم يكون حرص هذه الأنظمة شديدا على اختيار من يتولون الإشراف عليها وعلى وضع برامجها وعلى متابعة إنفاذها بما يعود بالنفع للأنظمة العلمانية الحديثة الرافعة أو الملوحة بشعارات الديمقراطية والحرية والحداثة والتطور وحقوق الإنسان والعدالة الإجتماعية والأصالة وإثبات الهوية الإسلامية والتسامح والإعتدال والوسطية إلى ما هنالك من الشعارات المسيلة للعاب الجماهير والبانية عليها أمالا عريضة ولعقود من الزمن لم تزداد فيها أحوالها إلا سوءا. وقد كانت هذه الأنظمة قادرة دوما على إنتاج طائفة من العلماء على الشاكلة التي تريد أن يكون عليها العالم المسلم في نظرها ليكون عالما حقا، وليكون جديرا بحمل هذا الإسم وبإطلاقه عليه. وإذا كان سدنة الأنظمة العلمانية الحديثة المنظرين لها والداعين إليها والمتمسكين بها والمدافعين عنها يصبون عادة جام غضبهم على فقهاء البلاط وأئمة السلطة تاريخيا، ويحملون الإسلام من خلالهم مسؤولية المظالم والجرائم التي يرتكبها الحكام والملوك في حق الشعوب والمخالفين والأحرار، فها هم اليوم يحلون لأنفسهم ما يجرمونه على من سواهم ممن سبقهم من الأسلاف ومن المعاصرين لهم، وحتى ممن يمكن أن يليهم ويأتي من بعدهم. ويكلفون الأوطان والشعوب من النفقات والأعباء المادية والمالية والبشرية ما لو وقع توجيهه وصرفه إلى مجالات أخرى أكثر نفع لكان خيرا وأجدى.
أرأيت لو أن الإعتمادات المالية التي تهدر في شكل مرتبات للطاقم الديني الرسمي وامتداداته في أرجاء الوطن طولا وعرضا، وتلك التي تبنى بها المساجد الفاخرة الشاسعة وتقع العناية الفائقة أحيانا بتجهيزها،لتكون بعد ذلك وفي فترات طويلة وفي مراحل وقبل بداية الصحوة الإسلامية الحديثة مهجورة لا يؤمها إلا القليل النادر من بعض الكهول والمسنين، وضعت في مجالات التنمية الفلاحية والصناعية والتجارية وتعزيز البنية التحتية، وتوجيه العناية بها للفقراء والمعدمين وفاقدي السند لتمكينهم من حقهم في الشغل والصحة والتعليم والسكن. يقول وزير ما سمي في تونس بوزارة الشؤون الدينية التي تم إحداثها من طرف نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب حيث كان العداء للإسلام في تونس العروبة والإسلام أكثر استفحالا بعد أن التحق اليسار الماركسي واليسار القومي العربي بمراكز أخذ القرار في نظام الجنرال بن علي بما هو معلوم عنه إلحاده وعداءه الصريح والمعلن لهوية الشعب والأمة أن “دعم الدولة لخيار المصالحة الوطنية مع الهوية العربية الإسلامية وذلك من خلال تطور عدد المساجد والجوامع عدديا والتحسين الكيفي لبيوت الله (وصفها الوزير باللؤلؤة) التي تترجمها التجهيزات الحديثة التي أدخلت على المساجد بدءا بالمعمار والزخرف ومرورا بالمكونات الرئيسية ووصولا إلى المكيفات ووسائل التسخين …”(1) ولعل السيد الوزير قد نسي أو سقط منه سهوا ذكر أهم إنجاز تحقق لصالح الإسلام والمسلمين في تونس العهد الجديد والمتمثل في ما يسمى قانون المساجد:(2)
– الذي أغلق بمقتضاه المئات من المساجد أولا.
– ثم أصبحت بمقتضاه مقابر ثانيا.
– ثم أحكمت إغلاقا وفسح المجال واسعا للخمارات وفضاءات اللهو والدعارة بالبلاد ثالثا.
– وأصبحت خاضعة لرقابة مشددة من طرف كل الدوائر والجهات”الأمنية” كما لم تخضع أي مؤسسة أخرى بالبلاد مثلها رابعا.
– ثم أصبحت أكثر من أي وقت مضى مجالا لتشغيل العاطلين عن العمل والعجز ومن ليس فيهم الحد
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصباح : السبت 9 ديسمبر 2000 .
(2) انظر قانون المساجد بالملحق صفحة 85
الأدنى أحيانا من الشروط الشرعية لتولي الإمامة خامسا.
– وبإشراف مباشر من طرف معتمد الجهة يشترط في الإمام وكل واحد ممن يسميهم القانون بالهيئة المكلفة بتسيير المسجد في أن تتوفر فيه الشروط السياسية ومستعدا للقيام بدور المخبر فيه.إلخ…سادسا.
وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم “لتزيننها تم لتهجرنها….” لتكون منابر تقع الدعوة من خلالها
للطاغوت والدعاء له وهو يتنكر علانية وصراحة لكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وتنصب اللعنة من خلالها على الصادقين من المفكرين والعلماء والدعاة، أو على الأقل الأكثر صدقا مع الله ورسوله، مثلما كانت عليه الحال على عهد الإنقلاب الأموي لما استتب الأمر للطلقاء أبناء الطلقاء وأخذوا يسارعون لاعتلاء المنابر لإنزال اللعنة على رابع الخلفاء الراشدين الإمام علي بن أبي طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه ومن والاه. ومثلما هي عليه الحال في كثير من البلاد الإسلامية في هذا العصر: يقول المدعو جلول الجريبي وزير الشؤون الدينية التونسي”…إن تونس تجاوزت هذه المعضلة (موضوع ما يسمى التطرف الديني) ليس باعتماد تطرف مضاد وإنما عبر خدمة الدين الإسلامي الحنيف … الأمر الذي أغلق الأبواب أمام هذه الجمعيات المتسترة بالدين” ونفى أن تكون ثمة علاقة بين الخطاب الديني والمجال السياسي “.(1)
وكذلك الأموال الطائلة التي تهدر في بناء المؤسسات اللازمة و حجزها وتسخيرها وجعلها في خدمة هذه المناشط الدينية والتجهيزات اللازمة لذلك، وغير ذلك مما لا تستطيع له حصرا من الإمكانيات والطاقات المهدورة في ما لا يحقق للأوطان المثقلة بالديون والمرتهنة لدى المؤسسات المالية الدولية ولا للشعوب الرازحة تحت نير الفقر والبطالة والجهل والمرض والإستبداد كثير نفع.
أرأيت لو وقع توجيه هذه الإمكانيات الهائلة المرصودة في ما ليس فيه من النفع إلا ما كان تعزيزا لمواقع الظلم والظالمين والإستبداد والمستبدين، إن كان يمكن أن يكون في ذلك نفع، إلى مجالات التنمية
الحقيقة التي تتعدد فيها فرص معالجة مشكلة البطالة ببعث المشاريع الصناعية والزراعية والتجارية المستوعبة لأكثر عدد ممكن من العاطلين عن الشغل، وتعزيز المقدرة الشرائية للفرد، وإضافتها لبعض
ما يمكن رصده في كل مرة لمعالجة أزمة السكن وغيرها من المشاريع ذات الصبغة الإجتماعية والبيئية
كالمستشفيات والمستوصفات ودور الحضانة والمدارس والحدائق العمومية والمساحات الخضراء. وتوفير المياه الصالحة للشرب والكهرباء وشبكة الصرف الصحي والطرقات والجسور وغير ذلك مما يرتقي بالمستوى الصحي والغذائي والنفسي والفكري للفرد، وما يقلص من حجم المديونية المقدرة بعشرة آلاف مليون دولار لسنة 1990 “(2) أو يزيلها. ويعزز المكتسبات الوطنية بما يزيد الأوطان تحررا ومناعة. ولست بذلك ضد بناء المساجد ودور العبادة، ولا ضد العلوم الدينية الإسلامية، ولا ضد هؤلاء العلماء ولا هذا الطاقم الديني الرسمي وإن كان كل ذلك ليس منزلا في إطاره الطبيعي الصحيح. ولكني ضد أن يصبح الإسلام هياكل رسمية على شكل الهياكل الكنيسة ومراتبها الدينية وهي هياكل غريبة عنه ولا يعترف بها، وما وجودها إلا ضمن الفهم العلماني للدين كما فهمه ويفهمه الغرب وليس للإسلام، وكما هي عليه حقيقة المؤسسات الدينية الكنسية الغربية. ولست ضد بذل الأمة من أموالها وإمكانياتها وقدراتها في سبيل دينها، ولكني ضد أن تهدر ثروات الشعوب الإسلامية في الأوطان الإسلامية الخاضعة للأنظمة التقليدية والأنظمة العلمانية الإستبدادية سواء بسواء، في سبيل الإساءة للإسلام وتدميره بإثقال كواهل شعوب الأمة بنفقات هائلة ليس الغرض منها في الحقيقة إلا توفير الأنظمة لمزيد الضمانات لنفسها. فهي من قبيل الإنفاق الذي تتعزز به قبضة الأنظمة على الشعوب المقهورة، وتحكم به الطوق على الأوطان والشعوب بما لا يبقي مجالا لتحرك الأحرار والغيورين حقيقة على الإسلام والحاملين الحقيقيين لهموم الشعوب والأوطان ومن خلال ذلك لهموم الإنسان عموما والأمة قاطبة.
يبدو أن همة الأنظمة المستبدة لا تتجه إلا إلى تبديد ثروات الشعوب وصرفها في أغلب الأحيان في مصالحها الخاصة نظرا لطبيعتها المادية النفعية المعادية لطموحات الجماهير والشعوب. وحتى ذلك الذي يتبجحون به من انجازات ومشاريع، فلا يعدو في الحقيقة أن يكون الحد الأدنى المطلوب لتدعيم الوجود ولضمان البقاء والإستمرار لنفسها فقط.
أفليس من باب أولى وأحرى أن تترك هذه الأنظمة وخاصة الأنظمة العربية منها هذا الدين وشأنه؟
وإذا كانت الأنظمة التقليدية تعتمد عليه في استمداد وجودها منه أكثر من استمداده من غيره، فإن
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الصباح : السبت 9 ديسمبر 2000 .
(2) نشرية ملامح العالم الاقتصادية سنة 1999.
الأنظمة العلمانية الحديثة إنما تعتمد في الحقيقة في استمداد وجودها من غيره أكثر مما تستمده منه. إي أنها تعتمد في ذلك اعتمادا كليا على الثقافة الغربية ومن كل مكونات الحضارة الغربية بحلوها ومرها، إن كانت قادرة على التفريق بين ما فيها من حلو وما فيها من مر، بل إن كان حكام هذه الأنظمة والمساندون والداعمون والمؤيدون لهم يعلمون أو يعترفون أو يحسبون أن فيها ما هو مر. ولو وقفوا عند هذا الحد لهان ربما الأمر. بل هم يذهبون إلى أبعد من ذلك. وأنهم ليقولون ويعتبرون أن العقلية السائدة لدى الشعوب الإسلامية، والتي هي من رواسب التربية والأخلاق والعقيدة والشريعة الإسلامية على ما كانت عليه هذه الأبعاد والثوابت من انحرافات وأخطاء بحسب ما كان عليه الموروث الثقافي لعصور الإنحطاط والعرف السائد المحسوب على الإسلام في أذهان الكثير من المسلمين، قياسا لما هي عليه في الأصل من صحة ووضوح ونقاء ورفعة وسمو، تأتي على رأس المعيقات التي تؤثر سلبا في البرامج التقدمية التي توضع لتطوير المجتمع ومحاولة إخراج الشعوب من حالة الإنحطاط والتخلف إلى حالة التقدم والترقي. ولذلك كان من الأمانة والصدق والوضوح مع النفس ومع الغير أن يحذ هؤلاء جميعا حذو من تعترهم مثلها الأعلى من الأنظمة الغربية، وأن يلتزموا بما التزم به الغربيون من القيم والمبادئ والقوانين والمفاهيم والأساليب والآليات التي استقرت عليها حياة المجتمعات المدنية الغربية، وهي التي حسمت نخبها في صراحة ووضوح وجرأة في الدين الكنسي مطلقا من خلال الكنيسة المسيحية والمفاهيم الدينية التي كانت تكبل بها المجتمع، وأخرجته بتلك المعاني والمفاهيم من هياكلها ومؤسساتها ومن مختلف أنظمتها، وتخلصت من تدخل رموزه في الشأن العام ومن مؤسساته إلا ما كان من محافظة على الوجود والكيان والإستمرار الذاتي للكنيسة ورجالها ومؤسساتها بما هو استقلالية تكاد تكون تامة في النشاط والهياكل والتمويل، أو ما كان من تنسيق بين الدولة الغربية الحديثة والكنيسة أو النظام الكنسي المنهار، في الحملة الإستعمارية التي قادها النظام الحضاري الطبقي الغربي الصليبي الجديد ضد مختلف شعوب الأرض. وهي التي وإن كانت قد أزاحت الكنيسة إلا أنها لم تكن في الحقيقة معادية للدين المسيحي في ذاته وفي تعاليمه كما هي واردة في التوراة والإنجيل، لا كما يفهمها رجال الدين بمختلف درجات مراتبهم وكما ظلوا يعطلون بها حركة العقل وحركة العلم والمعرفة، وحركة الشعوب نحو التقدم والحضارة، مع تركيز خاص مازال متواصلا على الشعوب الإسلامية عامة والتي ربما لعدم عروبتها كانت أكثر وفاء لأعراقها وقومياتها وأوطانها وشعوبها وإسلامها، وشعوب المنطقة العربية خاصة، والتي جعلها الكثير من قياداتها في ذلك الوقت حليفا له.
لقد كانت هذه الأنظمة العلمانية في المنطقة العربية أنظمة هجينة. فلا هي استطاعت أن تحافظ على البناء الهيكلي للإسلام التقليدي، أي للفهم التقليدي للإسلام على ما هو محمول عليه من مآخذ وما انتهى إليه من تخلف، ولا هي استطاعت أن تجتهد في بلورة نظام إسلامي جديد تتحقق من خلاله الملاءمة بين تنزيل الأحكام الشرعية في التصور الجديد لذلك النظام والواقع الجديد المتجدد لتقيم عليه الحياة المعاصرة لشعوب الأمة، ولا هي نجحت فيه في التوفيق بين الأصالة والمعاصرة في غير إلغاء لنصوص الوحي أو تعطيل لأحكامه وتوفيقه لمواكبة العصر واستيعاب للواقع الحضاري المتطور في غير انسلاخ ولا جمود ولا تقوقع، ولا هي استطاعت أن تنقل الصورة الكاملة للمناهج والأنظمة والتصورات والآليات الغربية وما هي بمستطيعة ذلك في الحقيقة.
– لأن هذه المكاسب التي انتهت إليها الشعوب الإفرنجية كانت نتيجة ثورات مختلفة ومتعددة، ونتيجة صراعات مريرة على كل أصعدة ومستويات الحياة امتدت إلى عقود من الزمن، أزهقت فيها الأرواح وأهرقت فيها الدماء وأهدرت فيها الثروات والأموال الطائلة. وتنقلت فيها الجماهير والشعوب من بلاء إلى بلاء. واستمات فيها الأحرار في المطالبة بالحرية وافتكاكها من مغتصبيها منهم، وفي النضال من أجل تحقيق العدل، وفي بذل كل غال ونفيس من أجل المساواة حتى انتهى بها المطاف إلى ما انتهت إليه من حرية وعدل ومساواة ونظم وتشريعات ومناهج وتصورات ورخاء ورفاه وتكديس للثروات ومخابر وأفران وورشات وهياكل وتقنيات ومؤسسات أولا.
– ونظرا لانسجام هذه المناهج المتبعة مع البيئة الغربية والوجدان الغربي والواقع الغربي والتاريخ الغربي والمقومات الأساسية التي أصبحت عليها هذه الشعوب ثانيا.
– وبحكم الإختلافات الجوهرية الكامنة في طبيعة هذه الشعوب وتلك ثالثا.
– ونظرا للإمكانيات الهائلة المادية التي انتهت إلى الأنظمة الغربية والشعوب الغربية من خلال حركة النهب الإستعماري الإمبريالي لثروات الشعوب التي أخضعتها لهيمنتها عقودا بل قرونا من الزمن رابعا.
فأين هذه الأنظمة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي بل وحتى هذه الشعوب من كل ذلك ؟
فإن كان ذلك ليس من طبيعة هذه الأنظمة التي هي من طبيعة القائمين عليها، ولا من قناعاتها، وبالتالي ليس ذلك من قناعات النخب المثقفة ثقافة الغرب وشديدة التأثر به، مواصلة الحياة الإسلامية الحقيقية والصحيحة، فإننا نعتبر أن مجرد التزامها بما يلزم أساتذتها وجلاديها أنفسهم به ستجد نفسها على مقربة كبيرة من الإسلام، وستتقلص بذلك حدة الخلاف، وينقص التوتر بين طرفي الصراع، العلماني والإسلامي:
1-لما في الإسلام من سبق لكثير مما انتهي إليه العقل الغربي والفكر الغربي.
2- ولما في الفكر الغربي من الحكم والحقائق والأفكار التي يقبل بها الإسلام ويجد المسلمون أنفسهم في حاجة إليها.
3- ولما في الإسلام من حكم وحقائق وأفكار وشرائع وأخلاق مازال الفكر الغربي والنظام الغربي في حاجة إليها، وقد يصل إليها في تطوره وقد لا يصل إليها.
وبحكم هذا الإضطراب وهذه الإزداوجية التي تقوم عليها هذه الأنظمة الهجينة، فقد جاءت جامعة بين النقيض ونقيضه، ومنتهجة سياسات تلفيقية مضفية عليها طابعا علميا وهميا، وطابعا دينيا خرافيا فولكلوريا، في غير استناد إلى النصوص الشرعية، وفي غير رجوع إلى أهل الذكر والإختصاص الذين أصبح يراد منهم دائما تصريحا أو تلميحا إبداء الموافقة على كل ما يحدثه الحكام والنخب الداعمة لهم من خطوات في كل المجالات وعلى كل الأصعدة، وإظهار الرضى بكل ما يقولون وما يفعلون.
إن مثل هؤلاء العلماء الذين يصب عليهم التغريبيون جام غضبهم حين يقرأون التاريخ بعين المقيم الناقد ويحملون أمثالهم مسؤولية مظالم الحكام الذين عاصروهم، ويعتبرونهم متورطون فيها معهم سواء بموافقتهم إياهم على ذلك أو بالسكوت عنهم فيها خوفا أو طمعا، وهم الذين يضفون بأمثالهم كذلك على أنفسهم شرعية وقداسة ما كانت لتكون لهم بدونهم، وكانت النتيجة أنهم يحرمون على الآخرين ما يحلون لأنفسهم، ويسمحون لأنفسهم بما لا يسمحون به لغيرهم. ولسائل أن يسأل أين العقلانية وأين الموضوعية والعلمية والتجرد والنزاهة في كل ذلك، في عصر أصبح أهله يعتبرون أن هذه الوسائل وهذه المناهج وهذه المقاييس قد أصبحت حكرا عليهم ولم يسبقهم إليها أحد، وهي تمثل قمة التطور الإنساني ؟
ذلك أن لهؤلاء “العلماء” عندهم إجلالا وتقديرا، ولكن إلا بقدر ما هم قابلون بأن يكونوا ممثلين لمؤسسة رسمية تنتهك من خلالهم بها الحرمات ويساء إلى عقيدة الإسلام وشريعته. وبذلك فقط هم عندهم من العلماء الإجلاء الذين يفهمون الإسلام فهما صحيحا، ولا ينازعون السياسة أهلها، وينأون بالدين عن كل ما يسيء إليه ويقلل من شأنه ويذهب بقدسيته وصفائه ونقائه وطهارته، ويتركون السياسة للسياسيين والثقافة للمثقفين والإبداع للمبدعين، والحداثة للحداثيين والمعاصرة للمعاصرين والإقتصاد للإقتصاديين “وكل ميسر لما خلق له”، وكل هؤلاء المختصين وأهل الذكر في ميادينهم وفي ما يبدعون فيه وفي ما خلق كل منهم ميسر له من مختلف الإختصاصات، لهم أن يفعلوا في الإسلام ويقولوا فيه ما شاءوا. ولهم أن يفهموه كما يحلو لهم أن يفهموه، وكما قبل أولئك العلماء أن تكون عليه الحال، فضلا على أن يكون لهم رأي في ما زاد على ذلك من الإختصاصات التي يعتبرون أنه لا علاقة للإسلام بها، ولا يمكن أن تكون لهم فيها آراء أو مواقف أو إسهامات.
فقد أصبح هؤلاء العلماء حجة لدى العلمانيين على غيرهم ممن رفضوا هذه العلاقة للعالم بالسلطان وللإسلام بالحياة، والتزموا بالصدق والإخلاص والتمسك بالفهم الشمولي الأصولي الواقعي للإسلام، وبصلاحيته لكل زمان ومكان، وباستمداد المعاني الحقيقية للحرية والشورى(الحكم الصالح) والعدل والمساواة وحقوق الإنسان والأخوة منه، واعتباره المصدر الوحيد(قرآنا وسنة نبوية)الضامن لحياة الأمن والسلام والرخاء ووحدة الكون والحياة والإنسان:”يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير”(1) والذي تتحقق من خلاله كذلك سعادة الآخرة. وذلك ما لا اكتمال لمعنى الحياة في المنظور الإسلامي وفي الثقافة الإسلامية بدونه.
لقد أصبح ينظر في التصور العلماني لمثل هؤلاء العلماء والمفكرين من خلال فهمهم الجديد المتطور لعلاقة الإسلام بالحياة والإنسان والكون والثبات على ما صح من مفاهيم السلف لذلك على أنهم من غير العارفين بحقيقة الإسلام وبالفهم الصحيح له. ويعتبرون أنهم إنما يريدون أن يحملوا النصوص على
ــــــــــــــــــــــ
(1) الحجرات: 13 .
ضوء العقل والعلم والواقع المتحرك والمتغير ما لا تحتمل من الفهم والتأويل. وهم إنما يجرمون بذلك في حق الإسلام والمسلمين والإنسان عامة بإقحام “الدين” في ميادين وساحات لا يمكن أن تكون له علاقة بها. ويزعم العلمانيون من خلال هذا الموقف منهم على أنه حفاظ منهم على الدين الإسلامي في بلاد العرب والمسلمين مما قد يصاب به من خلال فهم وتأويل وقراءة أولئك العلماء والمفكرين للنصوص الأصلية للإسلام من قرآن وسنة نبوية وللحياة والواقع من تلوث وقذارة وأدران وأوساخ إقحامه في معالجة المعترك اليومي للشأن العام في مختلف ميادينه السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية والعلمية… وهم يعتبرون أن هؤلاء العلماء والمفكرين والمثقفين الإسلاميين إنما يفعلون ذلك ليس ورعا وتقوى منهم، ولا صدقا مع الله ولا إخلاصا له، ولكنهم يريدون أن يحققوا من خلال ذلك أغراضا سياسية غير معلنة، حسب زعم هؤلاء العلمانيين وقياسا منهم على أنفسهم. وهم الذين يسلكون أي طريق، والغاية عندهم تبرر الوسيلة، حين يريدون أن يحققوا أي مطمح أو مكسب أو مصلحة أو نفع، وينتهجوا له أي سبيل ويعتمدوا له أي طريقة. فهم الذين يعطون لأنفسهم دائما الحق في جرأة كبيرة أن يقولوا في ما ليس لهم به علم من القول في الإسلام.
ولا يكفي أنهم لا يقبلون بقول من خالفهم في ذلك من موقع الكفاءة والعلم والقدرة من أهل الذكر، بل يتجاوزون ذلك إلى عدم السماح له بل منعه من ذلك مؤاخذة أو لوما أو زجرا أو عقوبة بدنية أو مادية أو أدبية من أجل أن يكون له قول في السياسة الإقتصادية والإجتماعية والثقافية والإعلامية أو غيرها، سواء على المستوى النظري أو التطبيقي، فكرا أوسلوكا.
ويعتبر من يفعل ذلك منهم من المتطفلين عندهم على ميادين وفضاءات ليس هو من المؤهلين للقول والخوض فيها، أو ممن له الحق في أن يكون له فيها رأي، إلا أن يكون ذلك القول أو الرأي أو الخوض أو السلوك والممارسة من موقع غير المختص في العلوم الإسلامية التي بحكم ثقافتهم وبحكم مصالحهم الخاصة والنفوذ الذي يتمتعون به لا يريدون أن ينازعهم في القول فيها أحد من أهلها برأي أو قول، ولا يريدون التنازل عن ذلك الرأي أو ذلك القول أو ذلك السلوك أو تلك الممارسة، ولا يريدون التفريط في أي شيء من ذلك من مواقع التطفل واستغلال النفوذ. ومن ثمة احتفظوا لهذه العلوم بمعاني ومفاهيم محنطة لا يقبلون أن تخرج عنها ومنعوا التجديد والإجتهاد والإصلاح وحاصروه لألا يكون لأهل الذكر في تلك العلوم وتلك الثقافة والمقتنعين بها أي حق في اقتحام الساحة عليهم، أو منازعتهم الرأي والصواب والمصلحة. وفي صورة ما إذا تجاوزوا تلك المعاني المحنطة والمفاهيم التقليدية ذات الدلالات الماضوية والخطاب الاجتراري إلى ما يليق بالإسلام المنزل في الزمان والمكان والحياة لصالح الإنسان وغيره من الكائنات التي تقاسمه العيش في الكون، والمهتم فيها بالإنسان جسدا وروحا ونفسا وعقلا، غيبا وشهادة أي دنيا وآخرة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا:
– وجد هؤلاء العلماء والعارفون والمثقفون ثقافة إسلامية صحيحة أنفسهم هدفا لمختلف أهل الإختصاص في مختلف العلوم والمعارف في إطار الثقافة العلمانية أو لمجرد مثقف واحد من المثقفين العلمانيين أحيانا أو مجموعة منهم من داخل السلطة العلمانية أو من خارجها أولا.
– وتكون حجتهم عليهم في ذلك آراء ومواقف وأفكار أولئك الشواذ الذين لا باع لهم في العلم الشرعي ولا في علوم الدنيا والآخرة والمعرفة من أمثال صنيعة الإستعمار البريطاني المدعو علي عبد الرازق الذي لا يعلم له أحد أي أثارة من علم غير ما أملاه عليه جهاز الإستخبارات البريطانية من أفكار ضمنها كتابه الذي أسماه “الإسلام وأصول الحكم” والذي صدرت كتابات كثيرة من علماء ومفكرين ومن زعماء كثيرين في الرد عليه نفيا وإثباتا تأييدا ومخالفة تصديقا وتكذيبا. وقد جاءت مواقفهم وآرائهم فيها مختلفة ومتباينة بشأنه بحسب ما يرى كل عالم ومفكر وزعيم. وكانت جل الآراء والمواقف تتجه نحو اعتبار أن ما جاء في الكتاب من آراء هو محض خطإ وانحراف. وقد قال فيه سعد زغلول عندما سئل عن الكتاب “لقد قرأته بإمعان لأعرف مبلغ الحملات عليه من الخطإ والصواب فعجبت أولا كيف يكتب عالم ديني بهذا الأسلوب في مثل هذا الموضوع وقد قرأت كثيرا للمستشرقين ولسواهم فما وجدت ممن طعن منهم في الإسلام حدة كهذه الحدة في التعبير على نحو ما كتب الشيخ عبد الرازق… لقد عرفت أنه جاهل بقواعد دينه بل بالبسيط من نظرياته وإلا فكيف يدعي أن الإسلام ليس مدنيا ولا هو بنظام يصلح للحكم ؟ فأية ناحية من نواحي الحياة لم ينص عليها الإسلام ؟… أو لم يقرأ أن أمما كثيرة حكمت بقواعد الإسلام فقط عهودا طويلة كانت أنضر العصور ؟ وأن أمما لا تزال تحكم بهذه القواعد وهي آمنة مطمئنة ؟ فكيف لا يكون الإسلام دينا مدنيا ودين حكم ؟ ثم أضاف سعد زغلول : “… والذي يؤلمني حقا أن كثيرا من الشبان الذين لم تقو مداركهم في العلم القومي، والذين تحملهم ثقافتهم الغربية على الإعجاب بكل جديد سيتحيزون لمثل هذه الأفكار خطأ كانت أو صوابا دون تمحيص ولا درس، ويجدون تشجيعا على هذا التحيز فيما تكتبه جريدة (السياسة) وأمثالها من الثناء العظيم على الشيخ علي عبد الرازق ومن تسميتها له بالعالم المدقق والمصلح الإسلامي والأستاذ الكبير … إلخ وكم وددت أن يفرق المدافعون عن الشيخ بين حرية الرأي وبين قواعد الإسلام الراسخة التي تصدى كتابه لهدمها…” ثانيا.
– ثم أولئك الذين كانت لهم آراء انفعالية تتسم بردة الفعل بعيدا عن التدبر والرؤية الفاحصة الصادقة من أمثال الأديب الكبير طه حسين الذي أحيط في الغرب بعناية كان فاقدا لها في الشرق، وكان إعجابه بالأدب والثقافة والعلوم والمعارف الغربية شديدا، مما جعله لا يستطيع النظر إلى الدنيا والثقافة والعلوم إلا من خلال تلك المواقع ومن خلال ذلك الواقع وذلك الشعور. فكانت آراؤه محكومة بردود الأفعال والإنفعال أكثر منها مراجعة هادئة واعية ومسؤولة هادفة إلى تطوير القديم في إطار الزمان والمكان، إضافة إلى ما يمكن إضافته في إطار الحفاظ على الأصول والثوابت المكونة لمقومات الأمة ثالثا.
– وأراء ومواقف الصادقين والعارفين من العلماء الذين تجتث آرائهم ومواقفهم من السياق الذي ينزلونها فيه لتحمل من المعاني ما لا تحتمله، ولتتضمن من المقاصد ما لم يقصدوا، ولتصبح صالحة للمضلين والمزورين والذين لهم حذق وباع في قلب الحقائق لإضفاء الشرعية أو بعض الشرعية على ما لا ومن لا شرعية له، وليصبح مقبولا ما لا يمكن أن يقبل عليهم إلا بإضفاء الشرعية عليه من أقوال هؤلاء الأعلام رابعا.
– وكذلك بعض الكتابات التي أصدرها أصحابها في وقت كانوا يعتقدون فيه أنهم على صواب، وأنهم إنما فعلوا ذلك خدمة للإسلام والمسلمين، وهم إنما كانوا يفعلون ذلك تحت تأثيرات مختلفة وفي ظروف تأكد لهم من خلالها بعض القناعات التي كانوا لا يشكون وقتها في صحتها وسلامتها. مثل خالد محمد خالد الذي كتب سنة 1950 كتابة “من هنا… نبدأ” والذي كان قد قال فيه “إن الإسلام دين لا دولة وإنه ليس في حاجة إلى أن يكون دولة” ويقول “إن الدين حين يتحول إلى حكومة فإن هذه الحكومة الدينية تتحول إلى عبئ لا يطاق…” وهو يقول كذلك “… وفي الحكومة الدينية الإسلامية حدثت أهوال مروعة حتى أن حاكما دينيا واحدا وهو الحجاج أباد البقية الكريمة الصالحة من صحابة رسول الله…” وبعد أن كتب كتابا كاملا في هذا الإتجاه وفي هذا السياق وبهذا الفهم للإسلام تبين له بعد ذلك أنه قد رفع في ما كان ليس من المعقول والحكمة أن يقع فيه من الخطأ. وكتب سنة 1981 كتاب ” الدولة في الإسلام” والذي جاء فيه قوله “وكان خطئي أنني عممت الحديث حتى شمل الحكومة الإسلامية” ثم يضيف ” ولعل أول خطإ تغشى منهجي الذي عالجت به قديما قضية الحكومة الدينية كان تأثري الشديد بما قرأته عن الحكومات الدينية التي قامت في أوروبا والتي اتخذت من الدين المسيحي دثارا تغطي به عريها وعارها…” خامسا.
– ثم يأتي بعد ذلك أولئك الذين يريدون أن يجعلوا في خلد الناس أنهم يحملون في قلوبهم إيمانا، ومداد أقلامهم ينضح كفرا ونفاقا وأما يشبه الكفر، وبما يجعلهم أقرب إلى الكفر منهم للإيمان ولا يمكن لأي كان وعلى أي حال من الأحوال أن يجتمع لديه قلب مؤمن وعقل وسلوك يأتي بهما من الأفكار والممارسات والسلوك ما لا علاقة له بالإسلام عن قصد أو عن غير قصد، عن وعي أو عن غير وعي، عن فهم أو عن غير فهم. إن الذي يجمع بين هؤلاء جميعا هو الإنهزام الحضاري واقتفاء أثر الإستعماريين الغزاة الغربيين من مستشرقين ومستغربين ومفكرين ومبشرين صوروا لهم الدين على أنه أساس كل فساد وظلم واستبداد وتخلف وانحطاط ،وهم في الحقيقة محقين في إصدار أحكامهم على الدين حين يكون هذا الدين هو الدين المسيحي الكنسي وغيره من الأديان السماوية والوضعية والوثنية. ولكن حين يصبح الكلام عن الدين الإسلامي فإن الأمر يجب أن يكون مختلفا، لما هنالك من اختلافات جوهرية بينه وبين سائر الأديان. ولكن هؤلاء قد أعماهم وفاءهم لأسيادهم وغلبت عليهم أهوائهم وغرائزهم، ولم يهتدوا إلى إعادة النظر في مثل هذه المفاهيم مثلما أعاد النظر فيها كثير من المفكرين والمثقفين والمبدعين سادسا.
ومن مثل هؤلاء عبد المجيد الشرفي الذي يقول في كتابه “الإسلام والحداثة ” ” وما شهده العصر الحديث من فتور هذا التضامن والتكامل (في نظام الحكم والمجتمع التقليدي) أو انحلاله جملة كان من بين عوامل أخرى عديدة باعثا على ظهور تأويلات للنص القرآني تبتعد في مقتضياتها الأصولية عن التأويل السائد وترى بالخصوص أن الأحكام الواردة في القرآن ليست ملزمة في جميع الظروف وإنما هي أحكام نزلت لحل مشكلات معينة زمن النبوة ويتعين على المسلم معرفة الحكمة فيها لا سيما أن القرآن نفسه قد “اضطر” إلى نسخ أحكام بأخرى مراعاة لمبدإ التطور والتدرج”. إن حجة هؤلاء هي دائما العقل والعلم. وهما سلاح العالم والمفكر والمثقف في هذا العصر. فأي عقل وأي علم هذا الذي يتسلح به مثل هؤلاء المحتكرون لملكة العقل ولأدوات العلم وآلياته، وهم يعتبرون أنه لا عقل إلا لمن وافق هواهم ولا علم إلا لمن التزم مناهجهم وقبل كل آليات علمهم وتفكيرهم. أما من خالفهم فلا يمكن أن يعتبر من أهل العلم ولا من أصحاب العقل. خاصة إذا كان مراوحا بين القديم والحديث، بين الأصالة والمعاصرة. موفقا في اعتدال بين الإسلام والعلم والعقل والحضارة. إن هذا الأسلوب الإقصائي والإستئصالي في قراءتهم للتاريخ حين يقرأونه بعين المقيم الناقد، ويحملون أمثالهم من العلماء والمجتهدين والمفكرين والمفسرين مسؤولية مظالم الحكام الذين عاصروهم، ويعتبرونهم متورطون فيها معهم سواء بموافقتهم على ذلك أو بالسكوت عنهم فيها خوفا أو طمعا. إن هذا الأسلوب الإستئصالي هو الأسلوب المعتمد من الغرب الإستعماري في توغله في العمق الإسلامي خاصة وعموم المستضعفين عامة بعد ما أحدث من الجرائم ما أحدث مع الزنوج في إفريقيا ومع السكان الأصليين للقارة الأمريكية المكتشفة حديثا من الهنود الحمر ومع السكان الأصليين في استراليا. أليس منطق العلم والعقل والحضارة أن لا تعطى الفرصة أولا إلا لأهل الذكر والإختصاص؟ أليسوا هم المراجع التي يكون الرجوع إليهم عند الإقتضاء ؟
وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يقبل العلمانيون برأي أهل الذكر والإختصاص من علماء الإسلام المشهورين والمشهود لهم بالتقوى والورع والكفاءة والنزاهة والعلم والتجديد والإبداع، مثلما يقبلون برأي المختصين في العلوم الرياضية والكيميائية والفيزيائية والطبيعية، والعلوم السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والإعلامية والعسكرية وغير ذلك مما اختص به عصر الحضارة الغربية من كثرة الإختصاصات وتنوعها ؟
ألم تر كيف أن المثقفين العرب والمسلمين كانوا منقسمين إلى مدرستين سياسيتين مختلفتين، لهما فكرهما المختلف وثقافتهما المختلفة ومناهجهما المختلفة، وهما المدرسة الشرقية ذات المنهج الإشتراكي الشيوعي والمدرسة الغربية ذات المنهج الليبرالي الرأسمالي. وكان لا يستشار في شأن الإشتراكية إلا المختصون أو من لهم باع في العلوم والثقافة الإشتراكيتين، وكان يعتبر من الجنون والغباء ومما يدعو للدهشة والإستغراب أن يقع التوجه للإستشارة وإبداء الرأي فيهما إلى أصحاب الإختصاص وأهل الذكر من الليبراليين الرأسماليين والديمقراطيين أو غيرهم، وكان العكس كذلك صحيحا. حتى آلت التجربة الإشتراكية إلى السقوط والإنهيار.
أليس من الجحود والإختلال العقلي والشذوذ عن القواعد العلمية أن لا يعتمد نفس الأسلوب في التعامل مع المنهج الإسلامي الذي رأينا كيف أن مختلف المدارس العلمانية التغريبية، وعلى مدى عقود من الزمن كان أهل الذكر فيها يجتهدون في تأصيل فكرهم وثقافتهم وبرامجهم وتشريعاتهم في الإسلام ليؤكد الليبراليون الرأسماليون أن الليبرالية والرأسمالية من الإسلام أو أنها تجد لها على الأقل في الإسلام أصلا. وأن الإسلام ليبرالي رأسمالي. وهم من حدا بهم الجحود إلى عدم الإقتناع وعدم القبول بأن الإسلام لا يمكن أن يكون هذا ولا ذاك، وإن كان من الصحيح القول أن كل منهج منهما يوجد له أصل فيه. والقول والقبول بقول من يقول أن الإسلام منهج مستقل تبث بحجة ودليل أصحاب كل من المنهج الإشتراكي البائد والمنهج الليبرالي الرأسمالي الديمقراطي السائد. وأن الفاحص المتأمل المتجرد يستطيع الخلوص إلى حقيقة أن الإسلام كان يجمع بين إيجابيات كلا المنهجين. أليس من السخرية من ذواتنا ومن تاريخنا وعقيدتنا وحضارتنا وتشريعنا وتراثنا، ومن كل مقومات شخصية أمتنا أن نلتجئ إلى الإقتطاع من منهج كامل متكامل رباني المصدر إنساني التطبيق والممارسة والإجتهاد في التأويل والتنزيل يجمع في تكامل وانسجام بين عالم الغيب والشهادة ما يعتقد أنه يصلح للإستدلال به على صحة المناهج الإنسانية وصلاحيتها لتحقيق رغبات الإنسان وطموحاته إلى الحرية والعدل والمساواة والأمن والسلام، ولتكون وهي على إنسانيتها وما يعتري الإنسان فيها مهما ارتقى في سلم الكمال من نقص وقزامة وضعف، وما هي عليه من اهتمام بالدنيا فقط ،ومن غير أي اعتبار للشطر الثاني لمعنى الحياة، بل الإعلان الصريح في بعض هذه المناهج على إلغائه والكفر به، بديلا عن المنهج الكامل الذي على ربانيته وما عليه الله من قوة وقدرة وعلم لا ينبغي لعاقل أن يجول بخلده أو أن ينصرف إلى مجر التفكير إلى استبدال الذي هو أدني بالذي هو خير.
ألا يكون الفاعل لذلك أو الساعي إليه قد دخل تحت طائلة قول الله سبحانه وتعالي في بني إسرائيل “وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدني بالذي هو خير أهبطوا مصر فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيئين بغير
الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون”(1).
أليس من الغباء وعمى البصيرة فعلا، أن يصبح الناس عن علم أو جهل، عن قصد أو عن غير قصد يعتقدون أن الإنسان يمكن أن يكون يوما ما أقدر من خالق الإنسان وخالق الخلق جميعا على وضع المناهج الحياتية للناس ولغيرهم مما خلق مما نعلم ومما لا نعلم “وربك يخلق ما يشاء ويختار”(2) ؟
وهل من العقل في شيء في “عصر العقل” أو من العلم في شيء في “عصر العلم” أو من الإنسانية في شيء في عصر الإنسان المعاصر وعصر حقوق الإنسان أن يرغب هذا الإنسان المسلم خاصة، والذي يحيط اليوم نفسه بهالة من العقلانية والعلم عن المنهج الكامل للحياة والإنسان والكون، إلى مناهج إنسانية بشرية لا علاقة لها بعقيدته ولا بتاريخه ولا بمجتمعاته وشعوبه قد وجد نفسه في عالمنا العربي الإسلامي تحديدا مضطرا إلى تأصيلها فيه، وإضفاء الشرعية عليها منه؟
أليس الحق أحق أن يتبع ؟
أليس الإنسان في حاجة إلى النظام الأكثر اكتمالا وكمالا من الأقل من ذلك ؟
فلماذا اشتد تمسك هذا الإنسان العربي المسلم في إصرار بمناهج ولئن كانت نافعة محققة لكثير من رغبات الإنسان وطموحاته ومصالحه وأهدافه وغاياته ولكنها لا ترتقي في ذلك إلى ما تتحقق به إنسانية الإنسان فعلا، والذي يقول فيه الله جل جلاله: “ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”(3) ويزداد عزوفا بل إعراضا عن الصورة الكاملة للمنهج الكامل والأكثر دقة وإحكاما في تنظيمه لحياة الإنسان في هذا الكون، من الوقت الذي مازال فيه ماءا مهينا ونطفة في قرار مكين إلى أن توضع الموازين القسط ليوم القيامة بعد أن يرد إلى عالم الغيب والشهادة فينبئه الله بما كان يعمل “يعتذرون إليكم إذا رجعتم إليهم قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم وسيرى الله عملكم ورسوله ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون”(4)
إن المغتصبة عقولهم، والمدخول لها عليهم من أقطارها في ثقافتهم وفكرهم وأوطانهم، والذين لحقهم الغزو الفكري واستولى الغزاة الغربيون واليهود الصهاينة على عقولهم وعلى ألبابهم، مازالوا ماضين باسم العقل والعلم في استبدال الناقص والذي هو أدني بالكامل والذي هو خير في غير قدرة منهم على إدراك هذه الحقيقة، وفي إصرار على عدم الرجوع في هذا الأمر لأهل الذكر وإرجاعهم إليه مثلما يرجعون في كل الإختصاصات إلى أهل الذكر والإختصاص فيها.
إن الجدير بالذكر والملفت للإنتباه في أمر الأنظمة السياسية والتيارات الفكرية المؤيدة والمساندة والداعمة لها أيضا في العالم الإسلامي كله تقريبا وفي المنطقة العربية خاصة، أن هذه التيارات سواء المستولية على السلطة منها أو المعارضة لها أحيانا أو الداعمة لها، ظلت على علمانيتها، تظهر اعترافا بالإسلام وتمسكا به مع بعض المبالغة في الإصرار على ذلك أحيانا. وهي وإن كانت تفعل ذلك في إطار الفهم العلماني الغربي للدين، إلا أنها كانت لا تملك الشجاعة الكاملة والكافية للتفصي منه أو إلغاء الإعتراف به وإن كانت قد ألغت العمل به، بل قد جاءت لاغية لأي استعداد للعمل به منذ البداية في كل ما يمكن أن يجلب نفعا أو يدفع ضررا على الشعوب والأوطان. ولا هي كانت قادرة كذلك على تنزيل المناهج العلمانية الغربية الصليبية اليهودية المستوردة على الصورة الكاملة التي أتم العقل الغربي واليهودي صياغتها عليها في إطار حركة تطور تلك المجتمعات والشعوب.
ألم تر كيف أنها لم تستطع أن تعمل بالمنهج الإسلامي تأويلا وتنزيلا باعتماد أسلوب في التأويل يستند إلى الأصول والثوابت الإسلامية وعلى استيعاب وفهم للواقع الحضاري الدولي والإقليمي والوطني، والواقع الموضوعي الشعبي سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وإعلاميا وبيئيا، يصحبهما اجتهاد في التنزيل يتسنى من خلاله مراجعة أخطاء التأويل والتنزيل معا انطلاقا من العلاقة الجدلية القائمة بين
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة : آية: 61 .
(2) القصص: 68 .
(3) الإسراء: 70 . (4) التوبة: 94 .
مستويي الإجتهاد تأويلا وتنزيلا. ولا هي استطاعت كذلك نقل التجارب العلمانية الناجحة في الغرب وفرضها على الشعوب مثلما هي بصدد فرض الكثير من القيم والمبادئ والعادات والتقاليد والمظاهر الغربية، والتي عادة ما يكون ضررها أكثر من نفعها، إن لم يكن الأكثر إنصافا وتعبيرا عن الحقيقة القول، بأنها ضرر كلها. وهذا أحد أهم أسباب فشلها في تحقيق ما تهفوا نفوس رموزها لتحقيقه في
المسار التنموي والصحي والمهني والتعليمي والتقني والإداري والبيئي إن كانت نفوسهم تهفوا حقا وصدقا لتحقيق شيء من ذلك أو بعضه.
إن فشل هذه الأنظمة التي رزئت بها الشعوب والأوطان الإسلامية، والخطب الذي أصيبت به الشعوب والأوطان العربية الإسلامية يرجع بالأساس إلى أنها لم تكن أصيلة بالكامل ولا هي دخيلة بالكامل، فقد كانت نشازا. فلا هي أخذت بهذا المنهج أو ذاك، ولا هي استطاعت أن توجد نظاما جديدا متكاملا لا هو بهذا ولا بذاك، ولكنه كان مزيجا بين هذا المنهج وذاك. “أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال”(1). هذا لا يعني في اعتقادي أن هذه الأنظمة يمكن أن تنتهي إلى تحقيق من النتائج ولو إلى ما يشبه ما تحققه الأنظمة الغربية أو قريبا من ذلك، إذا ما اختارت جلب أيا من المناهج المتبعة في الغرب. ولكن المتأكد هو العكس:
– نظرا لغربة هذه المناهج عن الوجدان الإسلامي والعقل المسلم والواقع والتاريخ والموروث الإسلامي والمقومات الأساسية للشعوب الإسلامية أولا.
-ونظرا لانسجام هذه المناهج مع البيئة الغربية والوجدان الغربي والواقع الغربي والتاريخ الغربي والمقومات الأساسية التي أصبحت عليها هذه الشعوب فقط ثانيا.
– وبحكم الإختلافات الجوهرية الكامنة في طبيعة مجتمعات هذه الشعوب وتلك ثالثا.
– ونظرا للإمكانيات المادية الهائلة التي انتهت إلى الأنظمة الغربية والشعوب الغربية من خلال حركة النهب الإستعماري الإمبريالي لثروات الشعوب التي أخضعتها أنظمتها لهيمنتها عقودا بل قرونا من الزمن، سواء كانت هذه الشعوب إسلامية أو غير إسلامية، في الوقت الذي مازلت فيه جلها إن لم نقل كلها عاجزة عن تحقيق ولو الحد الأدنى المطلوب من الإكتفاء الذاتي الغذائي، فضلا على أن تتجاوزه إلى ما زاد على ذلك رابعا.
– وبحكم ما عليه طبيعة الأنظمة شرقا وغربا، أي ما عليه طبيعة أنظمتنا السياسية وأنظمتهم، وما يكون عليه الأمر من فرق بين نظام وطني ديمقراطي أصيل، ونظام استبدادي خائن هجين ودخيل خامسا.
لكل هذه الأسباب وهذه العوامل وغيرها، لا يمكن مطلقا أن يصادف اعتماد وتطبيق هذه المناهج في أوطاننا وعلى شعوبنا أي نجاح.
وقد أثبت التاريخ فشل هذه التجارب، مرورا بالتجربة التركية الكمالية، وانتهاء بالتجارب العربية الإسلامية التلفيقية الهجينة وذلك:
– لما تحمله هذه التجارب من بذور الفشل والإفلاس في ذاتها أولا.
– ولما عليه القائمين عليها من عدم القدرة والكفاءة والنزاهة المطلوبة ثانيا.
– ولما عليه الشعوب من حال من الغربة بينها وبين هذه القيادات والأنظمة والمناهج ثالثا.
– ولعدم تحمل هذه الشعوب مسؤوليتها في الإطاحة بهذه الأنظمة وتولي أمر أوطانها ومستقبل أبنائها وأمتها بنفسها رابعا.
فرغم أنه بات في حكم المتأكد أن هذه المناهج والإختيارات والتصورات والبرامج التي تمت المراهنة عليها عقودا من الزمن قد أفلست، وأخفق المقتنعون بها في امتلاك القوة وكسب أسبابها، فإن الأنظمة العربية خاصة مازالت توهم الشعوب ومازال أصحاب السمو والمعالي وأصحاب الفخامة والجلالة والزعماء يوهمون أنفسهم بأنهم مازالوا قادرين على تقديم ما لم يقدموه من قبل. ومازالوا يعملون على تحقيق الرفاه لشعوبهم والقوة والمناعة لأوطانهم.
ولكن الذي يؤكده كل العارفين والمراقبين لواقع التاريخ السياسي للأنظمة السياسية في المنطقة العربية من العالم الإسلامي، أنه لا هم لهذه القيادات في حقيقة الأمر إلا إحاطة نفسها بكل الضمانات التي تبقى
ــــــــــــــــــــ
(1) الرعد: 17 .
عليها في السلطة، وقد نشطت حركة بعضها باتجاه بعض، في العقود الأخيرة لتأمين بعضها بعضا بإمضاء جملة من الإتفاقات والتعاون الأمني وتسليم “المجرمين”.والمجرم في قاموس النظام السياسي الإستبدادي الفاسد في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين هو كل داعية للإصلاح وكل عامل بمبدئية وجدية وإخلاص على إحلال الحكم الفاسد بنظام سياسي صالح.
فكان أهم هذه الاتفاقات على الإطلاق تلك التي أشرف عليها الرئيس الأمريكي بيل كلنتون، والتي أصبحت معروفة باتفاقية “شرم الشيخ” لمقاومة الإرهاب. ولقد كان معلوما لدى الجميع منذ ذلك الحين أن المراد بالإرهاب هو مجموع التيارات المجاهدة لحركة التحرر العربي الإسلامي داخل الحركة الإسلامية التي تجعل في مقدمة اهتماماتها مقاومة الأنظمة العميلة الفاسدة في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي، واستهداف الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، والمصالح الأمريكية والقوى الدولية المعادية للعرب والمسلمين ولعموم المستضعفين في الأرض، والداعمة لدولة اليهود الصهاينة المركبة والمصطنعة بما فيها، والراعية لإرهاب الإستبداد السياسي والإرهاب المنظم للدولة العلمانية الحديثة والدولة التقليدية التي قامت على أنقاض الخلافة الإسلامية:
1- والتي بارك وجودها ورعاه وأسس له الغزاة الغربيون في المشرق العربي خاصة.
2- والتي كانت نتيجة غير طبيعية لتحالف الحركة القومية العربية مع الغزاة الفرنسيين والبريطانيين في المنطقة.
3- والتي ربطت وجودها واستمرارها في الوجود، بالتحالف الإستراتيجي مع قوى الهيمنة الغربية وخاصة الإمبراطورية الأمريكية.
وليكون كل ذلك على حساب الأوطان والشعوب. وقد بدا واضحا أنه كان من أؤكد مهام هذه الأنظمة إقرار الإقليمية وتأكيدها وتأصيلها، مواصلة لخطة الإستعمار والصهيونية في الإنفصال والتجزئة والقطرية:
1- وهي ترفع شعارات الوحدة والتضامن العربي.
2- وهي التي تكرس الإستبداد والقمع، في الوقت الذي تقيم فيه الدنيا ولا تقعدها برفع شعارات الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.
3- وهي التي يزداد في ظلها الفقير فقرا والغني غنى، وهي لا تنقطع في خطابها عن الإهتمام بضعاف الحال والفقراء والمستضعفين، مؤكدة ضمانها للعدالة الإجتماعية والتوزيع العادل للثروة…
4- وهي الملوحة كذلك باستمرار بشعار الإستقلالية في القرار ونبذها للتبعية والإلحاق، وقد جعلت من العمالة عباءة تلتحف بها، ومن العدو ملاذا تحتمي به.
فقد أفسدت هذه الأنظمة مزاج الشعوب وتفكيرها:
1- فلا هي استطاعت أن تجتاز بها خط الرجعة في التغريب والتبعية لتصبح جزءا من الغرب تفكيرا وسلوكا ومزاجا.
2- ولا هي أبقت عليها قريبة من أصالتها وتراثها الحضاري وعقيدتها ومنهجها الذي جعل منها أمة، والذي أقامت به حضارة كانت أساسا للحضارة المعاصرة.
– وماذا ينتظر من أنظمة سياسية لا تقوى على غضب الغرب وأمريكا وعدم رضاهما عليها ؟
– وماذا ينتظر من أنظمة ملتزمة بالخط الغربي الأمريكي واليهودي الصهيوني، وتعتبر أنها لا تملك إلا ذلك، وأنه لمن الجنون والمجازفات الخطيرة جدا الحياد عنه، أو المخالفة ولو الجزئية له ؟
إن أشد ما ابتليت به الأنظمة الإستبدادية في المنطقة العربية وبعد انتهاء الحرب الباردة خاصة، هو زيادة اقتناعها أكثر من أي وقت مضى بضرورة الإسراع إلى بيت الطاعة الأمريكي والغربي واليهودي الصهيوني، والقبول الطوعي بضرورة الإحتماء بالأعداء الغربيين أمريكانا كانوا أو غربيين أو روس أو صهاينة يهودا، ولسان حالهم يقول: أنه لا ملجأ من هذه القوى إلا إليها.
– فأي قيمة لأنظمة وقيادات تجعل من أعداء الأمة أصدقاء ؟
– وأي ثقة في أنظمة وقيادات تجعل أعداء الشعوب أئمة وقدوات وأسوة حسنة في التفكير أو السلوك أو في التفكير والسلوك معا رغم الفشل الذريع الذي منيت به في ذلك ؟
– وأي مستقبل لشعوب وأمم تنفذ عليها مخططات وبرامج الإذلال والإبادة والقهر عن طريق القيادات والأنظمة السياسية المنصبة عليها ؟
وأن الواحد منها ليظل متشبثا بكرسي الحكم، ومشدودا إليه حتى يهلكه الموت الزعاف أو تنتزعه من فوقه قاذفات أفواه المدافع وأزيز الدبابات ودوي الطائرات. وغالبا ما يكون ذلك ضمن خطة أجنبية تهدف:
– لاستبدال شخص بشخص آخر أكثر ذلا وطاعة، وأوفر حظوظا لها في تحقيق المزيد من المصالح لهذه الجهة أو تلك، على حساب شعبة ووطنه وأمته.
– أو قوة سياسية بقوة سياسية أخرى في إطار صراع القوى الدولية على مناطق النفوذ، سواء بالإبقاء على الولاء للجهة أو القوة الدولية التي كانت أقدر من غيرها على إحداث التغيير لصالحها لتبقى قوى الإحتلال الغربي والأمريكي هي الرابح الوحيد، ولتبقى الشعوب والقوى الوطنية الحقيقية الرافضة لخط العمالة والإلحاق والتبعية والمؤمنة بالأصالة والإستقلالية هي في المقابل الخاسر الوحيد. حتى أنك لتجد مقابل الواحد من هذه القيادات وهذه الأنظمة متحفا كاملا من الرؤساء والقيادات والزعامات الغربية والأمريكية الذين تم الإختيار عليهم، ليس رغبة في ذواتهم وأشخاصهم، ولكن قبولا لبرامجهم وخططهم وأفكارهم التي رأت فيها جماهير شعوبهم معالجة لقضاياهم وقضايا أوطانهم، وحلولا لمشاكلهم ومشاكل أوطانهم، وضمانا لسلامتهم وقوة أوطانهم.
ألم تر أنه لا سبيل إلى المقارنة بين شعوب وقيادات تجعل مصلحة الأوطان أولا وقبل كل شيء وفوق كل اعتبار، وقيادات تجعل من الشعوب والأوطان غاية، باعتبار أن القيادات تزول وتبقى الشعوب التي أنجبتها، والأوطان التي احتضنتها. ذلك أن القيادات والزعامات والرموز لا تنجب أوطانا وشعوبا، بينما الأوطان والشعوب وحدها هي التي تنجب القيادات والزعامات والرموز.والشعوب نفسها تزول وتبقى الأوطان التي تتوارثها شعوب وقيادات أخرى تابع عن تابع ما دامت السماوات والأرض، وبين قيادات تجعل من الشعوب والأوطان وسيلتين لخدمة أنفسها وعائلاتها وأسرها وعشائرها وقبائلها وفئاتها وجهاتها إلخ…، وليكون القائد هو الغاية التي تقع التضحية بالشعوب والأوطان على حد سوى في سبيل الإبقاء عليه، ولو كلف ذلك فناء الشعوب والأوطان جميعا. ولا حرج ولا غرابة ولا خسارة في ذلك طالما ظل القائد الملهم موجودا على قيد الحياة، محافظا على موقعه في السلطة، مكرسا من خلاله الظلم والتسلط والإهانة والإذلال لأبناء الشعب. حتى أن جل أو كل قيادات الأقطار العربية التي أطلق عليها دول الطوق أو دول المواجهة مع العدو الصهيوني كانوا في كل مرة تفرض عليهم فيها معركة مع الكيان العبري اللقيط المغتصب لأرض المسلمين فلسطين، يحتل فيها الأرض وينتهك فيها العرض، يعتبرون رغم كل ما حدث أنهم قد ربحوا المعركة طالما أن العدو الصهيوني اليهودي الذي يعتبرون أنه إنما كان يستهدف بالحرب إسقاط أنظمتهم أو بعضها، وبما أنه لم يتحقق له ذلك فإنه إنما يكون قد منى بهزيمة نكراء، ولم يتحقق له من الأهداف ما كان قد جاء لتحقيقه من خلال عدوانه. حتى إذ لقي هذا القائد أو ذاك حتفه يبقى الرأي العام كامل، بما في ذلك نخبه المثقفة في حالة ترقب حذر حتى يقع الإعلان عن قائد ملهم آخر والذي:
– إما أن يكون من نفس العصابة أو العائلة أو العشيرة أو القبيلة أو الفئة أو الجهة التي تكون محكمة قبضتها على دوائر القرار السياسي طبعا.
– وإما أن تكون شخصية مشهورة ومعروفة سبق أن منحت فرصة إفساح المجال لها للظهور على مسرح الأحداث لتكون استمرارا لنفس الجهة وحامية لمصالحها ومؤمنة لها الأمن والسلامة.
– وإما أن تكون هذه الشخصية مغمورة والتي غالبا ما تكون من قيادات الظل ذات المهمات الإستشارية أو الإستخبارية أو العسكرية أو غيرها عادة.
– أو أن تكون من المعروف عنها ضلوعها في اقتراف جرائم خطيرة ومعروفة في حق الشعب والوطن لصالح الإستبداد، وعادة ما يكون ذلك لصالح إحدى القوى الدولية المعادية للشعب وللأمة وللإنسان العربي والمسلم والمستضعف عامة.
وبما أن الشعوب ظلت خاضعة عقودا من الزمن لسياسة الإستخفاف والتضليل والإرهاب، فقد وقعت في السقوط بالرضى، ومات فيها الشعور بعزة النفس والأوطان، وأسقطت من حسابها قوة الشعوب، وأصبح لا ينتظر منها إلا الإسراع لمعانقة جلاد جديد وإعطائه شرعية مواصلة تدمير ما أبقى عليه سلفه من بقايا عزة وكرامة قد تكون باقية في نفوس بعض الأحرار من أبناء الشعب. وإغراق الوطن في مزيد من الديون وزيادة الأزمات استفحالا والمشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والإعلامية وغيرها تعقيدا. وليبق الشعب “السيد” بلا سيادة كالعادة. ولتبق الأوطان الحرة “المستقلة” مرهونة عند كبار سماسرة المال والذهب والأعمال في العالم.
ألا يكون القائد بذلك قد قضى على الشعب الوارث في الأصل للوطن، وهو الذي لم يعد له أي اعتبار عنده إلا بقدر ما يكون خادما وعابدا له. ويكون قد قضى كذلك على الوطن الذي هو التركة الوحيدة التي لا تفنى إلا أن يشاء الله، ولم يبق له أي اعتبار عنده إلا بقدر ما تتوفر له فيه من طاعة عمياء هو في الحقيقة غير أهل لها، وما تقدم له فيه من خدمات وما يحصل عليه فيه من إجلال وتقدير يرتقي إلى حد التوجه فيه إليه بالعبادة “والناس له كارهون.
يقول تعالى: “ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله جميعا وأن الله شديد العذاب* إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب* وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرأوا منا كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار”.(1)
ولعل الحب المشار إليه هنا هو الحب الطوعي الصادق وغير الواعي للمستفيدين، والحب الإجباري للأغبياء والمغفلين الذين تغرهم المظاهر ويستهويهم الخطاب التعبوي المعسول الذي يعدهم فيه المستبد ويمنيهم وما يعدهم كالشيطان إلا غرورا.
وليس هذا الذي وقعت الإشارة إليه مبالغة أو تحاملا أو كراهية أو حقدا أو بعضا أو جموحا في الخيال أو مثالية أو تهويلا، وإنما هي الحقيقة كما تبدو ماثلة في واقع جماهير الشعب، وداخل وخارج حدود الأوطان. وهي الحقيقة المرة التي لا يراها الكثير من الناس، والتي لا يقوى على مرارتها إلا من يسوءهم أن تكون أوطانهم على هذه الحالة السيئة البائسة، وشعوبهم متنقلة من سيء إلى أسوء، في عصر تزداد فيه الأوطان عزة والشعوب حرية وتقدما وتطورا كل يوم. وهي الحقيقة التي يوهم الكثير من الناس من هذه الشعوب القابعة داخل حدود هذه الأوطان أنها ليست على الأقل على هذا الحد من الوضوح وعلى هذا القدر من الخطورة، شفقة منهم على أنفسهم، ومحاولة إخفاء واقع مؤلم تفاؤلا أو تعزية أو تجاهلا لواجب يترتب به عليهم. حتى يقضي الله أمرا كان مفعولا وعسى الله أن يحدث بعد ذلك أمرا. وليس هذا كذلك إنكار لما أحدثته هذه الأنظمة وهذه القيادات مما تعتبره نقلة نوعية على مستوى البناء والتشييد والتطور وإقامة الدولة العصرية، ولكننا نعتبر أن هذا الذي حصل هو من القليل جدا مما يمكن أن يحصل من كثير جدا من الممكن الحصول في حال وجود وضع سياسي أفضل يتمتع فيه الإنسان بقدر من الحرية والكرامة يشعره بإنسانيته وبمزيد الإعتزاز بوطنه وبالإنتماء لأمته، ويفجر فيه كل ذلك طاقات الإبداع والعطاء.
ذلك أن هذه الأمة لم تصب بالعقم بعد. ولكن عوامل الإستبداد السياسي والإلحاق الحضاري والغزو الفكري جرت عليها الويلات والكوارث. وأصبح أبناء الشعوب في القطر الواحد بين حر يتعقبونه ويضيقون عليه، وعبد يستعملونه، وغبي يستخفونه. وإذا كانت الأوضاع على هذا النحو من الرداءة، فكيف يمكن أن يكون لهذا الذي أنجز أي اعتبار وأي قيمة حين يقاس بالدمار الهائل والأضرار التي لا تجبر في النفس والثمرات وحين يقاس بما هو ممكن الإنجاز، باعتبار الزمن والطاقات البشرية والإمكانيات المادية. فإذا كانت هذه الشعوب تملك طاقات بشرية هائلة وإمكانيات مادية ولو متواضعة على الأقل، وقد مضت عليها عقود من الزمن وهي تنضح عطاء لتجد نفسها بعد ذلك وفي النهاية أنها مازالت تعول في وجبتها اليومية على ما وراء البحار.
فأي إنجاز هذا الذي يتحدث عنه أو يمكن أن يتحدث عنه هؤلاء الطواغيت المستبدون، أو يعترف لهم به من يريدون منه أن يعترف لهم به، أو من يريد أن يعترف لهم به.
ومما يزيد الأمر خطورة ويتعاظم معه الشعور بالمرارة، ليس مقارنة ما هو كائن وموجود بما هو ممكن
الوجود فقط ، ولكن عندما نرى شعوبا وأمما قد قطعت أشواطا في البناء الحضاري، وارتقت إلى مصاف الشعوب والأمم الراقية والرائدة في مجالات العلم والتقنية وفنون السياسة والإقتصاد والإجتماع والثقافة والإعلام في وقت قياسي اقصر بكثير من الوقت المتاح لنا، وبإمكانيات مادية أقل بكثير من الإمكانيات المادية التي تزخر بها أوطاننا، وبقدرات بشرية ليست أكثر تفوقا، ولا أعلى مهارة وكفاءة،
ولا أكثر عددا من الطاقات البشرية المهدورة هنا وهناك في العالم كله، يستفيد بها أعداء الأمة ويستعان
ــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) البقرة: 65 -66 -67 .
بها عليها أحيانا، وقد توفرت لها مناخات من الحرية أجزلت وتجزل فيها العطاء العلمي والمعرفي والتقني بما يعود بالنفع للإنسانية كلها، وبحظوظ أقل وللأسف الشديد لشعوبها وأوطانها وأمتها التي هي في أمس الحاجة إليها والتي هي على حال يرثي لها.
والذي يزيد الأمر خطورة والأزمة استفحالا والنفس مرارة والمشكلة تعقيدا أن تظهر علينا هذه الكيانات
الرسمية المتورطة في الإبقاء على شعوب الأمة على حال من الإنحطاط والضعف والمذلة والهوان بما يصم آذاننا من ضجيج أبواق الدعاية وحشد الأعذار لها، متجهة في ذلك لتبرئة ساحتها من كل مسؤولية عما تعانيه شعوب الأمة وأقطارها من ذل وهوان، ومحملة المسؤولية الكاملة للقوى الدولية الغربية أوروبية كانت أو أمريكية أو صهيونية يهودية، وهي في الحقيقة قوى لا يخفى في أغلب الأحيان تحالفها معها، وتعلن في صراحة ووضوح خاصة في أواخر العقد الأخير من القرن العشرين وأوائل القرن الواحد والعشرين، وقد حسم الأمر في الحرب الغربية الباردة لصالح الطبقة البورجوازية ورأس المال الربوي الإحتكاري الإمبريالي الصهيوني أنه لا سبيل إلى حياة بدون التواصل معها، والقبول بشروطها، والإذعان لسياساتها ومخططاتها وأوامرها ونواهيها باسم الواقعية والوحدة الإنسانية . بما في ذلك الذين يرسلون عبر الإعلام الذي يملكون عليه السيطرة الكاملة خطابا استهلاكيا متشنجا ومتوترا يظهر من خلاله العداء لهذه القوى الدولية والإستعداد للمضي في مواجهتها ومقاطعتها، واصلين في ذلك حد إعلان الحرب عليها، مثلما كان يصنع جمال عبد الناصر ونظام حزب البعث في كل من سوريا والعراق عبر مراحل مختلفة من تاريخ شعوب الأمة، ونظام الحكم الفردي الاستبدادي القبلي في ليبيا وغيرها … وهي ليست في الحقيقة أقل انسجاما معها، ولا أقل قبولا لها، ولا أقل تواصل معها من تلك التي ساد عندها الإعتقاد أنه لا بقاء لها خارج فك ارتباطها بها.
وإذا كانت هذه الكيانات معذورة في ما لازال يحيق بالأمة من المخاطر الناجمة عن ضغوطات هؤلاء الأعداء الخارجيين وفي بعض ما يسببونه لها من تهديد ومشاكل للإبقاء عليها على ما هي عليه من ضعف وانحطاط وتبعية، فهي ليست معذورة في ما هي قادرة عليه مما لا يقل خطرا عما تعتبر نفسها غير قادرة عليه. والذي نحسب أنها يمكن أنها كانت، أو يمكن أن تكون قادرة عليه – وقد أصبح ذلك واضحا- وهو الإعتراف بفشلها وفسادها والإعلان عن إفلاسها.وهي التي ظلت منكرة ذلك على نفسها وعلى شعوب الأوطان التي لها عليها السيطرة والإخضاع، وعلى قوى التحرر الوطني والإصلاح حتى تمت الإشارة إليها بذلك من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد أن أعلنت نفسها دولة بلا حدود وأعطت لنفسها الحق بأن تكون فوق القانون وأن تمارس صلاحياتها خارجه، وهي التي أصبحت تعتبر انه قد أصبح لها من الصلاحيات ومن المهام ومن المصالح ما لم تعد المنظومة القانونية الدولية محققة لها، وكان الإتحاد الأوروبي على ما بينه وبينها من خلافات مساندا لها في ذلك، وقبلت هذه الأنظمة به. وهي التي من الممكن أن تكون قادرة على فسح المجال للقوى الوطنية والطاقات البشرية الهائلة المبدعة الحرة لممارسة حقها في ما يصلح شعوبها وأوطانها وأمتها. وهي التي من الممكن أن تكون قادرة كذلك على وضع ثروات الشعوب وإمكانياتها المادية كلها في متناول أبنائها وبين أيديهم وتحت تصرفهم. كما يمكن أن تكون قادرة على فتح الحدود بين أقطار شعوب الأمة الواحدة، وهي التي ستتكفل بعد ذلك بإلغائها. وهي وحدها التي مازالت رغم كل شيء مؤمنة بذلك، وهي القادرة على:
1- إعادة الأمور إلى نصابها.
2- محو آثار الإحتلال الغربي لأمتنا.
3- إزالة كل الحدود والحواجز التي لا سابقة لها في تاريخها على الأقل على النحو الذي هي عليه اليوم على امتداد مساحاتها الجغرافية وعلى تنوع أجناسها وشعوبها ولغاتها وألوانها وثقافاتها، وذلك هو مصدر ثرائها وقوتها وخلودها.
4- ولعلها القادرة كذلك على تجرع البلسم الشافي من الإصابة بمرض الهيام بالسلطة والإستبداد بها على خلفية أن هؤلاء الزعماء المتوارثين للسلطة هم وحدهم أصحاب المهمات الكبرى والصعبة، وهم الذين لم يجد الدهر بمثلهم من قبل ولا هو ممكن أن يجود بمثلهم من بعد.وتتحمل مسؤولياتها في بسط سيادتها الكاملة والحقيقية على أوطانها بإنهاء الحكم الفاسد القائم على الإستبداد والوراثة بكل أشكالها وفرض الحريات والتداول السلمي على السلطة على أساس المواطنة وإقامة الحكم الصالح.
وأما باقي أبناء الأمة وخاصة ممن يختلفون مع هؤلاء الحكام في الرأي ويقفون من سياساتهم وبرامجهم ومناهجهم وتصوراتهم وعلاقاتهم الداخلية والخارجية موقف المعارض الجاد، فهم يعتبرونهم فاقدين لأهلية قيادة جماهير الأمة. وأنهم مازالوا غير قادرين على قيادة الشعوب والإرساء بالأوطان على شاطئ الأمان. ولعل “النظام الإسلامي” في إيران بالرغم من منزعه الطائفي الذي أصبح الأمر يدعو إلى التحفظ عليه، والنظام في السودان الذي مازلنا نأمل أن تكتمل وتستجمع له الشروط والظروف المناسبة واللازمة، وإن كان ذلك يبدو بعيد المنال، أن يكونا استثناء في ذلك. وأما ما زاد على ذلك من الأنظمة التقليدية والعلمانية الوراثية فإنها مازالت عند هذه الإعتبارات، وهي في الحقيقة اعتبارات لاغية ولا أساس لها من الصحة، بل العكس هو الصحيح. وهم إنما يعلنون ذلك ويؤكدون عليه تصريحا أو تلميحا لإعطاء مبررا لوجودهم الدائم في سدة الحكم، ولإعطاء معنا حسب زعمهم لوطنيتهم الراسخة، والتي لا يمكن أن يشكك فيها مشكك.
أولا يعلم هؤلاء الزعماء أنه على افتراض فقدان أبناء الشعوب لهذه الأهلية المراد توفيرها فيهم، ووجود هذا القصور الذي أصبح ملازما لهم، أنهم هم المسؤولون على ذلك، وقد عجزوا على امتداد عقود من الزمن على إخراج أبناء هذه الأمة من العتمة التي تلفهم، والعجز والقصور اللذان أصبحا ملازمين لهم ؟
والذي يبدو أكثر وضوحا أنه لا يرجى شقاء أمة أصيبت في رأسها وفي أعلى هرمها إلا بإزالة الداء الملم بهذا الرأس أو قطعه.
إن هذه الأنظمة قادرة على مراجعة حساباتها والثوب لرشدها وإجراء مصالحة مع شعوبها ومع منهج الأمة الذي مازالت رغم كل شيء مؤمنة ومتمسكة به، ولكنها وللأسف الشديد مازالت مقرة العزم على التمديد في عمر الأزمة التي تعيشها هذه الأمة ومصرة على المضيء في غيها وضلالها وعدم القيام بما هي قادرة على القيام به وفعله وإنهاء ووضع حد لما ينفذ على الأمة من برامج ومخططات الأعداء. ولا أعتقد ولا يجب أن يسود عندنا الإعتقاد أن هذه الأنظمة بحكم طبيعتها الإستبدادية، وبحكم تورطها في انتهاج سياسات مزيلة للكرامة وقاتلة للروح المعنوية ومخلة بشرف الشعوب والأمة وباستقلال الأوطان، وتجاهلها لهويتها وتراثها وتاريخها وإرثها الحضاري كله، ستقبل يوما بمراجعة حساباتها والرضى بالمضي حتى في بعض ما نحسب أنها قد تكون قادرة عليه من إصلاحات قبولا طوعيا وبمحض إرادتها الحرة، وإلا فإننا سنكون في هذه الحالة واهمين. بل الذي يجب أن يسود من اعتقاد راسخ عندنا، وإذا كنا فعلا واعين بخطورة المسألة، ومتأكدين من فهمنا الصحيح لطبيعة هذه الأنظمة وطبيعة هؤلاء الحكام والنخب الداعمة لهم أنهم لن يقبلوا بهذه الإصلاحات وهذه المطالب والعمل بهذا الذي وقعت الإشارة على أنهم قادرون عليه في صورة من الصور، والنزول إلى هذه الساحات، إلا أن يجروا لها جرا، ويسحبوا إليها سحبا. وهناك من النتائج اليوم ما يؤكد هذه القاعدة، وقد وقع استدراج بعض هذه الأنظمة وهذه القيادات والنخب الخادمة والمعينة لها على ظلمها واستبدادها إلى ساحات من الصراع أرحب، بموجب التغييرات والتحولات الدولية الخارجية، وبموجب اشتداد الضغط الشعبي الداخلي الذي مارسته وتمارسه القوى الوطنية الإسلامية والقوى العلمانية الداخلية والخارجية- لكي لا نغمط لأحد حقا- والتي دخل البعض منها وللأسف الشديد في تحالفات استراتيجية مع هذه الأنظمة ومع هؤلاء الحكام في كثير من الأوطان كما في سوريا وموريتانيا وتونس والجزائر، مما جعل الضغط يخف عنهم ويزداد شدة على القوى السياسية والشعبية الممثلة في القوى الإسلامية أساسا. وهي التي كان لها الدور الأكبر في فرض بعض الإصلاحات وإجبارهم على إحداث بعض التنازلات.
ولكن ماذا بعد الفشل والإفلاس ؟
وما هي الفائدة المرجوة من الإعتراف بهما أو إنكارهما، والأمور آخذة طريقها إلى حيث لا يعلم أحد. والأمة واقعة بين مطرقة التحالف الغربي الصليبي الصهيوني وسندان طائفة من أبنائها المتطرفين التكفيريين المتغربين الذين أصبحوا يتمتعون بتأييد ودعم هذا التحالف الرهيب الذي يملك كل أسباب القوة، وعنده استعدادا دائما لتقديم كل شيء للارتقاء بهم إلى سدة الحكم والإبقاء عليهم فيه، ويعمل جاهدا على تعميق الهوة بينهم وبين الإسلام، والتأكيد على أن لا يكون للحركة الإسلامية أي دور في الحياة السياسية، إلا أن يكون دورا هامشيا عند الإقتضاء وعند اشتداد الضغط، بما يجعل الأمور غير قابلة للخروج على نطاق السيطرة. وهذه هي الخلفية التي تم بها قبول بعض التيارات في الحركة الإسلامية من طرف بعض الأنظمة في العالم الإسلامي كله.
إن اشتداد الخصومة في الإسلام بين الأنظمة السياسية المختلفة المناهج والولاءات، والتيارات الإسلامية في الحركة الإسلامية المعاصرة يتمثل في :
1- اعتبار أن الحكام في المنطقة العربية والعالم الإسلامي قد أساؤوا للإسلام وأداروا له ظهورهم، وهم قد ذهبوا في الكفر وما يشبه الكفر وقريبا منه أي مذهب، واتبعوا غير سبيل المؤمنين بعدم اعتماد كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم دستورا لشعوب الأمة، واتخذوا بدلا منهما دساتير وقوانين وتشريعات تنظم حياة أبناء شعوب الأمة دون أي اعتبار تقريبا لعقيدة الإسلام وشريعة الإسلام إلا ما كان مصادفة، أو ما لم يجعل الغرب لهم بديلا عنه، أو ما وقع الإقتناع بالعمل به تضليلا، وذلك ما تراه وما تقول به مختلف التيارات في الحركة الإسلامية، وذلك ما عليه الحركة العلمانية المزورة الهجينة وهي التي يرى البعض من العلمانيين المتشددين الذين يعتبرون أنه لا معنى للحركة العلمانية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وفي العالم المتخلف في مشروع الحداثة والبناء الحضاري ما لم تكن تماما كالنسخة الغربية الأوروأمريكية. ولذلك مازالوا يعزون أنفسهم ويمنونها أمام الفشل والإخفاق الذي انتهت إليه الحركة العلمانية التي أصبحوا يعتبرونها هم أنفسهم أنها حركة فاسدة بما ترتب عنها من أوضاع فاسدة في إنجاز مشروع الحداثة، بأن هذا المشروع الذي لابد منه والذي لا يمر إلا عبر النظام السياسي العلماني يقتضي منهم المحافظة على الإعتقاد بأن قيام حركة علمانية حقيقية في أوطان هذه الشعوب يبقى واردا وممكنا وعلى العلمانيين أن لا ييأسوا وان يواصلوا المجهود بذلك الإتجاه حتى النهاية.
2- وفي اعتبار الأنظمة السياسية أن الذي تنظم عليه حياة الشعوب هو فهم للإسلام يختلف مع فهم القوى الإسلامية المختلفة له. وهو فهم معاصر مراع فيه تطور الأوضاع في الزمان والمكان. أو هو فهم لا باس به ولا باس فيه باعتباره لا يتعارض في مجمله مع الإسلام تارة عند البعض، وباعتبار أن الإسلام عند البعض الآخر دين، وبما أن عصر سيادة الأديان قد ولى فإن الفصل بين الدين والسياسة لا لابد منه ولا تراجع فيه ولا مساومة عليه لكل من يريد النهوض بالشعوب والأوطان. وهو خيار استراتيجي لا حياد عنه ولا سبيل إلى غيره ولا إلى مراجعته تمكينا للسياسة التي تعتبر النخبة العلمانية اللائكية المكونة للسلطة في هذه الأنظمة خاصة والداعمة والمعاضدة وحتى المعارضة لها أن التدين يعيقها، وصونا للدين الذي تعتبر أن السياسية تلوثه وتفسده. وليكون الدين مسألة شخصية بحتة لكل فرد مطلق الحرية في الإلتزام بإقامة شعائره أو تركها. وكان كل ذلك خلافا لما جاء الإسلام داعيا إليه الناس من إلزام لهم بالقيام بكل الشعائر التعبدية التي أمر الله عباده بعبادته والتقرب إليه بها، ولما لها من مضامين وأبعاد أخلاقية واقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية وعلمية وإعلامية وغيرها لا فصل فيها بين عالم الغيب وعالم الشهادة، ولا فصل فيها بالتالي بين الدنيا والآخرة. فلا اعتراف في الإسلام بالفصل بين كل هذه المناشط والإهتمامات اليومية للإنسان المؤمن. وهي تدخل في إطار كدحه المتواصل إلى الله. “قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين”(1). وهم يقولون إن للدين فضاءاته ومساحاته وساحاته، وللسياسة منابرها وميادينها وآلياتها ومشكلاتها. هكذا قدم لنا الغرب هذه المفاهيم الغريبة عن ديننا وثقافتنا وحضارتنا وتاريخنا وحاضرنا وماضينا، الذي لا يريد أن يكون له علاقة بمستقبلنا في فكره وثقافته انطلاقا من فهمه للدين المسيحي البابوي الكنسي. وأورد فلاسفته ومفكروه ذلك الفهم في صيغ عامة وأحكام مطلقة وقع سحبها وتعميمها على جميع الأديان السماوية المحرفة والصحيحة، والوضعية والوثنية على حد سواء. وقد كان لليهود في هذه الصياغات وإصدار هذه الأحكام الدور الأكبر من مواقع الشتات والإنغلاق في الحارات التي كانوا يحشرون أنفسهم فيها. يقول أرشنت لاهران في كتاب صدر له عام 1860 بعنوان المسألة الشرقية الجديدة “إن أي عضو في الجنس اليهودي لا يمكن أن يتخلى عن حق شعبه الذي لا جدال فيه والأساسي بأرض أجداده دون أن يتبرأ من ماضيه وأجداده… إن دعوة عظيمة محجوزة لليهود ليكونوا ممرا حيا بين القارات الثلاث أنكم سوف تكونون حملة المدنية الأوروبية التي ساهم بها جنسكم لحد بعيد”
وباعتبار أن الدين اليهودي هو الدين الوحيد الذي لا يعتبر نظاما لشعب ما في وطن ما، لأن اليهود في
الشتات ليسوا شعبا ولا وطن لهم. وليسوا على ما أصبحوا عليه من تعدد اللغات وتعدد الألوان وتعدد الأوطان وتعدد الثقافات شعبا.ولا يمكن أن يكون لهم بذلك وطن. وبهذا الإنخراط في إفساد الأديان على أهلها من الشعوب التي لأديانها تلك أهمية عندها وأدوار لها في أوطانها. ولطالما خضع اليهود في الشتات لكل القوانين والشرائع والنظم القائمة على أديان الشعوب التي لهم في أوطانها وجود والمتأثرة
بها، تبقى الديانة الوحيدة غير المعنية بكل هذا الذي قيل في الدين في المنظومة الفكرية الغربية هي
ــــــــــــــــــــــ
(1) الأنعام: 162 .
ديانتهم اليهودية. ورغم أن الحركة الصهيونية يشار إليها على أنها حركة قومية على أساس علماني إلا أنها كانت الدولة الوحيدة التي أكدت وجودها في احتلال فلسطين العربية الإسلامية على أساس ديني توراتي. وكان ذلك واضحا منذ البداية في أقوال وتصريحات الداعية الأول إلى تأسيس وبعث هذا الكيان
تيودور هرتزل وهو القائل: “لا معنى لإسرائيل بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل”(1)وفي قول
بن غوريون “… إن كل يهودي يجب أن يهاجر إلى إسرائيل إن كل يهودي أقام خارج إسرائيل منذ إنشائها يعتبر مخالفا لتعاليم التوراة … وهذا اليهودي يكفر يوميا باليهودية…” “…كما أن كل من يعيش خارج إسرائيل يعتبر بلا رب”.(2)
وهكذا تلقى الكثير من أبناء الأمة الإسلامية الجاهلين تمام الجهل بالإسلام الذي هو الدين الوحيد الذي ألزم الله نفسه بحفظه “إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون”(3)هذا الفهم للدين كما روج له اليهود والغربيون عن طريق ثقافتهم في أوطاننا.وهو الفهم الذي ينأى الإسلام بنفسه عنه، ولا يمكن أن يتنزل فيه ولا يشمله، ولا شيء يجعله في إطار المماثلة للأديان الأخرى سوى أنه دين، ولكن ليس ككل الأديان.
3- واعتبار أن الدين ليس إلا أفيونا للشعوب. وأنه لا يعدو أن يكون مجرد خدعة تاريخية يستغل بها أرباب المال الطبقات الكادحة في المجتمع عند طائفة من النخبة المثقفة التي في ظل رواج الثقافة الشيوعية والإشتراكية القائلة “بأن الإنسان هو الذي خلق الله وليس الله هو الذي خلق الإنسان” والتي لم يسعفها الحظ في الإرتقاء إلى سدة الحكم إلا في بلاد قليلة جدا من المنطقة العربية والعالم الإسلامي كله إذا استثنينا البلدان الإسلامية التي كانت واقعة تحت نير الإستعمار السوفياتي سابقا.
4- واعتبار الإسلام نظاما سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ملكيا وراثيا استنادا إلى التاريخ وإلى الواقع في مرحلة رابعة مثل النظام السعودي الذي يكفي أن يكون ضاربا عرض الحائط بمبدأ الشورى الذي يمنح الإنسان حق الإختيار الحر وبإرادة حرة من يجري عليه أحكام كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ممن يرضى من ذوي الكفاءة والعلم والصدق والإخلاص والورع والأمانة من
المسلمين بقطع النظر عن جنسه أو نسبه أو لونه أو غناه أو فقره امتثالا لأمر الله سبحانه وتعالى في قوله:”…وأوامرهم شورى بينهم”(4) وقوله”…فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر…”(5) وحقه في ممارسة السلطة والرقابة والمحاسبة، وموطنا أركان الملك العضوض الذي أقام صرحه الطلقاء أبناء الطلقاء من بني أمية على أنقاض حكم الشورى الذي أمر الله المسلمين بإقامته بينهم، ودعوة الناس كافة للعمل بمبدأ الشورى، كما يدعوهم كافة إلى الإسلام عامة، ومبرما تحالفا استراتيجيا مع أعداء الأمة من أمريكيين وبريطانيين ومن ورائهم اليهود الصهاينة منذ إسقاط هذه القوى المعادية لنظام الخلافة بل لنظام الإمبراطورية العثمانية الذي، وإن كان لا يختلف في ظلمه ومخالفته لكثير من قيم الإسلام ومبادئه وآدابه وتشريعاته وأحكامه وأصوله عن هذا النظام، ولكنه وعلى ما هو عليه من مخالفات وانحرافات كان ممثلا لوحدة الأمة وتماسكها بالرغم مما كانت عليه من الإضطراب في العلاقات والتفكك.
والله سبحانه وتعالى يقول : “لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا”.
وانطلاقا من هذه الإعتبارات كانت الخصومة بين الحركة الإسلامية من ناحية، والأنظمة السياسية ذات
العلاقة المختلفة بالإسلام من ناحية ثانية. فكانت النتيجة أن تجاوزت هذه الأنظمة خلافاتها وتناقضاتها لتلتقي حول ضرورة التعاون والتنسيق في ما بينها لتوجيه سهام أقواسها ورصاص بنادقها إلى عدو مشترك واحد أصبحت تعتقد أنه يهدد وجودها. وقد توج هذا التعاون والتنسيق بصدور قانون مقاومة الإرهاب الذي قد سبقت الإشارة إليه سالفا، والذي وقعت المصادقة عليه في إطار الجامعة العربية سنة 1999 إضافة إلى الإتفاقيات المختلفة السابقة واللاحقة والتنسيق المستمر والتعاون الأمني المتواصل مع كثير من الدول والتجمعات الدولية المختلفة، مما جعل التيارات الإسلامية المختلفة داخل الحركة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ممنوع من التداول – محمود عوض.
(2) الصهيونية ليست حركة قومية – بديعة أمين.
(3) الحجر: 9 .
(4) الشورى: 38 .
(5) آل العمران:159 .
الإسلامية من حيث تريد أولا تريد في مواجهة كل هذه الأنظمة والأنظمة الدولية المساندة والداعمة لها. وعلى أرض المعركة الدائرة بين هذه الأنظمة السياسية في العالم الإسلامي كله تقريبا وفي المنطقة العربية خصوصا ومكونات هذه الحركة التي أصبحت تمثل بدون منازع حركة التحرر الوطني في الكثير من أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين كـ(الفيلبين وماليزيا وأندنيسيا والشيشان ومصر واليمن
والأردن والسعودية والبحرين والعراق وأفغانستان وفلسطين وليبيا والجزائر والمغرب وموريتانيا وتركيا وتونس وغيرها…) ظهرت عورات هذه الأنظمة واتضحت تناقضاتها مع الإسلام، إضافة إلى تأكد فشلها في تحقيق تنمية حقيقية ومعالجات صحيحة لمشاكل البطالة والتغطية الإجتماعية وإنهاء التداين الخارجي والنهوض بالقطاعات الأساسية الحيوية : كالقطاع الفلاحي والصناعي والتجاري والتوازن بين الجهات، والفئات الإجتماعية التي ازداد فيها عدد المهمشين واليائسين والحاقدين. وهذا ما جعل النخب العلمانية المكونة للأنظمة السياسية العلمانية والأطراف المختلفة الأخرى الداعمة والمؤيدة والمساندة لها تفسر سر انبعاث التيارات الإسلامية في الحركة الإسلامية بالسرعة والسهولة التي كانت عليهما على حد تقديرهم وحسب زعمهم، وسرعة التأييد الجماهيري لها والتفاف قطاعات واسعة من أبناء الشعب من حولها، وقد استطاعت أن تستقطب مجموعات كبيرة من كل فئات المجتمع. وكان أكبر رصيدها البشري مكونا من الشباب والفقراء وأبناء الطبقة المتوسطة، وقد التحق بها كذلك الكثير من المثقفين والكوادر وذوي الكفاءات العالية. لقد وقع تفسير كل ذلك بفشل السياسيات السائدة وإخفاق التيارات العلمانية والتقليدية على حد سوى في حل المشاكل العالقة وتحقيق طموحات الشعوب في مستوى من العيش مقبول، وفي علاقات اجتماعية متآخية متعاونة ومتضامنة، وفي تحقيق العزة والمناعة والإستقلال للأوطان، وفي تطوير العلاقة بين الشعوب والأوطان نحو الوحدة أو على الأقل نحو المساندة المطلقة بعضها لبعض والتضامن الجاد الدائم في ما بينها.
وأمام هذا الفشل وازدياد مشاعر الإحباط الجماهيري وجدت هذه الجماهير في أوطان هذه الشعوب في خطاب التيارات الإسلامية ضالتها وبنت عليها أمالا عريضة، واعتبرت نفسها قد ظفرت أخيرا بخشبة النجاة التي ستهتدي بها وترسوا بها في شاطئ النجاة والأمان، ويتحقق لها من خلالها ما تريد مما ظلت تنتظره وتهفوا إليه نفوسها عقودا من الزمن. وهذا هو أهم أسرار قوة الحركة الإسلامية. وإذا أرادت التيارات السياسية الأخرى والأنظمة، المتحالف كلها بعضها مع بعض في كل مرة تجد نفسها في مواجهة مع الحركة الإسلامية في أغلب الأوطان وفي أغلب الأحيان، أن تسحب البساط من تحت أقدامها، فعليها من جديد أن تسرع لإنقاذ الموقف بانتهاج سياسة أكثر جدية وأكثر حزم، وكأني بها لم تكن جادة من قبل ولا حازمة، وذلك هو الصحيح على الأرجح وكما يبدو لنا، لمعالجة المشاكل المستفحلة، والتي كانت هي نفسها السبب الرئيسي في استفحالها بحكم طبيعتها العابثة الهازلة المستهترة، مما كان سببا في انسحاب الجماهير من حول هذه الأنظمة وهذه القيادات وهذه النخب، وقد فقدت فيها الثقة والأمل لتعلق آمالا أكبر على غيرها، وتمنح ثقتها لقيادات بدت لها أكثر صدقا في التعامل معها والتعاطي مع قضاياها ومشاغلها وطموحاتها.
والحقيقة، ولئن كان هذا صحيحا، فإن هناك سببا رئيسيا آخر ظل على ما يبدوا بمنأى عن أذهان وعقول هذه الجحافل من المثقفين والعقلانيين، أو أنهم ظلوا منكرين له محافظة منهم على مواقعهم ومصالحهم، وحرجا منهم من معلميهم وساداتهم وكبرائهم”وقالوا ربنا إنا أطعنا ساداتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا* ربنا آتيهم ضعيفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا*”(1)ممن زودوهم من معينهم الثقافي والفكري وزادهم المعرفي الغزير، من كبار مفكري الغرب ومثقفيه وفلاسفته الذين يجب أن يظلوا أوفياء لتوجهاتهم وتوجيهاتهم وأمناء على ما ائتمنوهم عليه من مضامين وتصورات ومفاهيم ومناهج وأفكار. وهذا السبب هو الشعور بالغربة الذي ظل يحكم العلاقة بين الشعوب الإسلامية وحكامها ونخبها العلمانية، والمترتب
عن إصرار هذه الشعوب على التمسك بهويتها الإسلامية الحقيقية الصادقة، والذي يقابله إصرار من هذه القوى المتحالفة على انتزاعها منها وتمييعها وجرها إلى ساحات تتناقض في أغلب الأحيان مع وجدانها وعقيدتها وموروثها الحضاري، مما حول العلاقة بين الحكام والنخب العلمانية والتقليدية الداعمة لهم إلى علاقة خذلان، ومن علاقة ولاء إلى علاقة عداء وعدم اقتداء، ومن علاقة ائتلاف إلى علاقة اختلاف، ومن علاقة تضامن إلى علاقة صراع وتصادم.
ــــــــــــــــــــ
(1) الأحزاب: 67 – 68 .
يقول خالد الحسن في كتابه “إشكالية الديمقراطية والدين الإسلامي في الوطن العربي” “ومع أن بعض هذه الأحزاب وصل إلى الحكم، إلا أنها لا تزال تحكم بفعل القوة وكأنها قوة من خارج الشعب فبالرغم من إنجازاتها المادية الكبيرة إلا أن غالبية الجماهير ترى فيها ما يتناقض مع ذاتها التراثية مما أدى إلى انعدام التفاعل المجتمعي بين القاعدة الشعبية العربية وبين نظام الحكم القائم”.
إن الحقيقة التي ظلت كل الأطراف العلمانية الرسمية وغير الرسمية الداخلية والخارجية غير معترفة بها هي: أن جماهير الشعوب الإسلامية في كل أنحاء العالم تهفوا نفوسها إلى الإستمتاع بالعيش الكريم في ظل المنهج الإسلامي. وهو خيار استراتيجي عندها لا تقبل عنه بديلا. وهو مقصود لذاته، ولو كانت كل مشاكلها المادية قد وجدت طريقها إلى الحل، باعتبار أنه من غير الصحيح أن الفقر والحرمان والفاقة هي التي دفعت بقطاعات واسعة من جماهير الأمة إلى الإلتحاق بالحركة الإسلامية والإنتماء إليها وتأييدها والإنخراط في أنشطتها المختلفة، ولو أن في ذلك بعض أوجه الصحة، إلا أن الدافع الأكبر هو حرص جماهير شعوب هذه الأمة على التمسك بهويتها العقائدية والثقافية والحضارية الإسلامية، ولو من مواقع الفقر والمعاناة التي لا حظ لخروجها منها إلا في إطار النظام الإسلامي والمنهج الإسلامي. وإذا افترضنا جدلا ونزولا عند رغبة العلمانيين والتغريبيين والغربيين أن الأمر لا يمكن إلا أن يكون كذلك، فبماذا يفسر التحاق الكثير من الأثرياء والأغنياء وأرباب المال والأعمال بتيارات الحركة الإسلامية وفصائلها المختلفة ؟
وهل الإلتحاق بالحركة الإسلامية يمكن أن يمثل حلا أو بداية الحل لمشكلات الفقر والبطالة وسوء الأحوال الإجتماعية ؟ وهل يزداد به الغني غنى أو ينقله من حالة الثراء إلى حالة الفقر؟
إن الذي نستطيع تأكيده أن انتظام الجماهير الإسلامية في فصائل وتيارات الحركة الإسلامية انتماء وتعاطفا ومساندة وتأييدا إنما تهدف من خلاله إلى تحقيق أمور كثيرة لا يتحقق لها في أي منهج وأي نظام آخر، ولا تتحقق لها في أي دولة غير العيش في رحاب نظام الإسلام ودولة الإسلام وعقيدة الإسلام وشريعة الإسلام:
1- طاعة الله سبحانه وتعالى وضمان سعادة الآخرة إن شاء الله لها ذلك.
2- نيل حريتها كاملة حين لا تكون مدينة بالعبودية إلا لله وحده.
3- قيام نظام الشورى الذي تكون بمقتضاه مشاركا بصفة مباشرة في السلطة وإدارة الشأن العام والتمتع بحقها في المراقبة والمحاسبة.
4- تحقيق سيادتها كاملة على أوطانها باتجاه وحدة الأمة كلها والتحامها مع سائر المستضعفين في الأرض في مواجهة الإستكبار أيا كان عنوانه.
5- الإستقلال بذاتها عن كل محاور ومراكز القوة العالمية والتعامل معها من موقع الجدير بذلك الإستحقاق في إطار تبادل المصالح والمنافع على قاعدة التأثير والتأثر.
6- الخروج من دائرة الفقر والحرمان والضياع بالنسبة للفقراء والمحرومين والضائعين.
7- المحافظة على الثروات والإستزادة من الغنى والثراء المشروع بالنسبة للاثرياء والأغنياء، وجعل كل ذلك في سبيل الله زيادة أو نقصا وهو بالنسبة للكل جهاد في سبيل الله : يقول تعالي “انفروا خفافا وثقالا “وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم أن كنتم تعلمون”(1).
إن الذي تؤكده الأحداث في الحرب السجال الدائرة بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية- لو تم حصر الحديث في مسألة الغنى والفقر- لتأكد لدينا أن الفقير في إطار معالجة مسألة التوازن الإجتماعي وتقسيم الثروة وفق الوسائل والآليات والمبادئ التي تضعها الشريعة الإسلامية والقيم والمبادئ والمعالجات التي يضعها الفكر الإسلامي من خلالها في الحركة الإسلامية يمكن أن يتدرج في الخروج من دائرة الفقر إلى أن يغادرها باتجاه دائرة الثراء، وأن الأغنياء والأثرياء، كما يمكن أن يستقر وضعهم
المادي في مستوى الغنى والثراء يمكن أن يزداد تحسنا في غير استغلال ولا إسراف، ويمكن أن يشهد نسق تطور نما ماله وثروته تباطئا واستقرارا بسبب حرصه خوفا من عقاب الله وطمعا في ثوابه، على اجتناب كل مصادر الكسب الحرام الذي تحدده الشريعة الإسلامية في القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبسبب رغبته الملحة في الإنفاق في سبيل الله…الخ.
وبالمقابل فإن احتدام الصراع والمعركة بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية لا يزداد فيه الفقير
ـــــــــــــــــــ
(1) التوبة: 41 .
الملتحق بالحركة الإسلامية إلا فقرا وهو يعلم ذلك، وسرعان ما تبدأ ثروات الأغنياء والأثرياء أحيانا في النقصان بسبب المصادرة والتجميد والتبديد باعتبارها إحدى أهم الأدوات في إدارة المعركة. وهم إنما ينفقونها في سبيل الله حتى ينتقل الواحد منهم بفعل المصادرة والإنفاق في سبيل الله، من موقع الثري إلى
موقع الفقير، مما يتجه معه الأمر إلى القول، أن الحديث عن مسألة التحاق الأغنياء وأرباب المال
والأعمال والفقراء بالحركة الإسلامية لا علاقة له بالغنى والفقر، ولكن الأمر يتجاوز إلى أكثر من ذلك بكثير، وهو أن كل من الغني والفقير إنما يريدون ويبتغون ويسعون لمرضاة الله تبارك وتعالى أولا وآخرا يقول تعالى: “وابتغ في ما أتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين”(1).
وبالتالي فإننا نقول للذين يجعلون الإسلام ظهريا ويراهنون في القضاء على الحركة الإسلامية، وينفقون الأموال الطائلة ويهدرون الطاقات الكبيرة ويمضون الوقت الكثير في محاصرتها لصرفها عن معالجة المشكلات الإجتماعية والتي كما يقول تبارك وتعالى: “…فسينفقونها تم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون…”(2) أن المسألة أكبر من ذلك، وأن عليهم إذا كانوا يريدون حقا أن يوجدوا علاجا لهذه الظاهرة أن ينزلوا عند رغبة الجماهير غنيها وفقيرها جليلها وحقيرها كبيرها وصغيرها إناثها وذكورها في الحكم بما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وآله وسلم “ونحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله” كما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال. وإذا كان لا معنى للديمقراطية في ظل أوضاع سياسية لا اختلاف فيها ولا تباين في وجهات النظر، ولا تعددية فكرية ولا سياسية ولا اختلاف يصل إلى حد التناقض في الكثير والعديد من المسائل والقضايا، فإن الأطراف السياسية والفكرية ذات العلاقة المباشرة بالثقافة الغربية يجب أن تكون في الحقيقة من أكثر التيارات الفكرية والأحزاب والتنظيمات السياسية والمدارس والكيانات الثقافية إيمانا بالإختلاف والقبول به وبالآخر المحالف، باعتبار ذلك من المقومات الأساسية للمناهج الديمقراطية. وأنه لمن نافلة القول التحدث عن الديمقراطية خارج إطار الإختلاف في الآراء والبرامج والتصورات والمفاهيم وفهم الواقع الموضوعي واستشراف آفاق المستقبل. وأنه لمن قبيل الإيمان الصادق بما أصبح عليه هؤلاء من اقتناع بالفكر الغربي ومناهجه وبالثقافة الغربية وتنوعها وشمولها وواقعيتها والنقل الأمين لمضامين الفكر الغربي والثقافة الغربية، أن لا يسقط العلمانيون والمفتونون بالغرب عموما من حساباتهم أهم ما في هذه المناهج وهذا الفكر وهذه الثقافة من المساحات الرحبة من حرية إبداء الرأي وحق الإختلاف والتباين مع الآخرين، مع قبول البعض بالبعض الآخر، باعتبار أن ذلك من حق كل طرف من أطراف الإختلاف والتباين على الآخر. ولكن الذي بدا واضحا أن هؤلاء المؤمنون بالغرب والمفتونون ببريق حضارته الساحرة قد أصبحوا محسوبين فقط على الثقافة الغربية والفكر الغربي والمناهج الغربية، مثلما أصبحت التيارات والقوى الفكرية والثقافية والسياسية التقليدية محسوبة على الإسلام. حتى أنه قد أصبح يعتقد أنه لا معنى للسياسة والفكر والثقافة الإسلامية خارجها. إن وجه إساءة المثقفين والزعامات الفكرية والسياسية في العالم الإسلامي والمنطقة العربية لقناعاتهم الثقافية ذات الأصول الغربية، أنهم لم يستطيعوا حتى أن يقبل بعضهم ببعض وفق ما تقتضيه القواسم الثقافية المشتركة فضلا عن قبولهم بمن يختلفون معهم ثقافيا وفكريا وسياسيا وعقائديا ومنهجيا وحضاريا…
وإذا كان قد حصل بعض ما يخالف ما وقعت الإشارة إليه فإن مرجع ذلك إنما يعود إلى أمرين:
– الأول: أن يكونوا قد وجدوا أنفسهم أمام بعض الحالات التي فرضت نفسها عليهم وكان قبولهم بها من قبيل القبول بالأمر الواقع.
والثاني : أن يكون ذلك تنفيذا لأوامر ومقترحات القوى الدولية ذات النفوذ المالي والسياسي والعسكري
أو هذه العوامل كلها جميعا عليهم.
وإن الذي يزيد الأمر خطورة وتعقيدا أنه كان حين يتم إلفات نظرهم إلى ذلك أو انتقادهم فيه أو عليه أو تقدهم ومراجعتهم فيه والإحتجاج به عليهم، كانوا يلجأون إلى منطق التبرير والتفصي والتنصل من المسؤولية عوض أن يراجعوا أنفسهم في ذلك ويسارعوا إلى تصحيح أخطائهم وتقويم اعوجاجهم. ويعتبرون أن هذا الذي يعاب عليهم ليس عدم التزام بما يؤمنون به، وليس عدم وفاء، وبالتالي تنكر
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) القصص: 77 .
(2) الأنفال: 36 .
لقناعاتهم، وإنما هو مقتضى ما يفرضه تأصيل الفكر والثقافة والقيم الحضارية ذات الأبعاد الإنسانية في المحيط الإجتماعي، باعتبارهم ليسوا غربيين وأنهم ليسوا مجرد ناقلين لبضاعة الغرب ومستوردين لها وليسوا مجرد مقلدين له وناسجين على منواله ومقتفين أثره. وأن هذا الذي يؤاخذون عليه ويعاب عليهم هو عمل واع ومسؤول يقتضيه التميز والمحافظة على خصوصياتنا العربية والإسلامية. أو هو من
مقتضيات المرحلة التي نحن مدعوون فيها لأخذ الوقت الكافي لتوعية الجماهير والشعوب والإرتقاء بها
إلى مستوى من النضج والوعي تملك بمقتضاهما القدرة على فهم قوانين اللغة الديمقراطية، وعلى التمتع
بحق المشاركة السياسية والإقتصادية والثقافية والإجتماعية والإعلامية وممارستها، وغير ذلك من الخدع والأكاذيب والدجل والمغالطات التي لا تهدف من خلالها في الحقيقة إلا لحرمان الجماهير من حقوقها المشروعة في ذلك، وتكريس سياسة الإستبداد والإنفراد بالرأي واحتكار القرار خلافا لما هي عليه الحال في ما يؤمنون به من فكر وثقافة ومناهج وأنساق حضارية تمنح جماهير الشعوب في الحقيقة هذه الأمور. فلقد بدا واضحا أن منازع الإستبداد ظلت غلابة. وأن أساليب التخلف والإنحطاط ظلت جاهزة لإفراغ المضمون الثقافي والفكري الحضاري المستوعب والمفتتن به من مضمونه ولبه خوفا أو طمعا. و إنه لمن الخطير جدا، ولعله ليس ثمة ما هو أخطر من ذلك، أن تقع مصادرة حق جماهير الشعوب في الحرية والمشاركة في صنع القرار باسم التميز والأصالة والخصوصية، وكأنه لا أصل لحرية الرأي والتعبير والتمتع بحق الإختلاف مع الآخر في واقعنا وتاريخنا وحضارتنا وفكرنا وثقافتنا العربية الإسلامية إلا بالأقدار الممنوحة المحددة والمسموح بها رسميا.
أما بخصوص العذر الآخر الذي أوردناه والمتعلق بعدم نضج الجماهير والشعوب وقلة الوعي، فهو ليس إلا أحد الأعذار التي أصبحت هذه الأطراف الفكرية الثقافية والسياسية تتمتع فيها بمهارة كبيرة. وهي فيها على كفاءة عالية، على اختلاف في ذلك بين الكثير منها. وهي التي تمضي في ذلك من الوقت وتهدر من الإمكانيات المادية ما إن لو جعلته في غير ذلك مما ينفع الأمة ويدفع عنها الأضرار والمخاطر لنالت من ذلك خيرا كثيرا. ذلك أنه ليس ثمة أعدم نضجا وأقل وعيا في الحقيقة من هؤلاء الذين يعيرون جماهير الشعب ويتهمونها بذلك، باعتبارهم هم المسؤولون عن ذلك أولا وآخرا.
ألا يكون من الأصح والأصوب، أن يسود الإعتقاد نظريا عند المراقب لمجريات الأمور وما هو عليه واقع الصراع الفكري والثقافي والحضاري، أن يكون أصحاب هذا التوجه وهذه الممارسات وهذه الأساليب هم أولئك التقليديون المحسوبون على الفكر والثقافة والحضارة العربية الإسلامية، أو أولئك المتهمون بمحاولة الرجوع بجماهير الشعوب العربية والإسلامية إلى أكثر من أربعة عشر قرنا خلت من التاريخ ؟
وكان يمكن أن ينسحب ذلك الفهم لأول وهلة على من يتهمونهم بذلك من المنتظمين في مختلف التيارات الفكرية والسياسية من الإسلاميين في الحركة الإسلامية. وهم الذين يراد أن يشاع عنهم أنهم أعداء للثقافة الغربية والحضارة الغربية أيضا وللتقدم والتطور والحداثة. وهم الذين ليسوا في الحقيقة وفي الغالبية العظمى منهم إن لم يكونوا كلهم كذلك. ولكن غاية ما في الأمر أن خلافهم مع الغرب عموما هو ما يقتضيه الخلاف بين ثقافتين مختلفتين وحضارتين مختلفتين ذات طبيعتين مختلفين، وهما الثقافة الإسلامية الكونية الإنسانية والثقافة الغربية المادية، والحضارة الإسلامية الإنسانية الحضارة الغربية العنصرية الإستعمارية العدوانية، والطبيعة الروحية والفكرية والثقافية ثم المادية للحضارة الإسلامية، والطبيعة المادية والفكرية والثقافية للحضارة الغربية(1). ولكن الذي حصل هو العكس.
ففي الوقت الذي كان فيه التقليديون والإسلاميون يجتهدون في تأصيل قيم الحرية التي هي أصل في الإسلام الذي لا يجعل من الإنسان عبدا إلا لله وحده، ويحرم عليه أن يكون عبدا لأي كان غيره. وإن حصل منه ذلك، فذلك ما لا يغفره له الله أبدا لقوله تعالى:”إن الله لا يغفر أن يشترك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء…”(2) ويجيزون الخلاف في الرأي ويقبلون به ويسمحون بالمشاركة في أخذ القرار، كان التغريبيون التكفيريون ينتزعون هذه الحقوق من أصحابها الشرعيين تحت شعارات مختلفة وبتعلات ومبررات زائفة مختلفة أيضا.
فمن العدو الحقيقي يا ترى لكل من الثقافة الإسلامية والعربية والحضارة الإسلامية، هل هم أولئك الذين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أنظر كتابنا”المشروع الثقافي للدولة العلمانية الحديثة في العالم الإسلامي-التداعيات والمخاطر-
(2) النساء: 48 .
يفرغون الثقافة العربية نفسها والحضارة الغربية كذلك من أعز ما جاءت كل واحدة منهما داعية إليه من حرية وحق المشاركة في الحياة السياسية وفي القرار السياسي ومن التعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع مع وجود الإختلاف في الأعراق والألوان والعقائد والثقافات والأفكار، خاصة في ما كان بين الغربيين بعضهم مع بعض، ويؤصلون الإستبداد والإنفراد بالرأي ومصادرة الرأي الآخر وحرمانه من
المشاركة وتحريمها عليه في القرارات الهامة المتعلقة بمصير الشعوب والأمة كلها، بل وحتى في أقل من ذلك مما كان متعلقا بالثقافة والحضارة الإسلامية وواقع الشعوب ؟
أم هم أولئك الذين يتمسكون باعتزاز بالثقافة والحضارة الإسلامية وهوية الأمة بكل أبعادها ومدلولاتها، وهم الذين يجعلون إمامهم في ذلك كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وما يجدونه صالحا من التراث العربي الإسلامي، ويجتهدون في الأخذ من الثقافة والحضارة الغربية وغيرها من الثقافات والحضارات ما تستحقه جماهير شعوب الأمة وأوطانها والإنسان عموما مما لا يتناقض مع عقيدتها وشريعتها ولغتها وتاريخها وحضارتها، وكل هذه المقومات التي هي عنوان شخصيتها مما تزداد به صلاحا وما يكسبها قوة وأمنا ؟
هذه الحضارة التي تعالت أصوات المصلحين الإسلاميين منذ وقت مبكر من التاريخ للأخذ منها بالعلم والعقل والتقنية، ووصد أبواب الأمة أمام ما جاءت زاخرة به من دعارة وعنف وثقافة انحلال وميوعة وعنصرية وعلاقات استغلال ونهب. وهذا ما لا يزال عليه الإسلاميون ومازالوا متمسكين به ومصرين عليه. وهذا ما جعل خصومهم يعتبرونهم أعداء للتطور والعلم والعقل والثقافة والحضارة.
والذي بات متأكدا أنك لا تستطيع أن تجد عندهم من معنى للحرية سوى:
– حرية التوجه إلى المسجد لإقامة بعض ما هو ممكن من الشعائر التعبدية فيه، وذلك ضمن شروط محددة وضوابط محددة، بعيدا عن الشروط الشرعية والضوابط الشرعية وخلافا لها، وبما لا يبدو مخل بمعنى التدين في قاموس السلطة العلمانية التكفيرية، وبما يضمن عدم تجاوز ذلك إلى ما له علاقة بحياة الناس وبواقعهم الموضوعي سياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا وعلى كل صعيد(1)
– أو حرية الإفطار والصيام في رمضان. وإذا كان لابد من عمل ما ضد هذا أو ذاك أو ضد من يصوم أو يفطر فإن ذلك لا يكون إلا لصالح الإفطار وضد الصيام، أو للضغط على الصائم ومحاولة إجباره على الإفطار كما حاول الهالك بورقيبة فرض الإفطار في شهر رمضان على الجيش وعلى كل موظفي الدولة في أوائل ستينات القرن العشرين وبعد تسليمه الغزاة الفرنسيين إدارة الأعمال بالبلاد بعد مغادرتهم لها سنة 1956 له ولعصابته. وكما أغلق نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب المئات من المساجد بالبلاد وكل أماكن الصلاة في كل المؤسسات العامة والخاصة، وأصدر ما يسمى قانون المساجد المشار إليه سالفا لغلقها في وجه المصلين إلا في وقت وجيز جدا ومنع أي دور وأي نشاط لها أكثر من ذلك. وكما دعت شركة الخطوط الملكية المغربية الطيارين لذلك كذلك في رمضان 2006 ومنعت الموظفين من الصلاة في المحطات والمطارات…وليس الضغط على المفطر لإجباره على الصيام…
– وحرية إخراج الزكاة عن الأموال وغيرها من الفرائض أو ترك ذلك.
– أو حرية تسلق أعتاب الحانات والخمارات ليلا أو نهارا لمعاقرة الخمرة.
– أو حرية التردد عن دور الدعارة وارتيادها.
– أو حرية الإقبال على مشاريع القمار ودورها.
-أو حرية تعاطي مهنة الدعارة ورسمها على بطاقة الهوية.
إلى غير ذلك من معاني الحرية في الثقافة العلمانية اللائكية المغشوشة خاصة وحتى في ثقافة بعض الأنظمة التقليدية المحافظة، وذلك كل مبلغهم من العلم فيها.
ففي الوقت الذي تشتد فيه هذه الأنظمة والدوائر العلمانية والتغريبية الداعمة لها في مصادرة الحريات الأساسية التي يقرها الإسلام ويضمنها، والتي جاء الفكر الغربي مقرا لها كذلك بطريقته وضامنا لها بفهمه لها، كانت هذه الأطراف نفسها فاسحة فيه المجال واسعا للحريات التي يمنعها الإسلام ويحرمها، إن صح أن تعتبر تلك من “الحريات” لما ينجر عنها من أضرار تلحق الفرد في جسمه وعقله وروحه ونفسه والمجموعة في عزتها وكرامتها ومروءتها وثروتها… ولئن كانت هذه من الحريات التي جاء الفكر الغربي والثقافة الغربية داعيان وكافلان لها في إطار معنى شاملا وكاملا للحرية، فإن الأنظمة
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر قانون المساجد بالملحق.
والمثقفين العلمانيين لم يجدوا في هذه المنظومة الفكرية المتكاملة من معنى للحريات إلا هذه المعاني المخلة بالهوية والأصالة والعقيدة والشرف والمروءه التي عليها الغالبية العظمى من أبناء الأمة في جميع الأقطار الإسلامية، والمنتقصة من إنسانية الإنسان، والتي فيها اعتداء على الأفراد وعلى شعوب الأمة في الأعراض والأموال والعقول والأديان والعقائد والأخلاق. والتي فيها تكفير للمجتمعات وإلغاء
لأصولها وثوابتها ولطبيعتها، ومحاولة إلحاقها بالأجنبي الذي يستحيل عليهم إلحاقها به، حتى وصل بهم الأمر إلى الإنتهاء بها إلى وضع المعلقة، فلا هم استطاعوا أن ينتهوا بها إلى حيث يريدون وإلى حيث لا يريد الأجنبي نفسه إن ينتهوا بها إليه، ولا هم أبقوا عليها حيث هي وحيث لا يريد الأجنبي أن تبقى، ولا هم طوروها إلى حيث يجب أن تتطور، وإلى حيث لا يريد الأجنبي أن تتطور، وإلى حيث ليسوا هم أنفسهم قادرين على تطويرها.
لم تكن هذه الأنظمة والتيارات الفكرية والنخب المثقفة تحس في الماضي البعيد بحرج المخالفات الشرعية والتناقض مع عقيدة الإسلام وقيمة ومبادئه وأصوله وثوابته وشريعته وتعيشه، بالقدر الذي أصبحت تحسه وتعيشه اليوم بسبب نشأة وظهور الصحوة الإسلامية العارمة التي أخذت تكتسح العالم وليس البلاد العربية والإسلامية فقط . وإذا كان قد فات هؤلاء توقع أو احتمال وقوع ذلك، فإن آخرين لم يفتهم ذلك:
– انطلاقا من فهمهم للتاريخ أولا .
– ثم لفهمهم لطبيعة الإسلام ثانيا.
– ثم لعلمهم بوعد الله بحتمية إعادة الحياة الإسلامية بعد فساد وانقضاء في قوله تعالى “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكننهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا تعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون”(1) وفي مواقع كثيرة من القرآن الكريم ثالثا.
و”من أوفى بعهده من الله” “إن الله لا يخلف الميعاد”.
يقول مؤلف “الإسلام قوة عالمية”
“إن قوة القرآن في جمع شمل المسلمين لم يصبها الوهن ولم تنجح الأحداث التي مرت بالمسلمين في القرون الأخيرة في زعزعة ثقتهم به كقوة روحية.
“إن الروح الإسلامية مازالت تسيطر على تفكير القادة ومشاعرهم وستظل هناك ما دام ثمة شعوب إسلامية ربطت مصيرها بمصير الإسلام واعتقدت أن الرباط الجامع بين أجناسها هو الإسلام. إن روح التعاطف والتوادد بين المسلمين هو السبب الرئيسي في تجميع القوى الوطنية على طريق “القومية الإسلامية” … وأنه من الممكن للمسلمين أن يتقدموا في العلم والتكنولوجيا كما تقدم الأوروبيون وهم يومئذ لن يكونوا بحاجة إلى رباط يجمع شملهم سوى الإسلام وهو قائم فعلا ولم يفقدوه بعد “(2)
– الإستبداد والإلغاء، قيمة من لا قيمة له :
يقول تعالى : “أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أم من يمشي سويا على صراط مستقيم”(3) وليس هناك من شك في أن الإستبداد باعتباره يأتي على رأس المفاسد كلها هو سبيل من يمشي مكبا على وجهه. وهو ما لا يمكن أن يكون سبيل من يمشي سويا على صراط مستقيم. فقد يكون من يمشي مكبا على وجهه على هدى ما، ولكن هذا الهدى وهذا الطريق الذي يسلكه لا يمكن أن يكون أكثر هدى وأكثر استقامة وأقوم طريقة وأمثل منهج وسبيل، من ذلك الذي يمشي سويا على صراط مستقيم. بما يتبادر إلى
الذهن أن طريق المكب على وجهه هو طريق قد يكون فيه من الإيجابيات ومن بعض أوجه الصواب على هدى من العقل وحده ما لا يرتقي إلى مستوى منهج وسبيل وطريق من يمشي سويا على طريق مستقيم وعلى هدى من الله، أي على هدى من العقل ومن النقل معا. أي على صراط مستقيم. الذي هو صراط الذين أنعم الله عليهم من غير المغضوب عليهم من الله ولا الضالين عن هدى الله الذي جاء القرآن الكريم داعيا الناس جميعا إلى القبول به واتباعه والإستقامة عليه. يقول تعالى:”ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم “قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير”(4).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) النور: 55 . (3) الملك: 22 .
(2) عن كتاب: الدولة في الإسلام: خالد محمد خالد. (4) البقرة: 120 .
وبما أن الذين يتبعون سبيل الهدى لا يمكن أن يعرفوا إلى الإستبداد طريقا، فإن الذين يتبعون سبيل الغواية هم الذين يسلكون طريق الإستبداد والغواية والضلال والتضليل والتكفير.تلك الغواية التي
يرتضيها البشر لأنفسهم فيتنكبون صراط الله المستقيم الذي أوجب على البشر الإلتزام به، ودعوة كل إنسان آمن به إلى الإلتزام به وإلزام أهله ممن علموه واقتنعوا به بالإلتزام به. فالإستبداد بما هو غواية، فهو سبيل الضلال والفسوق والظلم، وإبطال قيم الحق والعدل والحرية والمساواة والشورى والأخوة والوحدة الإنسانية والأمن والسلام … وإحلال قيم البطش والإستئصال والغدر والإلغاء والمصادرة.
وإننا حينما نتكلم عن الإستبداد والمستبدين إنما نفعل ذلك في إطار زمان معين ومكان معين. وأن هذا الزمان هو هذه الفترة الزمنية الحرجة من تاريخ الأمة. وأن هذا المكان هو هذا الحيز المكاني من جغرافية الكرة الأرضية الذي تنتشر عليه جموع جماهير شعوب الأمة على اختلاف أعراقها وألوانها ولغاتها وأديانها.ولذلك فإن الإستبداد خلق لئيم وتصور عقيم وسلوك ذميم. وهو خلق من لا خلق له. وفكر من لا فكر له. وثقافة من لا ثقافة له. وسلوك وممارسة من لا إنسانية له. لأنه أقرب إلى نزعة السيطرة بالقوة عند الحيوان كما تمليها عليه غريزته منه إلى ما يجب أن يكون عليه الأمر من رشد عند الإنسان بما يمليه عليه عقله وبما يهديه ويرشده إليه ربه من هدى. وبذلك نستطيع القول أنه ليس ثمة فرق كبير بين المستبد والحيوان.يقول تعالى:”…إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا”.(1)
وإذا كان يوجد لهذا المنزع مبرر عند الحيوان في عدم تجاوز حدود تصرفه الغريزي، فإنه لا يجد أي مبرر له عند “الإنسان” المستبد إلا في العمل على كسب قيمة هو فاقد لها من خلال قدرته على إلغاء القيم المكتسبة للآخرين من ذوي جلدته.
فالله يعلم أني حينما أوجه أصابع الإتهام إلى التيارات العلمانية والأنظمة الشمولية المستبدة بالسلطة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي وحيثما وجدت غالبية إسلامية الأصل على أي شبر من الأرض اعتبر وطنا لها، أو حينما أبدو متحاملا عليها أو مهاجما لها بأسلوب الرافض لكل ما قدمته وتقدمه هذه الأطراف من مجهودات، وما تحققه وحققته من إنجازات وتقدم وتطور في معركة البناء والتشييد، وطاعنا في نواياها، ومشككا في صدقها وإخلاصها نحو جماهير شعوبها وأوطانها، ومركزا على ارتباطاتها الواضحة والمشبوهة بأعداء الأمة وولائها الدائم والصادق لها، فإن ذلك لا يعني عدم اعتراف ببعض ما قدمته وتقدمه، أو إنكار على بعض الصادقين منهم صدقهم أو وطنيتهم، أو أنه نفي لكل ما هو إيجابي في حياة الشعوب والأوطان، ولكنه رصد لكل ما هو سلبي، ولكل خطوة خاطئة ولكل توجه منحرف، ولكل مبادرة كانت نتائجها عكسية ولكل اختيار مرتجل ولكل منهج يقطع مع ماضي الأمة ويجلب الخراب والدمار لحاضرها ويضيع عنها مستقبلها ويفسده. إنما يندرج كل ذلك في محاولة لتقويم المسيرة وربح الوقت وتدارك بعض ما يمكن تداركه قبل أن تزداد الأزمات استفحالا والمشكلات استعصاء على الحل، وعلى ضوء الظاهرة العلمية والعقلية التي تنير سبيل الأمم والشعوب من حولنا وهي تحقق نجاحات وانتصارات وتفوق تقف أمامه عقولنا حائرة وأفواهنا فاغرة وأبصارنا شاخصة ونحن نراوح مكاننا في أحسن الحالات. وإذا أصررنا على أننا بصدد إحراز بعض التقدم توهما، فإنه لا يكاد يذكر حين يقاس ويقارن بالطفرات المتلاحقة والثورات المستمرة في جميع مجالات الحياة التي تنجزها شعوب وأمم الأرض من حولنا. ولرب قائل أن يقول: “إن الكثير من هذه الثورات التي أحدثت تغييرات جوهرية في حياة الإنسان قد مرت هي نفسها بالكثير من مظاهر الإستبداد وصاحبها عبر مراحل مختلفة من المسيرة الحضارية. وإذا كان ذلك صحيحا فإنه لا يعني بالضرورة أن نكون على آثارهم مقتدون. ولا يعني ذلك أن مرحلة الإستبداد لابد منها. لأن لكل مرحلة من مراحل التاريخ رجالها. ولكل فترة من فتراته ظروفها واستحقاقاتها. ولكل تجربة أسبابها وملابساتها. وما حدث مرة ليس ما يمكن أن يحدث بالضرورة كل مرة. وليس بالضرورة أن تكون له نفس النتائج. ولذلك فإن الحصول على نتائج إيجابية من بعض التجارب الإستبدادية في تاريخ البشرية وفي تاريخ الحضارة المعاصرة، لا يقوم مبررا لإعادة هذه التجارب طمعا في أن يتحقق لنا منها ما تحقق لمن سبقونا إلى ذلك. ولعل أمثلة الأنظمة الفاشية في التاريخ المعاصر كالنازية في ألمانيا والفاشية في إيطاليا وكل أنظمة المعسكر الشرقي، والأنظمة المماثلة لها الدائرة في فلك المعسكر الغربي خير مثال على جلب الدمار في النهاية على ما حققته أو تحقق في ظلها من مكاسب. فما الفائدة وما هي الجدوى من إنجازات
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الفرقان: 44 .
كبيرة وعملاقة كانت بعض هذه الأنظمة الإستبدادية والفاشية قد حققتها ثم كانت بعد ذلك وبالا عليها ودمرتها؟ ونظرا للعلاقة المباشرة التي أصبحت تحكم متساكني الكرة الأرضية إلى حد أنهم أصبحوا يكادون يمثلون نسيجا اجتماعيا واحدا، وحركة اجتماعية واحدة، وهذا ما تسعى الولايات المتحدة الأمريكية وقد أصبحت وبدون منازع أكبر قوة ضاربة في الأرض بعد نجاحها في حسم المعركة إبان الحرب الباردة لصالحها ولصالح المعسكر الليبرالي الرأسمالي “الديمقراطي” بعد انهيار المعسكر الإشتراكي بزعامة الإتحاد السوفياتي المتفكك حاليا إلى تأكيده وتكريسه وفرضه وجعله أمرا واقعا، فإن الذين يريدون أن يكرسوا الإستبداد على اعتبار أنهم يجدون له أصلا في التاريخ المعاصر لا يتحقق لهم به حتما ما يريدون. لأنهم تابعون في ذلك ومتأخرون عن أصحاب المبادرة الحضارية التي تربطهم بهم علاقات مباشرة، والتي كانت الأوضاع التي نحن عليها نتائج لتلك التجارب التي يحدو أصحابها حرص شديد على أن تظل أوضاعنا تلك على ما هي عليه، ولا باس عندهم أن تزداد سوءا. وقد يكون من مصلحتهم كذلك أن نشهد بعض التقدم باتجاه مزيد الحاجة إليهم.
ولذلك فإن الفرق بين المبادر بصناعة الأحداث والتابع له فيها، خاصة حين تكون باتباع نفس المنهج واعتماد نفس الأساليب واستعمال نفس الوسائل وعلى أساس نفس الثقافة ولو ببعض أوجه الإختلاف، يكون كالفرق بين المجتهد والمقلد، وبين المتحرك والساكن وبين السيد والعبد، وبين الرابح والخاسر، وفي كلمة كالفرق كذلك بين الحي والميت تقريبا.
إن الإستبداد قرين وصنو الظلم والقهر والحيف والطغيان. فهو مؤذن كما يؤكد ذلك العلامة بن خلدون بخراب العمران، دون أن يعني ذلك بالضرورة هدم ما وجد قائما وما تم إنجازه، ولكن يمكن أن يعني كذلك العجز عن حل مشكلات العمران البشري، والفشل في تطوير الحياة إلى ما هو أفضل، مع ما قد يكون قد توفر من الإمكانيات المادية والطاقات البشرية ما يجعل ذلك ممكنا. ويعتبر من الفشل كذلك في إنجاز هذه المهمات العمرانية تسجيل نقلة صغيرة وحصول تقدم أقل من الممكن المؤمل حين يقاس بالإمكانيات المتاحة، ولكن ذلك ما يحسب على كل حال إضافة لمن قام عليها. فنحن إنما نعاني في عالمنا العربي والإسلامي من أنظمة تراوحت بين الإستبداد وغلبة نزعة الإستبداد عليها في مراحل مختلفة من تاريخ شعوب الأمة.
– فمرة كان إيمانا منها بضرورة ذلك حسب زعم القيادات المختلفة التي تعاقبت على كرسي القيادة بعد إنهاء التعددية الفكرية والسياسية التي كانت موجودة في ظل هيمنة قوى الإحتلال الغربي على مختلف أنحاء العالم الإسلامي، وقد كانت الدكتاتورية والإستبداد خيارا سياسيا وإيديولوجيا يطرح نفسه على الساحة العالمية، ويحدث توازنا في القوى الدولية العالمية في وجه المنهج والخيار الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي الذي كان يعتبر الخيار الأسوأ في نظر الكثير من الثوريين الذين مازالوا إلى الآن ماسكين بزمام السلطة، وقد امتدت بهم العمر إلى أن سقط الخيار الثوري الإشتراكي الشيوعي الأصولي، وأصبح الخيار الديمقراطي الليبرالي الرأسمالي الإمبريالي الغربي الذي كان يعتبر الأسوأ في التاريخ في نظرهم على الأقل، باعتباره الخيار الإيديولوجي والسياسي والعسكري والإقتصادي الذي قاد حركة الغزو الغربي لكثير من الدول والشعوب في مختلف أصقاع الكرة الأرضية وزواياها، هو الخيار الوحيد السائد. وقد ارتبط هذا الخيار بحركة الإستعمار الإمبريالي والعسكري البغيض بإبادة العنصر البشري على أساس من التمييز العرقي والديني والثقافي والحضاري واستغلال الشعوب ونهب الثروات وتدمير البيئة…
– وأخرى كان اضطراريا، بمعنى عدم قدرة هذه الأنظمة بحكم طبيعتها الهجينة المنبتة التابعة على استيعاب المستجدات العالمية ومسايرة النسق السريع لتطور الأوضاع الدولية والتغيرات التي أصبح يقتضيها اختلال التوازن الدولي بعد انهيار الإتحاد السوفياتي، مما جعلها حبيسة طبيعتها الإستبدادية في مواجهة حتمية التنازل عن كل ثوابتها وكل خصوصيات الشعوب الدينية واللغوية والتاريخية والحضارية التي كانت تتفاوت درجات مختلفة في التفريط فيها منذ البداية، لتضع نفسها في إطار التوجه الدولي العام، بل لتوضع في إطار ما يتحقق للقوى الدولية والهيمنة الغربية الأمريكية الصهيونية من مصالح.
وإنك لترى اليوم أولئك الثوريون أعداء الإستعمار والإمبريالية والصهيونية بالأمس يعملون تحت الضغط الدولي على تطوير الأوضاع التي أقاموها عقودا من الزمن، باتجاه جعلها في إطار المنهج الليبرالي الديمقراطي الرأسمالي الإمبريالي للمحافظة على مواقعهم وعلى منافعهم ومصالحهم . ولقد كان الإستبداد والدكتاتورية ظاهرة عربية وإسلامية مباشرة تقريبا، إثر إنهاء الإحتلال الغربي للأوطان العربية والإسلامية خاصة. وكذلك بعد إنهاء الظلم وفساد الحكم العثماني من قبل. وكأنما أصبح من القدر المقدور على شعوب هذه الأمة، أن تظل متنقلة:
1- من احتلال وغزو و”استعمار” كما كان يحلوا للغرب الصليبي الإستغلالي أن يسمى وضع يده بالقوة العسكرية الغاشمة على أوطان الشعوب ومقدراتها وثرواتها، وهو الذي لم يظهر فيها في الحقيقة من الإعمار إلا ما هو في حاجة إليه، لنقل إلى أوطانه أكبر أقدار ممكنة، ولعدة عقود من الزمن، من ثروات الشعوب ما يزيدها فقرا وضعفا وتخلفا واستضعافا، وما يزيد شعوبه عنى وقوة ورخاء وتفوقا وتقدما واستكبارا، وللإبقاء عليها في وضع يسهل له معه مواصلة استغلالها واستنزافها ونهبها.
2- إلى استبداد ودكتاتورية في مرحلة ثالثة نحسب أنها قد خلصت فيها إلى المرحلة التي أصبح من الممكن أن تنعم فيها بالحرية والعدالة والمساواة والسيادة الكاملة على أوطانها والمشاركة الحقيقية في القرار. بما يحفظ لها هويتها الثقافية والتاريخية والحضارية الإسلامية وكرامتها وعرضها ومصالحها المادية والمعنوية. ولكن وبعد عقود من الزمن خابت الآمال في كل التجارب والمناهج. وانعدمت الثقة في كل القيادات ثورييها وإصلاحييها، تقدمييها ورجعييها، قطرييها انفصالييها ووحدوييها، اشتراكييها ورأسمالييها. وقد تبين بكل وضوح وبما لا يدعو مجالا للشك أن مختلف القيادات السياسية والقوى الفكرية والإيديولوجية الداعمة لها بمختلف منازعها ومشاربها ومناهلها تفتقر إلى القدرة اللازمة على قيادة الشعوب إلى حيث الحرية والديمقراطية السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية والإعلامية حيث العدالة والعدل والمساواة والأخوة والوحدة. وهي لا تملك ولو الحد الأدنى من حذق فن تسيير دواليب الحكم والإدارة، باعتبار أن ذلك ليس مهمة سهلة، وليس كل ناعق أو كل وافد حملته رياح الوراثة إلى ذلك الموقع أو قذفت به إليه أفواه المدافع أو نصبته أجهزة الإستخبارات الأجنبية، هو بالضرورة الرجل المناسب لذلك، أو الفئة المناسبة لتلك المهمة، أو القادرة على القيام بذلك الدور الخطير في حياة وتاريخ الأمم والشعوب والأوطان. ولكنه موقع يتطلب قدرات علمية وفكرية وثقافية، وسلامة عقلية وبدنية ونفسية، ومهارات كبيرة، وارتباط بالماضي، واستيعاب للحاضر، واستشراف للمستقبل، وانفتاح على الداخل والخارج، وتواضع وخلق رفيع. ولهذه الأسباب، ولعدم توفر كل هذه الشروط أو حتى بعضها في جل هذه القيادات، آلت الأوضاع إلى ما هي عليه. وأنه لمن المتأكد قياسا للزمن أن تكون على وضع أفضل لو أعطيت الفرصة لكل أبناء شعوب الأمة الإسلامية وبدون تمييز لتكون لهم إسهاماتهم في تقرير مصير شعوبهم وأوطانهم وبالتالي أمتهم كلها. “إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون”(1). ولكن وباعتبار أنه مازال “مكتوبا” على هذه الأمة على ما يبدو أن تظل ترزح تحت نير التسلط والتخلف والإنحطاط والفقر والتجزئة، فقد منيت بأنظمة سياسية لا يستمد القائد المستبد فيها قيمته إلا من إلغاء الآخرين من ذوي القيم الروحية والفكرية والعلمية والسياسية خاصة. أما ما زاد عن هؤلاء فحدث عن البحر ولا حرج، فهي الحقارة والسخرة والإستخفاف. ولكن الإلغاء يكون دائما لمن يملكون تفوقا كبيرا في كثير من مجالات الحياة، والذين يريدون أن يمارسوا حقهم الروحي والفكري والعلمي والسياسي وغير ذلك من الحقوق المشروعة بما يعود بالنفع لشعوبهم وأوطانهم وأمتهم. وهو يمارس الإلغاء عادة بأسلوبين:
-أما الأسلوب الأول: فتعتمد فيه سياسة تجميد هذه الطاقات والفعاليات وتهميشها وتدجينها وتوظيفها في ما لا تتحقق به النتائج المرجو تحقيقها من خلالها، أي من خلال قدراتها وكفاءاتها ومؤهلاتها ومهاراتها…
وكيف لا يكون ذلك كذلك وقد أصبح الأقل قدرة وعلما والأكثر عجزا يوجه الأكبر قدرة والأكثر علما
وفاعلية بعد أن قبل بهذه الوضعية غباء أو استقالة وعدم اكتراث أو خوفا أو طمعا…
– وأما الأسلوب الثاني: فيتبع فيه مطاردة المصدر الحقيقي لقوة الأمة وتطورها ونهوضها، والمتمثل عادة في رصيدها البشري من ذوي الكفاءات والمهارات العالية، أو الوعي الحقيقي بمشكلات الأمة كلها وهمومها، والأشد حرصا بحكم هذا الوعي الذي أصبحوا عليه، وبحكم قدراتهم وطاقاتهم وإبداعاتهم المتفجرة على التصدي للمشاكل والمصاعب التي تواجه شعوبهم وأوطانهم، والبحث عن الحلول المناسبة لها. وباعتماد هذا الأسلوب أو ذاك أو هذا الأسلوب وذاك تحرم الأمة كلها من جهود وطاقات وإسهامات وخبرات كل أبنائها تقريبا. مما يجعل من هذه الطاقات البشرية الهائلة والتي هي الرصيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنبياء: 92 .
الحقيقي للشعوب والأوطان والأمم والتي لا تقدر بثمن، مشتتة بفعل رموز الإستبداد، بين سجين ومستقيل ومجمد ومطارد وشهيد. وتكون نتيجة ذلك حرمان الأمة من خيرة أبنائها التي هي في أمس الحاجة إليهم، وهم في أمس الحاجة إليها، بعد أن وفرت لهم من الدعم المادي والمعنوي والأدبي والروحي ما يقتضيه حقهم عليها أو ما تعتبره واجبا يترتب به لها ذات يوم حقا لها عليهم. ولكن وبعد القيام بالواجب على الوجه المطلوب حرمها المستبدون من حقها في جني ثمار طالما انتظرت نضجها. وليجني في النهاية أعداء الأمة ثمار جهودها حين يجد، أبناؤها الذين أصبحوا منبوذين محاصرين ومطاردين ومهددين في أرزاقهم وأنفسهم في أوطان شعوب أمم أخرى، ما تهفوا إليه نفوسهم في أوطانهم ولا يجدوه فيها، وما يريدون إيجاده من مناخات للحرية والديمقراطية والشورى والعدل والمساواة والأخوة وهم قادرون عليه ويحال دونهم ودون ذلك. وإن الكثير من هؤلاء يكون ضحية محاولة إيجاد هذه المناخات التي تتفجر فيها الطاقات ويجزل فيها العطاء وتتحرر فيها المبادرة وتتنوع فيها الإبداعات وتفخر فيها الأمة بتضحيات أبنائها وما يتحقق لها بفضل ذلك وبفضل صدقهم وحزمهم وحرصهم وعزمهم من رفاه وعزة ورفعة ومجد. ولكم تكون مأساة المسلم والوطني عميقة حين يجد نفسه في وضعية المضطر على إغداق العطاء لأمة ليست أمته، خاصة حين تكون هي في أمس الحاجة إلى ذلك العطاء، وعلى وطن ليس وطنه، وعلى شعب ليس شعبه، وهو يعلم أن كل هذه الأطراف تقف في النهاية منه موقف العداء. وهو يعلم كذلك أن هذه الجرائم المرتكبة في حقه وحق وطنه وشعبه وأمته هي في جانب كبير منها بفعل المغفلين والأغبياء والسذج من أبناء جدلته، وبتخطيط محكم وتنفيذ جاد وجيد من هؤلاء الأعداء الذين يصبحون في النهاية هم الرابح الوحيد من جهود معاول الهدم التي حرصوا على تثبيتها في الداخل ورعايتها وتزويدها بالعدة اللازمة والإمكانيات الكافية للمحافظة على أوضاع التردي والتخلف والإنحطاط الناتجة عن سياسة الإستبداد والإقصاء والعنف والإلغاء، ومن جهود الأحرار عادة، والذين وجدوا عند أعداء الأمة الحقيقيين والتاريخيين من غربيين وأمريكان وصهاينة يهودا ملجأ آمنا تستغل فيه جهودهم وخبراتهم وقدراتهم وطاقاتهم وإبداعاتهم، ويحتفظون بهم من حيث هم يريدون ذلك أو لا يريدون ومن حيث هم يقبلون بذلك أو لا يقبلون وبموافقتهم أو غيرها، كورقة ضغط يستعملونها في الوقت الذي يرونه مناسبا، وتحقيقا لأهداف وغايات ومنافع قد لا يكون من الممكن تحقيقها إلا بوجود ورقات ضغط من هذا القبيل. ويأتي على رأس هذه الأهداف عادة هدفين هامين: أحدهما ذاتي والآخر موضوعي:
1- الهداف الذاتي : ويتمثل في أنه حينما يتورط هؤلاء الأعداء التاريخيين في نشاط إرهابي وإجرامي، فإنهم يلجأون إلى أسلوب المقايضة الذي يقضي بترك سبيل بعض من جري عليهم حكم القضاء عندهم من أبناء أوطاننا وأمتنا ويقضون عقوبات بالسجن من أجل ما يعتبرونه عادة خرقا لقوانينهم الداخلية وتهديدا لمصالحهم الحيوية، مقابل تسليم المورطين من أبنائهم لهم وإنقاذهم من المقاضاة التي قد تفضي إلى إنزال بعض العقوبات الصارمة بهم، مثل عملية المقايضة التي حصلت بين الكيان الصهيوني والنظام الملكي الهاشمي بالأردن، والتي كانت نتيجتها إطلاق سراح الشيخ أحمد ياسين زعيم ومؤسس حركة حماس بفلسطين المحتلة والمحكوم عليه بالسجن المؤبد من قبل محاكم العدو الصهيوني، مقابل تسليمها السلطات الأردنية عنصرين من عناصر مخابراتها الموساد كانت قد ألقت عليهما القبض إثر محاولة فاشلة كانا قد قاما بها لاغتيال الناشط السياسي خالد مشغل ممثل حركة حماس بالأردن في ذلك الوقت. كما أنهم يقبلون كذلك في حال حصول حالات مماثلة بتسليم عناصر مطلوبة للعدالة من أجل قضايا سياسية في أوطانها العربية والإسلامية مقابل الحيلولة دون إنزال بعض العقوبات الممكنة أو المحتملة على أي من رعاياها وجالياتها عندما يثبت تورط أي مواطن في بعض الجرائم والتجاوزات والمخالفات القانونية.
2- أما الآخر: فموضوعي: والذي تسعى هذه الجهات الأجنبية إلى تحقيقه عن طريق جمع بعض من يقبل من أطراف المعارضة لهذه الأنظمة الإستبدادية التي تخرج أو تحاول أو يبدو منها ما يعتقد أنه يمكن أن يكون خروجا عن الطاعة الغربية وخاصة الأمريكية وبالتالي الصهيونية ودعمها ومساندتها للإطاحة بمن ترغب في الإطاحة به من الأنظمة التي تحاول أن تخرج عن نطاق السيطرة أو التي لم يعد مرغوبا فيها لسبب أو لآخر ولغاية أو لأخرى ولهدف أو لآخر. والذي بات متأكدا أنه لا شيء يحدث من التشتت في صوف أبناء الأمة مثل الذي تحدثه الأنظمة المستبدة الظالمة. ولا شيء كذلك بات يضمن للغرب ولأمريكا تدفق الخبرات والأدمغة غير الحريات الديمقراطية التي على علاتها ينعم بها الإنسان هناك بالرغم ما بدت عليه من زيف وعنصرية وكراهية وعداوة للآخر غير الأبيض وخاصة حين يكون عربيا ومسلما بعد أحداث واشنطن ونيويورك، وبعد احتلال أفغانستان والعراق وحرب الإبادة المستمرة على الشعب الفلسطيني بمباركة معلنة ومفضوحة من الغرب كله وخاصة زعيمته الكبرى الإمبراطورية الأمريكية. وسياسة القمع والإرهاب المسلطة على الإنسان هنا. ولكم تكون الحاجة ماسة إلى معرفة آخر إحصائيات هجرة الأدمغة من العالم الإسلامي والمنطقة العربية إلى بلدان أوروبا وأمريكا وآسيا. ولكن ظروف الإغلاق والإنغلاق والعيش في ظل القمع والإستبداد السياسي تحول دون ذلك طبعا. ولذلك فقد وقع اعتماد إحصائيات قديمة جدا، ومن المتأكد يقينا أنها تضاعفت أضعافا مضاعفة في ما تلا ذلك من السنين، بحكم تواصل المأساة ورداءة الأوضاع السياسية وازديادها سوءا في كثير من البلدان العربية والإسلامية.
يقول الدكتور ضياء العمري في كتابه “التراث والمعاصرة” ّإن عدد الأطباء العرب في بريطانيا قط بلغ 4600 طبيب وأن 35 % من أطباء لندن وحدها من العرب”.
وإن عدد الأطباء الإيرانيين العاملين في نيويورك وحدها يفوق عدد زملائهم العاملين فوق أرض إيران جميعا.
لقد امتنع ألف عامل ومهندس وطبيب من حملة الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية عن العودة إلى وطنهم مصر ما بين عامي 1970 – 1980 .
إن عدد المهندسين المهاجرين من مصر إلى الولايات المتحدة بلغ 339 مهندسا عام 1968…
هناك مستويات عالية من أساتذة الجامعات المسلمين يعملون في أوروبا والولايات المتحدة في جامعاتها أو مراكز البحث في شتى العلوم”.
ولئن تعددت الأسباب واختلفت الدوافع لهذا النزيف الذي يصيب الأمة، فإن السبب الرئيسي والذي يتصدر قائمة هذه الأسباب كلها هو سياسي بالأساس.
لذلك فإن المستوى العلمي والمعرفي الضعيف وفي أحسن الأحوال المتوسط للماسكين بزمام السلطة في المنطقة العربية والعالم الإسلامي عموما يمكن أن يكون أحد الأسباب في تكريس سياسية الإستبداد واعتماد أسلوب الإلغاء لكل من يخشى منازعته لهم على السلطة التي ينظرون إليها ويتعاطون معها على أنها غاية في ذاتها وليست وسيلة لخدمة الشعوب والأوطان والإنسان. ومن المعلوم أن لمركبات النقص الناجمة والناتجة عن العقد النفسية والإعاقات البدنية والعقلية قدرا مهما في السعي لإعادة الإعتبار للذات، في غياب التواضع والروح المعنوية العالية والثقة في النفس والروح الحضارية، ومن ثمة ينشأ لدى الفرد، الذي جاءت به العديد من الجهات ذات المصلحة، وجملة من العوامل، وتظافرت العديد من الأسباب، النزوع إلى الإرتفاع بها إلى المستوى الذي يتحقق به الرضى عن النفس حين يكون صاحبها قد أحس أنه قد استوفى من الأعمال ما يجعله قد بلغ مستوى ما فوق عقده وشعوره بالنقص، أو ما يجعله يحس أنه قد تحقق له ما يرضي غروره وقد استطاع بلوغ القدرة على المحافظة على موقع الصدارة من الأحداث. وهو بموجب عقدة أخرى، يكون قد بلغها بعد تجاوز عقدة شعوره بالنقص، وهي عقدة الشعور بالإستعلاء والإستكبار والإهتمام المبالغ فيه بالذات، قد بدا له أنه قد أصبح في الموقع المناسب الذي يتحقق له فيه الرضى عن الذات. ولا يهم أن يكون ذلك على حساب الوطن والشعب والأمة في أي مستوى من المستويات، وعلى حساب أي قطاع من القطاعات، وعلى حساب أي جهة من جهات الإستضعاف طبعا. وبحكم ضعف المستويات الثقافية أو الفكرية أو العلمية أو السياسية أو الاجتماعية أو الاقتصادية أو هذه المستويات كلها أو بضعها، وبحكم الشعور العارم بالتفوق في بعض هذه المستويات أو كلها أو جلها، فإن الأسلوب الذي يبدو مناسبا في هذه الحالة عندهم هو المسارعة إلى إلغاء الآخر. ويستوى في ذلك من يدور في فلكه بعدم إفساح المجال له بالبروز والظهور، وعدم إعطائه الفرصة لإبراز قدراته ومهاراته وإبداعاته إلا بالقدر الذي يعلي من شأنه هو ويزداد به صيته ذيوعا ومقامه رفعة، أو من يعلن مخالفته ومعارضته له، ويعتبر ذلك من الجرائم التي لا تغتفر في عرف الطاغوت وشريعته وواقعه، وينتهي بمطاردته وإعلان الحرب عليه وتعقبه للقضاء عليه سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا ولا بأس بتصفيته حتى جسديا عند الإقتضاء. ولا يمكن أن يوعز هذا السلوك إلا للتخلف والإنحطاط والعجز مهما كان الدافع إليه، ومهما كانت الأسباب، ومهما كانت الأهداف المعلنة أو غير المعلنة والخفية التي تقدم كمبرر لذلك. لأن الملاحظ أن أشد الناس اتباعا لأسلوب الإلغاء بكل معانيه هم الحكام المستبدون الذين أحكموا قبضتهم على الشعوب العربية، وأستطيع القول في جل أوطان شعوب الأمة الإسلامية بعد أن جعلوا منها شعوبا عوض الشعب الواحد، وعلى الأوطان العربية والإسلامية التي جعلوا منها أوطانا عوض الوطن الواحد، في الوقت الذي نشاهد فيه وغير بعيد منا أنظمة سياسية ديمقراطية ناجحة ومتطورة، تقدمية وعادلة، تخطوا خطوات عملاقة في دنيا العلوم والتكنولوجيا والرفاه المادي والحريات الديمقراطية، وقد اختفت من قاموسها السياسي والفكري والثقافي في أوطانها ولدى شعوبها لغة الإلغاء والإقصاء والإستئصال ومرادفاتها. وأصبحت اللغة الوحيدة السائدة عندهم هي لغة البرامج وطرح الحلول والأفكار والمقترحات وما شابه ذلك من الممارسات الحضارية الراقية التي تجلب النفع وتدفع الضرر وترتقي بمستوى الشعوب. وعندما نكتفي بالوقوف عند حد المقاربة بين هؤلاء، وبدون اللجوء إلى استقراء التاريخ الذي يطول فيه المقال، فإننا نستطيع الخلوص إلى القول أن سياسة الإلغاء هي سياسة من لا سياسة له. وأنها برنامج من لا برنامج له. وطريقة وأسلوب من لا شخصية له. وإن كان الرجال والزعماء إنما يعرفون من خلال برامجهم والتصورات والمضامين الفكرية التي يعبئون بها الجماهير، وأصالتهم التي لا يستطيع أي منكر أن ينكرها عليهم، وتواضعهم وإخلاصهم للشعوب وحبهم للأوطان، فإن القيادات في الأنظمة العربية وجل القيادات في أنظمة العالم الإسلامي فاقدة أو تكاد لكل ما يجعلها معروفة ومشهورة، مما يضطرها إلى انتهاج سياسة إعلامية قوامها صخب ممل، وبهرج مزيف، وضجيج متواصل، يعتبرون أنه لا وجود لهم في غيابه، ولا قيمة لهم بدونه. لأنهم لا يستمدون وجودهم وقيمتهم من خطاب جاد نزيه وصادق، ولا من قدرة على استيعاب الواقع القطري والإقليمي والدولي استيعابا جيدا وصحيحا والبرهنة على ذلك، ولا من تقديمهم لحلول جذرية لأهم المشاكل السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية ذات العلاقة المباشرة بحياة كل أبناء الشعب وفئاته وشرائحه، وبسيادته على أرضه، وبعلاقته بكافة شعوب وأوطان أمته، ولما لا بكافة شعوب أوطان الأرض في حدود الإحترام المتبادل والمصالح المشتركة والمتبادلة، وعلى نفس المستوى من التعامل…
ونظرا لتخبطهم في كل الساحات وعلى كل المستويات وهم لا يهتدون سبيلا، فقد كان سبيلهم إلى الظهور والبروز والهيمنة المطلقة على الساحة الوطنية والإقليمية أحيانا، وحتى على الساحة الدولية في بعض الأحيان، انتهاج أساليب وطرق الإلغاء للآخر المخالف والمتآلف سواء بسواء، وكل بأسلوب معين وبكل الوسائل الممكنة، مستغلين كل القدرات والطاقات البشرية المحلية والإقليمية، ومسخرين كل الإمكانيات المادية التي هي مكتسبات الشعب وثرواته، لتسليط الأضواء الكاشفة على أنفسهم، مسخرين في ذلك جنودا مجندة من رجال الإعلام والصحافة والفكر والوعظ والثقافة لتغطية حتى أبسط تحركاتهم ونشاطاتهم ونقلها عبر الأثير والصحافة والأقمار الصناعية إلى العالم كله. وهي في الحقيقة من الأنشطة والقرارات والمبادرات والتعليمات التي يمكن أن تكون من صلاحيات أي مستوى من مستويات الأطراف الإدارية في السلطة التنفيذية المختزلة كلها في شخص الرئيس أو القائد أو الأمير أو الملك. وفي هذا المستوى تصخر إمكانيات هائلة وأرصدة ضخمة وطاقات كثيرة مختلفة ومتنوعة لإقامة الدنيا والإبقاء عليها قائمة دون أن تعطى فرصة للقعود بالتسبيح بحمدهم والمبالغة المطلوبة في المديح والتمجيد والإطراء إلى الحد الذي يوحي برفعهم إلى مستوى الألوهية والربوبية”يقول المحررون … إن المستبدين من السياسيين… سيترهبون الناس بالتعالي الشخصي والتشامخ الحسي ويذللونهم بالقهر والقوة وسلب الأموال حتى يجعلوهم خاضعين لهم عاملين لأجلهم كأنهم خلقوا من جملة الأنعام نصيبهم من الحياة ما يقتضيه حفظ النوع فقط.” “ويقال إنه ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ له صفة قدسية يشارك بها الله أو تعطيه مقام ذي علاقة مع الله”.(1) مما قد يجعل المادح والممدوح بإحالتهما إلى كتاب الله تحت طائلة الآية الكريمة القائلة “وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الدين من دونه إذا هم يستبشرون”(2). ذلك لأننا نلاحظ فعلا أنهم قد أوجدوا رأيا عاما لا يأبه كثيرا في كثير من الأحيان والحالات، وفي كثير من الأماكن والمناسبات، وقد لا يأبه أصلا لذكر الله تعالى. بل يصل الحد بالبعض بل بالكثير من الناس وبخلفيات مختلفة ولأسباب مختلفة وبدوافع مختلفة خاصة في بعض الظروف إلى التطاول على الجلالة وعلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الدين وعلى القرآن من غير أن يثير ذلك أي استنكار وأي ردود فعل إيجابية وآي شعور بالمسؤولية إزاء ما يحدث من
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد : عبد الرحمان الكواكبي
(2) الزمر: 45 .
تجاوزات خطيرة ذات مساس مباشر بهوية الأمة وثوابتها وعقيدتها من أي جهة من الجهات رسمية كانت أو شعبية وخاصة في بلادنا. لأن الأمر ليس على هذه الصورة وليس على هذه الحال على ما يتبادر إلى أذهاننا واستنادا إلى ما يتناقله الرائحون والغادون على مختلف مناطق العالم العربي والإسلامي، وعلى ما تتناقله الفضائيات الحرة والمستقلة. وفي إطار جعل حياة كل الناس بالبلاد تحت طائلة القانون، فإنه على المستوى النظري توجد قوانين تعاقب على مثل هذه التجاوزات والجرائم، إلا أنه نادرا ما تؤخذ المسألة بعين الإعتبار، وأن أكثر مثل هذه السلوكيات والجرائم والتجاوزات المسيئة للمشاعر العامة للمسلمين عموما والمسيئة لعقيدة الأمة وهويتها شائعة الحدوث في أعلى مستويات هرم المسؤولين في مواقع مختلفة من السلطة، وهناك الكثير من القدوات في ذلك. وإذا كان لابد لهذه القوانين من أن تطال أحدا بالعقوبة فإنه ليس أولى من هؤلاء في الحقيقة بذلك. وهي بذلك لا تجد طريقها إلى النفاذ إلا نادرا جدا وفي حالات خاصة أو ضد أشخاص معينين من العامة من أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة… وأنك لتجد الكثير من الذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم كلهم آذانا صاغية وأنظارا مشدودة وفي انتباه شديد خوفا وطمعا، عند ذكر الذين من دون الله من المستبدين والطواغيت وأرباب المال والأعمال الذين جعلوا من أنفسهم أولياء نعمة للناس وكأنهم هم الذين يصيبونهم بالموت أو يهبون لهم الحياة، في الوقت الذي لا يستبشرون فيه لذكر الله بل تشمئز قلوبهم منه لإعتبارات كثيرة. والويل كل الويل لمن يتحدث عن هؤلاء المستبدين والطواغيت ولو بحق في إشارة إلى مثالبهم وعيوبهم وسلبياتهم وأخطائهم وتجاوزاتهم وجرائمهم حين يكون من أصحاب الجرأة والملتزم بقول الحق والغيور عليه:”وقد قبل الناس من الإستبداد ما ساقهم إليه من اعتقاد أن طالب الحق فاجر وتارك حقه مطيع والمشتكي المتظلم مفسد والنبيه المدقق ملحد والخامل المسكين هو الصالح الأمين وقد اتبع الناس الإستبداد في تسميته النصح فضولا والغيرة عداوة والشهامة عتوا والحمية جنونا والإنسانية حماقة والرحمة مرضا كلما جاروه على اعتبار أن النفاق سياسة والتحيل كياسة والدناءة لطف والنذالة دماثة”.(1)
وليت الأمر يقف عند حد إلغاء الآخر المساند والمعارض والقابل والرافض والمسالم والمحارب. ولكن
الأكثر خطورة في هذا الأمر، أنه يمتد إلى إلغاء الوطن أيضا وإلغاء الهوية وإلغاء العقيدة بمعاني مختلفة وبطرق مختلفة وبأساليب مختلفة، وهم مدعومون في كل ذلك بطابور من النخب المثقفة ومن المخدوعين والأغبياء من العامة وبمؤسسات إعلامية مدعوة إلى تحويل الهزيمة إلى نصر، والخطإ إلى صواب، والفشل إلى نجاح، والجهل إلى علم، والقبح إلى حسن، والكذب إلى صدق، إلى ما هنالك من قلب للمفاهيم والحقائق بما يرضى غرور المستبدين ويعطيهم شرعية القيام بأي حماقة من الحماقات في حق الشعب والوطن والأمة والإنسان عموما، بدون أن يجدوا في ذلك حرجا.”وهذه الفئة المستبدة يكثر عددها ويقل حسب شدة الإستبداد وخفته فكلما كان المستبد حريصا على العسف احتاج إلى زيادة جيش المتمجدين العاملين له والمحافظين عليه واحتاج إلى الدقة في اتخاذهم من أسفل السافلين الذين لا أثر عندهم لدين أو وجدان واحتاج لحفظ النسبة بينهم في المراتب بالطريقة المعكوسة وهي أن يكون أسفلهم طباعا أعلاهم وظيفة وقربا”(2) بل يعتبرون ذلك من قبيل المهارات المطلوبة والأساليب اللازمة لمن أراد أن يكون له موقع وهبة واقتدار في ساحة المعترك السياسي. ولهذه الأسباب وغيرها، مما يأباه صاحب الخلق العظيم والعقل السليم والقلب الرحيم والسلوك القويم، عملت طائفة منهم على استبعاد الإسلام من ساحة النزال السياسي والتنافس الإقتصادي والإصلاح الاجتماعي. وعملت طائفة أخرى على إضفاء بعض القداسة على نفسها من خلال إبراز علاقة فلكلورية لها بالإسلام، واعتبار أن الأوضاع السائدة في ظل أنظمة حكمها الإستبدادية لا تخرج عن كونها منظمة وقائمة على فهم للإسلام على نحو من الأنحاء تقتضيه الضرورة والمصلحة وتغير الزمان والمكان والأحوال رغم التناقض الصريح والواضح بين هذه الأوضاع وهذا الواقع مع المنهج الإسلامي وعقيدة الإسلام وشريعة الإسلام والقيم والمبادئ الإسلامية. وحتى بعض قادة حركات الإستقلال من الفئات المتغربة كانوا في تلك المرحلة “عندما كان التغريب يفرض فرضا” يحافظون على كثير من المظاهر الإسلامية… وعندما وصل هؤلاء إلى سدة الحكم في مرحلة “الإستقلال” خطوا في البلاد خطوة إضافية على طريق التغريب الفكري:
– فهم الذين كرسوا دولة التجزئة المتغربة العصرية في عهد “الإستقلال”.
– وهــم الذين قاموا بعمليات إعادة تنظيم الدوائر والقوانين ولكن بالاعتماد على الأسس الغربية
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد : عبد الرحمان الكواكبي.
(2) نفس المصدر.
نفسها، بالرغم من أن منهم من حافظ على بعض الإحترام الشكلي للشرع… فقد كانوا يحاولون المحافظة
على مظهر إسلامي علهم يحافظون على تأييد الجماهير… أما الجيل الثاني والثالث فقد ذهبا بعيدا في هجر الإسلام إما بالقمع الشديد لدعاته وإما بإسدال حجاب كثيف عليه وكأنه غير موجود. وهذا يعني أن الإسلام في السياسة والإقتصاد والإجتماع أصبح محرما، وغير ذي موضوع”(1) فلا هم استطاعوا أن يلتزموا بالإسلام ولا هم استطاعوا إعلان براءتهم منه والقطع معه. فكانوا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فهم يريدون إسلاما على مزاجهم وعلى ما يروق لهم ويريحهم. ولهم أن يعودوا له متى تشاءوا وأن ينصرفوا عنه متى شاءوا. وأن يأخذوا منه ما يشاؤون وأن يتركوا منه ما يشاؤون. وأن يفهموه كما يشاؤون لا كما يجب أن يكون التعامل معه بل على وجه التحديد كما يلزمنا هو بالتعامل معه وكأني بهم قد أخذوا تفويضا من الله ليتلاعبوا بدينه الذي ارتضاه لهم وللناس كافة كما يشاءون. وكأنهم هم الذين جاءوا به ليكونوا وحدهم ومن يرضون عنهم معهم القيمون عليه والمعنيون وحدهم بفهمه وتنزيله كما يشاءون ومتى يشاءون وأين يشاؤون وعلى ما يشاؤون. وليس ذلك في الحقيقة إلا شكلا من أشكال الإلغاء للإسلام نفسه حين يقع التعامل معه وفق مشيئة غير مشيئة الله، ووفق إرادة غير إرادة الله، ووفق أسلوب غير الأساليب الوارد التنصيص عليها فيه، ووفق ما تتحقق به المقاصد التي جاءت الشريعة محققة لها وداعية إلى تحقيقها وهي: حفظ النفس – وحفظ العقل – وحفظ النسل – وحفظ الدين
– وحفظ المال. والتي جاءت الشريعة كافلة لها ووفق كل ما يتحقق به المراد الإلهي من خلال عقيدته وشريعته.
لقد أجاز هؤلاء لأنفسهم أن يتعاملوا مع الإسلام الذي هو دين الله، وفق إرادتهم ومشيئتهم.وهو في الحقيقة أسلوب من التعامل أقرب إلى العبث بالإسلام منه إلى أي شيء آخر غير ذلك مما يحاولون استبعاده ونفيه وتبرئة ذممهم منه، في الوقت الذي لا يريد هؤلاء أن يتم التعامل مع تصوراتهم والأوضاع التي يقيمونها إلا على النحو الذي يريد كل واحد أو مجموعة منهم أن يكون التعامل به معها، ولا يريدون أ يكون ذلك التعامل معها على النحو الذي لم يقع تحديده من خلال الضوابط التي أحاطوا بها أوهاهم وأفكارهم وبرامجهم وقوانينهم وشرائعهم والواقع الذي أحاطوا به أنفسهم. ولقد كانوا دائما على أتم الإستعداد للضرب بيد من حديد على يد كل من تسول له نفسه عن قصد أو عن غير قصد اللجوء إلى عدم الانضباط للأوضاع التي أقاموها. وتعتبر أي محاولة من ذلك القبيل تطاولا عندهم على السلطة أو تحديا لها أو انتقاصا من هيبتها أو إلغاء لنظامهم وسلطانهم. وفي الوقت الذي يقيمون فيه أوضاعا على غير النحو الذي يدعوهم الله أن تكون عليه، وهم على أهبة الإستعداد، وفي حالة استنفار قصوى دائما للمحافظة عليها، كانوا جادين في إتمام عملية إلغاء الإسلام من واقع المسلمين ومن حياة الناس. وقد تم لهم هذا الإلغاء وبدرجات متفاوتة وبطرق وأساليب مختلفة، ولكنه في النهاية كله إلغاء لما ليس لأحد من المؤمنين به صدقا وعدلا الحق في إلغائه أو المساس به والتصرف فيه زيادة أو نقصانا والله تعالى يقول: “…اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليهم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا…”(2). لأن الإعتداء عليه هو اعتداء على كل الناس. باعتبار أن الله قد أنزله للناس كافة. ويستوي عنده في ذلك من آمن به ومن لم يؤمن به. فكلهم محاسب على ذلك. وهو اعتداء على الله ورسوله لو كان يعلمون. لأن الله أنزله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وحذره من مغبة الزيادة فيه أو الإنتقاص منه.لأن هذا الإسلام هو السبيل إلى استمرار الإنسجام بين ما خلق الله في هذا الكون من أنس وجن وملائكة وحيوان ونبات وجماد، ولتبقى الصورة كاملة في انسجام تام بين عالم الغيب والشهادة، وقد بلغ الأمانةكما أمر. فكيف يجيز الناس بعد ذلك لأنفسهم ما لم يجزه الله لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو من أفضل خلقه عنده، بل وما لم يجزه هو نفسه للناس من بعد؟
ألا يصبح بذلك إلغاء الأفراد والشعوب والأوطان بعد ذلك هينا إذا ما قورن بإلغاء الله ورسوله وكتابه. “…إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون”(3) لأن إلغاء سلطان الله
على الناس الذين هم خلقه الذين فضلهم على كثير ممن خلق تفضيلا عبر إلغاء عقيدته وشريعته يأتي
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ردود على أطروحات علمانية – منير شفيق.
(2) المائدة: 3 .
(3) النمل: 34 .
على رأس المفاسد كلها. وكذلك إلغاء الإقتداء بالرسل عبر إلغاء دعواتهم وسننهم وسيرهم.
فليست عملية الإلغاء مقصودة لذاتها، ولكن صراع تقديم البدائل لتأكيد الذات. وتقديم التصورات والأفكار والبرامج والسياسات يقتضي أن تكون هناك عملية إلغاء لشيء أو لأمر ما، لوضع شيء أو أمر آخر
مكانة بدلا منه. وكان هذا الإلغاء من الحكام في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين إلغاء لما لا يجوز
إلغاؤه. وما كان لمن يؤمن بالمنهج الموجود الذي هو منهج الإسلام ونظام الإسلام وشريعة الإسلام أن يقوم به. لأن العملية اللاحقة لذلك الإلغاء كانت عملية فرض نظام أرضي إنساني مكان نظام سماوي إلهي. وفرض قانون وضعي إنساني ظالم مكان شريعة سماوية إلهية عادلة. والحتمية التاريخية والعقلية والعلمية تقتضي منا القول: أنه ما إن يتم إلغاء فكر إلا لفرض أو وضع أو عرض فكر آخر. ولا إلغاء لرأي إلا لفرض وفي أحسن الحالات لعرض رأي آخر. ولا إلغاء لعقيدة إلا لوضع عقيدة أخرى. ولا لشريعة إلا لفرض شريعة أخرى. ولا لمنهج إلا لفرض منهج آخر. ولا لجهة إلا لفرض جهة أخرى. ولا لطرف إلا لفرض طرف آخر. ولا لذات إلا لفرض ذات أخرى، وهكذا دواليك… وما تأكيدنا على عملية الفرض إلا لأن أي عملية الإلغاء في الأنظمة الإستبدادية لا تتم إلا بالقوة. ولأن الإستبداد لا يقدم ولا يعرض ولا يقترح أي بديل بعد إنهاء عملية الإلغاء، ولكنه لا يتقن إلا لغة واحدة وأسلوب واحد هي لغة وأسلوب الفرض. وليس مهما في هذه الحالة اعتبار حسن النوايا أو فسادها وسوءها، لأن علميتي الإلغاء والفرض في النهاية هما عمليتان ملازمتان لمنطق القوة والعنف والإرهاب الذي تجيده القوى والتيارات المتغربة ذات النزعة التكفيرية عموما، سواء كانت في السلطة أو خارجها، سواء باعتماد أسلوب التنابذ فيما بينها أو في تعاطيها وتعاملها مع المعارضة الإسلامية خاصة، وهي الحالة التي تكون فيها أشد شراسة وأكثر إمعانا في البطش وأكثر مضيا في السحق وأكثر تصميما على الإستئصال، في الوقت الذي تتهم فيه خصومها ممن يقفون معها على نفس الأرضية الفكرية والثقافية الغربية شرقية كانت أو غربية، يوم كان للشرق أرضيته الفكرية والثقافية وعقيدته ومنهجه السياسي ومذهبه الإقتصادي الذين كانا يميزانه، أو الذين تم تصنيفهم كأعداء لها من الإسلاميين في الحركة الإسلامية على أنهم أعداء للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان. وإذا كان ذلك صحيحا فعلا بالنسبة للواقفين على الوجه الثاني للأرضية الثقافية الغربية في المدرسة الوضعية المادية الماركسية، فإنه من غير الصحيح في ما يخص الموقف من ذلك في الإسلام وفي الثقافة الإسلامية ومن ثمة بالنسبة للحركة الإسلامية. وما عمليتا الإلغاء والفرض إلا عمليتان بعيدتان كذلك كل البعد عن قوة المنطق ولغة العقل والإقناع. ولما كان الخصام بين هذه الأنظمة التي ألغت الإسلام عن قصد أو عن غير قصد عن حسن نية أو عن سوء نية عن فهم له أو عن غير فهم مختارة لذلك أو مضطرة إليه، وبين التيارات والفصائل المختلفة للحركة الإسلامية المعاصرة ذات الأفهام المتفاوتة والمختلفة للمسائل الفرعية والإجتهادية في الإسلام استنادا ورجوعا إليه في وقت أصبح فيه أصحاب الفكر التقليدي الإسلامي منقسمين على أنفسهم بين متحالف مع السلطة ومحايد، ومتعاطف مع الصحوة الإسلامية ومؤيد لها، بعد أن كانوا في أحسن الحالات مستقلين وملتزمين بموقف الحياد على عدم اقتناع بما يحصل، وعلى عجز منهم عن فعل أي شيء، شعر المستبدون بخطورة الوضع واستقر الأمر عندهم على أنهم هم الذين يمثلون الفهم الحقيقي للإسلام بما يعنيه من تسامح ووسطية واعتدال. حتى أن هذا الفهم على هذا النحو الذي يزعمون “…كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا”(1) هو الذي أصبح يجوز لهم من خلاله قتل العلماء والمجاهدين والمناضلين والدعاة والزج بهم في المعتقلات والسجون، ونفيهم إلى مختلف أنحاء الأرض، وترميل نسائهم وتيتيم أبنائهم وثكل أمهاتهم وقطع أرزاقهم… وهل بعد هذا التسامح والوسطية والإعتدال من تسامح ووسطية واعتدال”أنظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا”(2). وبذلك أصبح
من الواجب عليهم ومن مواقع المسؤولية في السلطة على مختلف المستويات والأصعدة وضع حد لكل من تسول له نفسه المساس بهذا القاسم المشترك بين كل الناس على حد زعمهم، والضرب بقوة على يد كل من يدعي أن له فهما مخالفا لفهم النخب العلمانية والتقليدية المتحالفة مع السلطة للدين عموما وللإسلام خصوصا، بما يذهب حسب زعمهم ومغالطاتهم بقدسيته وينقص من شأنه ومن عظمته. ولعل هذا الفهم العلماني المحنط والمعلب للدين يعيد إلى الأذهان الفهم الكنسي البابوي للأناجيل المحرفة والذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الكهف: 5 .
(2) الإسراء: 48 .
جعل الباباوات والقساوسة والكرادلة وغيرهم من المراتب الدينية المختلفة فهمها حكرا عليهم. وكانوا لا يدخرون جهدا في أن لا تصل يد أحد لإعطاء فرصة لأبناء المسيحية لأن تكون لهم علاقة مباشرة سواء بالعهد القديم أو بالعهد الجديد ليعلموا حقيقة ما عليه التعاليم والقيم والمبادئ التوراتية والإنجيلية، أو ما
هي عليه الحال في المؤسسة الكنسية البابوية. وقبل تطور الأوضاع إلى الحد الذي انتزع فيه منها هذا
الحق كانت حركة الألبجان أو الولدانيين بجنوب فرنسا في القرن الحادي عشر تدعو إلى المبادئ الحقيقية للعقيدة المسيحية، وكانت ثورتها على الكنسية لتصحيح العقيدة والقيم والمبادئ الأصلية للإنجيل. وقد جاء في تقرير رفعه إلى البابا أحد رجال الكنيسة المشهورين بالتقوى والموضوعية ما يلي: “أنهم يدعون أنهم مسيحيون مخلصون لا يحنثون في إيمانهم، ولا يكذبون ولا يتحدثون بشر في الآخرين ولا يقتلون النفس بل ولا يزهقون أية روح حتى لو كانت لحيوان.
“ويقولون أنهم يؤمنون بالمسيح وأناجيله كما علمها المسيح وحواريوه لا كما يشرحها البابا ورجاله…” وأنهم يتعرضون للإضطهاد رغم أنهم طيبون ومخلصون … ” ويقولون أن السبب في ذلك أن رجال الكنسية فاسدون يحبون حياة مليئة بالغرور والغباء والجشع والقذارة “وهم لا يزاولون التعميد وأن رجال الكنيسة قد أوجدوا هذه البدعة من باب الجشع حتى يبيعوا الماء للتعميد كما يبيعون الأرض لدفن الموتى والزيت لمسح المرضى… وبقتلهم لمندوب البابا الذي كان يحكمهم في مستعمرتهم الخاصة بإقليمهم قاد إينونست الثالث سنة 1198 وسيمون دي منتفورت سنة 1212 حملة صليبية ضدهم فقضا عليهم وفي منتصف القرن الرابع عشر جاء الدكتور الألماني جون ويكليف وكان رجل دين بنغمة جديدة يقول فيها: “فرجال الدين في ذلك الوقت كانوا في قمة الجهل والفساد والجشع فهم يبيعون صكوك الغفران ويتاجرون بالدين ويبتزون بالعالم الآخر، وكانت موائدهم حافلة بأطيب الطعام وأديرتهم مليئة بلحوم الطير والغزلان وقوارير الخمر المعتق وكنائسهم تتمتع بالدخل الوفير من الأوقاف الشاسعة…” وقام بترجمة التوارة إلى اللغة الأنجليزية حتى يعلم الناس أن الكنيسة إنما كانت تبتزهم وتستغلهم أفحش استغلال وهي بعيدة كل البعد عما يدعو إليه الدين المسيحي من خلال ما فيه من نصوص وأحكام. ولينتزع من الباباوات والقساوسة والكرادلة والأساقفة احتكارهم لقراءة الكتاب المقدس وفهمه على النحو الذي يخدم أغراضهم الخاصة. وليعط الفرصة لكل من يريد أن يكون له عليه اطلاع مباشر الإطلاع عليه وفهمه. ثم يأتي بعده الألماني فولفاش فالقس جون هيس وكانوا كلهم من ذوي المراتب الدينية والذين كانوا يدعون إلى إصلاح الكنيسة واحترام الدين والإنضباط له، وإلزام كل الناس بعدم مخالفته. وكان كل هؤلاء الرجال الذين هم رجال دين قد قاموا بما يدعوهم إليه الواجب لإصلاح ما حل بالكنيسة من مفاسد بفعل رجال الدين نفوذهم الروحي والأدبي فيها، فتم رميهم بالهرطقة وعاشوا بين الإضطهاد والملاحقة والمصادرة والحرق … إلى أن جاء المصلح الألماني مارتن لوثر الذي ترجم العهد الجديد للألمانية سنة 1520 وقد “عرف مارتن لوثر أن رجال الكنيسة يرشون ويرتشون ويعاقرون الخمر وأن لهم رغم عزوبتهم أبناء وأن أديرتهم مباءات شرور ورذيلة ترتكب فيها كل الكبائر” ثم جان كلفن السويسري سنة 1536(1). وكانت حركة إصلاح ديني متواصلة على امتداد ستة قرون تقريبا انتهت بالنهضة الأوروبية وعصر التنوير.
وحين يرفع التغريبيون الدخلاء ضحايا الغزو الفكري في بلاد العرب والمسلمين عاقرتهم ليقولوا أن حركة الإصلاح في أوروبا كانت بمبادرة مبكرة من رجال الدين لتنسب إليهم الأصول الفكرية والثقافية للحضارة والمناهج الغربية المعاصرة، ولكن الأمر ليس في الحقيقة كذلك تماما، لأن رجال الدين المشار إليهم إنما كانوا يدعون إلى عودة للأصول المسيحية الصحيحة التي علموا أن الكنيسة انحرفت عنها، وبعدت الشقة بفعلها بينها وبينها كثيرا “وإذا أخذنا من اعتبروا مصلحين في داخل الكنيسة الكاتوليكية دون الخروج عليها كاليسوعيين فالآباء الدومينيكان واتجاهات الرهبانيات المماثلة نلحظ أنهم جميعا ركزوا دعوتهم على العودة إلى أصول الكنيسة الأولى والإقتداء بالسلف الأول من بناة الكنيسة المشهورين وإخلاصهم ونشاطيتهم ونزاهتهم وابتعادهم عن الغرق في المكاسب الدنيوية “(2)
وانطلاقا من هذا المعنى ولهذه الإعتبارات، يصبح أي فهم لأي جهة كانت مخالف لفهم السلطة للإسلام كالذي كان عليه فهم الكنيسة للمسيحية من القرن الحادي عشر إلى القرن السادس عشر، أو لما تعتبره
ـــــــــــــــــــــــــــ
(1) ردود على أطروحات علمانية – منير شفيق.
(2) نفس المصدر.
فهما للإسلام، لاغيا وغير مقبول. ولا يمكن اعتبار من يدعون ذلك إلا مخالفين لما يجب أن يكون عليه أمر هذا الدين. وأنهم إنما يمثلون التشدد والتطرف والتعصب والماضوية. والحقيقة أنه إذا كان هناك من فهم منحرف للإسلام في بلاد العرب والمسلمين، فهو ذاك الذي تعتبره الأنظمة الفاسدة فيها بما فيها تلك
التقليدية المحسوبة منها على الإسلام فهما صحيحا له. وهو الفهم الذي يتفق تماما مع الفهم الكنسي للمسيحية تقريبا. وإذا كان خطأ الكنيسة أنها خلطت تعاليم الدين المسيحي بالنظام المدني الروماني السابق لها منذ حكم الإمبراطور قسطنطين الذي جمع لأول مرة بين السلطة الدينية الروحية والسلطة المدنية الزمنية بعد الإعتراف بالديانة المسيحية وجعل حد لاضطهاد المؤمنين بها، وبمرور الزمن وقد تطورت الكنيسة حتى أصبح لها النفوذ المطلق والحكم المطلق واستشرى فيها الفساد أصبحت تمعن في اضطهاد المنادين بالإصلاح والداعين إليه من العقلانيين والعلماء والمنادين بالرجوع في ما انتهى إليه قسطنطين من قبل في الجمع بين الدين والسياسة في النظام السياسي للإمبراطورية الرومانية وضرورة إعادة الأمور إلى نصابها وفق تعاليم الدين المسيحي الصريحة والواضحة في الإنجيل بإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فإن جريمة النظام السياسي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، أنها جاءت معتدية على نظام الشورى الإسلامي الأصيل ولاغية ومتنكرة ومحرفة له ومنحرفة عنه، تماما كما أفسدت الكنيسة الدين المسيحي والنظام السياسي معا، وقبلت بدلا منه فرض النظام العلماني التكفيري الدخيل وهو السابق له، بخلاف ما كان عليه الأمر في العهد الروماني في ما يتعلق بأسبقية النظام المدني على الدين المسيحي، وأخذت تمعن في اضطهاد المنادين بالإصلاح من العلماء والمفكرين في الحركة الإسلامية وخارجها، والداعين لإعادة الأمور إلى نصابها، والتي لا تكون كما جاء ذلك واضحا تمام الوضوح في القرآن الكريم وسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه وآله وصحبه وسلم إلا باستعادة العمل بنظام الشورى الإسلامي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، تماما كما كانت الكنيسة تفعل بالمنادين بالإصلاح وبإعادة الأمور إلى نصابها والتي لا تكون كذلك إلا بإعطاء ما لقيصر
لقيصر وما لله لله كما كان ذلك واضحا في الإنجيل. فإذا كانت حركة الإصلاح في الغرب قد قادها رجال دين وعلماء ومفكرون، ضد نظام الكنيسة الذي أفسد الدين والنظام المدني، دفاعا عن الدين وعن السياسة ليأخذ الدين مكانه وتكون له مكانته ولتأخذ السياسة طريقها إلى الشأن العام وتكون لها ميادينها وساحاتها وفضاءاتها واهتماماتها، فإن حركة الإصلاح في بلاد العرب والمسلمين يقودها علماء ومثقفون ومفكرون ضد العلمانية والملك العضوض الذي يمثله نظام الوراثة المحسوب على الإسلام، الذين أفسدا الدين والحياة المدنية، دفاعا منهم عن الدين وعن نظام الحكم الصالح الذي لا يكون إلا نظام الشورى الإسلامي الذي يجمع بين الجانب الروحي والتربوي والأخلاقي للإسلام وبين الجانب المدني بما للحياة المدنية للشعوب في أوطانها من معنى.
وبما أنه ليس ثمة في فهمها وعرفها وواقعها السياسي الإستبدادي جريمة أشد من مطالبة الأفراد والجماعات بالتمتع بحقهم في مزاولة نشاطاتهم السياسية خارج الأطر الرسمية، فإنه لا مناص من اعتبار من يخرج عن الفهم الرسمي التقليدي والعلماني الغربي خارجا عن المألوف، وأن ذلك لا يقع إلا لأغراض سياسية لم يجد الطامحون إليها من طريق سوى طريق التستر بالدين، انطلاقا من القاعدة الفكرية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية التي تقوم عليها الحضارة الغربية، والقائلة بأن الغاية تبرر الوسيلة مطلقا، والتي لا يتقنها ولا يعمل بها بصغتها تلك في الحقيقة إلا العلمانيون. والإستثناء أن يحصل خلاف ذلك ويتم القبول به بخصوص بعض الحالات المحدودة وفي ظروف خاصة وبحق بعض الناس والمجموعات أو الفئات الخاصة، وتلك من الحالات التي لا ترى فيها هذه الأنظمة حرجا من إمكانية الإستفادة من الدين أو من الأوضاع الإجتماعية أو الظروف الإقتصادية أو الأحوال السياسية أو الإعتبارات الثقافية والعرقية والتاريخية، أو المناخات الطبيعية أو المواقع الجغرافية أو الحقائق العلمية.
وكان على المتغربين أن يعوا ذلك جيدا وأن يعلموه وهم يعلمونه وأن يقبلوا به. وكان عليهم أن يسمحوا
لمخالفيهم عموما بذلك في كل الظروف وفي كل الأحوال، وإن كانوا في المعارضة الإسلامية بل وخاصة حين يكونوا في المعارضة الإسلامية، وباعتماد نفس الأساليب في الوجود والتواجد. وأن يستفيدوا من نفس القواعد التي يعتبرونها علمية باعتبار صدورها عن العقل الغربي ووجودها في الفكر الغربي وفي الثقافية الغربية بمختلف معسكريه الشرقي والغربي. فلماذا يقيمون الدنيا ولا يقعدونها لمجرد عمل خصومهم ومعارضيهم بقاعدة يعتبرونها هم علمية وجائزة في فكر الفرنجة الذي اتخذوه سبيلا، وفي الثقافة الصليبية والصهيونية العالمية والماركسية الملحدة التي اتخذوها ثقافة واعتمدوها منهجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا؟
فما المانع من الإستفادة من الدين حين يكون من المفيد الإستفادة منه في مناخات الصراع الثقافي والسياسي والإجتماعي والإقتصادي والإعلامي والعلمي والحضاري؟
وإذا كانوا لا يستطيعون أن يستفيدوا من هذا البعد الروحي والعامل الثقافي والحضاري فبأي حق يمنعوا غيرهم من الإستفادة من ذلك حتى حين يكون الأمر أمر تستر بالدين كما يدعون وكما يزعمون، وإن كان ذلك على خلاف ما تفهمه وما تقوم به المعارضة في الحركة الإسلامية، وعلى خلاف ما تؤكده النصوص القرآنية والسنية القطعية الورود والدلالة؟
فلم يكن الدين أي الإسلام مجرد وسيلة لبلوغ غاية، ولكنه في الطرح الإسلامي وفي الرؤية الإسلامية هو المنهج الكامل الذي منه تستمد المعارضة الإسلامية فهما للدين نفسه وللسياسة والإقتصاد والإجتماع والثقافة وكل ما له علاقة بالإنسان والكون والحياة. فهم جادون في الفهم والطرح وليسوا متأولين في غير موقع تأويل. وليسوا متسترين بالدين كما هو الشأن في النظام السياسي العلماني في العالم الإسلامي والمنطقة العربية بصفة خاصة. صحيح أن شعار التستر جاء في مرحلة كان الخلاف السياسي فيها جريمة لا تغتفر. وكان النظام العربي الهجين يعتبر أن الحديث في الإسلام قد أصبح مدخلا لبعض المغامرين ليتسللوا من خلاله للساحة السياسية التي لا تتسع إلا لفئة ضيقة مدعومة من الخارج وبالنخبة العلمانية من الداخل ومهددة بنخب علمانية أخرى تبدي بعض المعارضة لها. وحين يتعلق الأمر بالمعارضة الإسلامية تلتقي كل هذه النخب وعلى مساحات مختلفة بعضها من بعض متناسية أو ناسية أو متجاوزة كل خلافاتها أو بعضها انطلاقا من وحدة المرجعية على ما بين المرجعية الشرقية والغربية من اختلاف يصل إلى حد التناقض في كثير من الأحيان لمساندة بعضها بعضا ومؤازرة بعضها بعضا سرا أو علانية تصريحا أو تلميحا. ويصبح التوجه بالخطاب إلى الجماهير من باب توضيح الصورة لها وكشفا لهؤلاء الخصوم الأعداء اللذين بحسب الفهم الذي تقدموا لها به للدين وكما تلقوه من معلميهم الغزاة الغربيين الصليبيين الإستعماريين والصهاينة العنصريين المجرمين ليس لهم من أمر الدين الذي يتكلمون به ويتحدثون عنه من شيء. وليسوا من التدين الذي يزعم البعض منهم أنهم عليه كذلك في شيء. وليس ذلك إلا قناعا يخدعونها به ليحققوا به من الأغراض السياسية من خلال تأديتهم له وتوجههم لها به ما لا يمكن أن يتحقق لهم بدون ذلك وبعيدا عنه.
هكذا كان الخطاب العلماني في العالم العربي والإسلامي. وهكذا كانت الثقافة العلمانية الغربية اليهودية التي هي في الحقيقة وإن كانت ثقافة ديمقراطية في الغرب إلا أنها كانت ثقافة استبدادية عدوانية عنصرية استعمارية في أوطان وعوالم المستضعفين إذا ما استثنينا الثقافة الشرقية الموغلة في الماضوية بالدعوة لاعتماد العنف الثوري ودكتاتورية الطبقة العاملة (اليروليتاريا) ومصادرة أي حرية من الحريات الفردية أو الجماعية الأساسية أو الذاتية وسائل للعودة بالإنسان إلى فترة المرحلة الأولى من تاريخ البشرية على حد التقسيم الماركسي للتاريخ، باعتبارها المرحلة التي لم يعرف بعدها الإنسان ظروفا أكثر عدلا ومساواة، وهي مرحلة المشاعية الأولى على حد قول المفكر والفيلسوف الكبير اليهودي كارل ماركس.
هكذا كان التعاطي مع هذه الثقافة الغربية التي هي كما سبق أن قلنا أنها في النظام العربي والإسلامي وعند النخبة العربية الإسلامية المتغربة ثقافة ديمقراطية.
ولذلك كانت الأنظمة المستبدة استنادا إلى ما أصبح سائدا من ثقافة شرقية أو غربية كان لليهود والصهاينة دور هام وكبير في التأسيس لها في إطار البحث عن وضع أفضل لليهود في العالم، تعتبر محاربتها للصحوة الإسلامية التي أصبحت معارضة حقيقة محرجة، حماية للدين على حد زعمها من عبث العابثين، وقطعا لدابر التطرف والغلو والتعصب واستغلال الدين في ما ليس منه. وتمثيلا منها لإسلام التسامح والإعتدال والتطور والمعاصرة مقابل إسلام التشدد والتطرف والأصولية والماضوية الذي ليس هو في نظرها وفي الحقيقة التي تراها والتي تريد أن تقنع بها نفسها وأوليائها والرأي العام الشعبي، ولكنه اعتداء على الإسلام نفسه. فلا غرابة إذن من أن تجابه الصحوة الإسلامية المعاصرة ممثلة في تياراتها وفصائلها المختلفة باختلاف أفهامها له والتي يجيزها لها الإسلام نفسه بتهمة “التستر بالدين” وإقحامه في عالم السياسة الذي يعتبره من هم على آثار الغرب مهتدون لا علاقة له بالإسلام ولا علاقة للإسلام به انطلاقا من فهم الغرب للدين تارة وانطلاقا من فهم من يعتبرون أنفسهم من خلال السلطة الممثلين الحقيقيين للإسلام. وما كانت سياساتهم وتشريعاتهم التي ينظمون على أساسها حياة الشعوب إلا فهما للإسلام مأخوذا فيه بعين الإعتبار الجمع والتوفيق بين الأصالة والمعاصرة تارة، والجمع بين ثوابت الدين ومتغيرات الحياة المعاصرة تارة أخرى. ولقد تقلبت النخبة العربية والإسلامية سواء داخل الأنظمة أو خارجها في تحديد موقفها وموضعها من الإسلام أمام ضغط وحرج المعارضة الإسلامية، بين اعتباره رجعية وماضوية وتخلفا وقروسطية يجب محاربته في كل مظاهره ومضامينه، وبين تبنيه بطريقتها وبأساليبها وبمناهجها وبآلياتها ومحاولة تأصيل نفسها فيه واستمداد شرعية أفضل لها منه. ويلاحظ باعتبار مقتضيات المرحلة التاريخية الراهنة أن هناك تهافتا من طرف الكثير من الأنظمة والنخب إن لم نقل كلها أو جلها نحو محاولة تأصيل نفسها في الإسلام على نحو يبقي عليها قريبة منه ويتحقق به لها الكثير من المصالح التي لم يعد ممكنا تحقيقها لها إلا من خلال ذلك القرب، ويرضي عنها الأطراف الدولية الداعمة لها مقابل رعايتها لمصالحها في ظل وجود معارضة إسلامية حقيقية جادة تعتبرها كل هذه الجهات والأطراف والقوى الداخلية والخارجية تمثل خطرا حقيقيا عليها وعلى مصالحها بحكم قدرتها على كسب تأييد الجماهير لها وتعاطفها معها.
إلا أن هذه الأنظمة لم تستطع في الحقيقة رغم كل ذلك أن توفق بين الرأي العام الشعبي والجماهير في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين عموما، والتي وجدت ضالتها في الصحوة الإسلامية واكتشفت فيها ذاتها الضالة والضائعة عقودا من الزمن، وهي تعيش فصاما نكدا بين هويتها الدينية والثقافية والحضارية واللغوية والتاريخية والتراثية وواقعها، وبين الرأي العام الغربي الذي لا تحضى بالقبول عنده والترحاب بها لديه إلا حين يراها تسير وراءه وتقتفي أثره، ملتزمة بمفاهيمه وعاملة بتوصياته ونازلة عند شروطه. فلم تجد بدا من انتهاج سياسة خطاب مزدوج بل متعدد يتحدث للرأي العام الشعبي في المنطقة العربية كلها وفي بلاد العالم الإسلامي بلغة الوطنية والقومية والإسلام، ويخاطب الرأي العام الغربي بلغة المعاصرة والحداثة والإنفتاح والعلمانية.
ولنا في تاريخ تونس المبكر أمثلة على وجهتي نظر كبرى وأساسية كانتا تتقاسمان الساحة السياسية والثقافية في ذلك الوقت الذي كانت فيه البلاد رازحة تحت نير الإحتلال الفرنسي.
“فالحزب الدستوري الجديد ظهر مزدوج الشخصية. فهو غربي ديمقراطي أمام الغربيين. وهو إسلامي كاره للأجانب أمام العرب والمسلمين وإن كان يحدث الشعب التونسي باللغة التي يفهمها وبالعبارات التي تدغدغ مشاعره فإنه في الحقيقة كان مخلصا لأفكاره الغربية”
“أما الحزب الدستوري القديم فإنه لم يكن يجيد إلا لغة واحدة وهي كراهية الإستعمار وعدم الثقة في الغرب والتطلع إلى ربط تونس بالوحدة العربية الإسلامية ومنها الخلافة الإسلامية”.
وكان تباين وجهات النظر تلك بخصوص استقلال البلاد على النحو التالي:”فالإستقلال الذي يريده بورقيبة هو استقلال تونس الذاتي تستمد فيه فلسفتها ومبادئها الحضارية من الجمهورية الفرنسية” “كما بين بورقيبة سياسة الحزب الدستوري الجديد ومثلها في المطالبة بالحقوق والحريات العامة ونظام سياسي واقتصادي قوامه المساواة والعدالة على أن هذا النظام طال الزمن أو قصر سيزيد فرنسا قوة ومتانة بقدر ما يكون الشعب التونسي قويا مرتبطا بالأمة الفرنسية عن طيب خاطر لما بينه وبينها من التضامن الذي لا ينكره أحد وأكد في الأخير على أن الشعب التونسي لا يكن لفرنسا أي إحساس عدواني”.
“أما الإستقلال الذي يريده الحزب الدستوري القديم فهو استقلال كامل في معانيه الحضارية الشاملة”.(1)
أما الحركة الإسلامية وإن كانت لا تتمتع بالوضوح المطلوب في كل القضايا والمفاهيم باعتبار الظروف الأمنية والسياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية الصعبة، وباعتبار العراقيل والعوائق والمشاكل الكثيرة التي تعاني منها على امتداد عقود من الزمن، إلا أنها رغم كل ذلك تتمتع بحد أدنى من الوضوح
في جملة من القضايا الجوهرية في الإسلام مقارنة بما هي عليه الحال بالنسبة لمختلف الأنظمة في البلاد العربية والإسلامية. ورغم كل النقائص التي هي مدركة لها والتي تجد مبرراتها في الحصار والنفي والتهميش والإقصاء والمصادرة والقتل والسجن والتجويع والمصادرة والإستئصال، وافتقادها للتجربة من خلال السلطة، وإن وجدت بعض المحاولات، إلا أنها لم تأخذ من الوقت ما يكفي لإثبات قدرتها على تجاوز المصاعب المختلفة التي أوجدتها غيرها من القوى العلمانية السابقة لها في الحكم، والتي لم تكتف
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الحزب الحر الدستوري التونسي – يوسف مناصرية.
بتسجيل فشل ذريع في تخطيها فحسب ولكن زادتها تعقيدا، وعلى حل المشاكل المتزايدة في التراكم والإستفحال بحكم ما هي عليه من إنهاك وهدر لقدراتها المختلفة في إطار ما تعانيه دائما من مجابهة أمنية أو مسلحة يدعم فيها الخارج الأجنبي الداخل الأهلي وما هي مستهدفة إليه من استئصال، وبحكم التركات الثقيلة التي ورثتها عن أنظمة الإستبداد السابقة لها، وبحكم استمرار الضغوطات المختلفة،
وتسليط العقوبات عليها من طرف القوى الدولية الغربية والصهيونية وحلفائها من أنظمة دول الكثير إن لم يكن كل أوطان العالمين العربي والإسلامي، والقوى الداخلية المرتبطة بها والمتعاونة معها.
ورغم كل هذه الأوضاع السيئة والظروف الصعبة إلا أنها تبقى في النهاية أكثر وضوحا من أي جهة من الجهات الداخلية التي تزاول نشاطاتها السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية سواء من خلال ممارسة السلطة أو من خلال المشاركة فيها أو من خلال المعارضة باعتبار أن هذه القوى جميعا قد اكتفت بما ورثته عن الغزاة والمحتلين الغربيين لأوطاننا من مضامين ومفاهيم وتصورات وبرامج وحلول ومناهج، وظلت متمسكة بها ومدافعة عنها وشاهرة لها في وجه المعارضة الإسلامية باعتبارها أكثر وضوحا ودقة وعقلانية وعلمية وموضوعية. وإن الإسلاميين وحدهم هم الذين لا يملكون برامج وليس لهم أي وضوح في أي من القضايا الكبرى المعاصرة التي تواجهها شعوب الأمة. وببلوغ هذه الصورة حدا من الوضوح لدى الرأي العام الشعبي ظلت تهمة “التستر بالدين” والإساءة إليه ذات نتائج سلبية على الأنظمة، وكلفتها خسائر سياسية كبيرة، في الوقت الذي كانت لها انعكاسات إيجابية على الحركة الإسلامية زادت من تأييد الجماهير لها والتفافها حول قياداتها ورموزها والإنتظام فيها والتعاطف معها ومساندتها، لأنها أصبحت تعلم علم اليقين، بحكم علاقتها المباشرة بها، أن كل الذين تقع الإشارة إليهم من قبل الأنظمة ورموزها والمؤيدين لها والدائرين في فلكها على أنهم إنما يتسترون بالإسلام لغايات سياسية كما يحلوا للمرجفين أن يقولوا، هم من المتدينين حقا. ولا يشك أحد عرفهم ورآهم وأتيحت له فرصة الإستماع لهم أو سماع خطابهم في صدقهم وإخلاصهم لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم ولشعوبهم ولأوطانهم ولأمتهم وللإنسان عموما.
وأما ما يقال من أن الحركة الإسلامية المعاصرة بمختلف تياراتها وتنظيماتها واتجاهاتها الفكرية إنما تسعى لتحقيق أهداف ومكاسب سياسية من خلال الدعوة للإسلام وتذكير جماهير شعوب المسلمين به، فإن ذلك الذي يقال قد يكون مستساغا عند أولئك الذين يفرقون بين جوهرين متلازمين على غرار ما وفدت به علينا الثقافة الغربية والفكر الغربي، وهما الدين والسياسة، وذلك ما لم يأتي القرآن فاصلا بينهما، ولم يأت داعيا إلى الفصل بينهما، بل بالعكس من ذلك تماما فقد جاء القرآن الكريم وسنة النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم مؤكدين على ضرورة تلازمهما وفيهما دعوة إلى ضرورة الإبقاء على هذا التلازم الذي لا يبقي على حد فاصل بين شيء اسمه الدين وآخر اسمه السياسة.
وأما الدعاة إلى الله والمجاهدون والناشطون في الحقل الإسلامي فهم مؤمنون بذلك إيمانهم بالله، وليسوا مستعدين للتفريق بين ما لم يفرق الله ورسوله بينهما، ولا حرج عندهم في ذلك. وليست السياسة عندهم إلا أحد المقاصد. وهي من المقاصد الهامة والأساسية التي يجب السعي إلى تحقيقها. وهي حق أوجب الله على المسلمين القيام به وإقامته والعمل على استعادته كلما اغتصب منهم كغيره من الحقوق. وليس ثمة تعبير أوضح عن ذلك كالذي جاءت الآية الكريمة والكثير غيرها من الآيات معبرة عنه في قوله تعالى:”اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون”(1). وإن ذلك لا يعدوا أن يكون كذلك، أكثر من موقف متعجل أطلقه المتسللون إلى دوائر القرار السياسي والمستفيدون من غفلة جماهير الشعوب العربية والإسلامية، والمسيطرون على الأوضاع السياسية والإقتصادية والإجتماعية والثقافية:
– من خلال الفهم الغربي للدين المسيحي الكنسي الذي صيغ صياغة بدا من خلالها منطبقا على كل دين
من الأديان، وذلك ما لا ينطبق على الدين الإسلامي أولا.
– ومن خلال الطبيعة الإستبدادية للأنظمة السياسية، والطبيعة التغريبية والتقليدية للتيارات الفكرية الداعمة لها ثانيا.
– ومن خلال مصادرة الرأي الآخر ومنع المشاركة السياسية من خارج الأطر الرسمية ثالثا.
– ومن خلال شعورها بانكشاف حقيقة طبيعتها المعادية للفهم الإسلامي للإسلام، سواء من خلال التيار
ـــــــــــــــــــــــ
(1) الأعراف: 3 .
التقليدي العدمي الإسلامي أو من خلال التيار العلماني التغريبي العبثي التكفيري وسدورها في تنفيذ الخطة الغربية القاضية بالإستمرار في تعميق الهوة وإحلال القطيعة بين المسلمين والإسلام، وإحداث أكثر ما يمكن من الإنقسامات الإجتماعية في شعب الوطن الواحد من كافة أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين لما يعتقد أنه يمثله عليهم من خطر رابعا.
فقد كانت الحركة الإسلامية المعاصرة الإطلالة التي انكشف بها زيف الأنظمة السياسية العلمانية والتقليدية الواقعة تحت تأثير قوى الهيمنة الدولية والغرب عموما على حد سوى. ولم تكن المسافة التي تفصلها عن الكيانات العلمانية طويلة. وهي التي فضحت أطروحات الدجل والنفاق وخطاب الإستهتار بالقيم الروحية وبالأسس الفكرية والثقافية والجذور الحضارية للشعوب الإسلامية وبالدور الريادي للأمة الإسلامية في البناء الحضاري الإنساني وسياسة الإستخفاف التي دأبت الأنظمة السلطوية على إخضاع جماهير الأمة كلها لها.
السياسة بين العبادة في النظام الإسلامي والعادة في غيره من المناهج والأنظمة:
وانطلاقا من هذين الطبيعتين المتناقضتين للقطبين المتصارعين في الساحة السياسية والفكرية والثقافية والإقتصادية والإجتماعية، وانطلاقا من الإختلاف الحاصل بينهما في كثير من المفاهيم التي يأتي على رأسها مفهومي كل من الدين والسياسة، والعلاقة التي يجب أن تظل تحكمهما، وهو اختلاف راجع إلى اختلاف المنطلق الثقافي الإسلامي الذي تنطلق منه الحركة الإسلامية وتؤسس عليه مفاهيمها وأطروحاتها ورؤاها للواقع السياسي والإجتماعي والثقافي والإقتصادي المعاصر، والمنطلق الثقافي الإسلامي التقليدي والغربي العلماني الذي تسلم فيه هذه الأطراف بالمفاهيم والأطروحات والرؤى الغربية للواقع السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي مع بعض الإختلاف أحيانا في بعض المسائل بين هذين الطرفين. فمن هذين المنطلقين كان موقف كل من هذين الحليفين المختلفين المتقاربين موقفا متسرعا يعكس حالة الإرتباك التي وجدا نفسيهما يعيشانها، والتي تتطلب منهما مزيدا من الوضوح في علاقتهما بالأصالة وهوية الأمة. فلم يجدا بدا من الإسراع برشق خصومهما الحقيقيين بالتهم وبما يعتبر في قاموسهما جرائم لا تغتفر. ويأتي على رأس ذلك جريمة تأكيد الإسلاميين على أنه لا عداء في الإسلام بين الدين والسياسة. ولا يستطيع أحد بالغ ما بلغ من العلم، أن يوفق في ضبط الحد الفاصل بين ما يمكن اعتباره دينا وما يمكن اعتباره سياسية في الإسلام، خلافا لما هي عليه الحال في كل ما تبقى من الأديان بحكم طبيعتها البشرية والتحريفية. وإذا كان لابد من إخضاع كل من الإسلام والسياسة أحدهما إلى الآخر فإننا نستطيع القول: إنه إذا كان لا يمكن علميا إخضاع الأصل إلى الفرع، وإذا سلمنا بأن ذلك قد بات في حكم الإستحالة، فإنه لا مناص من إخضاع السياسية باعتبارها في الإسلام فرعا إلى الدين حين يكون إسلاما باعتباره أصلا، وباعتبارها جزءا منه، وباعتباره متضمنا لها وليست متضمنة له ولا يصح العكس إطلاقا، استنادا إلى استحالة خضوع وإخضاع الأصل إلى الفرع. ذلك أن السياسة بالمعنى التقليدي لا تتضمن بعدا دينيا، أي عقائديا روحيا إلا إذا كانت ستتحول هي نفسها إلى دين. وقد تضمن القرآن الكريم هذا المعنى حين وقعت الإشارة إلى القاعدة القانونية التي بالإستناد إليها استطاع يوسف عليه السلام أن يأخذ أخاه بن يمين الذي ألقاه أخوته في غيابات الجب حتى التقطه بعض السيارة وباعوه في مصر بثمن بخس دراهم معدودات وكانوا فيه من الزاهدين. وما كان ليكون له ذلك لولا اعتماده على قانون آل يعقوب في معاقبة السارق، والذي يقضي بأخذ السارق نفسه حين يقع إثبات السرقة عليه ويوجد المسروق عنده. ذلك أن يوسف عليه السلام كان يعلم أن القانون المصري في النظام السياسي المصري في ذلك الوقت لا يجيز له أخذ أخيه فوضع السقاية في رحله. ولذلك جاء قول الله سبحانه وتعالى في اعتبار النظام السياسي المصري في ذلك الوقت دينا حيث قال: “…كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك إلا أن يشاء الله…”(1) وسمى ذلك دين الملك في حين أن “الدين عند الله الإسلام” وهي الحالة التي يعتبر فيها النظام السياسي دينا، وذلك ما يجعل من السياسة دينا. وإذا كانت السياسة التقليدية الوضعية من المنظور الإلهي دينا، فكيف لا يكون الدين الإلهي سياسة شرعية، أو فكيف لا يكون فيه على الأقل سياسة ؟
فإخضاع السياسة للدين في الإسلام هو الأصل سواء بإخضاعها لمقاييس الإسلام وثوابته وأصوله إذا كانت علمانية أو لائكية أو مسيحية كنسية أو توراتية يهودية أو غيرها مما هو وضعي إنساني أرضي
ــــــــــــــــــــــ
(1) يوسف:76 .
أو أسطوري خرافي وهمي أو سماوي محرف، أو كانت عقلانية اجتهادية انتقائية أو إنشائية إسلامية شرعية. ويعتبر الخروج عن ذلك شذوذا حين يكون هناك من يفكر في إخضاع الدين الإسلامي للسياسة وأي سياسة ؟
ذلك أن للإسلام معنى للسياسة يختلف عن أي معنى آخر يمكن أن يتضمنه أي دين آخر أو يمكن أن
يجود به أي عقل. وبذلك يمكننا القول أن إخضاع السياسة للدين حين يكون هذا الدين هو الدين الإسلامي كفيل بالإبقاء على السياسة والدين معا لما بينهما من تلازم، بل باعتبار السياسة جزءا منه ومنشطا من مناشطه. أما إخضاع الدين للسياسة أو فصله عنها بما يعني فصله عن الحياة فهو في ثقافة الإسلام وفي عقيدة وشريعة الإسلام إلغاء للدين وإفساد للسياسة.
إن الإصرار على الفصل بينهما أي بين الفرع وأصله وبين الأصل وفرعه يرتقي إلى مستوى إلغاء هذا الدين جملة وتفصيلا. وإنه لا دين بدون سياسة ولا سياسة بدون دين في الإسلام. ولأن الدين في الإسلام سياسة والسياسة فيه دين. وهو الذي إذا كانت السياسة في غيره من الأديان والمناهج والأنظمة والتصورات عادة فهي فيه عبادة. وهو الدين الذي لا معنى ولا قيمة للسياسة فيه بدون بعدها الغيبي والعقائدي الشعائري، والذي لا قيمة ولا معنى فيه لعالم الغيب ولا للعقيدة ولا للشعائر التعبدية فردية كانت أو جماعية بدون السياسية التي هي السياسة الشرعية فيه، خلافا لما هي عليه الحال في ما ظلت هذه الأنظمة دائمة عليه عقودا من الزمن من تأكيد على أن الدين والسياسة طريقان مختلفان ،بحكم طبيعة كل منهما في ما يمكن اعتباره عندهم دينا وما يمكن اعتباره سياسة. وقد وضعت حدودا فاصلة بين هذا وذاك بحيث لا ينبغي أن تكون بينهما علاقة، باعتبار أنه لا ينبغي أن تكون العناية في الدين في قاموسهم الذي هو قاموس غربي استعماري صليبي صهيويهودي إلا بتحديد العلاقة بين الإنسان وربه في الدنيا والنظر في كيفية تنظيم حياة الإنسان أخلاقيا وروحيا في علاقته بالإنسان والطبيعة عموما. في حين أن تنظيم الشأن العام اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وإداريا يبقى مجال عمل السياسة التي لا علاقة لها بالمقدس وهي التي يكون التلازم الدائم فيها والإهتمام بكل دقائق استحقاقات الأفراد والجماعات حيث لا مكان في ذلك إلا للعقل والعقل وحده وحيث لا مكان ولا دور للدين في ذلك لا من بعيد ولا من قريب. وباشتداد الخصومة بين الحركة العلمانية اللائكية ممثلة في التيارات الفكرية والقوى السياسية والأنظمة الشمولية الإستبدادية القهرية والإسلام ممثلا في أجلى صوره وأكملها حاضرا في الصحوة الإسلامية المعاصرة قد بدا واضحا أن المتسترين بالدين فعلا هم أولئك الذين لا علاقة لهم بكتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. أولئك الذين لا يقرأونهما ولا يفهمونهما ولا يريدون ذلك. ويعتبرون أنه لا مصلحة لهم في ذلك. وأن ذلك من المسائل الشخصية التي لكل فرد مطلق الحرية في فعله أو تركه. وهم أولئك الذين لا يكادون يفقهون شيئا منهما. والذين لا يأتمرون بأمر منهما ولا ينتهون عن أمر بنهي منهما. ولا هم يحرمون شيئا مما جاءا محرمان له، ولا يحلون شيئا من ذلك إلا بعض ما دخل في حكم العادة والعرف والتقاليد مما لا فضل لهم في إيجاده ولا قدرة لهم على إزالته، وإن كانوا لم يألوا جهدا في الحقيقة لإزالة بعض ما كانوا يريدون إزالته وإبطال بعض ما كانوا يريدون عن اقتناع منهم إبطاله، كمصادرة المحاكم الشرعية في أكثر البلدان العربية والإسلامية إن لم يكن ذلك فيها كلها وفي فترة من الفترات على الأقل، وحل الأوقاف، وإبطال جباية الزكاة، والدعوة إلى إفطار شهر رمضان، والتغاضي عن ظاهرة الإفطار بل ومحاولة تفهم مجاهرة المجاهرين به ودعوة الداعين إليه سرا وعلانية، وإزالة الكثير من المساجد وتحويلها إلى مرافق عامة ومراكز ذات أغراض مختلفة. وكان ذلك في إطار التوجه الإستعماري الصهيوني سواء بصفة مباشرة أو عن طريق وكلائهم في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين لإنهاء العمل بالنظام الإسلامي واستكمال شروط فرض النظام العلماني التكفيري.
كان كل ذلك وغيره يتم في ظل الأنظمة السياسية ذات التوجه العلماني والطغم المثقفة ثقافة الغزاة الغربيين والصهاينة اليهود. وكان كل ذلك يتم كذلك وبصورة أقل قتامة في ظل الأنظمة التقليدية ذات النزعة الإسلامية التقليدية ورموز الثقافة التقليدية التي لا يكاد يرى لهم تأثيرا على مجريات الحياة اليومية للمجتمع إلا ما كان في جل أوطان شعوب الأمة من تزكية مفاسد الحكام الظلمة والمستبدين وإضفاء شرعية عليها وعلى كل ما لا شرعية إسلامية له في سياساتهم وخياراتهم وبرامجهم وأدائهم وعلاقاتهم الداخلية بالمجتمعات والشعوب وبمكوناتها المختلفة والخارجية عربيا وإسلاميا وغربيا وشرقيا. وسلمت بتولي المثقفين العلمانيين التغريبيين التكفيريين تنظيم حياة الشعوب وجماهير الأمة، على أساس من المناهج والبرامج والتصورات والأفكار والقوانين والتشريعات الغربية، مع المحافظة على بعض المؤسسات التقليدية ذات الصبغة “الدينية” بما يعنيه الدين في التصور الغربي من كهنوت وحلول ورهبانية واستغلال وغش وخداع وكذب ونفاق، والتي أوكلت لهم مهمة إدارتها والإشراف عليها بما يلمع صورة الأنظمة الإستبدادية الشمولية الفاسدة علمانية تكفيرية كانت أو تقليدية محسوبة على الإسلام وهي أبعد ما تكون عنه، وبما يبقى لهم من دور هامشي لا فائدة منه للإسلام ولا للمسلمين، وبما يضفي على هذه الأنظمة الإستبدادية من شرعية لا قدرة لها على استمدادها من أي جهة أخرى. إن علاقة مماثلة للأطراف السياسية والثقافية والفكرية التقليدية والعلمانية على حد سوى بالإسلام لا نجد بدا بإحالتها إلى أصولها ومراجعها الثقافية والفكرية والمعرفية من اعتبارها علاقة هدم وإقصاء وإلغاء غير مشروع وغير مبرر. وبما أن الأمر كذلك فهم وحدهم الذين يجدون أنفسهم في حاجة إلى التستر به لأنهم يزاولون أعمالا ومناشط مخالفة وهادمة ومعطلة له عقيدة وشريعة. ويقيمون أوضاعا مخالفة لقيمه وتعاليمه ومبادئه ولثوابته وأصوله وفكره وثقافته، ومؤسسات تنفيذية وتشريعية وقضائية معادية له ولاغية لأحكامه وسننه وأخلاقه. لأنهم وببساطة شديدة يؤمنون بالسياسة ويعتبرون أنها لا يمكن أن تكون إلا عادة وهم يعتقدون أنها أبعد ما تكون عن العبادة. وهي التي حين أوجب الله على المسلمين الحكم بما أنزل ونهاهم على الحكم بغير ذلك إلا ليعبد من خلال ذلك وهو الذي لم يخلق الجن والإنس إلا ليعبدوه وهو الذي أوحى إلى عبده صلى الله عليه وآله وسلم من بين ما أوحى له في ذلك قوله تعالى:”وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون”(1). وهي التي حين تكون عادة فإنها تتحول حتما إلى عبادة ولكن لا ليعبد بها الله سبحانه وتعالى لأنه لا يعبد إلا من خلال ما أمر أن يعبد به من كل ما جاء به الإسلام وإنما ليعبد بها أصحابها ممن يتعاملون معها على أنها عادة ويرفضون أن يتعاملوا معها على أنها عبادة لله ويرفضون ذلك على من يقول به من حيث يعلمون أو لا يعلمون ومن حيث يشعرون أو لا يشعرون ومن حيث يصدون أو لا يقصدون. وبالتركيز والتأكيد على معنى أن السياسة لا تكون إلا عبادة فقد أقاموا من المؤسسات والمنظمات والهياكل والأطر والأوضاع والعلاقات الإجتماعية والسياسية والثقافية والإقتصادية وغيرها ما ييسر لهم مواصلة عمليات إبعاد الإسلام عن أي تأثير في حياة الناس، وعلى أن لا يكون له أي دور في الصراع الذي تخوضه الشعوب الإسلامية من أجل الإستقلال والتحرر والمساواة والمشاركة في البناء الحضاري للعالم.
وهل يلجأ إلى التستر بشيء من أجل تحقيق شيء آخر والوصول إليه من يكون صادقا في توجهه ؟ وهل التستر غير إظهار المرء غير ما يخفي ؟ فمن الصادق في توجهه الإسلامي والسياسي من الإسلاميين والعلمانيين ومن الذي يظهر منهم غير ما يخفي؟
فإذا كان الإسلاميون منضبطون لتعاليم الإسلام وقيمه ومبادئه وأخلاقه وأحكامه وعقيدته وملتزمين بها في حدود ما هم قادرون عليه ومدافعين عنها، ويدعون جماهير الشعوب الإسلامية وغيرها إلى ما لا يخالفونها إلى ما يدعونها إليه، وهم يجاهرون بأفكارهم ودعوتهم المعبرة عن فهمهم للإسلام الذي يدعوهم كما يدعو كل مسلم في أي عصر وفي أي مصر، في أي زمان وفي أي مكان إلى الكف عن القول بأنه بالإمكان الأخذ منه بشيء أو أشياء وترك شيء أو أشياء أخرى قال تعالى:”…أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون”(2).
وقد جاء تحذير الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم عن التنازل لمشركي قريش ولو عن بعض مما أنزل الله إليه في قوله تعالى”…وأحذرهم أن يفتنوك عن بضع ما أنزل الله إليك…”(3). فإن العلمانيين لا تكاد توجد لهم علاقة تذكر بالإسلام اللهم بعض المظاهر المتمثلة في ممارسة بعض الشعائر التعبدية والطقوس عند البعض وفي بعض الأحيان والتي لا تجد لها أثرا في حياتهم ولا في واقع حياة أسرهم والمجتمع الذي يعيشون فيه، وغالبا ما لا يمارسها الواحد منهم إلا في بعض المناسبات كأعياد الميلاد أحيانا أو عيدي الفطر والإضحى أو بمناسبة زيارة بعض المعالم الإسلامية الكبيرة، أو في وقت يخشون فيه على أنفسهم من اهتزاز صورتهم الإسلامية الفاقدين لها في الأصل في أعين الجماهير التي مازال
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الذاريات: 56 .
(2) البقرة: 85 .
(3) المائدة: 49 .
الكثير منها مخدوعا فيهم، والتي حيل ويحال بينها وبين من يكسبهم الإلتقاء بهم والإستماع إليهم وعيا حقيقيا بطبائع الأشياء وحقائقها، وفهما صحيحا للدين والسياسة يرضون ويقتنعون به، وللعلاقة التي يجب أن تكون بينهما، وللساسة والمثقفين العلمانيين الذين يحاولون الظهور في بعض المناسبات في مظهر الورع والتقوى والصلاح والطائعة. وهم لا يفعلون ذلك في الحقيقة إلا رياء أو خداعا ونفاقا
طالما أن الظاهر الذي نحن مدعوون للحكم به يدل على ذلك، باعتبار أننا لا نرى أثرا لذلك الذي يأتونه من التدين على حياتهم وفي واقعهم، بل لا يرى المراقب والمتابع لذلك إلا خلاف ذلك وإن صدقوا. وذلك الذي ليس للإنسان فيه شيء وأمر العباد متروك فيه لخالق العباد. وقد تناقل الناس في فترة حكم اليسار الماركسي والقومي العربي للبلاد من خلال زعيم بقايا اليمين الدستوري الرئيس بن علي قول أحد شيوخ اليسار الماركسي في إجابته لمن توجه له بالسؤال عن إقامته وأدائه الصلاة في بعض المناسبات التي كان لا يستطيع أن لا يلبي فيها الدعوة للحضور مع ولي نعمته بن علي في بعض المساجد وهو شخصية “وطنية” وزعيم أحد أحزاب التسول المكونة والداعمة لنظام تحالف7نوفمبر الرهيب وهو الشيوعي طول حياته والذي من المفروض أنه ملحد لا إيمان له بذلك ولا حاجة له فيه، أنه إنما كان يفعل ذلك باعتبار أن تلك هي عادة من عادات التونسيين. ألم ترى أنهم بذلك إنما”…يخادعون الله وهو خادعهم…”(1) ويخادعون الجماهير والشعوب وما يخدعون في الحقيقة وفي النهاية إلا أنفسهم وما يشعرون. ولا يذهب إلى ذلك إلا البعض منهم بحسب ما تقتضيه المصلحة وبحسب ما تسمح به الظروف. أما السواد الأعظم منهم والملتزمون بالعلمانية التي تمنحهم حق الإختيار في ممارسة بعض الشعائر والتخلي عنها أينما شاؤوا وكيفما شاؤوا ومتى شاؤوا فإنهم لا يفعلون شيئا من ذلك حتى يدركهم الموت وهم على ذلك. يقول تعالى: “…إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين”(2).
وإذا كان الإسلاميون ينطلقون من فهم للإسلام انطلاقا من الإسلام نفسه، وعلى مقتضى ما يدعوهم الإسلام إليه من فهم. فهم لا يرون وليس ممكنا لهم ذلك على ضوء النصوص وعلى ضوء التاريخ وعلى ضوء العقل أن هناك شيئا في الإسلام اسمه الدين وذلك هو الإسلام فقط ،وشيء آخر اسمه السياسة وأشياء أخرى اسمها الإقتصاد والإجتماع والثقافة والعلم منفصل بعضها عن بعض أو متصل بغضها ببعض ولا علاقة له بها. فلا وجود لذلك على ضوء ما تدعونا إليه النصوص القرآنية والسنة النبوية الشريفة والعقل والتاريخ. إذ لا يمكن إلا أن يكون الإسلام جامعا لكل هذه المناشط في تداخل لا يكاد أحد يعلم حدا فاصلا بينها إلا ما كانت تقتضيه ضرورة البحث المنهجي في كل علم من هذه العلوم. فالشمولية أمر توقيفي في الإسلام خلافا لما عليه الأمر في ما عداه من الأديان السماوية الإلهية بما فيها تلك التي تم تحريفها وهي في النهاية وفي نسخها الأصلية عند الله دين واحد هو الإسلام، والأديان الأرضية البشرية المختلقة والمزورة والنحل والأساطير والخرافات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وليس لأحد أن يفهمه على غير ذلك النحو.
فالإسلاميون والعلماء المجاهدون لا يفهمون الإسلام على مقتضى ما يريدون أن يكون فهمهم له، أو على مقتضى ما يزعم بعض العلمانيين أنهم يفهمونه أو يستطيعون فهمه أو يريدون أن يفهموه، أو على مقتضى ما يفهمه الغرب أو ما يريد أن يكون فهم المسلمين له ، ولكنهم يؤمنون أن الفهم يجب أن يكون على النحو والإيحاء الذي جاء الإسلام في شموله مبينا له وداع إليه، والذي جاء الرسول صلى الله عليه وآله وصبحه وسلم مستلهما له ومخبرا عنه وعاملا به.أما العلمانيون الوارثون للغزاة الغربيين ثقافة وسياسة، فهم لا ينطلقون من الإسلام لفهمه أو لفهم أي شيء آخر. بل لم يحاولوا ولا هم سيحاولون ذلك على ما يبدو أصلا، باعتبار أن الأمر محسوم عندهم وليسوا في حاجة لإضاعة الوقت في مراجعة ما تمت مراجعته وانتهى البحث فيه باستفاضة إلى نهايته من طرف أصحاب العقول النيرة وفق أحدث المناهج العلمية . ولم تعد هناك ضرورة تدعوهم إلى ذلك. ولا مصلحة لهم في الإنصراف إلى البحث عن أي فهم آخر للدين عموما وللإسلام خصوصا. وإذا كان لابد، فليس أقل من فعل ذلك على النحو الذي يريدون، بل الذي يراد لهم فعله، باعتبار أن التركة الثقافية التي ورثوها عن الغرب صاحب المبادرة الحضارية لا تسمح لهم، وهم يعتبرون الأمر كذلك، بإعادة النظر في المفاهيم التي ارتضاها
الغربيون الغزاة لأنفسهم، والتي لا يرضون لنا بغيرها ولا يقبلون بإعادة النظر في الكثير منها، أو
ــــــــــــــــــــــــ
(1) النساء: 142 .
(2) غافر: 60 .
تراهم لا يرغبون على الأقل في حدوث ذلك. وإذا كان لابد، فإن ذلك لا يحضى بالرضى من قبلهم. وإذا كان هؤلاء التغريبيون يعتبرون أنه لا ملجأ من الغرب إلا إليه، فإنه ليس أمامهم من سبيل إلا الأخذ منه بحلوه ومره. وأنهم وهم “المسلمون” والذين يحلوا لهم أحيانا أن يعتبروا أنفسهم أكثر إسلاما من الإسلاميين ومن باقي جماهير الشعوب في كل أوطان أمة العرب والمسلمين، قد جعلوا من الأدب
الغربي والفكر الغربي والثقافة الغربية مرجعية لهم، منها ينطلقون وإليها يرجعون. مما جعلهم يصرون على المحافظة على المفاهيم الواردة في القاموس الثقافي الغربي، ولا يقف الأمر عند اقتناعهم بها وحدها فقط، ولكنهم، وقد ارتبطت بها مصالحهم الذاتية أفرادا وجماعات جادون في إقناع كل الناس بها. مصخرين لتحقيق هذا الغرض كل الإمكانات المتاحة وكل الوسائل الممكنة، وعاملين على تهيئة كل الظروف المناسبة لبلوغ ذلك المرام والوصول إلى ذلك الهدف، ولا يعتبرون كل ذلك كافيا لتحقيق ما يريدون من نجاح إذا لم يضعوا خطة أو خططا بحسب ما يتحقق به الغرض ناجحة لمصادرة كل محاولة لفهم الأمور والأشياء والأحوال والأوضاع على غير النحو الذي يفهمونه، واستنادا إلى غير القواميس والمنظومة الفكرية والثقافية التي يستندون إليها.
وانطلاقا من هذه العلاقة بالمرجعية الثقافية والفكرية الغربية، كان فهمهم للإسلام منسجما مع فهم الغرب للدين المسيحي الكنسي البابوي وليس مع معاني الدين التي جاء الإسلام نفسه دالا عليها ومبينا لها والتي من المفروض أن لا يحاكم هذا الدين على مقتضى ما لا يتحمله من معاني ومفاهيم جاء هو نفسه معبرا بوضوح تام عن رفضه لها وعدم انطباقها عليه. وانسجاما مع هذه المرجعية الغربية كذلك جاء فهمهم للسياسة ولعلاقتها بالدين مخالفا لما يجب أن يكون عليه معنى السياسة في الإسلام، وما يجب أن تكون عليه العلاقة بينهما.
فأي معنى لإصرارهم على ضرورة الفصل بين ما يعتبرونه دينا في الإسلام وبين ما يعتبرونه سياسة واقتصادا واجتماعا وثقافة وعلما وعقلا ؟ وهم لا ينطلقون منه هو نفسه في فهم ذلك بل ينطلقون من مرجعية أخرى استمدت مفاهيمها ومعانيها من علاقة دين آخر بالعقل والعلم والمعرفة والكون والحياة والإنسان.
وعن أي عقل وعن أي عقلانية يتحدث هؤلاء المفتونون بما جاءت به عقول مثل عقولهم مما ليس من العلوم الصحيحة في شيء. وهي مما يجب أن تختلف فيه الأفهام بحسب عوامل التاريخ والحضارة وطبائع الشعوب والأقوام والأمم، وبحسب تأثيرات المكان والمناخ والبيئة والثوابت والمستقرات التي من حق كل أمة أن تحافظ عليها، وبحسب القدرات العقلية المختلفة باختلاف الطاقات والقدرات والمواهب إبقاء منها على خصوصياتها وتميزها العرقي والعقائدي والحضاري والتاريخي واللغوي؟
ألا يستطيع هؤلاء أن يكون لهم عقول كما لأولئك عقولا ؟
ألا يستطيع هؤلاء أن تكون لهم مفاهيمهم الخاصة بهم، انطلاقا من الثوابت والمتغيرات، وانطلاقا من هويتهم الحضارية والثقافية والعقائدية، وانطلاقا من مواقعهم الجغرافية وما لمناخها وطقسها وماءها وهوائها وبرها وبحرها وجوها من تأثير على تفكيرهم ومزاجهم وفعلهم وانفعالهم وعلاقاتهم مع بعضهم ومع غيرهم… تحقيقا لذاتهم في إطار الإستقلالية والتميز. وبعيدا عن التبعية والإندماج والذوبان والإلحاق والإنصهار في الآخر؟
أليس من الجريمة والخيانة أعمال المرء معول الهدم في بيته الذي ظل يؤويه قرونا لإقامة مكانه بيتا هو في الأصل لأعدائه باعتبارهم يعادونه، وليس بالضرورة لأنه يناصبهم العدى ؟
أليس من الخور والجنون والسخرية المضي في استنقاص المرء لنفسه والإحتقار لذاته وهو ماض في إعلاء شأن الآخر الذي ليس في الحقيقة في حاجة إلى ذلك منه. بل والذي هو في الحقيقة في حاجة إلى ذلك لنفسه وأمته ووطنه وشعبه، رفعا للتحدي وإثباتا للذات وتصديا للأعداء الذين بدا واضحا انطلاقا من طبيعتهم العدوانية أنهم لا يمكن أن يكونوا يوما أصدقاء وهم في مواقع الفعل الحضاري والتفوق العلمي والتقني والمادي ؟ واللذين وللأسف الشديد قد أصبح ولاء البعض من أبناء شعوب أمة العرب والمسلمين لهم أكثر من ولائهم لشعوبهم وأمتهم وأوطانهم، وعداءهم عن قصد أو عن غير قصد، عن وعي أو عن غير وعي، عن فهم أو عن غير فهم، لشعوب وأوطان أمتهم أكثر من عدائهم لأعدائهم إن كان يمكن الحديث عن وجود أعداء لهم عدى أنفسهم وأمتهم وشعوب أوطانهم.
أليس من الإختلال العقلي والخطإ المنهجي والقصور العلمي أن يقع التعامل مع أي ثقافة أو تراث أو شريعة أو عقيدة أو علم ومعرفة على غير مفاهيمه الخاصة به، وعلى غير المعاني الواردة فيه لكل القضايا الجديرة بتناولها والنظر فيها؟.
وإذا كان لا يستقيم الأمر علميا إلا بالإنطلاق من أي مسألة خلافية أو أي موضوع أو أي منظومة فكرية أو أي إرث حضاري، فإن العلمانيين العرب و”المسلمين” قد وقعوا في خطئ قاتل وفي انحراف كبير وفي منزلق خطير لما لجوا في تناول الكثير من المسائل الخطيرة في الإسلام بالنقاش، غير منطلقين من الإسلام نفسه، ولا من خلال أرضيته وبنيته الفكرية وثوابته العقائدية وإرثه العلمي وغزارة وتنوع عطاء أمته الثقافي. وما أهون أن يقف الأمر عند هذا الحد. ولكن مصدر الخطورة الأكبر أن يقع الانطلاق في النظر إلى القضايا الإسلامية من خلال أرضية ثقافية وعقائدية وحضارية وتاريخية أخرى مخالفة تماما في جل الأحيان للأرضية الثقافية والعقائدية والحضارية والتاريخية له من خلال جهل كامل بطبيعية الإسلام وحقيقة مفاهيمه ومعانيه ومبادئه وقيمه وأحكامه. وإذا كان لابد من الإنطلاق من بعض المفاهيم والمعاني، فلتكن تلك التي أوحى بها إلى هؤلاء المخدوعين من أبناء الأمة، المبشرون والمستشرقون والمفكرون والفلاسفة والمثقفون الغربيون. وليس من تلك التي قال بها علماء الإسلام ومفكروه ومثقفوه وفلاسفته وفقهاؤه. وليس من محاولة إقامة مفاهيم جديدة وإعطاء معاني جديدة لكثير من القضايا والمستجدات انطلاقا من الأرضية الثقافية والفكرية الإسلامية على ضوء النص والعقل والواقع، انطلاقا من المتغيرات والمستجدات في الزمان والمكان في ما له علاقة بالإنسان والحياة والكون جملة وتفصيلا، بما يبقى للنص على حرمته، وبما يضمن للعقل فعاليته وحيويته ودوره في الحياة التي لا معنى فيها للوحي ولا للإنسان والحياة والكون بدونه. وهو الذي يتأكد في إعطاء النصوص معانيها فهما وتأويلا، وللواقع حقه استيعابا وفهما وتنزيلا. وبما يقدم لهذا الواقع من إجابات عن الأسئلة المطروحة فيه، ومن معالجات للقضايا التي تواجه المجموعات والأفراد والشعوب والقبائل والأقوام والأمم ، ومن حلول للمشاكل الحقيقية التي تعاني منها الشعوب والأوطان والأمم والإنسان عموما.
وانطلاقا من التزامهم بالتبعية للغزاة الغربيين وشعورهم بالإنهزام الحضاري وارتباط مصالحهم الفردية والجماعية بالتصورات والمناهج الطامسة للهوية الإسلامية، والمصطدمة بالعقيدة الإسلامية، والمتباينة مع الفكر والثقافة الإسلامية، وإصرارهم على التمادي في الغي ولو بدت لهم معالم الطريق واضحة أحيانا، ولو تبين لهم الرشد من الغي، والخطإ من الصواب، والحق من الباطل. يقول تعالي:”…وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وأن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين”(1).
فقد بدا منهم الإصرار على القول أن الدين لا يمكن أن يكون أكثر من مسألة شخصية لكل مطلق الحرية في ممارسته أو تركه وإسقاطه عن نفسه أو إلزامها به، وأنه لا علاقة له بكل المناشط والقضايا السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والعلمية والعقلية ذات الصبغة الواقعية الدنيوية في حياة الإنسان. وهم يتراوحون في هذا القول بين متردد ومقتنع ومتراجع بحسب الموقع وبحسب الظرف وبحسب موازين القوة وبحسب المصالح والمنافع وبحسب الربح والخسارة وغير ذلك من الحسابات في مراوحتها بين القوة والضعف وبين الحق والباطل وبين النجاح والفشل… وقبل أن يصبحوا كلا غير متجانس في هذا العقد الأخير من القرن العشرين، فقد كان غالبا عندهم الظن على ضوء ما زين لهم الغرب أن السبب الرئيسي في انحطاط المسلمين في العالم الإسلامي هو الدين الإسلامي الذي كان يحكم علاقة المسلمين ببعضهم وبالآخرين، والذي إذا ما تم الربط بين ذلك وبين ضعف الخلافة واستبدادها واهتزاز مركزها في أعين الكثير من المسلمين، وعلى ضوء المفاجأة غير السارة التي فاجأهم بها الغرب لما اقتحم عليهم بيوتهم وأوطانهم بمعدات وبضائع وأنماط من التفكير والسلوك لا قبل لهم بها. وقد بدا لهم من خلال صدمة المفاجئة وشدة الإنبهار أنه لا مكان فيها للدين ولا للغيب، فإن السذج والأغبياء والمخدوعين وأصحاب الأنفس المريضة والجهلة يبدو لهم ذلك شاهدا على صحة ذلك. وأنه لا مكان فيها لغير العقل الذي كان الغرب فاقدا له تاريخه كله والذي ليس تاريخ علم ولا عقل ولا حضارة إذا ما استثنينا بلاد
الإغريق التي لم تبلغه إبداعاتهم وفتوحاتهم وأنوارهم العقلية إلا عن طريق الثقافة الإسلامية ترجمة
ــــــــــــــــــــــــ
(1) الأعراف: 146 .
وفهما وزيادة ونقصانا.
ومقابل الكفر بدور الدين في الشأن العام وإعطاء ما لقيصر لقيصر وما لله لله، فقد جعل مهندسو هذه الحضارة الجديدة من الإيمان بالإنسان والعقل والمادة مركز اهتمامهم. ومن الكسب المادي غاية طموحهم، وأعلنوا من موقع المتفوق وأمام قوة صدمة التفوق الحضاري وشدة انبهار العرب والمسلمين وسائر المستضعفين بذلك، وأمام إدراك الإنحدار الحضاري الذي آلت إليه أمة العرب والمسلمين التي كانت صاحبة الريادة في العلم والحضارة، والسقوط في خانة التخلف والإنحطاط، أن الإسلام الذي كان
مصدر إلهام الغرب نفسه هو السبب في تخلف المسلمين وانحطاطهم. وأن انتظام الحياة على أساس من الدين، هكذا مطلقا كذلك، قد ولى. وقد أورثوا في خلد الجاهلين بالإسلام أنه لا سبيل لنا إذا كنا نريد أن نتدارك أمرنا إلا الأخذ بالأسباب التي جعلت من الغرب قوة بعد ضعف، وعلما بعد جهل، وحضارة بعد توحش، وتقدما ورقيا بعد تخلف وانحطاط. وبناء على ذلك كانت دعوتهم الصريحة إلى الفصل بين الدين والسياسة ليكونوا في حل من كل التكاليف الشرعية قولا وعملا وأمرا ونهيا، مجيزين لأنفسهم استباحة كل الحرمات وانتهاك كل الحريات والأعراض والتملص من كل الإلتزامات التي يلزمهم بها الإسلام. فلا يحلون حلالا ولا يحرمون حراما وهم “مسلمون”. وذلك ما يقتضيه عندهم مزاولة المناشط اليومية في ظل المستجدات والمتغيرات وتطور الحياة في ما يزعمون. فأي معنى للتدين عندهم حتى يتهموا الآخرين بالتستر بالدين ؟ وكأني بالإسلام عند هؤلاء مجرد شهادة ميلاد تثبت الإنحدار من أب وأم مسلمين ويكون ذلك وحده كاف للمرء ليكون مسلما، ومن زاد على ذلك شيئا، من قبيل الإلتزام بما هو قادر على الإلتزام به من فرائض وسنن وآداب وأخلاق فاضلة لا يكون إلا متسترا. وليس ذلك كذلك في الحقيقة عندهم إلا حين يلاحظ عليه الجمع بين هذه الإلتزامات الشرعية وغيرها من الإلتزامات اليومية، وأخذ موقعه من الساحة السياسية والإجتماعية والإقتصادية والثقافية والفنية والعلمية والإعلامية والذي عادة ما يكون فيها على غير النحو الذي يريدونه والذي لا يحضى عليه عندهم بالرضى والقبول،
استكمالا للتصور الإسلامي في عبادة الله كما توضحه آيات القرآن الكريم والسنة النبوة الشريفة. وتصبح المعادلة مقلوبة رأسا على عقب، يصير فها الإلتزام بالتكاليف الشرعية تسترا ومذمة، والتحلل منها تفكيرا وسلوكا، قولا وعملا إسلاما ومحمدة. وإذا كانت الأقوام الغابرة قد أصرت على المضي على ما وجدت عليه آباءها في مواجهة دعوة الأنبياء والرسل وعدم الإقتداء بهم، فإن العلمانيين في البلاد العربية والإسلامية كانوا على خلاف ذلك تماما. فإذا كان الله سبحانه وتعالى يورد في كتابه العزيز مخبرا عن الأقوام السابقة قولها:”وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير”(1) و”… إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم مهتدون”(2) وفي آية أخرى من نفس السورة يقول الله تبارك وتعالى:”…إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون”(3) فإن هؤلاء المخدوعين والمغرورين كانوا على خلاف ما كانت تقوله كل الأقوام السابقة يقولون: “إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على أثارهم معتدون”. وهم الذين نعلم أنهم كانوا إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون.وإذا كان المنافقون على عهد النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وفي كل زمان يظهرون الإيمان ويستبطنون الكفر والشرك فإن علمانيي هذا العصر ينقسمون إلى طائفتين مختلفتين على ما بينهما من تقارب وما يجمع بينهما من قواسم مشتركة في الخطاب والممارسة:
1- أما طائفة اليسار اللائكي فهي على الأغلب وعلى ما يجب أن تكون عليه عناصره استنادا إلى المراجع التي من المفروض أن تقع أحالتهم عليها والتي من المفروض أن يكونوا ملتزمين بما تدعوهم إليه من عقائد وأفكار وسلوك وممارسات، فهم من شرح بالكفر صدرا. وهم الذين يستبطنون الإلحاد الذي من المفروض أن يظهروه كما تدعوهم إلى ذلك النظرية الماركسية اللينينية التي هم مؤمنون بها ويظهرون الإيمان الذي هم منكرون ورافضون له.
2-أما طائفة الليبراليين العلمانيين وإن كانت اللائكية من ال