مدونة الأستاذ على شرطاني

يناير 20, 2008

تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 10:01 ص

تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين

المواقف والغايات والأهداف

ـ من هو صدام حسين؟:

ليس الغرض من طرح السؤال لوضع ترجمة لحياة صدام حسين المجيد التكريتي، ولكن للقول بأنه كان من الدكتاتوريين الكثيرين على رأس النظام السياسي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وأنه كان من حب الذات بما يجعله لا يرى إلا نفسه، ولا يريد للكل أن لا يرى سواه. وأنه كان كغيره من الإستبداديين الذين لا يملكون قيمة لأنفسهم في ذاتها، ولكنهم حريصون على البحث عن تلك القيمة في إلغاء كل من سواهم، سواء قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، وسواء قاموا بذلك أو لم يقوموا به، وسواء علموا ذلك أو لم يعلموه، وسواء أرادوا ذلك أو لم يريدوه. وهو كغيره من الزعماء العرب والحكام وفي باقي الأنظمة في أوطان شعوب الأمة الإسلامية وعالم المستضعفين عموما الذين يختزلون النظام السياسي والشعب والوطن والدولة في ذواتهم، حتى لا يرى غيرهم، وحتى لا يكاد أحد يرى وطنا ولا شعبا ولا دولة ولا نظاما سياسيا.

وهو كغيره من مكونات الحركة العلمانية اللائكية ذات الأصول العربية الإسلامية الهجينة العبثية الفاسدة في الجانب الكثير منها باعتبار كل ذلك، والمستعلية على شعوب الأمة، والمؤمنة بالهدم، والعاجزة عن البناء، والتي لا إيمان لعناصرها إلا بأنفسهم وبذواتهم وبالأجنبي الذي تستمد منه قيمتها ووجودها وقوتها واستمرارها في الوجود بالقدر الذي يخدمه ويخدمها، ولا يخدم شعوبها وأوطانها. وهي المؤمنة بالإلحاق الحضاري وبالتبعية للغرب الصليبي. والمولعة بخطب ود اليهود الصهاينة مهما ادعت عناصرها ومهما أظهرت لهم من عداء ومن مناهضة، ومهما زعمت من تهديد لهم باعتبارهم قوة احتلال وحركة تهديد مباشر وحقيقي وموضوعي لأمة العرب والمسلمين وللإنسان عموما، بالنسبة لمن له إيمان بهذه الأمة وبالإنسان، وكان ذلك من المسائل الخلافية في هذه الطائفة.

فقد كان الرفيق صدام حسين عاليا من المسرفين. وقد كان استبداديا دمويا موغلا في القتل والإبادة. وكان لا يكتفي في ذلك بما أعد لذلك من أجهزة مختصة ومن تجهيزات وأماكن كافية، وبما رصد لذلك من إمكانيات ونفقات ليقوم بذلك بنفسه أحيانا، بحثا للمتعة وإشباعا للرغبة وإظهارا للقسوة، على رأس نظام علماني معاد للهوية العربية الإسلامية الأصيلة لأمة العرب والمسلمين، مهما كان مدعيا ومظهرا خلاف ذلك، وإن كان يزعم على الدوام أنه العربي المسلم المنافح عن الشرف العربي والمدافع عن الأمة العربية، وإن كان يفعل ذلك بقناعته وبطريقته. وهو الذي كان قائدا كذالك لحزب البعث العربي الإشتراكي القومي النزعة والماركسي المرجعية والقيم والمبادئ، لكنها الماركسية المزيفة في إطار قومي عربي مزيف، بعيدا عن القومية العربية الإسلامية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وذات العلاقة المباشرة بالمعسكر الإشتراكي الشرقي، حيث كان زمرة من الحكام العرب ومن يدور في فلكهم وسدنة حكمهم من عناصر الطائفة اللائكية وحتى من المستقلين عنهم والمعارضين لهم يولون وجوههم الإتحاد السوفياتي سابقا، والذين أصبحوا يعيشون بعد سقوطه حالة من اليتم أصبحوا بها بين قتيل وشريد وذليل.

أحسب أنه لا يختلف إثنان من العقلاء والعدول وأولي الألباب في أن صدام حسين كان موغلا في الدموية والإرهاب من أجل المحافظة على الملك والنفوذ والتفرد بالرأي، وفرض برنامجه ورؤيته لحكم العراق من خلال حزب البعث، كما يرى ذلك ويريده، ووفق ما يتحقق له من مصالح، وما يعتقد أن يتحقق به من مصالح الشعب العراقي، وإقصاء وتهميش واستئصال كل من يخالفه الرأي من أهل الإختصاص وغيرهم، وكل من يطالب بحقه في المشاركة السياسية، ومن يريد أن يكون له رأي ودور في إدارة الشأن العام بالبلاد، وكل من له موقف من سياسته وبرامجه وخياراته الفكرية والثقافية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والعسكرية وغيرها.

هذه هي صورة صدام حسين التي يعرفها الجميع. والتي قدم عليها نفسه للجميع. دون أن يعني ذلك أنه ليس للرجل إيجابياته وإنجازاته التي أخفتها على قدر شأنها وعميم نفعها بشاعة جرائمه وطبيعته الدموية في غير حاجة ولغير ضرورة ملحة أحيانا.

هذا هو صدام حسين من منطلق ذاتي كما نراه، ومن منطلق مبدئي ثقافي، ومن منطلق سياسي في إطار الطبيعة الإستبدادية للأنظمة السياسية العلمانية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وفي إطار النظام العالمي الإستعماري الإمبريالي، الغربي الصليبي والصهيوني المادي النفعي.

ـ إيقافه ومحاكمته وإصدار حكم الإعدام فيه:

فبالرغم من أن صدام حسين قد بدل خطابه للشعب العراقي وللرأي العام العربي والإسلامي منذ حرب الخليج

الأولى التي كانت رحاها قد دارت بين نظام البعث العربي الإشتراكي بالعراق بقيادة صدام حسين، وبين ما كان يعتقد، أو ما كان ينبغي أن تكون ثورة إسلامية في إيران، قبل أن تظهر نزعتها الطائفية والصفوية. وقد ازداد هذا الخطاب وضوحا بعد إخراج قواته العسكرية من الكويت. وأثناء الحصار الأمريكي لنظامه وللشعب العراقي، بسبب حماقاته وغبائه السياسي، وفساد رؤيته في إدارة المعركة، وخطإ حساباته في تحديد طبيعة المعركة، وفي عقد التحالفات، وفي عدم تقديره لقدراته ولقدرات خصومه وأعدائه، بإضفاء صبغة إسلامية خالصة عليه لم يعهدها من قبل، وما كان الشعب العراقي ولا الرأي العام العربي الإسلامي يعلمها عنه.

فلم يكن هذا الخطاب إلا من مقتضيات المرحلة، في المواجهة التي أصبحت مفتوحة ومفروضة عليه مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا التين كثيرا ما تغاضيتا وغيرهما من القوى الدولية الغربية، والتي كانت داعمة له في حربه التي كانت حربا بالوكالة ضد إيران التي كان يعتقد وكنا نعتقد في البداية وقبل وضوح الصورة بعد ذلك أنها ثورة إسلامية، على الجرائم التي كان يقترفها في حق الشعب العراقي، وعلى الإنتهاكات التي كان يرتكبها في حق مبادئ حقوق الإنسان، التي كان بحكم ثقافته الشرقية في المعسكر الإشتراكي لا يعترف بها. وقد استمر على ذلك حتى بعد انهياره. والذي كان يجد له أصداء أوسع وأكبر في الشارع العربي الإسلامي المناهض للغرب عموما ولأمريكا وبريطانيا خصوصا. والذي كان يلتقي في مناصرته للشعب العراقي وفي دعمه له في الحصار المضروب عليه، وفي التهديد الأمريكي البريطاني له وإعلان الحرب عليه، مع القوى المناهضة للحرب وللعولمة وللهيمنة الأمريكية الإمبريالية على العالم، ومنظمات حقوق الإنسان غير الحكومية خاصة، والكثير من أحرار العالم، بعد حماقات حزب البعث القومي العربي في العراق بقيادة صدام حسين نفسه في إشعال الحرب مع إيران بإيعاز واضح ومعلوم من الغرب، وبمباركة ومساندة ودعم من النظام العربي الفاسد. وفي غزوه للكويت، بعد أن بلغ به غباؤه السياسي، وحساباته الضيقة، وضيق الأفق الإستراتيجي عنده، وجهله بطبيعة العلاقة مع الغرب الصليبي الإستعماري الإمبريالي، الديمقراطي في أوطانه ولدى شعوبه، والمعادي للديمقراطية في أوطان شعوب كل المستضعفين في العالم وخاصة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، والإرهابي الراعي والداعم لإرهاب دولة العدو الصهيونيفي فلسطين المحتلة، ولإرهاب النظام التقليدي والعلماني اللائكي الهجين في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وقد ساد عنده الإعتقاد أن الغرب الذي دعمه بدون قيد ولا شرط في حربه مع إيران في ذلك الوقت قد أصبح صديقا. وهو الذي استطاع أن يشن الحرب عليها بالوكالة عبر نظام البعث في العراق.

وكما استجاب صدام حسين لدعوة الغرب للتصدي للثورة الإسلاميةفي إيران، فإنه لم يتقدم لغزو الكويت إلا بعد أن استشار الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، وأعطته الضوء الأخضر لإلحاق الكويت بالعراق. وكانت الفرصة المناسبة التي أعطاها للغرب بقيادة أمريكا لينتزع منه ما كان مكنه منه من نظم ومعلومات وتقنيات كان تصديرها ممنوعا دوليا أي غربيا لغير من لا يريد الغرب أن يصدرها له ذلك، ولمن يتحقق له بذلك معه من مصالح ، وما لا يتشكل عليه به من مخاطر، وهي من التقنيات والمعلومات والنظم والمواد التي لم يمكنه منها حتى أولى أصدقائه في المعسكر الشرقي الذي يدور النظام العراقي في فلكه منذ عقود من الزمن.

هذا الخطاب الذي كان معاد له، والذي كان ينزل أشد العقوبات بمن يؤمن به وبمن يتوجه به للشعب العراقي، ويعتبره خطابا رجعيا معاد للنظام وللثقافة التقدمية لحزب البعث القومي العربي، هو الخطاب الذي أصبح الوقت مناسبا ليكون خطاب صدام حسين. وهو الخطاب الذي لم يعد مناسبا ومقبولا إلا عندما يرى القائد أنه أصبح الخطاب المناسب ويمكن أن يكون مقبولا، وإنه لا يحل إلا له عندما يريد أن يستحله. وهو المحرم عندما كان هو يحرمه. وهو خطاب تقدمي عندما يصبح خطابه. وهو رجعي عندما كان ويكون خطاب آخرين من أبناء الشعب أو غيرهم، خاصة عندما يكون صادرا ممن يختلف معه في الرأي. مثلما أصبح الخطاب الذي كان يقول به المعارضون للنظام القبلي في ليبيا، والذي كانوا يحاكمون عليه بمدد طويلة في السجون، وتصدر عليهم من أجله أحكاما بالإعدام، لا حرج منه ولا ضير فيه عندما أصبح العالم يستمع لسيف الإسلام القذافي وهو يتوجه به لليبيين وللعالم ولا أحد يمنعه من ذلك ولا يترتب له عليه فيه شيء. والمواقف من سياسات القذافي الفاسدة التي أصبحت مواقف نفس الشخص ليكون مقبولا لدى الغرب في إطار ظاهرة توريث الحكام العرب في عهد الديمقراطيات الملكية والجمهورية أبناءهم. ولم يكن صدام نفسه خارج هذا الإطار. وهم من يكونوا بذلك قد أضافوا بعد توريث الرفيق حافظ الأسد ابنه بشار في جمهورية سوريا العربية مصطلحا جديدا في فلسفة العلوم السياسية وهو مصطلح الجملكيات العربية“.

فهذا الخطاب الذي أصبح يتوجه به الرفيق صدام حسين للشعب العراقي ولجماهير أمة العرب والمسلمين، هو

خطاب الثقافة العربية الإسلامية الذي كان يلتجئ إليه الزعماء والقيادات في المنطقة العربية خاصة في الملمات وفي الظروف الصعبة وعند النوائب في الداخل، خاصة في مواجهة الحركة الإسلامية، وغالبا ما يشفعونه بزيارة البقاع المقدسة حجا أو عمرة زيادة في التظليل، وفي حروب التحرير في مواجهة الأعداء والغزاة. وهو الخطاب الذي التجأ إليه الرفيق صدام حسين، بدءا بحرب الخليج الأولى، ومرورا بالحصار والغزو الأمريكي البريطاني الغربي للعراق وإسقاط نظامه، وانتهاء بفراره حتى إلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة في محكمة جائرة ظالمة تحت حراب الإحتلال. وقد ألزم نفسه مصاحبة كتاب الله حتى تنفيذ حكم الإعدام فيه يوم عيد الإضحى للسنة السابعة والعشرين وأربعمائة بعد الألف للهجرة. وهل يكون الله قد تقبل منه؟. فهو الخطاب الذي ألقى بصدام حسين في آخر أيام حياته، وبعد سقوط عرشه في بغداد، وبعد مغادرة قصوره الكثيرة إلى المساجد التي أصبح يلتقي روادها ويحرضهم على الجهاد في سبيل الله، ويستنفر من خلالها من كان يلاقيهم من أبناء الشعب العراقي للمقاومة والفداء ومواجهة الغزاة الأمريكيين والبريطانيين، وهو هائم على وجهه لا يلو على طائل، وقوات الإحتلال الأمريكي الصليبي وميليشيات الخونة والعملاء العرقيين والطائفيين تتعقبه. وهي نفس المساجد التي كان يضيق على مرتاديها وعلى خطابها وعلى خطبائها وعلى علمائها ومفكريها، ويخضعهم للمراقبة المشددة، والمتابعة والمطاردة، ويخضعهم للمحاكمات الجائرة من أجل ذلك والحبس والنفي والقتل كغيره من الزعماء والحكام العرب.

وهي نفس الأماكن التي كان يحرم على الآخرين التوجه من خلالها للناس بمثل ما أصبح يتوجه به إليهم من خلالها، ويحثهم على التوجه به لجماهير الشعب العراقي التي كانت ممنوعة من الإستماع إليه وبمعاقبتها عليه إذا كان فيه ما لا يروق له وما لا يرضيه به أصحابه وما لا يرضى به عنهم.

ورغم ذلك لم يستطع القائد الرفيق صدام حسين أن يجد لنفسه في طول العراق وعرضها ملجأ يلجأ إليه، مثلما ظل المجاهد الملا عمر والشيخ المجاهد أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري وغيرهم من المطلوبين دوليا كالحيتان في ماء بحر الشعب الأفغاني والباكستاني المسلم وقبائل وزيرستان المسلمة، ومئات الآلاف من جنود الأعداء الغربيين الصليبيين والعملاء والخونة مزودين بأحدث الأسلحة والأكثرها فتكا، والمعدات الأكثر دقة، وفي انتشار واسع لعشرات الآلاف من العناصر الإستخباراتية المختلفة الإختصاص مجهزين بأحدث الوسائل والأجهزة والمعدات والنظم الإستخباراتية، جادة في البحث عنهم وتعقبهم وترصدهم وتتهددهم بالقتل، سوى جحر أو قبو تم إعداده له تحت الأرض حتى ألقى الجيش الأمريكي القبض عليه فيه.

ـ إلقاء القبض على الرفيق صدام حسين:

كان إلقاء القبض على الرفيق القائد صدام حسين، الذي عوض أن يبقى مع شعبه على وجه الأرض في مواجهة الغزاة، قد وجد أنه لا ملجأ له إلا تحتها، ولألا تكون له بذلك علاقة بالمقاومة والمواجهة من حيث لا يريد ولا يقصد. وكيف يكون له ذلك وهو مدفون في الأرض ولا علاقة له بالعالم الخارجي معزولا، وهو الذي كان يعلم أنه قد لا يجد مكانا لنفسه فوق الأرض في أي بيت من بيوت العراقيين التي لم تسلم من بطشه وأذاه. ولو وجد ذلك ما كان ليكون ملجأه إلى ذلك القبر الذي لا يستطيع من خلاله أن يعلم ما الذي يدور من حوله، ولا هو يستطيع أن يدافع فيه عن نفسه، ولا هو مستطيع ولا قادر فيه حتى على الإفلات من العدو، قد اعتبرته قيادة البيت الأبيض إنجازا مهما. واطمأن العراقيون الخائفون من عودته حتى وهم يعلمون أن عودته لقيادة العراق قد أصبحت مستحيلة. وأصبحوا يبحثون لأنفسهم عن وضع أفضل أصبح في ظل الإحتلال والصراع والتطاحن الطائفي والعرقي مستحيلا.

ـ المحــــاكمة:

لقد جعلت قوات الإحتلال، والعملاء والخونة الذين جاؤوا معها على الدبابات البريطانية والأمريكية الغازية من إيران ومن المنافي، والذين انضموا إليها من الداخل واحتضنوها وقدموا لها الدعم والتأييد ومنحوها المساندة، من إلقاء القبض على صدام حسين سريعا ومحاكمته مشروعا مهما تم التركيز عليه، خاصة عندما أضافت إليه قضية الإرهاب وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والذي سرعان ما تشكل كقوة من قوى المقاومة في حركة تحرير العراق.

لقد كان تعويل الغزاة والخونة والعملاء على إلقاء القبض على صدام حسين وعصابته في الحكم سابقا وإخضاعهم للمحاكمة كبيرا، إلى حد الإستخفاف بالرأي العام العراقي والقومي العربي والإسلامي، في محاولة لتقديم أنفسهم على أنهم المنقذون والمحررون للشعب العراقي من الإستبداد والدكتاتورية، وأنهم إنما جاءوا لإحلال عهد جديد في العراق قوامه الديمقراطية والأمن والإستقرار والحرية والسلم الإجتماعي والعدالة والسلام.

لقد كان هذا الوهم من قناعات أربع جهات أساسية لها مصلحة في هدم العراق وإنهاء صفة العروبة والإسلام له، والقضاء على الهوية العربية الإسلامية لشعبه الذي وإن كان متعدد الأعراق والأثنيات والطوائف والمذاهب، إلا أن الجامع الذين كان لا خلاف فيه بين كل هذه المكونات هو اللسان العربي على الأقل، وذلك ما نعنيه بعروبة العراق، وهي:

1- الغرب وعلى رأسه الإمبراطورية الأمريكية.

2- إيران التي تبين أن لها أطماعا حقيقية وجدية في العراق بالتنسيق مع عملائها وامتداداتها الفارسية والطائفية والمذهبية فيه وخاصة في الجنوب منه.

3- العملاء والخونة من العرقية العلمانية اللائكية الكردية بقيادة جلال الطلباني ومسعود البرزاني، والطائفة الشيعية بقيادة مومياء النجف السوداء، الصفوي الفارسي الأصل المدعو علي السيستاني، مفتي البيت الأبيض واليمين المسيحي اليهودي الأصولي المتطرف الذي انتهى إليه حكم الولايات المتحدة الأمريكية. هؤلاء الذين دخلوا مع القوات الغربية الصليبية الغازية بتنسيق مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خاصة بعد التعاون اللامشروط الذي تم بينها وبين الشيطان الأكبر” (أمريكا) في غزوها لأفغانستان، وفي ما تسميه حربها على الإرهاب الذي انتهى بكل المراقبين والمحللين إلى القول بأنها حرب على العرب والمسلمين وبدون أدنى شك في ذلك.

4- والكيان الصهيوني المدعوم دعما مباشرا متواصلا ولا مشروطا من طرف الغرب الإستعماري الصليبي الذي أوجده، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الصهيوني العالمي، وصنائعهم في النظام العربي الفاسد وفي الكثير من مكونات النخبة العلمانية اللائكية خاصة.

لقد جعلت هذه الجهات والأطراف والمكونات الدولية من مطاردة صدام حسين وزمرته وإلقاء القبض عليه ومحاكمته مشروعا سياسيا وإعلاميا. واعتبرته نصرا ظلت تشغل به قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي: 1- في بعده الطائفي الشيعي الصفوي بقيادة السيستاني والتنظيمات المتواطئة مع إيران وأمريكا وبريطانيا والصهيونية والغرب الصليبي الصهيوني عموما، والتي يمثلها:

أ- ما يسمى: بالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية، وهو الأبعد ما يكون عن الثورة وعن الإسلام.

ب- وما يسمى حزب الدعوة، وهو الحزب الذي يجعل من أوكد وأهم مهماته ككل التنظيمات والقوى والمراجع الشيعية، إلا ما رحم ربك ربما، الدعوة إلى التشيع في البلاد الإسلامية، بما هناك من فرق بين التشيع السبئي ذات الأصول اليهودية، والإسلام أو التشيع السني ذات الأصول العربية الإسلامية، البعيد عن عقيدة اللاهوت وعن إخضاع النص القرآني للحدث التاريخي،وعن اعتماد منهجية الطعن في التاريخ وفي الثوابت والأصول، والنيل من الصالحين من أبناء الأمة.

ج- وما يسمى بالتيار الصدري الذي يبحث عن موقع سياسي له في ساحة لا مرجعية خاصة به له فيها، وعن مكاسب مادية انتهت به إلى بيع السلاح جهارا نهارا للقوات الغازية ولعميلها إياد علاوي رئيس ما يسمى بمجلس الحكم بعد سقوط بغداد، في الوقت الذي كان الواجب الوطني والديني، لو كان له:

1- من الحس الوطني ما يجعله عراقيا حقيقيا.

2- ومن الحس الديني ما يجعله مسلما صادقا، يدعوه لرفعه في وجه الغزاة والعملاء والخونة، ويلتحق: *بالمقاومة الوطنية الشريفة التي دفعها:

- إيمانها بالله أولا.

- ثم بالوطن وبالشعب ثانيا.

- ثم بعزة الأمة واستقلالها ثالثا.

لإعلان الحرب على الغزاة، وعلى كل من ثبت وجود أي صلة له بهم.

2- وفي بعده العرقي والأثني بقيادة أكبر وأفسد القيادات العلمانية الكردية جلال الطلباني ومسعود البرزاني، وهما الذان لا يتحرجان من التصريح في تبجح معلن مخجل كغيرهما من العملاء وصنائع اليهود، بأن القوات الأمريكية والبريطانية الغازية لبلاد الرافدين هي قوات تحرير، تماما كمنطق وخطاب الحركة القومية العربية في تحالفها مع القوى الإستعمارية البريطانية والفرنسية في بداياتها من قبل، وليست قوات احتلال وتدمير.

3- وفي بعده الأثني والسياسي كذلك بالنسبة لكل من آمن بالمقاومة السياسية من منطلق مبدئي، وكخيار وحيد يمكن أن يغادر به الغزاة العراق، والذي وضع فتواه المدعو علي السيستاني:

أ- وهو الذي لا يفقه في هذه المسائل شيئا.

ب- وهو الذي ليس له منها إلا الإمضاء بعد أن تكون الجهات الدينية ذات الأصول الشيعية والعلمانية ذات التوجهات الليبرالية الإنتهازية التي تبحث من حوله لنفسها عن أي دور يتفضل به عليها ترضى به ويرضيه عنها، وهو مفتي البيت الأبيض وممثله بريمر،قد أعدت وبترتيبات إيرانية كل شيء. وأخذت القرارات، وحددت المواقف، ووضعت الأسس، وصاغت الخطاب، وحددت آليات العمل وإدارته، بإشراف أمريكي مباشر.

وأريد لهذه القضية أن تستمر، بين مطاردة لصدام حسين وإيقافه والتحقيق معه ومحاكمته أكثر وقت ممكن، لتظل الأنظار مشدودة إلى هذا الذي تعتبر:

- الولايات المتحدة الأمريكية.

- وحليفتها بريطانيا.

- والصهيونية العالمية.

- والغرب الصليبي عامة.

- والخونة والعملاء من هنا في الداخل العراقي.

- ومن هناك في النظام العربي الفاسد.

- وفي النخبة العلمانية اللائكية في جوانب وأطياف وجهات كثيرة منها، إنجازا تاريخيا مهما، باتجاه إعادة الإعتبار للعراق وللعراقيين وللعرب والمسلمين، وتخليص المنطقة العربية والعالم الإسلامي من الإستبداد والدكتاتوريات التي لم يعد من مصلحة أمريكا الإبقاء عليها، والتي ترى أنها غير منصاعة بالكامل للأمر والنهي الأمريكي. أي تلك التي تبدي بعض الإستعداد أو بوادر التمرد وإن كان مفتعلا هازلا حينا، وتستطيع أمريكا نفسها أن تتفهمه أحيانا.

لقد حاولت:

1- قوات تحالف الإحتلال الغربي الصليبي الحليف الإستراتيجي لليهود الصهاينة وللدولة العبرية في فلسطين المحتلة.

2- والقوى الطائفية والعرقية العميلة الخائنة المدعومة من الدولة الفارسية الصفوية التي طالما أيدناها عندما ظهرت علينا بثوبها الإسلامي الخادع سنة 1979 بعد الإطاحة بنظام الشاه، الذي كان أكثر وضوحا:

1- في بعده القومي العرقي الفارسي.

2- وفي عدائه للإسلام وللعرب والمسلمين.

3- وفي ولائه المعلن للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية، في زمن لم يكن العرب الذين كانوا قد شهروا سيف القومية العربية على الإسلام، وكانوا يلتقوا معه في ذلك، ولم يكونوا يقيموا وزنا للإسلام وللعلاقة بالمسلمين.

4- وهي التي لم تكن إلا ثورة ذات طبيعة طائفية مذهبية.

5- وتشكيك في العقائد دون سند ودون دليل يذكر.

6- وتمكن لثقافة الكراهية والحقد بين المسلمين بالنبش في التاريخ القديم.

7- وإثارة النعرات المذهبية والطائفية التي ليس المسلمون في حاجة إليها، ولم يكونوا يوما في حاجة إليها، ولا مصلحة ولا منفعة لهم فيها قديما ولا حديثا.

8- والنظام العربي المصطف وراء أمريكا في مواجهة شعوبه، وبسط هيمنتها السياسية والثقافية والإقتصادية والعسكرية على المنطقة العربية وعلى العالم الإسلامي عموما، وعلى دنيا المستضعفين بصفة عامة.

9- وجانب كبير من النخبة التقليدية القريبة من هذه الأنظمة الفاسدة الداعمة لها والقابلة بها.

10- وجانب أكبر من النخبة العلمانية اللائكية التي أصبحت ممثلا لطائفة جديدة من منحدر سني وشيعي إسلامي،واتخذت من الثقافة الإستعمارية الصهيونية الغربية مرجعا لها، ومنطلقا لتفكيرها ومصدر إلهام لها في مشاريعها السياسية والثقافية والفكرية والإجتماعية والإقتصادية.

وقد جعل كل هذا النسيج المتناقض والمختلف وغير المتجانس الرجعي العدمي والعبثي، من الحركة الإسلامية الإصلاحية المجددة المجاهدة تناقضها الرئيسي.

لقد حاولت كل هذه الجهات مجتمعة في العراق أن تشد انتباه قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي أكثر ما يمكن من الوقت، مستفيدة من السمعة السيئة لنظام حزب البعث القومي العربي بقيادة الرفيق صدام حسين، لصرف الأنظار عن الجرائم البشعة التي ترتكبها قوات التحالف الغربي العسكري الصليبي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، المنتشية بخروجها منتصرة في الحرب الباردة، بعد أن كانت تعتبر أنها هي التي انتهت بالإتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي كله من حوله إلى السقوط والتفكك والإنهيار، وهو المعسكر الذي كان في الحقيقة يحمل في ذاته كل أسباب التفكك والإنهيار، وهو من استوعب كل الجرائم التي كان يرتكبها الرجل الأبيض في كل المناطق التي حل بها من الأرض غازيا، وقد كان طرفا معه في ذلك بطريقته طبعا بعد ذلك، والتي أقام عليها ثقافته وحضارته، والجرائم التي كان يقوم بها حلفاؤه وعملاءه، وأولئك الذين جاؤوا به من أعوانه باعتباره قوة فتح و تحرير وليس قوة احتلال وتدمير، وقوة إحلال على حد قول بعض الليبراليين الجدد الذين كان من بين مآثرهم أن أرسلوا برقيات تهنئة لزعيم حزب العمل الصهيوني الإرهابي اليساري إيهود باراك بمناسبة فوزه في انتخابات رئاسة وزراء الكيان الصهيوني على الإرهابي اليميني بن يمين ناتانياهو، وليس قوة احتلال، من قتل وتصفية عرقية وطائفية، ومن تدمير للبنية التحتية، ومن استنزاف لقدرات العراق المادية والطبيعية والبشرية. وكان القاسم المشترك بين كل هذه الجهات والأطراف والمكونات هو التخريب والقتل والتهجير وبت الفوضى بالبلاد، والعمل على استئصال المقاومة وإنهائها عسكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا وإعلاميا، بتقديمها للرأي العام الداخلي الذي هو ملاذها ومجال تحركها، والذي منه انطلقت وإليه تعود، وهي الممثل الحقيقي للنسيج الإجتماعي الحر، وهو فضاؤها الذي يؤويها ويرشدها ويدعمها ويؤيدها ويحتضنها من أجل الحرية والتحرير والتحرر، من أجل الإستقلال والإستقلالية وتقرير المصير، بإنهاء الإحتلال واستعادة العراق العربي الإسلامي الموحد، على أنها عنف وطائفية وتطرف، وعلى أنها أطراف وجهات وتنظيمات تكفيرية، وللرأي العام الخارجي على أنها إرهاب. وهي التي مازال العملاء والخونة بقيادة أغلب مراجع الشيعة وبدعم إيراني مباشر وعلى رأسهم المدعو آية الله العظمىعلي السيستاني الذي فسح المجال لكل من هب ودب من رموز الطائفة العلمانية المتواطئة مع الغزاة لتدخل تحت عباءته بحثا عن مكاسب ومنافع ونزوات تحت سلطة الإحتلال، يحملونها مسؤولية العنف والإرهاب والقتل والتدمير والفساد الذي أصبح مستشريا في بلاد الرافدين، وبقاء الإحتلال التي يسمونها قوات التحالف، وهي التي يعتبرونها قوات تحرير العراق من الدكتاتورية والإستبداد، مثلما جاءت قوات الإستعمار للمنطقة مدعية تحريرها من الإستعمار العثماني التركي، وتقديمها موحدة لزعيم الثورة العربية الكبرى الشريف حسين ومن جاء بعده من زعماء الحركة القومية العربية، ومثلما كانت الحركة الإستعمارية الغربية تعتبر نفسها:

- وهي تعيث فسادا في كل أنحاء العالم.

- وهي التي لم تترك في أوطان الشعوب التي احتلتها تقدما ولا تقنية ولا ديمقراطية ولا حقوق إنسان.

بل كل الذي كان مما يمكن اعتباره إنجازا لها هناك هو:

1- إنهاء النظام الإسلامي.

2- وفرض بدلا منه النظام العلماني ذي الأصول التوراتية الإنجيلية.

3- وفرض الإستبداد والدكتاتورية ومواصلة رعاية ذلك.

4- وفرض الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العرب والمسلمين بدعم متواصل منها.

5- وفرض ثقافة ولغة الغرب.

6- وإيجاد طائفة جديدة وهي التي تمثلها النخبة العلمانية اللائكية التكفيرية البديل الإستعماري الغربي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وسائر أوطان المستضعفين في العالم المناهضة للإسلام والرافضة للبديل الإسلامي في بلاد العرب والمسلمين والمتصدية له، والتي كان نظام صدام حسين أحد نماذجها باسم القومية والتقدم والتطور والعقلانية والإنسانية والحداثة وغيرها من الشعارات.

لقد كانت محاكمة صدام حسين وأزلام نظامه طائفية بحتة منذ البداية، وكذلك أرادتها قوات التحالف الصليبي الغازية في إطار البحث عن صيغة تقارب مع النظام الصفوي الإيراني:

أ- الذي كان خير معين للقوات الأمريكية في غزوها لأفغانستان واحتلاله.

ب- والذي كان الداعم الأساسي لها في احتلال العراق:

ج- من خلال القبول بها وهي الشيطان الأكبر على حدودها.

د- ومن خلال الفرصة التي ستكون وكانت سانحة لإيران نفسها للتدخل المباشر وبدون قيد في الشأن العراقي الداخلي.

ه- ومن خلال الإفتاء لامتداداتها الشيعية الصفوية في العراق من مثل ما يسمى التيار الصدري وحزب الدعوة وخاصة ما يسمى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بالموافقة على التدخل الأجنبي في العراق وإسقاط نظامه واحتلاله والقبول بذلك.

و- ومن خلال التعويل على جل مكونات الطيف الشيعي بالداخل العراقي والإنظمام إليه في مهادنة المحتل والتعامل معه والقبول والرحيب به.

ز- ومن خلال التصدي للمقاومة التي يغلب عليها الطابع الوطني السني، والتي لم يكن للجانب الشيعي والعرقي الكردي ظهور متميز واضح فيها واعتبارها إرهابا، والتحالف مع الغزاة في مواجهتها، مما أثار النزعة الطائفية التي لم تكن المقاومة ولا السنة مسؤولة عنها:

1- باعتبار أن أعوان الإحتلال من المرحبين به ومن القادمين معه والذي قبلوا بما يسمى العملية السياسية بعد إسقاط نظام البعث العراقي، هم الذين بدأوا بتأكيد الإنقسام الطائفي والعرقي من خلال ما يسمى بالدستور الذي وضعه الحاكم الأمريكي بالعراق بريمر، وكان ذلك قبل انطلاق المقاومة وتشكل حركة التحرير الوطني العراقي .

2- وباعتبار أن الذين كانوا سببا في إثارة النعرة الطائفية والعرقية والإنقسام الطائفي والأثني هم أولئك الذين جاؤوا مع الإحتلال والذين قبلوا به من أغلب الطائفة الشيعية اللاوطنية والمرتبطة بالنظام الإيراني طائفيا ومذهبيا وعرقيا وجغرافيا من جهة الجنوب خاصة، ومن الأكراد بالشمال، إذا ما استثنينا مقاتلي الحركة الإسلامية الذين كانوا في مواجهة دائمة ومستمرة مع مليشيات الرفيق جلال الطالبان ومسعود البرزاني الذان استقويا عليها بسلاح الجو الأمريكي من قبل احتلال العراق. والذين انطلاقا من إيمانهم بالعملية السياسية والقبول بها استنادا إلى فتوى المرجع الشيعي الإيراني الفارسي الأصل المقيم بالعراق المدعو علي السيستاني، التي يلتقي فيها مع فتوى العلماني اللائكي المدعو جلال الطلباني وكذلك ومسعود البرزاني الذان يعملان على اقتطاع كردستان العراق والإستقلال بها، وقد قطعا أشواطا في ذلك، لم يكن أمامهم إلا أن تكون ميليشياتهم المسلحة جنبا إلى جنب مع جنود الإحتلال الأمريكي والبريطاني في مداهمة منازل المدنيين العزل، ومحاصرة المدن وقصفها، وانتهاك الأعراض وقتل الأنفس، ونهب وإتلاف الثروات والمكتسبات، ولتجد المقاومة المشكلة من كل ألوان الطيف العراقي، والتي يغلب عليها الطابع السني كما سبقت مني الإشارة إلى ذلك من قبل نفسها، ليس أمام جنود الإحتلال، ولكنها أمام عناصر الميليشيات الطائفية والعرقية المسلحة، إن لم تقتلها فهي قاتلة عناصرها ومجاهديها.

هذه المقاومة العراقية، التي أصبحت محسوبة على الطائفة السنية في المثلث السني، التي ليس أمامها إلا أن تعتبر شرعا وقانونا وأخلاقا ومصلحة وطنية أن من يقف مع الإحتلال ويؤيده ويناصره ويتولاه، ويستهدف العراقيين بالقتل والتدمير والتشريد والتهجير هو مثله، وليس أمامها إلا أن تستهدف بالقتل كل من كان استهدافه لأبناء وطنه الأبرياء العزل بالقتل وغيره من الإنتهاكات، وللمقاومة المسلحة للوجود العسكري الأجنبي، هي التي اعتبرت قد فجرت عند الطائفيين العنف، وتسببت في الإًصطفاف الطائفي والإنقسام العرقي والإقتتال الداخلي في مقاومتها للغزاة ومن يساندهم في أعمالهم الهمجية الإجرامية، ويساهم معهم في ذلك.

- وهي التي لم تكن هي البادية أولا.

- وهي التي لم تكن تستهدف إلا من يستهدفها ويستهدف العراق والشعب العراقي ثانيا.

- وهي التي لم تكن لها مشكلة إلا مع الإحتلال ثالثا.

- وهي التي في عملها على تحرير البلاد يصبح من حقها أن تستهدف المحتل ومن يقف إلا إلى جانب المحتل ويسانده ويساعده ويتصدى لها معه من الخونة والعملاء، بقطع النظر عن طائفته أو مذهبه أو عرقه أو لونه أو دينه أو وطنه أو موطنه رابعا.

- وهي التي لا تؤمن بالطائفية ولا تعمل على الإنقسام ولا الإقتتال الطائفي، ولا تؤمن إلا بالشرفاء من أبناء الوطن وبتحريره كاملا موحدا خامسا.

ثم إن طائفية المحاكمة والخيانة الوطنية كانت ظاهرة منذ البداية كذلك، ومنذ أن تم الترحيب بالقوات الأمريكية في قلب بغداد، واجتمع حولها الرعاع مهللين ومكبرين لسقوط نظام صدام حسين. وقد يبدو مقبولا تفهم موقف هؤلاء للجحيم الذي كان يعيش الناس فيه إبان حكمه وعائلته وبطانته الحزبية والعشائرية، ولكنهم لم يكونوا يتصوروا ربما نار جحيم احتلال بلادهم من طرف الأجنبي الأمريكي البريطاني الغربي الصليبي، وما يلحقهم به قبوله من خسائر ودمار، ومن مذلة ومهانة لم يذوقوا مثلها كذلك في نظام الإستبداد، وعار لا ينمحي على مدار ومجرى التاريخ، خاصة بالنسبة لمن هادنوه وأعلنوا موالاته والقبول به. والظلم لا يزال بظلم أكبر منه. والإستبداد لا يستبدل بالإحتلال. والشعوب الحرة هي التي لا تقبل بالإستبداد ولا بالإحتلال. ولا تقبل بغير تحرير نفسها من الإحتلال ومن الإستبداد. ولتكون بذلك وعن جدارة لها السيادة الكاملة فعلا على أوطانها.

ومنذ أن تم تقديم الرفيق صدام حسين ومجموعة من زمرته في حزب العبث الإشتراكي للمحاكمة في ما يعتبر من أبسط الجرائم التي كان قد ارتكبها في تاريخ حكمه، وهو المطلوب محاكمته في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بدءا بالجرائم التي ارتكبها في حق الشعب العراقي، ومرورا بالحرب مع إيران باعتباره هو البادي، البادي أظلم، وانتهاء بغزو الكويت، وهي حادثة الدجيل والتي كان الحكم فيها عليه بالإعدام شنقا حتى الموت كافيا لإنهاء المحاكمة في حقه تقريبا في ما زاد عن ذلك من الجرائم الأخرى الكثيرة وهو على قيد الحياة في حق الأفراد والمجموعات والشعب والوطن والدول.

لقد تم كل ذلك بخلفية طائفية تم التنسيق فيها بين الطائفيين الشيعة في العراق وإيران والصليبيين في أمريكا وبريطانيا إرضاء للشيعة:

1- للمحافظة على تأييدهم ومساندتهم ودعمهم واستمرار ولاءهم للإحتلال.

2- وتحقيقا لرغبة صفوية فارسية مذهبية طائفية إيرانية لتطمينها على وفاء القوات الأمريكية على عدم المساس بالمصالح والأمن والسيادة الإيرانية على حدودها، باعتبار أن الشيعة الذين كانوا الأكثر انخراطا في حزب البعث، والأكثر تأييدا لصدام حسين كانوا يحسبون أعضاء حزب البعث العلمانيين اللائكيين من أصول سنية وشيعية وعربية وكردية وغيرها أنهم سنة وشيعة، والحقيقة أنهم يصبحوا بمقتضى ذلك وعلى ذلك الفكر وتلك الثقافة لا سنة ولا شيعة. ولكنهم علمانيون لائكيون عربا أو كردا أو غيرهم من الأعراق. ويعتبرون صدام حسين سنيا، ويحسبونه على السنة، خاصة وهم الذين كانوا قد انخرطوا مباشرة في المقاومة المسلحة للمحتل. وقد بدا وكأنهم يقفون إلى جانب صدام حسين ويدافعون عنه وعن نظامه، وعليهم بمقتضى ذلك أن يدفعوا ثمن جرائم صدام حسين في حق الجميع، وأن يتحملوا المسؤولية في ذلك بالكامل. وليتقدم الشيعة المنخرطون منهم في مسلسل العمالة والولاء المحرم نصا للأجنبي المستعمر والخيانة الوطنية أنفسهم للعالم من خلال ذلك ومن خلال الدعم والمساندة الإيرانية لهم على أنهم هم وحدهم الضحايا، أو على الأقل الضحية الأكبر والأكثر خسارة وتضررا.

ـ حكـــم الإعــــــــدام :( 2)

ما إن انتهى مسلسل المحاكمة التي تداول عليها وفق حسابات مختلفة، ولغايات وأهداف مختلفة، أربع قضاة من مختلف الطوائف والأعراق، ولعهم كانوا كلهم شيعة عربا وكردا علمانيين من أصول مختلفة أو شيعة أو سنة، والتي كان الجامع بينها موالاة العدو المحتل والعداء لصدام حسين ونظامه وحزبه، والخيانة الوطنية ومناهضة المقاومة واعتبارها إرهابا، والتي انتهى من الوقت ما يكفي لشد أنظار موالي الإستعمار والنظام الصفوي الإيراني، الذي حسبناه ذات يوم نظاما إسلاميا، من الشيعة والأكراد خاصة، والتي لم يعد هناك حاجة لمواصلتها بعد أن تبين أنها لم تحقق الأهداف التي كان يعتقد أنها يمكن أن تحققها بالتغاضي عن جرائم المحتل والطوائف والأعراق المتحالفة معه، والوقوف عند التشفي في نظام البعث وقياداته، واعتبار أن أهداف الشعب العراقي وغاياته في إسقاط صدام حسين وملاحقته وإلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة وتولي العراقيينالقابلين بالإحتلال والعاملين معه شأنه بأنفسهم قد تحققت، أصدرت المحكمة الأمريكية بالعراق بمنظومة قانونية عراقية وبقضاة عراقيين طائفيين وعرقيين تحت حراب قوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الإمبراطورية الأمريكية وبإدارة وإشراف مباشرين منها، حكم الإعدام في الرفيق صدام حسين المجيد الرئيس العراقي السابق وإثنان من أركان حكمه، برزان التكريتي الأخ غير الشقيق له، وعواد البندر رئيس محكمة الثورة التي أحيل عليها ما قيل أكثر من 140 من أهالي منطقة الدجيل، في محاولة الإغتيال التي تعرض لها صدام حسين في حينه أثناء مرور موكبه بتلك المنطقة التي كان قد نظم زيارة لها في ذلك الوقت. وقد تمت محاسبة صدام حسين محاسبة عسيرة على ذلك. وكان إنصاف الشيعة وإعادة الإعتبار لهم في تلك المحاكمة من دون بقية مكونات الشعب العراقي الذي لقي من العسف والقمع والإضطهاد والتنكيل به من صدام حسين وعائلته وحزبه أكثر بكثير مما حدث في تلك الحادثة. فكان الإستقواء والإستنجاد بالأجنبي طائفي شيعي بفتوى صفوية فارسية مذهبية. وكانت محاكمة صدام حسين وأركان حكمه طائفية عرقية شيعية كردية. وكان إصدار حكم الإعدام في حقه طائفيا شيعيا إيرانيا كرديا من دون مكونات الشعب العراقي. وكان إعدامه كما سيأتي لاحقا صدريا طائفيا شيعيا إيرانيا، وبتواطئ كردي أمريكي بريطاني.

ـ تنفيذ حكم الإعدام في الرفيق القائدصدام حسين:

وبعد صدور الحكم الذي لم يغير مما كان معلوما من أمر المحاكمة، ومن طبيعة المحاكمين والحكام والمشرفين عليهم والمتابعين لهم أمرا ونهيا شيئا، ولم يغير مما كان محتملا أو معلوما سلفا من الحكم، استنادا إلى ما هو معلوم من الجرائم، وإلى ما هو معلوم من المجرمين الحكام والحاكمين، والمحتلين والمتواطئين معهم بالداخل والخارج العراقي، والمحاكمين من أركان نظام صدام حسين السابق.

*- وقد كان طبيعيا أن يصدر الطائفيون العراقيون والصفويون الإيرانيون حكم الإعدام في صدام حسين، لأنه نكل بالأولين وهزم في الحرب الآخرين.

*- وكان طبيعيا أن يصدر الغزاة الصليبيون حكم الإعدام في صدام حسين لأنه:

أ- لم يكن وفيا بما فيه الكفاية لهم.

ب- ولأنه كان متقلبا في مواقفه منهم وعلاقته بهم بين الولاء والعداء.

*- وكان طبيعيا أن يكون حكم الإعدام هو الحكم الذي يجب أن يصدر في حق صدام حسين ولكن:

أ- بوجه حق لا بغير وجه حق.

ب- وبعدل لا بحيف وظلم.

ج- وأن يكون في حق الشعب العراقي لا في حق بعض شيعة العراق حلفاء الإستعمار الأمريكي البريطاني وعملاء النظام الصفوي الإيراني الشيعي.

د- وأن يصدره في حقه الشعب العراقي، الذي لم يتم إنصافه من صدام حسين، ولم يحاسبه ويحاكمه ويصدر فيه الحكم الذي يستحقه من أجل ما اقترف في حقه من جرائم، وما جلب له من ويلات ومصائب، وما تسبب له فيه من خراب ودمار.

كان تنفيذ الحكم فيه يوم السبت 30 ديسمبر 2006 على الساعة السادسة صباحا بتوقيت بغداد، الموافق للعاشر من ذي الحجة 1427 أي فجر يوم عيد الإضحى المبارك لعامة المسلمين في العالم، باستثناء الطائفة الشيعية في العراق على الأقل إن لم يكن في كل العالم.

ولقد كان ظاهرا حرص الصفويين في إيران، والأمريكيين بالبيت الأبيض وخارجه، والطائفيين الشيعة، والقوميين العلمانيين التكفيريين الأكراد، واليهود الصهاينة، لا على التخلص من صدام حسين فقط، ولكن للتمتع والتلذذ بإعدامه:

أ- بكل حيوانية ووحشية.

ب- وبكل ما في الطائفية الشيعية والصفوية المقيتة من حقد لم تبلغ في إي وقت مضى من التاريخ من التمكن والظهور والقوة لتعبر عنه. وليس من باب الصدفة أن يقترن هذا الظهور وهذه القوة وهذا التميز بظهور دولة للعصابات اليهودية الصهيونية في فلسطين من العالم العربي الإسلامي. ولكن لا يمكن إلا أن يكون لذلك دلالاته ومعانيه وانعكاساته وتداعياته ونتائجه، باعتبار أن ذلك كان من الظواهر الطبيعية والكونية والتاريخية التي لم يعرف التاريخ البشري لها وجودا منذ آلاف السنين.

ج- وبكل ما في العلمانية الكردية من كراهية للإنسان.

د- وبكل ما في الصليبية من عدوانية.

ه- وبكل ما في الصهيونية من عنصرية وعداء للإنسان.

في يوم عيد الإضحى المبارك، تماما كما قصفت القوات الأمريكية والبريطانية العراق من قبل زمن الحصار في رمضان بدون أي مبرر يذكر، وبدون أي معطى جديد يبرر ذلك التدخل من سلاح الجو وقتها وكما يعربد الجيش الصهيوني في المنطقة كلها وفي فلسطين المحتلة على مدار الزمن على امتداد عقود من السنين في كل المناسبات وبلا انقطاع، غير الإمعان في إذلال وإهانة المسلمين والعرب بصفة خاصة، وانتهاك حرماتهم. وكما يساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكثير من العواصم الغربية الصديقة للنظام العربي الفاسد، والقدوة الحسنة والمثال المحتذى للكثير من مكونات الحركة العلمانية الهجينة المزيفة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين.

وما كان حرص الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالغرب واليهود الصهاينة في كل مكان على الإسراع بتنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين، الذي كان يمضي إقامته داخل المنطقة الخضراء (الحمراء) في قبضة القوات الصليبية الغازية للعراق بمركب القصور الفخمة التي كان صدام حسين نفسه يهدر فيها ثروات الشعب العراقي، وكان ينعم فيها بحياة الرفاه والسيطرة والسطوة والتكبر والتجبر، والذي اتخذت منه القوات الأمريكية مقرا آمنا لها ولعملائها وللخائنين للعراق وللشعب العراقي، الذين لا هم لهم إلا تأمين أنفسهم وفتح أبواب جهنم على الأحرار من باقي أبناء الشعب، وعلى باقي أنحاء العراق، قيل خوفا من هروبه أو تهريبه :

- وهو الذي لم يهرب ولم يكن يستطيع الهروب حين كان يمكن أن يهرب أو حين كان مستطيع الهروب.

- وهو الذي لم يتم تهريبه حين كان يمكن أن يهرب.

- وهو الذي كان يعلم أنه لم يترك لنفسه ولو ملاذا آمنا واحدا، لا داخل العراق ولا خارجه، بعد أن كان قد فوت على نفسه الفرصة حين طلب منه مغادرة البلاد مع من يريد من أهله إلى روسيا التي أعلنت قبولها به، أو إلى أي مكان آخر يريده ويقبل به. وقد كان الكل في المنطقة وغيرها يرغب في ذلك تجنبا للتدخل العسكري الذي كانت أمريكا نفسها لا ترغب فيه، ولا مصلحة لها فيه وتخشى عواقبه. ولعله كان، وهو من هو، ينظر إلى ذلك العرض على أنه في صالح المنطقة وفي صالح العراق والشعب العراقي، وفي صالح أمريكا والغرب والنظام العربي وانتصارا لهم، وفي غير صالحه وهزيمة له. وأصر على البقاء في محيط عراقي معاد له بالكامل. وهو الذي لم يبق على أسرة واحدة تقريبا لم ييتم فيها صغيرا ولم يرمل فيها امرأة ولم يثكل فيها أما. وكانت تلك آخر حماقاته الكثيرة، وغباءه وتهوره السياسي، ونزعته الإستبدادية الدموية الفردية التي جلبت له وللعراق وللشعب العراقي كله هذه الويلات والمصائب التي لا حد لها.إنما كان كل ذلك حزما من الحكومة الطائفية للطائفي نور( ظلام) المالكي المقبولة أمريكيا، والمدعومة صفويا إيرانيا، لتنفيذ حكم الإعدام فيه، وهو الذي لم تسلمه القوات الأمريكية، على ما يبدو لمأمورها وخادمها المطيع المالكي، إلا في الوقت المقرر لتنفيذ الحكم فيه. ولعلها تعلم أنه سيتم التمثيل والتنكيل به أو حتى قتله قبل حلول موعد تنفيذ الحكم القانوني فيه. وهي المرة الوحيدة وفي المسألة الوحيدة التي تفوض فيها أمريكا لعملائها التقرير في أمر ما، وتستجيب لهم في طلب، وتتفصى من أي مسؤولية على ما حدث من تجاوزات لا أخلاقية ولا إنسانية. وكانت الخطة محكمة في من سيقوم بتنفيذ الحكم. وحضرت عدسات التصوير غير الشرعية لتلتقط مشاهد التنفيذ لحظة بلحظ. وما كان لأعوان التنفيذ أن يكونوا ملثمين وما كان ينبغي أن يظهروا أصلا ولو لم يكن إظهارهم مقصودا، وله دلالاته وأهدافه.

1- لو لم يكونوا أشخاصا بعينهم وليسوا موظفين بالوزارة كما تدعي حكومة المالكي.

2- ولو لم يكونوا يعلمون أن المشهد سيجد طريقه إلى الإنتشار على أوسع نطاق ليدخل كل البيوت التي لم يكن أهلها يتصورون أن ذلك سيكون ممكنا ذات يوم والذين انتظروها في الفترة الأخيرة طويلا، وذلك ما كانت تريده الحكومة، وذلك ما خططت له، وذلك ما حصل فعلا. وما الهتاف باسم مقتدى مرات عديدة من طرف أعوان التنفيذ إلا لأن عناصر ميلشياته هي التي تولت المهمة. وإلا ولما لا، لأن مقتدى نفسه هو الذي كان يتولى تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين بنفسه. ولأنه كان يمكن أن لا يتم تصوير المشهد إلا بعد سقوطه الرجل صريعا، وبعد أن تكون قد فارقته الحياة. ولعه من باب المصادفات النادرة، إن كان ذلك مصادفة:

أ- أن يكون ذلك يوم عيد الإضحى لكل المسلمين باستثناء الشيعة، وأحسب أن ذلك كان في الحسبان.

ب- وأن يكون ذلك موافقا ليوم السبت الذي هو يوم العطلة الأسبوعية لليهود، وهو من الأيام المقدسة عندهم، لتكون فرحة المهتمين بالموضوع منهم أكبر، لاسيما وأن صدام حسين كان قد أفزعهم مرة في حياته عندما اشتد عليه الضغط الداخلي والخارجي برمي مجموعة من الصواريخ طويلة المدى باتجاه دولة الكيان الصهيوني التي سقطت بصحراء النقب.

ج- وليكون ذلك هدية حكومة المالكي الأمريكية لسيده الصليبي الأكبر جورج بوش بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية الجديدة.

د- وما كان ليكون ذلك الحرص منه إلا استنادا لحرص مراجع الشيعة المتعاملين مع قوات الإحتلال والمتواطئين مع الصفويين في إيرانالثورة الإسلاميةعلى جواز إعدام صدام حسين يوم عيد الإضحى المبارك عند أهل السنة والجماعة.

ولا يمكن أن يكون ذلك غير مقصود به إبراز مشاعر عدم التقدير لمشاعر المسلمين غير الشيعة، وإن كان صدام حسين كما أسلفت لا يمكن اعتباره سنيا ولا شيعيا، ولكنه علماني من أصل سني.

ه- ولعلهم حرصوا على أن يكون ذلك كذلك يوم السبت باعتبار أن التشيع أصلا في ما نعلم من التاريخ وفي ما هو وارد في كتب الطائفتين التين كانتا إفرازا من إفرازات التاريخ. ولا أصل لهذا التقسيم في الإسلام الذي تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد استشهاد الخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي الله عنه بعشرات السنين، هو صناعة يهودية متأكدة في كل المراجع التاريخية وغيرها، سواء السنية منها أو الشيعية.

و- واجتنبوا كذلك أن يكون ذلك مقرونا بيوم العيد عندهم، فتحدي مشاعر أهل السنة أولى عندهم، لما تربوا عليه من حقد تاريخي وكراهية وتكفير لمن خالفهم في فهم النص وفي قراءة التاريخ، ومن خالفهم في المذهب، على قاعدة من ليس شيعيا هو كافر عندهم مستباح الدم والمال والعرض، طالما هو لا يؤمن بالركن السادس في الإسلام عندهم وهو الإمامة، مثلما يفعلوا في العراق تماما عندما أتيحت لهم الفرصة، من أن يكون العيد عندهم عيدين عيد الإضحى وعيد التضحية على صدام حسين. ولا أحسب أن يكون كل هذا الذي حصل مصادفة، وبعيدا عن الإدراك والقصد كله أو جله، وإن لم يكن لدى البعض فلدى الكل.

وهي ليست في الحقيقة المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الفعل الشنيع في تاريخ المسلمين. ولعل لسان حاال المالكي كان يقول كما قال من قبله طاغية بني أمية وسفاك دماء المسلمين الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد هشام بن عبد الملك (724 ــ 743 ) عندما أمره بقتل الجعد بن درهم لقوله بخلق القرآن لمن اجتمع حوله من الناس يوم عيد الإضحى إذهبوا ضحوا فإني مضح على الجعد بن درهم “. بما هنالك من فرق طبعا بين الدولة الأموية الظالمة في ذلك الوقت، وبين الدولة الصفوية الحاقدة والإحتلال الأمريكي الصليبي المعادي. وبين نور المالكي والحجاج بن يوسف. وبين الجعد بن درهم وصدام حسين. ولكن الصنيع واحد والتوقيت واحد والإسلام واحد والمسلمون هم المسلمون وقد أصبحوا سنة وشيعة.

وبذلك وبهذا الفعل الطائفي الإستعماري الصليبي الصهيوني الصفوي الشنيع كان صدام حسين قد عاش ظالما وقضى مظلوما.

والذي بدا أكثر وضوحا أن تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتلك الطريقة وفي ذلك الإحتفال وفي ذلك الوقت من ذلك اليوم، ليس لأنه كان ظالما مستبدا، ولكن لأنه كان عند الذين أفتوا بجواز أن يكون ذلك كذلك سنيا.

أو أنهم كانوا على قدر من الغباء والتجرد من الأخلاق والإنسانية وبعدا عن الإسلام، بما لم يتركوا لأي كان أن يكن لهم من الإحترام والتقدير ما هو جدير به مثلهم.

ـ المــــــــواقف:

لقد تحددت المواقف من زوايا متعددة ومختلفة، ولغايات وأهداف متعددة ومختلفة، ومن مواقع متعددة ومختلفة، ومن جهات متعددة ومختلفة.

فقد اعتبر صدام حسين نفسه في رسالة كشف عنها محاميه خليل الدليمي قبل إعدامه بيومين وجهها للشعب العراقي وللعرب وليس للمسلمين قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه يقول فيها(…ها أنا أقدم نفسي فداء فإذا أراد الرحمان هذا صعد بها إلى حيث يأمر سبحانه مع الصديقين والشهداء وإن أجل قراره على وفق ما يرى فهو الرحمان الرحيم وهو الذي أنشأنا وإليه راجعون فصبرا جميلا وبه المستعان على القوم الظالمين).

والملاحظ أنه لم يتوجه بهذا الخطاب للمسلمين، ولم يكن معنيا بالخطاب فيها إلا بالعراقيين والعرب.

ولم يبد أسفا ولا ندما على ما ارتكب في حق أي كان من جرائم كان يمكن أن ينظر له الله به ببعض الرضى، إضافة إلى ما أبداه من ملازمة لكتاب الله منذ إلقاء القبض عليه في ما نعلم حتى إعدامه. ولكنه لم يكن حريصا فيها إلا على تثبيت ذاته في هذه الدنيا حيا وميتا. فلا إعلان فيها للتوبة النصوح التي لا يقبل الله من عبده حتى يعلنها، وحتى يوفي بشروطها في عالم الشهادة، إلا ما كان بينه وبين نفسه، وما بينه وبين الله، ونحن أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر“. ومنها الندم على ما ارتكب من الإثم والفواحش. والندم على ما فات من غير صالح الأعمال والأقوال، والعزم على أن لا يعود لمثله أبدا. والإعتذار لمن ظلمهم وطلب العفو والصفح منهم، وتعويض كل أو ما هو قادر على تعويضه لهم من أضرار وخسائرذلك أن الله كما يقول الأصوليون قد أمر أن لا يعبد إلا بما أمر أن يعبد به.

وقد أحدث تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين كائن من كان هو يوم عيد الإضحى المبارك، ضجة كبيرة في الأوساط الإعلامية والشعبية والرسمية داخل العراق وخارجه وفي العالم. وكان ذلك مثار جدل كبير في كل الأوساط وفي كل المواقع.

فقد جاءت مواقف الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالبيت الأبيض ولندن وسدني(استراليا) والصهيونيين في تل أبيب بفلسطين المحتلة متطابقة، معتبرة أن ذلك هو قول القانون فيه، وذلك هو العدل الإلهي، وذلك بما اقترفت يداه وهو مستحق لحكم الإعدام وتنفيذه فيه، وهو إنجاز مهم وتقدم باتجاه تذليل الصعوبات أمام شعار المالكي بإجراء المصالحة الوطنية التي يريدها الأمريكان الغزاة، ولا يريدون أن تكون المقاومة طرفا فيه. وهو الذي دعا البعثيين على إثر الإمضاء على مرسوم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت في زعيمهم وقائدهم ورمزهم وعنوان ثقافتهم وسياستهم صدام حسين في موعده وعلى إثر تنفيذه، إلى المصالحة الوطنية..هكذا !

وما كان كل ذلك إلا خطوات استعمارية أمريكية غربية صليبية باتجاه فرض الديمقراطية التي لا يريدونها لنا في الأصل إطلاقا، والتي يمنعون حلولها بربوع أوطاننا، على الشعب العراقي بعد الإطاحة بنظام الدكتاتور صدام حسين وبعد إعدامه. وليست تلك إلا ذريعة أخرى كاذبة، كذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل التي اجتاحوا بها العراق وسط تأييد رسمي عربي علماني وتقليدي فاسد، وغربي صليبي صهيوني ديمقراطي إرهابي. وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد كانت الحركة الإستعمارية الغربية قد اجتاحت المنطقة العربية خاصة، من العالم الإسلامي بذرائع كاذبة كانت الحركة القومية قد تفهمتها ووافقت عليها خاصة في المشرق العربي وهي:

1- تحريرنا من الإستعمار العثماني.

2- تأهيلنا لحكم أنفسنا بأنفسنا (الإنتداب).

3- إلحاق أبناء عمومتنا من اليهود الصهاينة بنا وإقامة دولة عربية يهودية في فلسطين تكون نموذجا حضاريا في الشرق بخبرات اليهود وعلومهم كما يؤكد على ذلك الشريف حسين وابنه فيصل.

4- تسليم المستعمرين البريطانيين، العرب الوطن العربي مستقلا وموحدا.

فالديمقراطية الأمريكية الغربية لا تعني سوى الإطاحة بالأنظمة، خاصة الوطنية منها. وإلغاء الدولة وحل الجيوش ووحدات الأمن المختلفة. وذلك ما لم تقم به بالكامل إلا في العراق. وإصدار أحكام الإعدام في الزعامات والقيادات الدكتاتورية في أوطانها، والقيادات الوطنية التي لا تأتمن على مصالحها في ظلها، والتي لا تأتمر بأوامرها ولا تنتهي بنواهيها، من أمثال سلفدور ألندي ونوريقى وميليسوفيتش وأخيرا وليس آخرا صدام حسين. وتنصيب قيادات عميلة خائنة لشعوبها وأوطانها. وإدخال البلاد كلها في وضع استثنائي ودوامة من العنف والتعذيب والقصف والتدمير لا نهاية لها.

وكانت مواقف النخبة مختلفة متباينة باختلاف المكان والموقع، والخلفية السياسية والفكرية والعقدية. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر على الرجل دكتاتوريته. ولا أحد يعتبر أن صدام حسين لم يكن دمويا ولم يجرم في حق شعبه وجيرانه بصرف النظر عن المبررات والتبريرات، وعلى اختلاف في المراوحة بين العقل والعاطفة، إلا من كان مجانا للصواب أو منكرا للحقيقة أو جاحدا لأصحاب الحق من الشعب ومن الجيران حقهم، أو منحازا انحيازا عاطفيا أو مصلحيا أو حزبيا أو عشائريا أو أسريا. وقد لعبت العاطفة والطائفية والعصبية إضافة إلى الأخلاق والأبعاد الإنسانية دورا كبيرا أمام:

1- وجوده في قبضة الإحتلال الأمريكي.

2- والمأساة التي أصبح الشعب العراقي يعيشها، والوضع المتفجر الذي بدا معه زمن حكم صدام له أفضل.

3- محاكمته من طرف قوات الإحتلال عن طريق أعدائه الطائفيين، وضحاياه العراقيين والعرقيين الأكراد.

4- التواطؤ الإيراني الصفوي مع قوات الإحتلال، والتدخل المباشر عبر عملائها الطائفيين هناك في الشأن العراقي.

5- الإنقسام الطائفي الذي فرض نفسه بفعل قوات الإحتلال، وبأداء المقاومة ضد الخونة والعملاء الذين كانوا على مستوى طائفي معين وعرقي معلوم.

6- النزعة الطائفية التي اكتستها المحاكمة والحكم، وتنفيذ حكم الإعدام في الرفيق القائد العربي صدام حسين.

7- تعامل الطائفيين الشيعة معه منذ البداية حتى النهاية على أنه سني.

8- التحرك السني وردود الأفعال المختلفة في وجه أمريكا وفي وجه النفوذ الإيراني والتبجح الطائفي الشيعي المرتهن لها والمتحالف مع قوات الإحتلال.

وقد كانت ردود فعل الشارع في بعض الأقطار العربية والإسلامية عاطفية صرفة لكل الإعتبارات السالفة الذكر. فقد استمات في الدفاع عنه والإشادة به والتعاطف معه حتى أولئك الذين الحق بهم من المظالم واقترف في حقهم من الجرائم ما لا يقل عن تلك التي ارتكبها في حق الشيعة والأكراد، أمام النزعة الإنتقامية الطائفية والصفوية والصليبية والصهيونية، خاصة لما نرى أن وزير خارجيته سابقا …..الصحاف لم تتضمنه قائمة المطلوبين أمريكيا بعد سقوط بغداد، وليس معنيا بشيء مما كان طرفا فيه، بما أنه كان ضمن الزمرة البعثية الحاكمة من حول صدام حسين، لا لشيء إلا لأنه علماني شيعي الأصل. وعندما نرى طارق عزيز في وضع أفضل، وهو كذلك أحد أركان نظامه، لا لشيء إلا لأنه مسيحي، إلى آخر ذلك من الدلالات التي تفيد بكل جلاء ووضوح تركيز قوات الإحتلال الصليبي على الجانب الطائفي، وتكريم الشيعة المتحالفين معها بتنسيق مع النظام الشيعي المذهبي في إيران، للمحافظة على تأييدهم لتقوية جانبها وموقفها السياسي والعسكري والأمني، للإنتقام ممن تريد أن تنتقم منهم، ولتمكن لديمقراطية الإنتقام والثأر وانتهاك حقوق الإنسان في السجون وخارجها. ديمقراطية القصف والإبادة والكراهية والعنصرية والإنقسام الطائفي والعرقي في البلد الواحد.

ـ تنظيم مجالس ومواكب العزاء في الداخل والخارج العراقي:

1- فقد كان طبيعيا أن يستلم أهله جثمانه وأن يتولوا مواراته التراب وقد أصبح من التاريخ. وقد شهد النقلة المحتومة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب حيث الحياة الأبدية التي ليس بعدها موت. وحيث الحياة الحقيقية. وحيث يعرض الناس لا تخفى منهم خافية. ومن عمل خيرا فلا يجد إلا خيرا منه، ومن عمل خلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه.

2- وكان طبيعيا كذلك أن تنظم مواكب العزاء في الداخل العراقي لاعتبارات أخلاقية وإنسانية بصرف النظر عن كل شيء، وقد أصبح الرجل من الماضي ولا طمع فيه مثلما كان يطمع فيه الطامعون، ولا خوف منه مثلما كان يخافه الخائفون.

3- وقد كان طبيعيا أن يكون ذلك على أساس القرابة الدموية أو المصاهرة أو الصداقة، وبخلفية عشائرية وطائفية وعرقية:

أ- أمام ما حصل من استفزاز وتجاوز طائفي صفوي.

ب- وأمام الوجود العسكري التخريبي التدميري لقوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي جعلت من الوطن العربي والعالم الإسلامي مسرحا لعملياتها العسكرية، في الشيشان وباكستان وأفغانستان، وفلسطين والعراق والسودان والصومالمن دون مختلف ساحات العالم، في مواجهة حركة التحرر العربي الإسلامي، بتعاون وثيق ومعلن مع طرف الأنظمة العميلة الفاسدة، ومن طرف الطائفة العلمانية في جل مكوناتها إن لم تكن كلها، ومن طرف النخبة التقليدية ذات العلاقة عادة بالأنظمة أي كانت طبيعتها، للإبقاء على الأمة كلها تحت رحمة العملاء والخونة والقوى الإستعمارية الصليبية والصهيونية المساندين لها والداعمة لهم.

أما في الخارج، فلنفس هذه الإعتبارات، وبنفس هذه الخلفيات كذلك، ولاعتبارات أخرى ذات صلة بالموقف العربي الرسمي الذي لاذ بالصمت في الغالبية العظمى منه إزاء ما حصل خوفا وتهيبا من أمريكا، والذي أراد ربما أن يعبر عن نفسه بأسلوب لا يحسب عليه ولا حاجة له في أن لا يحسب له، فسمح بهذه المجالس والخيمات والمواكب والمسيرات التي خلت منها المنطقة العربية، إذا ما استثنينا فلسطين والأردن، والتي كان لها ظهور أكبر في بعض الأوطان الأخرى من العالم الإسلامي، أن تكون تعبيرا ربما وبطريقة غير مباشرة عن عدم رضاها بالنهج الطائفي الذي سلكه شيعة العراق ومن ورائهم الصفويون في إيران، دون إغضاب أمريكا والكيان الصهيوني ودول الخليج، وخاصة الكويت التي عانت حكومة وشعبا من الغزو العراقي زمن حكم صدام حسين للعراق عليهم.

فقد جعل الطائفيون والإستعمار الأمريكي للعراق بهذا السقوط الأخلاقي واللإنساني، وبهذا التمثيل والحقد والعداء للمسلمين عامة وللمسلمين السنة خاصة، والذي عبر عن نفسه من خلال فتوى مراجع الشيعة الصفويين والعراقيين المتحالفين مع الإحتلال، من الخامنائي حتى السيستاني، في جواز إعدام صدام حسين يوم عيد المسلمين السنة إهانة وإذلالا لهم وللعرب، وبشرى لليهود الصهاينة في يوم سبتهم، ولرعاة البقر بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية وفي غير يوم عيد الشيعة.

فلم يكن تصوير مرحلة إعدام صدام حسين لحظة بلحظة صدفة، ولكن لذلك دلالات ومعاني كثيرة منها:

1- لوضعها بين يدي كل الحاقدين لإشفاء غليلهم.

2- ليشاهد كل الشعب ورعاة البقر بالبيت الأبيض والعصابات الإجرامية بتل أبيب وكل الصفويين في إيران والأكراد وزعمائهم وزعماء بعض العواصم العربية العملية ويعيشونها.

3- للتأكيد لكل العالم أن صدام حسين قد أعدم وانتهى.

4- ليكون ربما عبرة لكل المستبدين والظالمين والدكتاتوريين، من وجهة نظر الناطقين باسم الشعب العراقي بالمنطقة الخضراء، ومن وجهة نظر قيادات قوات الإحتلال في العواصم الغربية.

5- للتشفي أمام نجاح المقاومة في إفشال المشروع الأمريكي في حدود إنهاء العملية السياسية وعدم التقدم فيها وتشديد الضغط على الغزاة وإجبارهم على البدء في البحث عن خروج آمن لهم، من أهل السنة والجماعة باعتباره محسوبا شيعيا صفويا وأمريكيا غربيا صليبيا عليهم، شاء من شاء منهم أو أبا من أبا، وسواء كان ذلك صحيحا أو غير صحيح، وسواء كانوا قابلين بذلك ومجمعين عليه أم لم يكن ذلك كذلك.

6- لإعطاء آل الصدر الفرصة للقصاص منه مباشرة وبأيديهم. وللتشفي منه، وقد منحتهم الحكومة الأمريكية بالعراق برئاسة عميلها الطائفي المالكي المعمد غربيا والمزكى إيرانيا والمفوض شيعيا والمدعوم صدريا هذه الفرصة. نقول هذا بكل أسف وحسرة، لأنه ما كان لما حصل أن يكون، وما كنا نريده أن يكون. وقد رأينا كيف أن الأكراد من منطلق عرقي لم يفعلوا ذلك ولم يقبلوا به، ولم يوافقوا عليه في شخص الرئيس المنصب أمريكيا وبخلفية عرقية كردية. لأنه وإن كان عميلا كغيره من العملاء لم يوافق على ذلك وبخلفية كردية وهو الذي كان معافى من الحقد الطائفي الذي بدا الأخطر في العلاقات الإجتماعية والدولية من الحقد العرقي. وليس صحيحا أن أولئك الملثمين هم موظفون بالوزارة، وحتى إذا كان الأمر كذلك فقد تم الإختيار عليهم، ويكونوا هم أنفسهم قد سعوا إلى ذلك، وليكونوا هناك ولينفذوا فيه حكم الإعدام بذلك المشهد الإحتفالي، كما سبق له أن أعدم آل الصدر وغيرهم من قبل.

7- إضعاف الروح المعنوية للعراقيين الذين مازالوا يحافظون على ولائهم لصدام حسين ولزمرته من البعثيين الذين تلوثت أيديهم بدماء الكثير من أبناء الشعب العراقي.

8- لتأكيد ولاء هذه الحكومة العاجزة الفاشلة، التي هي حكومة الوكلاء العملاء في حضور الأولياء الأعداء والإخلاص لهم، ولآل بوش بالبيت الأبيض وللنظام الفارسي الشيعي في إيران.

9- للغباء وفساد الرؤية السياسية للحكومة الأمريكية الفاسدة بالعراق برئاسة المدعو المالكي، وقد غلب الحقد الطائفي على الحكمة والأخلاق والقيم الإنسانية.

10- وربما لتوريط ما يسمى بالتيار الصدري الذي حمل المالكي لرئاسة الحكومة بما يزيد من الإحتقان الطائفي، والذي سعى على ما يبدو وبكل جهده لإنجاز مهمة إعدام الرفيق صدام حسين كعربون ود وردا للجميل، وتعبيرا منه لوفائه له، إضافة إلى تحقيق غاية في نفسه ولإرضاء أكثر من طرف ومن جهة داخلية وإقليمية وعالمية.هذا التيار ذو الصلة المباشرة والوثيقة كذلك بالنظام الإيراني، والذي أوغل في التصفية والإبادة الطائفية، مما أفسد على أمريكا خططها في مغادرة العراق ببعض ماء وجهها وقد أنهكتها المقاومة وألحقت بها خسائر كبيرة، ليس إلا أحد مكونات الطائفة الشيعية المتعاونة مع الإحتلال، والذي ينتهي دائما في رقصاته المتناقضة للعودة إلى عباءة السيستاني السوداء، وهو التيار الأكبر في الساحة الشيعية، وعلى رأسه مجموعة من المراهقين بقيادة صاحب الشطحات العجيبة المدعو مقتدى الصدر الذي مازالت مكونات الطائفة الشيعية مستفيدة من غبائه السياسي، والدفع به لإذكاء الفتنة الطائفية، محافظة منها على وضع متفجر في كل مستوى وعلى كل صعيد، لا يسمح للقوات الغازية بمجرد التفكير في مغادرة العراق حتى يبلغ الإنفصاليون من أنصار التقسيم والداعين له والعاملين عليه مستوى من العدة والعتاد والإعداد الذي يستحقونه لتحقيق مآربهم دون أن تبقى لديهم حاجة لمن يحمى مشروعهم ويدافع معهم عنه، ويتحقق كذلك لأمريكا ما تريده في المنطقة مما تسميه الفوضى المنظمة

وبإعدامه بتلك الطريقة الهمجية اللإنسانية، وفي ذلك التوقيت المقصود، يكون صدام حسين على ظلمه وبطشه وفساد نظامه قد قضى في نظر الكثيرين حتى من خصومه شهيدا” .

وبهذه المواقف وبهذا التعاطف الذي لقيه صدام حسين في الكثير من الأوساط للإعتبارات السالفة الذكر:

- بعد الذي مازال يشاهده العالم من مأساة بالعراق.

- وبعد إلقاء القبض عليه من قبل الأمريكان.

- وبعد محاكمته وإصدار حكم الإعدام بحقه.

- وبتنفيذه بتلك الطريقة المخجلة بالغ ما بلغ من الإيغال في الجريمة.

كان صدام حسين لعنة على أعدائه حيا وميتا، بسبب أن الذين أعدموه، كان من المفروض أنهم إنما جاؤوا وجيء بهم ليكونوا بديلا ديمقراطيا يحتذى في المنطقة كلها، ولينقذوا الشعب مما كان يتعرض له من هلاك كان صدام حسين وحزبه يلحقونه به. ولكن مازال الذي يتعرض له على أيديهم من بعده أكثر بشاعة. وكانوا من الخونة والعملاء. وكانوا أشد نذالة ودموية وإرهابا منه.

ـ الغايات والأهداف :( 3)

فلئن كانت غايات وأهداف الطائفيين هي بعض ما تمت الإشارة إليه سالفا، سواء كانوا يقصدونها أو لا يقصدونها، وسواء كانت حاضرة لديهم أو غير حاضرة، وسواء كانوا يعلمون ذلك أو لا يعلمونه، فإن كل ذلك وغيره يمكن أن يكون صحيحا، وأن لكل ذلك تداعياته على الداخل والخارج العراقي.

وإذا كانت الغايات والأهداف القريبة والظرفية التكتيكية كذلك وفي ذلك المستوى، فإن الغايات والأهداف الإستراتيجية التي يجب الوقوف عندها، ليس من خلال إعدام صدام حسين فقط، ولكن من خلال عودة الإستعمار للمنطقة هي أكبر من ذلك.

لقد دخلت أمريكا المنطقة غازية عسكريا بأربعة عناوين لغايات أساسية هي:

1- محاربة الإرهاب: وهي الحرب الإستباقية التي أعلنتها أمريكا على العرب والمسلمين، بعد الهجوم الذي شنه عليها تنظيم القاعدة بواشنطن ونيويورك يوم 11/9 /2001، على قاعدة القانون الروماني القديم وعلى قاعدة المعتقد اليهودي القائلين بمعاقبة الجميع بجريرة البعض لإجهاض مشروع حركة التحرر العربية الإسلامية في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي وفي العالم.

2- نزع أسلحة الدمار الشامل: الذي أوهمت العالم أن النظام العراقي في عهد صدام حسين كان يملكها، وهو يشكل بها خطرا على جيرانه وعلى العالم، لضمان أمن جيرانه والمنطقة والعالم، بما في ذلك إيران، التي كان العرب والغرب كله قد مد له يد المساعدة والمساندة المطلقة واللامشروطة لشن الحرب عليها بالوكالة عنهم. وكانت ذريعته في ذلك في حينه، المشكلة الحدودية بين العراق وإيران، والتي كان من المفروض أنها منتهية منذ أن أمضى صدام حسين نفسه بالنيابة عندما كان مستشارا للرئيس العراقي حسن البكر على تسويتها مع نظام الشاه في ذلك الوقت بالجزائر سنة 1975.

3- الإصلاح السياسي وإصلاح مناهج التعليم: وهي التي تفسد ولا تصلح، بهدف فرض الثقافة العلمانية ذات الأصول المسيحية اليهودية، المشروع الإستراتيجي لحركة الإستعمار كلها منذ أن انطلقت في القرن الرابع عشر، وقطع الطريق أمام الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، المشروع الأساسي لحركة التجديد والإحياء والإصلاح العربية الإسلامية، وليس تلك الرسمية السائدة المغشوشة.

4- فرض نماذج لأنظمة ديمقراطية تحتذى: على الطريقة الأمريكية الغربية وعلى مقاسها، وبما يحقق العولمة الثقافية حيث لا ثقافة غير ثقافة الغرب ولا شعوب ولا أوطان ولا أمم ولا حضارات ولا خصوصيا ولا ثوابت غير ثقافة وحضارة الرجل الأبيض الفاتح المسلح والباحث عن الثروة.

ومن خلال هذه الغايات وغيرها يهدف الغرب الصليبي العنصري بقيادة الإمبراطورية الأمريكية إلى:

1- فرض العولمة كخيار غربي أمريكي، لتكون أمريكا هي الآمر الناهي في العالم كله بما في ذلك الدول الغربية والإتحاد الأوروبي الآخذ في التشكل والإمتداد شرقا حفاظا على أكثر ما يمكن من النفوذ والمصالح أمام تهديد النفوذ والتفوق الأمريكي ماليا واقتصاديا وإعلاميا وعسكريا. هذه العولمة التي يريدها الإتحاد الأوروبي ودول شمال آسيا غربية يهودية صليبية وثنية، وتريدها أمريكا أمريكية صهيونية، بعدما أضافت للصواريخ العابرة للقارات الإعلام العابر للآفاق، والشركات العملاقة العابرة للقارات، والرساميل العابرة للقارات، على أساس قاعدة الإقتصاد الحر القديمة المعروفة :( دعه يفعل دعه يمر).

2- تأكيد الهيمنة المطلقة لدولة الكيان العبري الصهيوني اليهودي في الشرق الأوسط كامتداد طبيعي للوجود وللنفوذ الغربي وللنمط الحضاري والإجتماعي الغربي، و كانت تراهن عليها منذ البداية لتكون إسفينا مدقوقا في ظهر الأمة العربية تحديدا، وعامل إعاقة دائمة للتطور الحضاري المعرفي التقني والعلمي والإجتماعي والإقتصادي والسياسي، وهي التي ساهمت الحركة القومية العربية، والنظام الإقليمي العربي، والدولة القطرية المولود غير الشرعي لحركة الإستعمار، في إيجادها وبقائها واستمراها في الوجود قوية، بشكل ليس هنا مجال تفصيله(يأتي بيان ذلك في دراسة لنا مازالت بصدد الإعداد والمعالجة بعنوان: خلفاء الإستعمار).

3- تنفيذ برنامجها في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي الأكثر تنوعا دينيا وعرقيا وطائفيا وأثنيا، والأكثر انقساما، والذي تسميه الفوضى المنظمة، بتفتيت المفتت لتزيد تلك الأوضاع انقساما وتوترا وتصادما وفرقة على أسس دينية وعرقية وطائفية. ولتكون هي الجهة القائمة على تنظيم هذه الفوضى التي تعمل على إيجادها، كما هي قائمة وبنجاح على تنظيم فوضى الإنقسام القطري. وكما نجح الإستعمار من قبل في تفتيت الموحد من الأمة الإسلامية وبتركيز خاص على المنطقة العربية لرمي العرب فيها بدولة الكيان الصهيوني، وكانت الحركة القومية العربية خير معين له على ذلك.

4- العمل بكل الوسائل وعلى مدار الزمن، ومع كل من يسمع لها ويطيع، على إجهاض مشروع الحركة الإسلامية المعاصرة التي أصبحت الممثل الحقيقي الشرعي صدقا وعدلا لحركة التحرير العربي الإسلامي بالرغم مما تعانيه من نقائص، وممازال يكتنف مشروعها من غموض في مواجهة الإستبداد والصهيونية والإمبريالية العالمية لتحقق برنامجها في الوحدة العربية الإسلامية والتنمية والثورة العلمية والتقنية بالتنسيق والتعاون مع كل الوطنيين والأحرار والمستضعفين في العالم.

5- مواصلة فرض المشروع الثقافي والسياسي والإقتصادي والإجتماعي الغربي على كل أمم وشعوب الأرض وفي استهداف خاص:

أ- للعرب والمسلمين بخلفية صليبية.

ب- ثم بخلفية استعمارية للهيمنة والنهب.

ومن ثمة كان حرصها على الإطاحة بصدام حسين المتقلب في المواقف، والذي لا يؤتمن جانبه بالرغم من علمانيته، ولكن يبقى دائما من بقايا امتدادات الإتحاد السوفياتي سابقا، ومازال محافظا على علاقاته بروسيا. وكان تراجعها في برنامج الديمقراطية والإصلاح للشرق الأوسط الكبير الذي دخلت به المنطقة غازية، عندما جاءت نتائج الإنتخابات النيابية التي حصلت بالمنطقة لصالح الإسلاميين في الحركة الإسلامية، وخاصة بفلسطين. وبالرغم من توتر علاقاتها بإيران منذ الثورة التي أطاحت بشرطيها في الخليج الشاه، إلا أن اللقاء قد جمعهما من أجل الإطاحة بنظام إمارة طالبان الإسلامية السنية التي لا ترغب فيها إيران خاصة، والتي كانت عينها على أقلية شيعية هناك، على قاعدة الحرب على الإرهاب.

وإذا كان لابد أن تبقى أمريكا غارقة في الوحل الأفغاني، فإنه لا حاجة ولا ضرورة بعد ذلك لإيران بأن تقاسمها الغرق في نفس الوحل، بعد أن أصبحت علاقة الأقلية الشيعية في مزار الشريف مدينة بالولاء لأمريكا وللقوات الغربية هناك، مثلها في ذلك مثل أغلب مكونات الطيف الطائفي الشيعي في العراق بعد ذلك.

وقد تبين أن علاقة التوتر الظاهرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا تحول دون الإلتقاء على نفس الصعيد عند تقاطع المصالح، وهي التي لم تلتق معها بوضوح على أي صعيد بالقدر الذي كان عليه الإلتقاء في أفغانستان بدافع طائفي عدواني لأهل السنة، خاصة بعد ما افتعلت قضية قتل الجواسيس الإيرانيين بمزار الشريف من طرف مقاتلي طالبان عندما كان لها السيطرة على نسبة % 95 من أرض أفغانستان، اعتبرت أنهم دبلماسيين في دولة لم تكن إيران معترفة بها أصلا. وليس بنها وبينها بالتالي تبادل تمثيل دبلماسي.

وبعد غرق الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة اليمين المسيحي اليهودي المتطرف في أفغانستان، كانت إيران بالرغم من مواصلة الخطاب المتوتر ضد أمريكا، وهو خطاب لا يعدو أن يكون لغير الإستهلاك الإعلامي لا ترى مانعا من إقدام أمريكا على الإطاحة بنظام صدام حسين صديق الأمس بالعراق، وهي التي أذاقها طعم الهزيمة بعد حرب بينها وبينه دامت ثماني سنوات. تلك الحرب التي كانت حقيقتها ودافعها غير المعلن استقطاب الثورة الإيرانية الشيعية المذهبية شيعة العراق بالجنوب. وكان الدافع المعلن لإشعالها، تراجع صدام حسين على رأس النظام العراقي في المعاهدة الحدودية لسنة 1975، وبدعم عربي ومباركة من جل الأنظمة العلمانية اللائكية والنخبة الداعمة لها، من منطلق الفكر التقليدي وطبيعة النظام السياسي العربي التقليدي الملامس للإسلام على المعنى المتوارث منذ الإنقلاب الأموي على نظام الخلافة الراشدة الشوري، وإقرار نظام الوراثة العضوض، وهو الذي أصبح تغلب عليه التقاليد. ومن منطلق طائفي استنادا إلى فهم للإنقسام الطائفي السني الشيعي في تاريخ الإسلام، وتلك الثورة التي كنا في حركة الإتجاه الإسلامي في تونس في ذلك الوقت، والتي هي حركة النهضة في ما بعد، قد دفعنا ثمن تأييدنا لها ومساندتنا لإيران في ذلك الوقت غاليا، عندما كان قد ساد عندنا الإعتقاد بأننا بين يدي ثورة إسلامية. وقد أدخلت بها إيران التشيع بيوتا ما كان له أن يدخلها بغيرها. وإذا كان النظام الإيراني العلماني الفارسي في عهد الشاه مناهضا للعروبة والإسلام، ومساندا وداعما وموال للغرب وللصهيونية، فإن إيران الملالي، إيران الثورة الإسلاميةقد جعلت:

- من الإسلام في مفاهيمه الطائفية المذهبية الشيعية.

- ومن إظهار العداء للإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، ومناهضة ثقافة وحضارة الغرب.

- ومن القضية الفلسطينية.

البوابة التي دخلت منها العالم الإسلامي والمنطقة العربية لاحتضان الأقليات الشيعية، وللتمكين للتشيع وتصحيح عقائد المسلمين التي يعتبر الشيعة أنها منحرفة وفاسدة يقضي الواجب الشرعي منهم إصلاحها وتوضيحها، وليس لتحرير فلسطين والقدس، لأن للشيعة من المزارات والأماكن والعتبات المقدسة ما لا يجعلهم في حاجة كبيرة للإلتفات للمسجد الأقصى، إلا ربما بعد تحرير البيت الحرام من هيمنة النواصبعليها.

وهي التي تملك من الحقد والكراهية:

1- بدافع مرارة الهزيمة التي ألحقها بها صدام حسين والنظام البعثي في العراق.

2- وبدافع عداءها للدولة العلمانية، كدولة طائفية شيعية ذات أصول إسلامية.

3- وبدافع التخلص من رجل قوي جمع كل ثقافة الإستبداد والدكتاتورية على رأس بلد يملك من الثروات والقدرات ما يجعله قوة إقليمية على حدودها مباشرة، لا يمكن إلا أن يكون معرقلا لتصدير الثورة للمنطقة، ولشد أنظار الشيعة بصفة خاصة لها، وإعطائهم روحا معنوية طائفية قوية، والبحث على نفوذ لهم في الأقاليم العربية التي لهم فيها وجود، وحادا من نفوذها ومعرقلا لتقدمها طائفيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.

وهي التي كان لابد بناء على ذلك، أن تكون طرفا مساعدا ومهما لا يرى مانعا من وجود القوات الأمريكية على حدودها في العراق، كما كانت لا ترى مانعا من وجودها (وهي الشيطان الأكبر)على حدودها في أفغانستان من قبل، إذا كانت ستغرق مرة أخرى في وحل مستنقع بلاد الرافدين. ولا غرابة في القول من دعم إيران للمقاومة في أفغانستان، وحتى لبعض الجهات ربما في العراق بطريقة أو بأخرى، فليس ذلك على قاعدة تحرير العراق وأفغانستان وفلسطين، ولكن لإحداث توازن يطيل أمد الصراع ويبقي على القوات الأمريكية والوجود الصهيوني في مناطق الصراع العسكري أكثر وقت ممكن، تكون إيران قد أخذت فيه من الوقت ما يكفي لتكون القوة الإقليمية في المنطقة بدون منازع في إطار الإعداد لمشروع أكبر ينتهي بها إلى ما يعتبره الشيعة الصفويون المهمة الكبرى والمسؤولية التاريخية التي يقتضي الواجب الشرعي منهم القيام بها وهي تحرير مكة. وإن كان هذا الذي تقوم به إيران من إعداد وإصلاحات يتناقض مع مقتضيات ظهور المهدي المزعوم الذي يستعجلون فرجه.

وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي استطاعت أن تكون طرفا في الإطاحة بنظامين تكون أمريكا هي الطرف المهم والأكبر في القيام بذلك في إطار تقاطع المصالح، حتى أنها لتبدوا أنها إنما تقوم بذلك بالوكالة عنها. وهي التي عززت موقف أمريكا المهووسة بالحرب على الإرهاب في غزو العراق بتحالف وولاء التنظيمات الشيعية بالجنوب خاصة بها، والتي أحاطها المرجع الديني الطائفي الصفوي علي السيستاني برعايته وتأييده. وفعلا فقد نجحت إيران في الإطاحة بصدام حسين عدوها اللدود بتحالف مع أمريكا عبر ميليشياتها في العراق، كما استفادت من إطاحتها بنظام طالبان وملاحقة القاعدة.

فقد كانت إيران هي المستفيد الوحيد من تورط أمريكا في تحقيق هدفها من رغبتها في الإطاحة بصدام حسين ونظامه لتتحقق لها بذلك رغبة أخرى في الإبقاء على الوضع متفجرا من حولها وفي العراق بالذات لأهداف استراتيجية منها:

1- بلوغ مرحلة متقدمة في برنامجها النووي تفرض به على المجتمع الدولي القبول والتسليم بها كما أسلفت كقوة إقليمية يحسب لها حسابها في المنطقة وفي المعادلة الدولية، وكدولة نووية تكون صاحبة حق في دخول النادي النووي الدولي.

2- الإبقاء على أمريكا في المستنقع الأفغاني والوحل العراقي حتى لا تتفرغ لها فبل بلوغ حالة الإستعصاء على إضعافها والحد من تنامي قدراتها الإستراتيجية الإقتصادية والصناعية والعسكرية، وقبل امتلاكها للسلاح النووي الذي تضعه نصب عينيها، وتسخر له كل إمكانياتها، وتسعى لامتلاكه بكل الوسائل، وهي على ما يبدو على قاب قوسين أو أدنى من ذلك. وليست المسألة إلا مسألة وقت لا غير.

فإيران هي الدولة التي لا ترى ربما أمريكا حرجا في النهاية:

أ- بعد ما علمت طبيعتها الطائفية والعرقية الفارسية.

ب- وبعد ما علمت أنها لا يمكن على أساس منظومتها الفقهية التقليدية التكفيرية أن تنسجم مع المحيط العربي الإسلامي السني الغالب، وأن لا يتم القبول بها فيه باطمئنان، ما لم تمتد جسور الحوار والتواصل الجاد وتحسن النوايا وتصدق، باتجاه علاقات أكثر وضوحا وأكثر جدية وصدقا في إطار الإحترام المتبادل والجاد من أجل صالح عموم المسلمين، بعيدا عن الحسابات الطائفية والمذهبية والعرقية، من تبادل الأدوار والمصالح معها، وذلك ما لا ترى فيه مانعا، بل لعل ذلك ما تسعى إليه مرحليا على الأقل، مثلما كانت تفعل مع الشاه من قبل، إذا ما تجاوزت حدود السيطرة عليها، وذلك ما ليس من السهل على أمريكا أن تتنازل لها عليه، ولا الإتحاد الأوروبي وإن بدرجة أقل، ولا الكيان الصهيوني الذي مازال يعتبرها خطرا جديا واستراتيجيا عليه:

1- من خلال اهتمامها بالمنطقة.

2- ومن خلال وجودها على خط التماس على الحدود اللبنانية من خلال حزب الله المنحدر من رحمها والذي جعلت منه قوة ضاربة استطاع أن يلحق بها أكثر من هزيمة بعد أن أحاط نفسه بأسطورة المالك للجيش الذي لا يقهر.

3- ومن خلال حملتها الإعلامية المتواصلة عليه، وهي كما أسلفت، مازال ذلك بالنسبة لها ليس أكثر من جزء من خطة لدخول المنطقة، ولتكون لاعبا أو اللاعب الرئيسي فيها، باتجاه استكمال أسباب القوة، وفي الخطاب السياسي والإعلامي المتوتر خاصة بعد صعود الإبن المدلل لمرشد الدولة الإسلاميةعلي خامنائي أحمدي نجاد تجاه الرأي العام العربي الإسلامي للتمكين لعقيدة التشيع والتبشير لها، وهذا ما بدأت تخطوا فيه بنجاح في الكثير من أنحاء العالم العربي الإسلامي.

فأمريكا لا تعلم اليوم كيف السبيل للخروج من المأزق العراقي. هذا العراق الذي لم تنجح إلا في الإطاحة بنظامه السابق، وإلا في إلقاء القبض على رئيسه السابق صدام حسين ومحاكمته وتنفيذ حكم الإعدام فيه من أجل أقل جرائمه التي ارتكبها فيه إثارة.

أ- فلا هي قادرة على الخروج منه.

ب- ولا هي قادرة على البقاء فيه.

حتى وهي الشيطان الأكبرفي الإعلام وفي الثقافة الإستهلاكية الإيرانية، وهي التي يتداولها الإعلام الأمريكي في تصريحات رعاة البقر من اليمين المتطرف المتصهين في البيت الأبيض على أساس أنها دولة شريرة كانوا قد أنزلوها في محور الشر مع العراق على عهد الشهيد صدام حسين ومع كوريا الشمالية، كانت الجسور غير الرسمية بينهما مفتوحة على الطريقة الأمريكية الإيرانية، لتتوجه لها ولسوريا بطلب مد يد المساعدة للبحث معها عن حل مشرف للخروج من العراق ولو ببعض ماء الوجه بعد أن أقرت بهزيمتها ومن معها من العملاء والخونة في الشمال والجنوب أمام المقاومة الباسلة المجاهدة، وبعد أن جربت سياسة التحذير والتهديد والوعيد التي عاد إليها الإرهابي بوش الصغير في خطته الأخيرة بعد ما ضرب عرض الحائط بتوصيات بيكر هاملتن وقرر إرسال 27000 جندي أمريكي إضافة إلى الـ130000 القدامى وأدار بظهره لها ولسوريا، وتوجه صوب الأردن ومصر والعربية السعودية ليكون له، ربما مع سوريا وإيران، موقف وشأن خر، وقد قوبل طلبه بالرفض، لأن البلدين من محور الشر بحكم علاقة التلازم القائمة بينهما منذ الثورة الإيرانية، والذي يشكل البعد الطائفي بين النظامين حجر الزاوية فيها، وهما الذان لا يريدان لها إلا أن تظل كذلك، حتى لا تجد ولو فرصة واحدة لمجرد التفكير لفرض أي عقوبة على أي منهما. والحقيقة أنه لا أمريكا ولا إيران ولا سوريا تملك الحل للقضية العراقية، ولا كيفيات وسبل معالجتها والخروج منها. فإيران لم تكن في الحقيقة رافضة للبحث مع أمريكا عن حل للحالة العراقية ولكن:

- أولا: لأنها وسوريا جزء من المشكلة وليستا جزءا من الحل.

- ثانيا: لأنه لا مصلحة لهما في ذلك مطلقا. وهما التان لا تريدان لأمريكا أن تخرج من كل هذه الأماكن البركانية المتفجرة.

- ثالثا : لأنهما لا تملكان الحل وليستا قادرتين عليه.

وكذلك كل دول الجوار التي مازالت أمريكا تعول ربما عليها لإخراجها من المأزق.

ولعل بعد الذي حصل في العراق وخاصة:

- بعد الضجة التي أثارها إعدام صدام حسين في الوسط السني والإنساني في العالم.

- وحملة التطهير الطائفي التي يقوم بها أصحاب الحل السياسي بالبلاد من شيعة العراق بإشراف إيراني مباشر.

- وبعد يأس أمريكا من جدوى البحث عن حلول لمشاكلها في العراق بالتعاون مع إيران وسوريا التين هما كما أسلفت لا يمكن أن يكونا جزءا من الحل باعتبارهما جزءا من المشكلة.

- وبعد القلق الأردني والمصري والسعودي من النفوذ الإيراني المتعاظم ومن خطورة الهلال الشيعي الذي تمت الإشارة إليه في العديد من تصريحات كل من قيادات مصر والأردن والسعودية.

فيبدوا أن أمريكا قد بدا أنه من الأجدى لها التوجه إلى حلفائها التقليديين الأكثر وفاء للبحث عن سبل أفضل لحل مشاكلها في المنطقة وفي العراق تحديدا، وللحد من النفوذ الإيراني وما يمكن أن يشكله من خطر على المنطقة كلها.

وما هذه المحاولات وهذا التخبط إلا محاولة للهروب مما لابد منه في النهاية. فهي محاولات جادة ومتواصلة لاستثناء المقاومة، وهي وحدها التي تملك الحل وتمسك بأوراق اللعبة، وجل إن لم تكن كل خيوطها.

وليس أمام أمريكا إذا كانت تريد أن تريح نفسها وتريح شعبها وتريح المنطقة التي لا تريد أن تريحها ولا تريد لها الراحة، وما زالت تعمل بكل جهد وبكل الوسائل لفتح جبهات فيها، والزيادة في حدة التوتر الذي لم يفارقها منذ زمن بعيد، ولعلها أكثر مناطق العالم توترا قديما وحديثا،وستظل على ما يبدو كذلك طالما:

أ- أن أهلها منقسمون على أنفسهم عرقيا وطائفيا ومذهبيا وثقافيا وحضاريا أيما انقسام.

ب- وأن ولاء أغلب الفاعلين فيها للأجنبي أكثر من ولائهم لأوطانهم وشعوبهم وللأمة.

ج- وأن كل التوقعات على أساس المعلوم من أمر مخزون الطاقة في العالم أن آخر برميل نفط سيكون استخراجه منها ومن العراق تحديدا، وتريح العالم من حولها، إلا أن تتواضع وتتنازل عن كبريائها الزائف وعنجهيتها وتعجرفها واستكبارها الذي لم يجلب لها إلا الهزائم في كل الحروب التي أشعلتها في أنحاء مختلفة من العالم، والذي ساءت بها سمعتها في الكون كله، وتتوجه صاغرة للبحث عن حل لنفسها لدى مختلف فصائل المقاومة التي وحدها كذلك مع كل أحرار العراق القادرة على بحث الحلول المناسبة للعراق وللشعب العراقي، تاركة استراتيجية محاربة الإرهاب وعدم التعاطي وعدم الحوار مع من تصنفهم إرهابيين وراء ظهرها، والإتجاه لبحث حلول للعالم وتحقيق الأمن والسلام لكل الشعوب مع من لا دور لهم في تحقيق السلام والأمن، ومعرضة عمن لا سلام في العالم بدون التشاور والتحاور وبحث الحلول معهم، لإنهاء المظالم وتوجيه النفقات الهائلة المرصودة لتغطية الحروب المدمرة وإشعال أوارها، وتكديس الأسلحة التقليدية وتطوير أسلحة الدمار الشامل، لتطوير البحث العلمي في المجالات الإنسانية، وإطعام الملايين من الأفواه الجائعة، وتوفير مياه الشرب والري لكل شعوب الأرض، ومواجهة الأوبئة الفتاكة المنتشرة في العالم، والعمل على إنقاذ الحياة على الكرة الأرضية كلها من خطر تأثير الإحتباس الحراري ،والتي لا تزيدها الحروب والتلوث الذي يصيب الكون بسبها وبفعلها إلا استفحالا، والتي تفتك بملايين الأنفس يوميا، من مثل الفيضانات والأعاصير والزلازل والجفاف والعواصف والإيدز والسرطان والملاريا والحمى القلاعية وأنفلونزا الطيور والسل الذي افلت مجددا من عقاله وغير ذلك من الأمراض الفتاكة والكوارث الطبيعية.

3- ولعل إعدام صدام حسين هو رسالة موجهة من البيت الأبيض للقيادات في النظام العربي الفاسد، مفادها أن الإطاحة بهم ودق رقابهم هو رهن إشارته في الوقت الذي تراه قياداته مناسبا، وهي القادرة عليه دائما، وهي البالغة مستوى من الإجرام يسمح لها أن تقوم بذلك متى بدا لها ذلك مناسبا إلى جانب القدرة عليه، والتي أصبح لها من التقاليد في ذلك ما لا يستطيع أن ينكرها عليها أحد. فالحي منهم من تريد له قيادة البيت الأبيض الحياة، والمقتول منهم من تريد أن يقتل، تصفية جسدية أو سياسية أو الإثنين معا. فرقابهم مملوكة لها، ومن أطاعها سلمت رقبته، ومن عصاها دقت كما دقت رقبة صدام حسين ورفاقه. وهي الواجدة على ذلك أعونا لها في المنطقة العربية وفي العالم. وقد استوعب القائد العقيد معمر القذافي الدرس جيدا. فلم يكن هتلر ولا موسيليني ولا شاوسيسكو ولا السادات ولا ميلوسوفيتش الذين أطاحت بهم شعوبهم أو قتلتهم عبرة لهم، ولكن كان صدام ونوريقا والملا عمر وهم بين محتجز و مطارد ومقتول عبرة لمن يعتبر منهم. وما من أحد منهم يخشى الله أو الشعوب على موقعه السياسي أو حياته، بقدر ما يخشى أمريكا والكيان الصهيوني. وقد صاحب ذلك ما يشبه اليقين عندهم أن حياتهم ومماتهم قد أصبحت بيد هذين القوتين. فهما القادرتين على قتلهم كما فعلت أمريكا بصدام حسين وبأيادي عراقية، وكما فعل الكيان الصهيوني بياسر عرفات وبأياد فلسطينية. وهما القادرتان على الإبقاء عليهم أحياء، وهم من كانوا دائما أحرص الناس على حياة.

4- أما هذا الهدف فإن شعوب منطقة أكبر مخزون للطاقة من النفط والغاز الطبيعي خاصة، وشعوب العالم الإسلامي عامة، وعالم المستضعفين عموما هي المعنية به. ذلك أن احتلال العراق وإعدام صدام حسين قد يكون رسالة مفادها، وربما تعني من بين ما تعنيه، أنه لا قدرة لك أيتها الشعوب على الثأر لنفسك بنفسك من المستبدين والظالمين المتسلطين الذين أوجدهم أو يوجدهم غيري، أو وجدوا بطريقة غير شرعية أو غير مقبولة، والذين مازالت لي القدرة وحدي على الإبقاء عليهم أو كنسهم، إلا بتدخلي ومساعدتي. فمن والاني واستنجد بي ليكون بديلا أفضل، وتتحقق من خلاله مصالحي المختلفة، وتدفع به عني المخاطر والخسائر، فإنه بالغ ذلك لا محالة بكل الوسائل وفي الوقت المناسب، كما حصل في الشيلي وفي غيرها من بلاد العالم قديما، خاصة في مرحلة الحرب الباردة وبعدها، ومثلما حصل في أفغانستان وفي العراق وفي الشيشان وفي الصومال حديثا كما يرى العالم كله. ومن عاداني واستغنى عني فلا قدرة له على الخلاص والتحرير. وليس أمامه إلا القبول بالأنظمة الفاسدة المستبدة كقدر مقدور عليه. وهي التي ستظل متسلطة على رقابك وأنا داعمة لها طالما كانت وفية وخادمة لي، ولا أمر لها إلا أمري ولا نهي لها إلا نهيي. فأمريكا هي القوة التي لا صداقة دائمة لها لأحد، ولا عداوة دائمة لها في النهاية لأحد. وهي التي حيث المصلحة والسلامة. وهي التي في النهاية ليس أمامها كما كل قيادات الغرب الصليبي إلا التسليم بحق من يصر على انتزاع حقه منها. والحقوق في شرائع الأرض والسماء وفي ثقافة الظالمين لا تعطى وإنما تفتك. ومن أراد حقا فليس أمامه من خيار إلا أن يفتكه ممن اغتصبه منه أو أن يموت دونه. فما ضاع حق وراءه طالب. ومن مات دون ماله وعرضه مات شهدا كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال.

5- لقد بات شبه متأكدا لأنظمة الإستبداد أن دور الشعوب في الإطاحة بها بدا بعيدا إن لم يكن مستحيلا، لأنه بقدر ما تكون وفية للقوى الدولية الإستعمارية بقدر ما تكون في مأمن من الإطاحة بها من طرف شعوبها، مما يزيدها ولاء وعمالة وخدمة لها لدرء الإسقاط ودق الرقاب، ومما يزيدها استهتارا بالشعوب واستخفافا بها والزيادة في اضطهادها وظلمها والتسلط عليها. هذه الشعوب التي أصبحت لا تأمل هي نفسها في القدرة على ذلك بدون دعم خارجي. ولعل همة أعداء الشعوب الداخليين والخارجيين تتجه نحو إسقاطها في الإحباط حتى تصرفها عن مجرد التفكير في غير ذلك، مما يفسح المجال واسعا أمام القبول دائما بأحد أمرين:

أ- أما الإستبداد.

ب- أو الإحتلال.

وتتضاءل الآمال لديها في الإستقلال، ويستقر الأمر على حال من الإحباط لم يعد فيه للشعوب أي دور سوى تزكية الإستبداد على قاعدة:

1- أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان.

2- والقبول بالسيئ خوفا من الأسوإ.

هذا الدعم الذي إما أن يكون:

أ- لصالح الأنظمة عندما ترى أن خطر إطاحة الشعوب بها أصبح واردا أو ممكنا أو بات وشيكا أو محتملا.

ب- أو لصالح الشعوب عندما ترى القوى الدولية أن أي من هذه الأنظمة لم يعد من مصلحتها الحفاظ والإبقاء عليها. وما يبدو لصالح هذا أو إلى جانب ذاك، فليس فيه في الحقيقة شيء لصالح الشعوب المستضعفة أو لصالح الأنظمة العميلة المرتهنة سياسيا، والملحقة والتابعة ثقافيا وحضاريا. وما من تدخل إلا ليكون لصالح الجهة الدولية المتدخلة لإعادة ترتيب الأوضاع في هذا البلد أو ذاك.

ولا يمكن لسنن الكون والتاريخ أن تسمح للقوى الشريرة المستبدة الظالمة أن تكون وحدها صانعة التاريخ، من غير أن يكون لحركة الشعوب بقيادة قوى التحرر دورا مركزيا فيها. ومن ثمة فإن هذه القوى بمختلف مرجعياتها وقناعاتها وتصوراتها وثقافاتها وأدواتها وإمكانياتها مدعوة للإلتقاء والتنسيق والتعاون والتضامن للقيام بمهامها التاريخية في مواجهة الظلم والقهر والغبن والحيف والإستبداد والإحتلال حفظا لكرامة الإنسان ولأمنه وسلامته ووحدته الإنسانية.

ومن هذا المنطلق وجب على حركة التحرر العربي الإسلامي أن تمد الجسور:

- مع حركة الإحتجاج ضد العولمة.

- ومع التحولات السياسية نحو مزيد تحقيق الرفاه والحرية والعدالة الإجتماعية والتداول السلمي على السلطة في أمريكا اللاتينية.

- ومع حركة الإحتجاج الداعية لغلق معتقل غوانتانامو بخليج المكسيك وغيرها من المعتقلات السرية والمسالخ في كل أوطان أنظمة الإستبداد وحيث ما حل الإحتلال، والتي تسحق فيها إنسانية الإنسان الحر الرافض للإستبداد والإحتلال والظلم والحيف والاستعباد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

- ومع المسيرات الإحتجاجية في مختلف أنحاء العالم، والتي ينظمها ويقودها ويشارك فيها الكثير من شرفاء العالم من مختلف الأديان والمعتقدات والثقافات والأجناس والأعراق والألوان لمناصرة الشعب الفلسطيني والداعية لإنهاء الحرب في العراق ومغادرة قوات الإحتلال له.

والذي بات مؤكدا ولا مفر منه:

أ- إذا كانت هذه الأمة، من خلال ما حصل وما هو حاصل تعلم أنها كلها في دائرة الإستهداف الغربي الصليبي واليهودي الصهيوني.

ب- وإذا كانت تريد أن تكون يوما ما محترمة ومهابة.

ج- وإذا كانت تريد أن ترى المنطقة محررة من الإستبداد والإحتلال والإستعمار.

د- وأن لا تظل مسرحا للحروب وساحة لتجريب آخر ما تنتجه مصانع شركات وتجار الأسلحة.

أن تتجاوز خلافاتها، وقد اختلط في المنطقة العربية أربعة أطراف رئيسية غير متجانسة ومختلفة إلى حد التناقض وهي:

1- النظام العربي العلماني والتقليدي الهجين وملحقاته من النخبتين العلمانية والتقليدية الداعمتين بكل انتهازية وعبثية وعدمية له.

2- الكيان الصهيوني رأس حربة الغرب الإستعماري الصليبي في المنطقة، والذي أصبح يمثل التناقض الأخير في أولويات النظام العربي والنخبة العلمانية التي أصبحت تشعر رغم احتضان القوى الدولية لها، أنها في الهزيع الأخير من ليلها.

3- الحركة الإسلامية التي هي في طريق اكتمال تشكلها كحركة تحرر عربية إسلامية، والتي أصبحت تمثل التناقض الأول في فكر وسياسة واستراتيجية النظام العربي المنتهية صلاحيته والذي يلعب اليوم في الوقت بدل الضائع، والنخبة العلمانية المراهنة في الكثير من مكوناتها على الدعم الغربي لها لتحقيق بعض الإستمرار في الساحات الوطنية والإقليمية. وليس ثمة ما هو أكثر وضوحا في المشهد مما يحصل في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي مصر وفي تونس وفي الجزائر وفي الصومال وفي كل البلاد العربية الإسلامية.

4- النظام الإيراني وطبيعته القومية الفارسية في إطار المنزع الشيعي المذهبي، والذي سعى منذ البداية لأن يكون مركز استقطاب للأقليات الشيعية التقليدية خاصة، وإلى التبشير للتشيع ككل ثورة تعمل على التمكين لفكرها وعقيدتها وثقافتها من خلال طبيعة نظامها السياسي. وذلك ما سعى إليه في المنطقة منذ الإطاحة بنظام الشاه. والذي عمل بذلك على تفجير التناقض الطائفي الذي انتهى إلى الإحتراب خاصة في العراق. وهو النظام الذي مازال أبعد ما يكون إلى الآن عن الإنسجام مع مكونات المنطقة الرسمية منها والإسلامية. والذي يبدو محاربا للكيان الصهيوني من خلال حزب الله في جنوب لبنان، ومتحالفا عبر امتداداته مع قوات التحالف الغربي بقيادة أمريكا في أفغانستان والعراق.

وإذا كانت إيران قد اتجهت بعد الثورة إلى المنطقة العربية والعالم الإسلامي بعد أن كانت معرضة عنها قبل ذلك، لتلمس طريقا في العالم الإسلامي إلى الأقليات الشيعية وعبرها، على خلفية عداء تاريخي تكفيري لأهل السنة وكل من خالف الشيعة في المذهب، وذلك ما تنص عليه المنظومة الفقهية الشيعية، وكتاباتهم في التاريخ، وقراءتهم وفهمهم للنصوص القرآنية والسنية، مازالت لم تراجع نفسها فيه، ولم يبدو منها استعداد لذلك، ولا للتخلي عن ما هو منه من الموروث التاريخي الذي يبعد ولا يقرب، ويفرق ولا يجمع، ويفسد ولا يصلح، ويضر ولا ينفع، فإن النظام العربي الفاسد خاصة العلماني منه، كان جادا في استبعاد الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة. وكان أبعد ما يكون عن الموروث الثقافي العربي الإسلامي، والذي ظل يرفض أي معنى وأي وجود للنظام الإسلامي على أي نحو وعلى أي شكل، هو الذي بعدائه للإسلام الذي كان ومازال يعبر عنه من خلال إعلان حربه على الحركة الإسلامية السنية التجديدية الحديثة ومشروعها الإسلامي الأصولي الإصلاحي منذ بداية ظهورها، يمكن للبرنامج الإيراني الطائفي المذهبي، وسط جهل المسلمين بالإسلام الصحيح، وبالثقافة الشيعية التي تغلب عليها الخرافة والأسطورة. وبفسح المجال للجمعيات الثقافية التي تدار من خلالها الكثير من الأنشطة، والتي وهي كذلك، إلا أنها لا تخلوا من أنشطة استخباراتية، ومن ضخ مالي كبير لشراء الذمم لكسب أكثر ما يمكن من الأنصار والمؤيدين (كجمعية أهل البيت الثقافية بتونس) مثلا. في هذا الجهل وهذه الحرب المعلنة على هوية الأمة العربية الإسلامية في المنطقة العربية، ومحاصرة الحركة الإسلامية ومنعها من إنجاز مهمة إقامة النظام الإسلامي الراشد، بدت إيران الأنموذج الوحيد للنظام الإسلامي في العالم، والذي جاءت به حركة الخميني عن طريق ثورة على أقوى نظام في المنطقة. فكان النظام الجديد مركز استقطاب منذ ذلك الوقت للكثير من المثقفين والشباب المتدين منه خاصة، لاعتبارات ولأسباب ولأهداف كثيرة لا يتسع لها هذا المقال. وكغيره من الأنظمة التي قامت في المنطقة العربية، فقد كان اهتمام النظام الإيراني مبكرا بالقضية الفلسطينية، وعمل على إلحاق أكثر من هزيمة بالكيان الصهيوني بالوكالة، عن طريق منظمة حزب الله الشيعية امتداده الطائفي والمذهبي بجنوب لبنان، مقابل تقلص أو انتهاء اهتمام النظام العربي الرسمي بها، هو الذي جعله يكون مع الصفة الإسلامية له قريبا من وجدان العرب والمسلمين غير الشيعة.

لهذه الإعتبارات اعتبر النظام الإيراني والطيف الشيعي من حوله ومن التحق به مذهبيا، كما التحق الكثيرون في العالمين العربي والإسلامي من قبل ومازالوا بالنظام الناصري وبالأنطمة البعثية واليسارية في الحركة القومية وفي الحركة اليسارية الشيوعية في العالم، أن تجربته ناجحة. وبات من حقه أن يعمل على تصديرها بطرقه الخاصة لباقي أنحاء العالم الإسلامي خاصة للشيعة وعبرهم. وهو في ما يبدو أنه صراع مع الغرب وفي ما يبدو أنها مناهضة للصهيونية والكيان العبري في فلسطين المحتلة، يعمل على فرض أمر واقع في المنطقة لتكون بوابته الأوسع إليها بعد لبنان العراق، معولا على الأقلية الشيعية في كل دول المنطقة، ليصنع منها قوى ضغط على الأنظمة داخل أوطانها بحسب ما يراه صالحا، تارة بالقبول بالأجنبي، وأخرى بإظهار مناهضة وجوده فيها كما في سوريا (نظام علماني منحدر من رحم طائفي ) وفي البحرين (أغلبية شيعية تحكمها أقلية سنية) وفي السعودية (أقلية شيعية تعتقد أنها مهضومة الجانب) وفي العراق (ما يقال عن أغلبية موصولة به وهي الحليف الإستراتيجي الأكبر لقوات الإحتلال الغربي الصليبي بقيادة أمريكاالشيطان الأكبرفي القاموس السياسيللثورة الإسلامية“). وفي أفغانستان ( أقلية تنعم بالحماية الغربية الأمريكية في نظام كرزاي العميل). وفي لبنان (العلمانية ذات الأصول الشيعية المتمثلة في حركة أمل الإمتداد السياسي ذات الخلفية الطائفية للنظام السوري) (والأصولية الشيعية ذات العلاقة العضوية والمرجعية المباشرة بإيران ). وفي اليمن ( حركة الحوثي التي رفعت عاقرتها في توجيه سلاحها للنظام اليمني رافضة لاستباحة المخابرات الأمريكية للبلاد على قاعدة تعقب عناصر القاعدة في غير تأييد للتنظيم في إطار ما أسمته حربها على الإرهاب، والتي تم إجهاضها) وغيرها من الأماكن في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي.

وهكذا مستفيدا من الوجود الأجنبي بإظهار مناهضته له تارة وبالتحالف معه أخرى، سواء عبر ملاحقه الطائفية والمذهبية أو عبر تقاطع مصالحه معه. هذا الوجود المبغوض جماهيريا في المنطقة والمحسوب على غيره من الأنظمة هو الذي يعمل على أن يكون محسوبا له من خلال إظهار مناهضته، مما يكون له به من التأيد الشعبي ما لا يكون به لغيره من الأنظمة، وما يكون لها به من رفض. فهو النظام المستفيد من الوجود الأجنبي:

أ- من حيث أنه يلتقي في مناهضته له مع الجموع الواسعة من جماهير شعوب المنطقة والأمة مقابل احتماء النظام العربي خاصة به، وتأييده والقبول به وسط رفض شعبي واسع له، مما يتحقق له به الإستقطاب المطلوب، وما يقوم به من حرب بالوكالة معه ومن تحالفات لأغراض طائفية وسياسية واستراتيجية كما في لبنان وسوريا.

ب- ومن حيث أنه مستفيد من تقاطع المصالح، بإبرام صفقات معه لصالحه ولصالح الشيعة والتشيع كما في أفغانستان وفي العراق، ولغير صالح المنطقة وأمة العرب والمسلمين من غير الشيعة منهم طبعا.

فالذي بدا واضحا أن المشكلة في المنطقة العربية والشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي عموما، هي الأنظمة الفاسدة، والوجود الصهيوني، والأجنبي الغربي. ولمن كان يريد البحث عن حل، خاصة لمعضلة المنطقة العربية التي أصبحت مسرحا للصراع العالمي من أجل النفوذ والطاقة، فليس أقل من أن لا نحيلها إلى صراع طائفي وعرقي وأثني لا يستفيد منه في النهاية إلا الغرب الصليبي والصهيونية العالمية. ويجب أن تتجه الهمم والمجهودات كلها نحو توحيد الموقف من العدو المشترك للأمة كلها، والذي يهدد القابل به والرافض له، والمعادي والموالي له، والمناهض والمساند له. وعلى النظام العربي أن ينتهي من سياسة معاداة الشعوب وحركة التحرر والإصلاح في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، ومن موالاة الأجنبي ومهادنة الصهيونية الحليف الإستراتيجي للغرب، الذي أصبح لا يشك أحد في عداوته للأمة وفي تهديده المستمر لها. وعلى النظام الإيراني أن ينتهي من توظيف الوجود الأجنبي بالمنطقة، ومن قبول النظام العربي به، لغايات وأهداف عرقية طائفية مذهبية تكفيرية. وأن يعدل خطابه وموقفه ليكون نظام دولة إسلامية وليس دولة شيعية. وأن يعمل على: 1- توحيد المسلمين لا على تفريقهم على خلفية طائفية مذهبية، ولا على قاعدة ليس مسلما من لم يكن شيعيا“.

2- عدم النظر للأقليات الشيعية في العالمين العربي والإسلامي كما ينظر اليهود للأقليات اليهودية في الحارات قديما وفي العالم حديثا.

3- وان يتجاوز مراجع الشيعة ومفكروهم وقياداتهم في إيران وخارجها الخلافات التاريخية التي مازالوا يبنون

عليها مواقفهم واجتهاداتهم الفقهية ويقيمون من خلالها مواقفهم من الآخر المخالف الطائفي والمذهبي والسياسي.

4- الإنتهاء عن سياسة التبشير للتشيع في البلاد العربية الإسلامية إذا كان هذا النظام لا يعتبرها بلاد كفر كما يزعم مراجع الشيعة وقياداتهم ومفكروهم وإنهاء هذه الخطط وهذا التمويل.

كما على النظام العربي العلماني والتقليدي:

1- أن ينتهي من صداقة العدو ومن معاداة الشعوب.

2- وأن يقطع مع سياسة وثقافة التمكين للأجنبي، ومع محاربة حركة التحرر والإصلاح في الوطن العربي. 3- العمل على القطع مع ثقافة التكفير وعدم إحيائها، ومد الجسور مع النظام الإيراني لإقامة علاقات حوار وحسن جوار وتعاون وتكامل باتجاه توحيد الصف بعد توحيد الموقف من مجمل قضايا المنطقة، وخاصة في ما لا يجب أن يكون محل خلاف، وهو الجانب المتعلق بالعلاقة بالأجنبي، والتي يجب أن تتظافر الجهود لتحويلها من علاقة ولاء وتحالف كتلك التي يقيمها معه النظام الرسمي العربي، والتي تؤمن بها بعض مكونات الطائفة العلمانية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وعلاقة تعاون وتآلف كتلك التي يقيمها معه النظام الإيراني، إلى علاقة اقتراب وابتعاد بحسب ما يتحقق للأمة من مصالح وما يجنبها من أضرار وخسائر.

وعلى شعوب الأمة أن تتحمل مسؤولياتها في المساهمة الجادة والنشيطة في إحداث من التغييرات ما هي في حاجة إليه بما يقرب شعوب الأمة وعموم المستضعفين بعضهم من بعض باتجاه:

1- وحدة الموقف من الإمبريالية والصهيونية والإحتلال والإستبداد.

2- ووحدة الصف في التحرر والتحرير.

أ- من الإستبداد بالمساهمة والمساندة والمؤازرة.

ب- ومن الإحتلال بالتأييد والتعاون والتحالف وبكل ما يوحد الأمة في إطار المشترك من الهموم والمشاغل والإهتمامات ومن المبادئ والقيم والثوابت والمقدسات.

ج- وبالعمل بكل جدية وصدق على تجاوز النعرات العرقية والمذهبية، وعدم الإلتفات للفتاوى التقليدية القديمة التي تقسم الأمة إلى طوائف ومذاهب، والتي تجد لها أصلا ومبررا في التاريخ ولا تجد لها مبررا ولا أصلا في الواقع، والتي لم تعد الأمة اليوم في حاجة إليها. وهي في أمس الحاجة إلى ما يوحدها أمام أعدائها الذين يتداعون عليها كما تداعى الأكلة على قصعتها وأن لا تعود إليها، وليبق السني على سنته أو أن يتحول عنها إذا أراد وبمحض إرادته وخارج تأثير أي حركة تبشير وأي صفقة شراء وبيع للذمم، وليبق الشيعي على تشيعه أو أن يتحول عنه بمحض إرادته وباختياره الحر إذا أراد. ويجب الإنتهاء عن الإنشغال بعمل كل طائفة على توسيع طائفتها على حساب الأخرى. ولتحذر الأمة المنقسمة اليوم إلى سنة وشيعة وعلمانية من أصل شيعي وأخرى من أصل سني من جعل المعركة بين هذه الطوائف الثلاث باتجاه تكفير الشيعة للسنة كما هو ظاهر الحال اليوم في العراق خاصة، وبدعم إيراني للأسف الشديد واضح، وبغطاء أمريكي غربي صهيوني، والعمل على تصفيتهم واستئصالهم وتهجيرهم. وتكفير السنة للشيعة مقابل ذلك وبناء عليه، والدخول في ردود أفعال تكون مبررا لوجود الأجنبي بالمنطقة وبالأوطان ولبقائه، وليتواصل الصراع والإقتتال بين أبناء الأمة الواحدة. وتكفير الحركة العلمانية ذات المرجعية الغربية الإنسانية التي تجد لها أصلا في المسيحية التوراتية لكل من الشيعة والسنة استنادا إلى أصولهم الإسلامية القرآنية السنية، والتي تجد لها في الصراع الطائفي مبررا للقول بفساد النظام الإسلامي الذي لا تكتمل، ولعلها لا تصح أصلا عبادة الأمة لله إلا به، والذي لا تعترف به هذه الطائفة أصلا، وبصلاح النظام العلماني الذي لا يصلح للأمة في عبادتها لله، ولعلها لا تصح به أصلا. وبعيدا عن كل هذه الإنقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية، لم يعد أمام العرب والمسلمين إذا ما كانوا يريدون الحرية والكرامة والإستقلال، إلا أن يبحثوا في ثقافتهم وفي الثقافة الإنسانية عن ما يوحد الأمة بما يقبل به أكثر أبناء ها بمختلف ألوانهم وأعراقهم ومعتقداتهم وطوائفهم ومذاهبهم الإسلامية والعلمانية.

وليس ثمة أكثر مرونة من النظام الإسلامي إذا ما أحسن التعامل معه وتطبيقه بعيدا عن التضييق والتعصب والتلفيق والتلبيس، وزيادته ما ليس منه وإنقاص منه ما فيه، لتجد فيه كل مكونات المجتمع المختلفة حقوقها وحاجاتها، وفق مقتضيات المصلحة العامة، ووفق خصوصيات الأعراق والمعتقدات. وبذلك وبذلك فقط تكون الأمة قد وضعت أقدامها على طريق الإستقلال الذي لا يتحقق إلا بالإستقلال الثقافي، والذي من خلاله يكون الإستقلال السياسي. وتخرج الأغلبية الإسلامية من حرج البقاء على طبيعة نظام سياسي وثقافي لا علاقة له بتاريخها وحضارتها وثقافتها وأمجادها ودينها، والذي يجد له أصلا في الديانتين المسيحية واليهودية وغيرهما من المعتقدات والأديان. وهو النظام الذي تجد فيه الأقليات الدينية من غير المسلمين في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية ما لا يخل بعقائدها ومعتقداتها، وما لا ينقص من قيمة مقدساتها، في الوقت الذي يجد فيه المسلمون أنفسهم أبعد ما يكون عن ثوابت دينهم وعقيدتهم التي لا تصح بها طاعتهم لله وعبادتهم له،ولا أصالتهم وتاريخهم وحضارتهم. ولا يتحقق لهم به استقلالهم، ولا تتحقق لهم به وحدتهم وحريتهم ومصالحهم التي لا وجود ولا مستقبل لهم بدونها.

تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين “.

بقلم: علي شرطاني

قفصــة - تونـــس

ديسمبر 21, 2007

حديث الصراحة مع الأستاذ علي شرطاني – الجزء الأول

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 9:11 ص

حديث الصراحة مع الأستاذ علي شرطاني - الجزء الأول

مازال في ذاكرتي العديد من مشاهد الإحتلال الفرنسي لتونس والمحن توالت علي في ظل دولة الإستقلال .

زوجتى نالتها العقوبات البدنية وهي مطرودة من وظيفتها كأستاذة تعليم ثانوي

أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم أوضاعا جد مأساوية

مازال القلق هو سيد الموقف في الأوساط الأمنية والسياسية تجاه المساجين السياسيين السابقين

القوى الإستئصالية هي العصب المتحكم في السلطة وسياساتها

اليمين الدستوري هو النسخة الجديدة لحزب بورقيبة

إستبداد العصابات بالوضع السياسي والإقتصادي والثقافي والإجتماعي والإعلامي والأمني والقضائي ظاهرة تونسية

دوائر القرار لا تملك الشجاعة لتحقيق مصالحة حقيقية

الخيرين في الدولة لا نعدمهم ولكن لا صوت ولا وزن لهم

هذه بعض العناوين من الحوار الذى أجريناه مع صاحب القلم السيال والتحاليل المسهبة الأستاذ المناضل علي شرطاني الذى أجاب على أسئلة السبيل أونلاين نت مشكورا , و في ما يلى الجزء الأول من نص الحوار

السبيل أونلاين نت : نود التعرف على الأستاذ على شرطاني , فكيف تقدم نفسك للمطلعين على هذا الحوار ؟

بسم الله الرحمان الرحيم

علي بن محمد بن علي شرطاني من مواليد سنة 1953 بسقي المظيلة أحد إمتدادات بوادي ولاية قفصة. مازال في ذاكرتي العديد من مشاهد الإحتلال الفرنسي لبلادنا، حيث كان الفرنسيون وحشود المرتزقة الأفارقة يتعقبون المجاهدين في تلك الدواوير(وهي تجمعات البدو في خيامهم) التي كانت المجال الحيوي لهم، دعما ماديا ولوجستيا وبشريا نساء ورجالا. ووالله لقد عشت تلك المعاناة التي كان يعيشها أبناء البدو في ذلك الزمن وأنا صغير جدا. ومرت الأيام حتى حلول سنة 1959، أي بعد ما سمي في تاريخ بلدي الحديث الإستقلال، حيث حل الإستبداد محل الإحتلال، حيث انتقل بي أبي وقد كنت أصغر إثنين من إخوتي الخمسة ، من البدو إلى القرية حيث مازال النفوذ الكامل للأجنبي وفق الصفقة المهينة التي أبرمها الهالك الحبيب بورقيبة مع إدارة الإحتلال الفرنسي في ما سمي في حينه بالإستقلال الداخلي، ولم يكن لأهل الجهة المنجمية حق في الشغل بمناجم الفسفاط في ذلك الوقت إلا بالشراء، أي بدفع معلوم مالي محدد مقابل القبول به في خطة عامل منجمي. ولم يتسن لي الدخول للمدرسة إلا في السنة الدراسية 1960 / 1961 حيث أنهيت دراستي الإبتدائية. وبعد نيل شهادة ختم الدروس الإبتدائية انتقلت سنة 1967 إلى مدينة قفصة حيث أنهيت دراستي الثانوية بنيل شهادة الباكالوريا كمترشح حر شعبة آداب، وهي التي بها يتم ختم الدراسة الثانوية، لأنتقل سنة 1977 إلى الجامعة التونسية، حيث تم توجيهي إلى كلية الحقوق والعلوم الإقتصادية شعبة حقوق، وهناك عرفت بداية نشأة الجناح الطلابي للحركة الإسلامية التي أطلق عليها سنة 1979 ” حركة الإتجاه الإسلامي “. وفي ظروف اجتماعية وصحية ومادية صعبة تعذر علي مواصلة الدراسة هناك. وفي أول فرصة لانتداب عدد محدود من المشاركين في مناظرة كانت وزارة التعليم الثانوي قد دعت إليها بالمدرسة الصادقية، كنت من بين الفائزين. وفي السنة الدراسية 1980 / 1981 تم تعييني في خطة قيمأي ناظر للقيام على شؤون التلاميذ بالمبيت في المراجعة والمتابعة وبالمطعم وبالمبيت وما يتبع ذلك من علاقة بالإدارة. ولم ألبث في هذه الخطة إلا قليلا حتى جاءت أول حملة أمنية ضد الحركة في ذلك الوقت لأكون سنة 1982 من المحالين على القضاء من أجل الإنتماء إلى حركة الإتجاه الإسلامي التي هي حركة النهضة حاليا، وقد صدر ضدي حكم بـ 6 أشهر سجنا، وجدتني بعدها عاطلا عن الشغل. وفي سنة 1983 تقدمت بمطلب لوزارة التعليم إثر الإعلان عن انتداب معلمين للمدارس الإبتدائية، ووفق الشروط المطلوبة كنت من المقبولين، وتم تعييني بأولاد منصور على الطريق الرابطة بين ولايتي قابس وقفصة بالجنوب التونسي، وسرعان ما تفطن المخبرون للأمر وبلغ ذلك البوليس الذي يعلم أنني ممنوع من الوظيفة العمومية بمقتضى المحاكمة السياسية السالفة الذكر، ولم ألبث هناك إلا شهرين حتى تم استدعائي من طرف مندوب التعليم الإبتدائي بمدينة قفصة ليعلمني بانتهاء مهامي في خطة معلم بمدارس التعليم الإبتدائي. وبانتقالي إلى تونس العاصمة للتداوي من بعض ما كان ملم بي من مرض في ذلك الوقت، وقد صادف أن كانت حملة أمنية تستهدف القيادة المركزية والطلابية للحركة في ذلك الوقت أيضا فتم إيقافي هناك. وبعد أربعة أشهر من الإيقاف تم إخلاء سبيلي. وفي سنة 1984 شاركت في امتحان لقبول موظفين بالإقليم الشرقي لشركة فسفاط قفصة بمسقط رأسي، وباجتيازه بنجاح أصبحت موظفا بالشركة , وبموجب انكشاف في صفوف الحركة التي كانت تنتهج السرية في التنظيم في ذلك الوقت غادرت الشغل والمنطقة كلها في حالة فرار، وكان ذلك سنة 1985، حيث استقريت مدة ثلاثة أشهر بالعاصمة صحبة الأخوين محمد عون ومحمد الرحيمي القياديين بالجهة كذلك في ذلك الوقت.وفي آخر شهر جوان من تلك السنة عدت إلى مسقط رأسي حيث تم إلقاء القبض علي لأمضي مدة 11 يوما بزنزانات وزارة الداخلية للتحقيق معي في ما نسب إلي من بعض من كان قد تم إيقافهم من الأخوة الذين أفرج عنهم بعد ثلاثة أشهر من الإيقاف والتحقيق. ولما لم يثبت عني أي شيء تم الإفراج عني لأعود إلى وضع البطالة مجددا. وتستمر السنين العجاف حتى سنة 1987 وبعد زواجي بما يقارب 7 أشهر، تم إيقافي في حملة أمنية استباقية وذلك في شهر فيفري، وقد تركت زوجتي حاملا بإبننا البكر محمد أمين وقد مضى على حملها أقل من أربعة أشهر، وهي السنة التي استمرت فيها المواجهة بين الحركة الإسلامية ممثلة في حركة الإتجاه الإسلامي خاصة ونظام الهالك بورقيبة، والتي انتهت بسقوطه عن طريق الإنقلاب الأبيض المعروف الذي قام به عليه وزير داخليته ورئيس وزرائه زين العابدين بن علي، وقد حكم علي بستة أشهر سجنا من أجل الإنتماء إلى جمعية غير مرخص فيها، وهي التهمة التقليدية التي يكون توجيهها لكل مخالف في الرأي للنظام السياسي العلماني الإستبدادي المغشوش في تونس، والذي يمارس حقه الدستوري الذي تمنعه منه القوانين اللادستورية ولا تعترف له به. وما إن خرجت من تلك المحنة حتى وجدتني في محنة أشد. ذلك أنه وبعد إنهاء العقوبة البدنية ومغادرتي السجن بمدينة صفاقس، وجدت زوجتي وقد مضى عليها شهر منذ أن وضعت إبننا البكر الذي تركتها حاملا به، وكان ذلك أواخر شهر أوت. وما إن حلت السنة الدراسية 1987 / 1988، وبعد منتصف شهر سبتمبر، حتى تم وضع زوجتي آمنة عكرمي أستاذة تعليم ثانوي مختصة في تدريس التربية الإسلامية والتفكير الإسلامي والعلوم الشرعية عموما في حالة إيقاف، على خلفية تقرير وجهه مدير معهد أحمد التليلي بمدينة القصر المدعو محمد الطاهر القرقوبي ، وهو أحد أعضاء اللجنة المركزية للحزب الإشتراكي الدستوري الحاكم، لمحافظ منطقة شرطة قفصة، يذكر فيه أنها هددته عندما إمتنع من مدها بجدول أوقات العمل تطبيقا للمنشور 108 سيئ الذكر الذي كان المدعو محمد مزالي رئيس وزراء إحدى حكومات الهالك الرئيس الحبيب بورقيبة قد وضعه، والذي جاء مانعا للباس الشرعي، والذي مازال الشعب التونسي كله يعاني من ويلاته إلى الآن. وظلت هي وإبننا محمد أمين الذي لم يتجاوز عمره الأربعين يوما تقريبا في زنازين منطقة الشرطة والسجن المدني لمدينة قفصة ولما لم ينقطع عنها دم النفاس الذي يقدر أقصاه بأربعين يوما بعد إلى غاية 20 أكتوبر، تم إخراجها من السجن، ولتبقى في حالة سراح حتى يبت القضاء في التهم المنسوبة إليها، وكان ذلك بموجب تقرير طبي أعده طبيب السجن يؤكد فيه أن وضعها وإبنها الصحي لا يحتمل الوجود والبقاء في السجن. لتظل ممنوعة من التدريس بعد ذلك سنة كاملة، وفي ذلك تفاصيل يطول ذكرها. وفي الوقت الذي كانت فيه الإيقافات والمحاكمات بالآلاف في صفوف الإسلاميين وغيرهم من بعض أطراف المعارضة العلمانية متواصلة، وفي الوقت الذي كانت فيه البلاد تعيش فراغا حقيقيا واضحا في ظل إستبداد الهرم والشيخوخة بالرئيس الحبيب بورقيبة، كانت الفرصة مواتية للمخابرات الأمريكية لتأتي بعميلها زين العابدين بن علي يوم 7 نوفمبر 1987، لتبدأ البلاد مرحلة جديدة في تاريخها. فتم الإفراج عن المساجين السياسيين و إعادة الأغلبية الساحقة إلى سالف مواقعهم بالشغل. فكنت وزوجتي ممن بموجب ذلك تمت إعادتنا إلى سالف عملنا.

ولم تكن تلك إلا استراحة المسافر، وليتم الإعداد مجددا لجولة جديدة ضد الحركة الإسلامية والمشروع الإسلامي مرة أخرى، وبمكونات جديدة وبجهات وأطراف جديدة الكل يعلم أن عداءها للإسلام وللحركة الإسلامية أشد وأكبر من عداء بورقيبة وزمرته لهما. وما إن أوشكت سنة 1990 على نهايتها حتى بدأت الحملة ضد الحركة التي أصبحت هذه المرة حركة النهضة بعد ما بدا في ظرف من الظروف أن استبدال التسمية يمكن أن يساهم في حل مشكلة الإعتراف القانوني بها. إلا أن الخطط قد رسمت والسكاكين قد شحذت لتكون الحركة العلمانية الهجينة بكل مكوناتها هذه المرة صفا واحدا من خلال السلطة ومن خارجها في مواجهة الحركة الإسلامية بكل مكوناتها في خيار دموي استئصالي طال وبدون مبالغة حتى الأجنة في بطون أمهاتهم. وكنت كذلك وكالعادة دائما من بين الأوائل الذين شملتهم الحملة بصفتي عضو مكتب المنطقة المشرف على المكتب السياسي الجهوى وعضو مجلس الشورى الموسع. وبعد 5 أشهر من الإيقاف سلط علي فيها من التعذيب ما إن كدت أفقد منه الحياة، تم الإفراج عني. ثم ألقي علي القبض من جديد بتونس العاصمة بعد أن دخلت في حالة فرار. وبعد أكثر من 3 أشهر من الإيقاف بثكنة بوشوشة، أحلت إلى سجن 9 أفريل بالعاصمة بتقديمي للمحاكمة حيث قضت المحكمة الإبتدائية بتونس بسجني 8 أشهر من أجل الإنتماء إلى حركة النهضة الإسلامية تم نقلي بعدها إلى سجن برج الرومي حيث قضيت كامل العقوبة. وفي آخر شهر أفريل 1992 تم الإفراج عني لأخضع بعدها ولأكثر من 9 سنوات للمراقبة الإدارية كعقوبة تكميلية مقررة من الجهات الأمنية المباشرة. وما إن تم إنهاء العمل بالمراقبة الإدارية الباطلة سندا وقانونا حتى تم إلقاء القبض علي يوم 13 /11 /2002 مع مجموعة من الأخوة بسبب مد يد المساعدة لعائلة أحد أخوتنا المساجين. فتمت إحالتنا جميعا بتهمة المحافظة على جمعية غير مرخص فيها وجمع أموال بدون ترخيص، قضت فيها المحكمة الإبتدائية ومحكمة الإستئناف بقفصة بسجننا لمدة 13 شهرا قضيت منها 5 أشهر بالسجن المدني بولاية قفصة و8 أشهر بالسجن المدني بولاية القيروان في نقلة عقوبة من أجل الإستمرار في إضراب عن الطعام لمدة أربعين يوما من أجل المطالبة بالمحجوز المتمثل في بعض الكتب وبعض الوثائق والمجلات، وخاصة في الكثير مما كنت بصدد كتابته في ذلك الوقت من كتابات في مختلف القضايا، والتي بفضل الله استعدت جلها بعد خروجي من السجن. وكان الفضل في ذلك لله أولا، ثم لاستماتتي في المطالبة بها، ثم للمجهود الكبير الذي بذلته زوجتي جازاها الله عني وعن الإسلام والمسلمين كل خير من أجل ذلك. وهي من الكتابات التي منها ما تمكنت من الإنتهاء منه وتم نشره، ومنها ما لم أتمكن من ذلك بعد. فعسى الله أن يكون في عوني حتى يجد طريقه إلى القارئ الكريم الباحث عن الكلمة الصادقة الملتزمة إنه سميع مجيب .

السبيل أونلاين نت : بوصفك سجين سياسيي سابق ومقيم داخل تونس , كيف تصف أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم ؟

إن الحديث عن أوضاع المساجين السياسيين السابقين وأسرهم حديث طويل لمن أراد أن يستوفيه حقه، إلا أني وباختصار أقول : أنها كانت ومازالت أوضاعا جد مأساوية وفيها من المعانات والمأساة ما لا يحتمل. وهي معاناة حقيقة مأساوية طالت النساء والرجال والكبار والصغار والقريب والبعيد والصاحب والجار وكل من له علاقة بالسجين السياسي الإسلامي وأسرته.

فمنذ أن إستباح البوليس السياسي البلاد ومنذ البداية في الحقيقة، ضمن ما هو مبرمج من طرف السلطة وفي إطار ما رسمته من خطط لاستئصال الحركة الإسلامية بعد إبرام صفقة التحالف الإنتهازي بين مختلف مكونات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة بواجهة اليمين الدستوري، وبفعل وإشراف اليسار الماركسي وبعض مكونات اليسار القومي العربي الضعيف أصلا، والذى أعطيت له صلاحيات واسعة، ظل ذلك النفوذ وتلك الصلاحيات قائمة. وإستمر الوضع الأمني على ذلك الأساس، وفي حالة إستنفار دائمة. وظلت البلاد في حالة طوارئ غير معلنة، ولكنها واضحة للعيان ويعلمها كل الناس ويعيشونها، فقد فرض البوليس جوا من الرعب من خلال الأخوة المسرحين ومن حولهم بالإنتشار الدائم في الشوارع وفي الساحات العامة والخاصة، يجوب بسياراته المختلفة البلاد طولا وعرضا بالليل وبالنهار. يراقب كل حركات الأخوة وكل سكناتهم وكل تنقلاتهم وكل علاقاتهم وكل أنشطتهم المهنية والتجارية وكل أسباب الإرتزاق. ويتدخل في أي علاقة لأي كان مع أي كان من الأخوة المسرحين الذين أخضعوا كلهم للعقوبة التكميلية المتمثلة في المراقبة الإدارية غير القانونية، ويداهمون المنازل في أي وقت شاءوا من الليل والنهار، وخاصة في المناسبات المختلفة وكلما جد حادث جديد من صنع أي مقاومة في العالم. لقد ظللنا فاقدين للأمن والأمان وبصورة دائمة ومعلومة حتى سنة 2000 لترفع حالة الطوارئ وينتهي العمل بالمراقبة الإدارية على من كانت مفروضة عليهم بغير موجب قانوني، وكان كل المجهود البوليسي متجها نحو إنهاء أي علاقة لأي كان من الأخوة بعضهم ببعض. بحيث كان أي تفطن لأي علاقة مباشرة وبمجرد اللقاء والسير معا في نفس الطريق موجب للعقوبة البدنية والتعنيف والترهيب. وفرض على الشارع على أن ذلك من الجريمة غير المغتفرة، حتى أصبح الناس كل الناس أو على الأقل جل الناس يتجنب ويتحاشى أي لقاء مع أي كان من الأخوة، وخاصة حين يكون من الأخوة المعلوم لديهم أنه من الرموز التاريخية للحركة. في هذا الجو المشحون بالرعب، كان النساء والأطفال والآباء والأمهات والأقارب والجيران يعشون قلقا وحرجا وخوفا وإرتباكا دائما، حتى أن عقدة الخوف والفزع التي أصبح يعاني منها التونسيون كل التونسيون للأسف الشديد قد أصبحت حقيقة. وأصبحت تلك قوة النظام الوحيدة.

وأنا أتابع عبر الإعلام الحر والرسمي مأساة الشعب الفلسطيني الصابر الباسل في الأرض المحتلة، وأنا أعيش ماساة الشعب التونسي الخانع الخائف الطامع ومأساة المساجين السياسيين وأنا واحد منهم، أستطيع أن أؤكد بكل موضوعية وأمانة، أن أوضاع الشعب الفلسطيني تحت السيطرة والتهديد الصهيوني والقصف والحصار أفضل من أوضاع الشعب التونسي كله تحت سيطرة الطغمة النيرة المستنيرة والتقدمية والحداثية البسيسيةفي تونس. أما عن المساجين السياسيين من إخوتنا وليس ثمة غيرهم وغير المعترف لهم رسميا وعلى خلاف ما عليه الأمر في العالم كله بذلك، فهم من قد أمضى السنوات الطوال بين المتابعة اللصيقة والمراقبة الإدارية والزيارات المفاجئة والمداهمة والتفتيش في أي وقت من الليل والنهار التي كانت تقوم عليها وتقودها عصابات البوليس السياسي طيلة عقد كامل ومازالت متواصلة وإن بأقل حدة إلى الآن. وفي إطار حالة الإستنفار الدائمة التي عليها هذه العصابات المجرمة فإن إخواننا كانوا ومازالوا يعيشون ظروفا صعبة للغاية، في أحوالهم الأسرية والعائلية والنفسية والبدنية والإجتماعية والمهنية. فهم من عانت ومازالت عائلاتهم تعاني من آثار الحملة من التمييز الإجتماعي في الحقوق وفي المعاملة. وهي العائلات التي كان مطلوبا منها إعلان البراءة من أبنائها وأسرهم والتخلي عنهم لتستقيم نظرة السلطة إليهم ولا يكون التعامل معها بطريقة خاصة في المغنم والمغرم. وهي العائلات التي فقدت من فقدت من أبنائها ممن سقطوا شهداء. وهي من العائلات التي حرمت من حرمت من أبنائها المهجرين في المنافي. وهي من العائلات التي ظلت تتحمل أعباء أحد أبنائها ممن ظل يعاني من البطالة وتقدمت به السن ولا أمل له في بيت ولا في زوج ولا في خلف. وهي العاجزة على أن توفر له ولو الحد الأدنى من الضروريات. وهي العائلات التي وجدت نفسها وقد فقدت عائلا كانت تعول عليه في مد يد المساعدة إليها، وهي التي إنتظرته كثيرا ليصبح عالة عليها ليس بمفرده أحيانا ولكن بعد أن أصبح صاحب أسرة بزوجة وأولاد وما يتطلب ذلك من كفالة ورعاية وإحاطة ولباسا ومعاشا وسكنا وعلاجا وتعليما. وهي العائلات التي كان أبناؤها الأقل حظا في التمتع بحق الشغل وبحق المنحة الجامعية وبكثير من الحقوق الأخرى. فهي العائلات التي مازالت تدفع ضريبة إحتضان أبنائها وأسرهم. وهي من العائلات التي منها من إبتعد عن أخ أو إبن أو قريب أو صهر أووإن قل ذلك.

أما الأسر وأعني بها عوائل المساجين السياسيين من إخوتنا، فقد صبرت وصابرت وعانت الفقر والفراق والخصاصة والحرمان والعزلة والحصار الأمني لمنع أي معين من مد يد المساعدة لها، وتشديد المراقبة على أفراد عائلاتها حلا وترحالا، وإخضاعهم للمساءلة إذا لزم الأمر عن مصادر تمويلهم وعمن يعينهم ويعيلهم في غياب العائل، وعن علاقتهم بالآخرين ممن يعرفون من إخوانهم أو من أسرهم لمنع أي علاقة تواصل بين الأفراد أو بين الأسر. فكانت الرقابة مشددة على الشوارع وعلى الأحياء وعلى الأسواق وعلى المساجد وعلى الفضاءات العامة والخاصة وعلى الداخل للمدن والقرى وعلى الخارج منها

أما بخصوص الأفراد فإن الأمر أشد وأنكى. فقد منع التلاميذ من مواصلة دراستهم ومنع الطلبة كذلك من حقهم في مواصلة الدراسة. أما الذين تخرجوا فلا حق لهم في الشغل. وأما الذين كانوا بوظائفهم فقد تم فصلهم منها بمجرد إيقافهم على ذمة التحقيق ومازالوا مفصولين بالرغم من صدور أحكام من طرف المحكمة الإدارية لصالح من رفعوا أمرهم إليها. وقد إنصرف الجميع وسط هذا الجو المسموم والمستعر من حولهم للضرب في الأرض الضيقة من حولهم بالمراقبة والمتابعة وتحديد الإقامة بحثا عن الرزق، زادهم في ذلك إيمانهم بالله وتوكلهم عليه، بما كان قليلا من الجهد وبلا شيء أو ما قل جدا من المال. ومن خلال ما كان قد تم رسمه في خطة تجفيف المنابع وتقليم الأظافر، فقد كانت سياسة التجويع وقطع الأرزاق هي الآخذة طريقها إلى التنفيذ. فقد كانت عصابات البوليس المنتشرة في كل مكان لا تتردد في الضغط على من يستعد لتشغيل أي كان. وكان في البداية القليل جدا من هؤلاء من يصمد أمام تلك الضغوطات، في الوقت الذي كان الكثير من المشغلين يبدون رغبة كبيرة في تشغيل هذه الفئة من أبناء المجتمع لما يعلمونه عليهم من أمانة ومن جدية وصدق وإخلاص، ولكن لا يكون لمن لا يقوى منهم على غضب هذه العصابات دائما ما يرغب فيه وما فيه مصلحة له.

وكانت دائمة المساءلة لمن علمت أن له ما قل من المال كان قد حصل عليه من خلال الإقتراض أو بيع أو رهن بعض ما كان يملك أو من خلال ما يمكن أن تقدمه العائلات من بعض ما تجمع أو من بعض ما لديها مما قد يكون زائدا على الحاجة أحيانا أووكانت هذه العصابات المتفرغة لهذه المهمة لا تسمح لأخوين إثنين أو أكثر أن يجتمعوا على عمل أو يشتركوا في تجارة أو يستعين بعضهم مع بعض على بعض ما فيه مصلحة لهم وما يمكن أن ينجر لهم منه نفعا.والأشد نكالة وأمعن في الظلم والقهر والتسلط أن هذه العصابات لا تنته عند هذا الحد ولكنها تجاوزته إلى مضايقة أي كان ممن يكون على علاقة ذات صلة بالشغل والتشغيل والكسب بأي من هؤلاء الأخوة. وقد كان القصد موجودا لديها في كثرة التردد على محلات التجارة أو أماكن تواجدنا بالسوق سواء في مواقع البيع أو الشراء لصرفنا عن تلك المواقع أو صرف الآخرين عنها حتى لا يستقيم لنا الكسب فيها. ولقد كانت العقوبة البدنية والنفسية نصيب من يتم ضبطه متلبسا بجريمة بيع أحدنا للآخر أو الشراء منه. وقد وصل الأمر بهذه العصابات أن تخضع للمساءلة من يشتري من أحدنا أو يبيعه أو يزن له بضاعة أو يزن عنده حتى أصبح الكثير من الناس يعتبر أن ذلك من المشاكل التي عليه أن يسعى لاجتنابها وإن كلفه ذلك خسارة أو تجاوز حق له عند أحدنا والتفريط فيه والتنازل عليه. وما من مكان من أماكن تواجدنا إلا وكان لها به حلول لتخضع للمساءلة من يرافق أحنا أو من يجالسه معنصحهبضرورة الإبتعاء عنا دفا للشبهة وتبرئة للذمة وتحقيقا للمصلحة ودفعا للضرر. في هذه الظروف الصعبة التي استمرت فيها الأحوال على هذا النحو أكثر من عقد من الزمن لتستقر الأمور في النهاية على حال وجد فيها الأخوة أنفسهم أبعد ما يكون بعضهم من بعض وقد استقرت أوضاعهم وأحوالهم على النحو الذي استطاع كل أخ أن يتحقق له به من الإستقرار ما يبعد به عن نفسه وأسرته وعائلته فواجع ومضايقة تلك العصابات الأمنية التي منحت من الصلاحيات ما لا تسأل به عن أي عمل تقوم به ضد أي كان منا في أي زمان وفي أي مكان. فمنهم من استقر له الأمر وجاءته الدنيا وهي طائعة. ومنهم من تحققت له حياة وسطا. والأغلبية منهم مازالوا يعانون ما لا يعلم إلا الله من الفقر والمرض وضيق ذات اليد ولا أحد يسأل عنهم ولا أحد يتدبر معهم أمر الحياة وهم صابرون في الحقيقة محتسبون بين البطالة والمرض والمعوقين من الأبناء والديون في أصعب ظروف تمر بها البلاد كلها قتصاديا واجتماعيا وثقافيا وسياسيا

السبيل أونلاين نت : كيف تتصرف السلطة تجاه تواصل المساجين السياسيين السابقين في ما بينهم

لقد كانت سياسة السلطة مركزة منذ البداية كما سبق أن أشرت في السابق على فك أي ارتباط مهما كان صغيرا أو بسيطا بين كل هذه العناصر وعائلاتهم وأسرهم لمنع قيام أي علاقة تنظيمية ولمنع أي تعاون وتضامن اجتماعي ومادي. وبالضغط ومواصلة الضغط حققت أقدارا مهمة مما كانت تريد أن يتحقق لها في ذلك.

ومازال القلق هو سيد الموقف في الأوساط الأمنية والسياسية تجاه تواصل المساجين السابقين في ما بينهم. ومازال الإستنفار الأمني هو المظهر الأبرز في صورة أي نوع من التواصل المعلوم والظاهر. وقد أصبحت الدوائر الأمنية تعتبر أن حالة التذرر التي أوصلت إليها هؤلاء المساجين السابقين هي من الحقوق المكتسبة التي تعمل على أن لا يتم التفريط فيها وعلى المحافظة عليها. وأنه ليس من حق هؤلاء أن يستعيدوا العلاقة في ما بينهم على أي نحو وعلى أي أساس. وإذا كان بعض الأخوة قد سلم لها بذلك وتنازل عن كل حق إمتدت يداها لسحبه منه فإن آخرين صمدوا ومازالوا صامدين من أجل الحفاظ عن كل ما هو حق ومن أجل العمل على استعادة أي شيء هو لها حق ولها فيه حق .فلا بقاء لحق لا تنافح بالليل والنهار للمحافظة عليه، ولا نيل لحق لا تصارع بالليل والنهار لافتكاكه. فليس والله للمرء في أنظمة الإستبداد من حق إلا ما يستخلصه من أيدي العصابات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية والأمنية والقضائية المكونة لهذه الأنظمة. لأن نظام الإستبداد هو نظام مثل هذه العصابات.

السبيل أونلاين نت: ماهو تقييمك لأوضاع تونس الداخلية حاليا من مختلف المناحي ؟

أحسب وأزعم في الحقيقة أن مثل هذا التقييم الذي يطول فيه في الأصل الحديث هو الذي ضمن قراءة نقدية ومقاربة ثقافية وسياسية واجتماعية قد قمت به في كل ما كتبت مما عرف طريقه للنشر ومما مازالت صعوبات كثيرة تحول دون إحضاره في صياغته النهائية ومعرفة طريقه إلى ذلك كذلك. فأسأل الله أن يوفقني إلى ذلك قبل أن ألقى الله إنه سميع مجيب.وهذا ما لا يمنعني من محاولة الإجابة عن السؤال بما يقتضيه المقام والمقال. وبذلك أقول وقد سبق أن قلت أن نظام الإستبداد والوريث غير الشرعي لمشروع الإستعمار والراعي لمصالحه بالبلاد هو نظام العصابات السياسية والثقافية والإجتماعية والإقتصادية والإعلامية والأمنية والقضائية، وبذلك وجب إحترام هذا التسلسل في التقييم الذي لا يمكن في مثل هذا المقام إلا أن يكون مختصرا.

*المجال السياسي لتحرك العصابات السياسية:(العصابة الأولى)لست مبالغا حين أقول أن البلاد قد سقطت في حكم عصابات سياسية، كانت العصابة الأولى التي سلمها الإستعمار الفرنسي مقاليد الحكم في البلاد، وهي عصابة الحزب الإشتراكي الدستوري بقيادة الهالك الحبيب بورقيبة والتي التحقت بها بعد انقلاب المخابرات الغربية عليه والتي نصبت مكانه الجنرال زين العابدين بن علي عصابات اليسار الماركسي والقومي العربي، وهي العصابات التي لم يجمع بينها إلا طبيعتها الإستبدادية العنيفة والإنتهازية، وعداءها المبدئي للديمقراطية وحقوق الإنسان والهوية العربية الإسلامية للشعب وللأمة، والتآمر على الحركة الإسلامية وإعلان الحرب على الشعب من خلالها، ونهب ثروات البلاد بعد أن قبلت بجدولة ديونها وتسليم سلتها الغذائية واقتصادها للمؤسسات المالية الدولية وإنهاء القطاع العام، ووضع اقتصاد البلاد تحت سيطرة القطاع الخاص وأصحاب رؤوس الأموال الأجانب، وكانت هذه حصيلة السياسة المتبعة منذ ما يزيد عن 17 سنة.

وهي عصابات على ما بينها من القواسم المشتركة وعلى ما يجمع بينها مما تمت الإشارة إليه سالفا، إلا أنها ليست متجانسة. وهي التي ليس لواحدة منها برنامجا سياسيا معلوما وواضحا. فكان اليمين الدستوري هو الممثل للواجهة برموزه القديمة التي كان الزعيم بورقيبة لا يقبل لأي كان منها أن يفكر ولا أن يكون له رأي معه. وهو الذي رباهم على ذلك. وهم الذين استوعبوا تلك التربية وقبلوا بها.وكان اليسار الماركسي وبعض مكونات اليسار القومي العربي وهما الجهة التي تحتكر العقل والعقلانية والتقدم والتقدمية والحداثة، وهما من أهم مكونات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة المزيفة المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وإذا كان اليسار القومي العربي ممثلا في بعض العناصر البعثية أساسا ضعيفا وغير ذي فاعلية كبيرة، فإن اليسار الماركسي المدعوم بهذه العناصر التي لا تختلف معه كثيرا في القناعة هي القوة الضاربة في دوائر أخذ القرار، وهي صاحبة التصورات والرؤى التي تفرض من خلال السلطة على الشعب بالقوة .فنحن أمام قوى استئصالية لا يؤمن بعضها ببعض ولا تؤمن بغيرها ممن يختلف معها في الرأي وفي المرجعية الفكرية والسياسية. وإذا كانت الطائفة العلمانية بمختلف مكوناتها وتجلياتها تبدي انزعاجها من الحركة الإسلامية وتعتبرها العائق الوحيد والأكبر أمامها لإقامة النظام الديمقراطي المنشود الذي تنظر إليه على أنه الإبن الشرعي للحركة العلمانية وأنه لا قيام له بدونها، وهو من طبيعتها وأنها الوحيدة القادرة عليه، وأنه لا معنى لها بدونه. فهي التي وفي غياب العائق الإسلامي العاق وغير المرغوب فيه لم توجد إلا هذا الدمار الذي تشهد به هي نفسها. فكان تحالفا انتهازيا قهريا دمويا استئصاليا لا هو أقام النظام الديمقراطي المزعوم ولا هو أبقى على الحركة الإسلامية باعثة الدفئ والحياة في المجتمع وفي ساحات السجال الفكري والثقافي والسياسي. وهي التي حافظت على المجتمع المدني من الإنهيار. وهو الذي انهار بانهيارها والذي يسعى اليوم لإعادة التشكل والظهور مجددا. وهو الذي يقيم بناءه على ما حافظت عليه الحركة الإسلامية من وجود في المعارضة ومن مساحات أهرقت فيها دماء الأحرار وانتهكت فيها الحرمات وأهدرت فيها الكرامات وقطعت فيها الأرزاق وتعددت وتنوعت فيها المأساة، وتلك كانت أهم إنجازات الحركة العلمانية مجتمعة في نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب في تونس العروبة والإسلام. لقد كانت الحركة الإسلامية هي الصخرة التي تحطمت عليها أسطورة التقدمية والتقدميين والحداثة والحداثيين والديمقراطية والديمقراطيين والإنسانية وحقوق الإنسان التي كانت كل مكونات الحركة العلمانية تقدم نفسها على أنها صاحبة ذلك والقادرة عليه.

فالأقرب إلى الصحة والصواب أن هذه المجموعات لم تلتق على برنامج سياسي ديمقراطي حقيقي، ولا يمكن لها بحكم طبيعتها المادية والإستئصالية، ولا على خطة إصلاح إداري وقضائي، ولا على خطة وبرنامج تنمية اقتصادية، ولا على برنامج إصلاح زراعي ولا بنية صناعية، ولا على مشروع تجاري وخدمي متطور لتحقيق الكفاية والأمن الغذائي، ولا لتخليص البلاد من المديونية التي ازدادت فيها ترديا. ولكن كل الذي كان يجمع بينها احتكار السلطة، وإنقاذ المشروع الثقافي والبديل السياسي الإستعماري، والإستثراء غير المشروع، ومحاربة المشروع الوطني الأممي والكوني للحركة الإسلامية المتمثل في البديل الطبيعي الثقافي والسياسي العربي الإسلامي للمشروع الثقافي والسياسي الإستعماري.

وإذا كانت هذه الطائفة قد نجحت في شيء، فإنها إنما تكون قد نجحت في إدارة الأزمة وإطالة عمرها. ومازالت تستبعد الحل وتمني البلاد بالخسارة لمدة بعض العقود من الزمن لا قدر الله. وهي التي تلعب اليوم في الوقت بدل الضائع. وهي التي لم يعد لها ما تقدمه للشعوب والأوطان. وهي التي لم تقدم لها ولعقود من الزمن أكثر من الحد الأدنى من البنية التحتية ومن القوت اليومي التي مازالت تعول فيه على الأجنبي وتجلبه من وراء البحار. وهي التي تدير دفة الحكم في أوطان لا تنقصها الأراضي الشاسعة ولا المياه المتدفقة ولا المعادن والثروات الجوفية المختلفة ولا الطاقات البشرية المختلفة المواهب والحائزة على أعلى الدرجات وعلى أفضل مستويات التعليم وعلى مختلف أنواع الإختصاص ولكن ينقصها العقل والأبعاد الإنسانية والروح الحضارية والتواضع والبعد عن الله الذي لا يزيد أهله إلا مزيدا من البعد عن الحق وعن الصواب وعن المصلحة وعن الوطن وعن الشعب. فهي لا تدير المعركة على أساس وطني ولكن تديرها على أساس شخصي وأسري وفئوي وحزبي وجهوي.. ولا تديرها ضد التخلف والفقر والمرض والجهل من أجل الوفرة والكفاية ومن أجل الإستقلال الحقيقي والسيادة والكرامة، ولكن تديرها من أجل الأجنبي والدخيل وضد الوطني والأصيل. تدير المعركة وتهدر فيها طاقات وإمكانيات لا تعوض من أجل النزوات والشهوات والأهواء. من أجل المحافظة على العلمانية المغشوشة وإن أفلست وفشلت وتأكد إفلاسها وفشلها، واستبعاد الإسلام وإن كان ناجحا وكذلك حتى لا ينجح ليكون الكل في الخسارة والإفلاس والفشل سواء. “إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا“.

*المجال الثقافي لتحرك العصابة الثقافية“:(العصابة الثانية)

فإذا كانت السياسة هي حسن تدبير الشأن العام وحسن إدارته، فإن هذه العصابات المستولية على هذه المساحة والمنتشرة عليها لا تحسن إلا تخريب الشأن العام وإفساد إدارته. وليست هذه نظرة سوداوية عدمية ولكنها الحقيقة كما نعيشها وكما يستطيع أن يعلمها كل مراقب ومتابع لإدارة الأمور بالبلاد، ودون أن يعني ذلك أنه لا وجود لمخلصين ووطنيين، ولا لمحبين للخير ولا لجادين في الإصلاح وحمل هم البلاد والعباد، ولكن أنى لهؤلاء أن يرفعوا بناء وجل من معهم يعمل فيه هدما من حيث يشعر أو لا يشعر ومن حيث يريد أو لا يريد ومن حيث يقصد أو لا يقصد، وبناء ما يمكن أن يكون لا ما يجب أن يكون، وبناء على ما نلاحظه وما نراه وما نفهمه وما نعيشه.

وإذا كان لا بد لكل نظام سياسي من رؤية وبرنامج ثقافي، فإن نظام العصابات السياسية في تونس العهد الجديدقد سار على طريق سلفه الهالك بورقيبة ليجعل الغرب الصليبي قبلته. وأبى إلا يكون أمينا على المشروع الثقافي التوراتي الإنجيلي الإستعماري الصهيوني، والكل يعلم إلى أي حد تواصل توطيد العلاقة بين الكيان الصهيوني ونظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب، ولكن بالطريقة التونسية طبعا، وهي الطريقة التي ينال فيها الأجنبي وأي طرف مغضوبا عليه شعبيا وجماهيريا سرا ما لا يناله جهرا.

ولم يكن النظام الأسوأ على الإطلاق إلا لشدة وفائه للتغريب وإصراره على الإلحاق الحضاري واعتبار ذلك من المكاسب التي تفتخر بها النخبة العلمانية اللائكية في تونس عن غيرها من بقية النخب العلمانية في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، ومحاربته للثقافة العربية الإسلامية الأصيلة بكل وضوح وبكل صلف ووقاحة وتبجح.

وإن اختلفت هذه العصابات جزئيا إلا أنها تلتقي في النهاية ونظرا لطبيعتها الإنتهازية والمادية على المشروع الثقافي الغربي الصليبي، ولا يهم بعد ذلك أن تكون صياغته باللغة العربية أو تبقي على ما أقره عليها الإستعماريون انفسهم من لسان فرنسي ولغة فرنسية. والكل يعلم إصرار الطائفة العلمانية وفي شقها اليساري الماركسي خاصة، وهو الأكثر نفوذا في نظام التحالف، على التمكين للغة الفرنسية. وهو الذي قاتل واستمات في القتال من أجل المحافظة على لغة المستعمر، وإنهاء أي دور في الإدارة وفي الحياة الثقافية للغة العربية التي اختزلها في الصياغة القائلة بأنها أداة رجعية للتعبير عن مضمون رجعي. فإذا كانت هذه العصابات على هذا النحو وهذا القدر من الولاء للأجنبي والدخيل، والعداء للوطني والأصيل، فماذا يمكن أن تكون عليه الخيارات والسياسات الثقافية لمثل هذه العصابات؟

هؤلاء هم من تولى بوضوح حقيبة أهم وزارة سيادة بالبلاد، وهي وزارة التربية والتعليم والبحث العلمي. وهي الوزارة التي كان الهالك بورقيبة في إطار توجه فرضته الأحداث واقتضته المواجهة مع الحركة الإسلامية عام 1987 وما قبله، لما قيل وقتها أنه خيار لإصلاح التعليم، لابنه المدلل آنذاك محمد الصياح،الذي لا يخفى على الكثيرين توجهاته اليسارية، وتدخلاته لدى الهالك بورقيبة لصالح اليسار الذي كان معارضا لنظامه، وكان اليساريون لا يشيرون إليه إلا بالعمالة والخيانة. وهو نفس النظام الذي يتفيؤوا وارف ظلاله اليوم، ويعتبرون إنجازاته من المكاسب التي يفدونها بأرواحهم ودماءهم. وما كان لذلك الإصلاح أن يكون لولا ما اقتضته الضرورة السياسية من مراجعة برامج التربية الإسلامية وهيكلة الجامعة الزيتونية التي أصبح ينظر إليها على أنها قلعة من القلاع التي تتحصن بها الحركة الإسلامية وأصبحت مجالا من مجالاتها الحيوية. وكان لا بد لنفس الخطة أن تتواصل. وكان لا بد أن يكون عليها هذه المرة أشرس يساري ماركسي مدعوما باتحاد طلابي ذات لون يساري ماركسي كذلك، وبقوة من البوليس تعمل مع هذا وذاك للقضاء على الإتحاد العام التونسي للطلبة المستقل الذي كان ينظر إليه على أنه اتحاد الإسلاميين، وعلى استئصال الوجود الإسلامي بالجامعة كما كانت عملية استئصاله متواصلة بالبلاد.

في هذا الإطار وفي هذه الظروف الصعبة الإستثنائية التي زج فيها بالبلاد، كان لا بد أن يكون الخيار الثقافي مركزا بالكامل ومصخرة له كل الإمكانيات ومفتوحة له كل الفضاءات على كل المضامين والبرامج البعيدة كل البعد عن كل ما هو إسلامي، إلا ما اقتضته ضرورة إضفاء الشرعية الدينية والقداسة على كل ما لا علاقة له بالدين وبالإسلام وكل مدنس، باسم الحداثة وباسم التسامح وباسم الإجتهاد والوسطية وغير ذلك من الشعارات المسمومة المغشوشة المخادعة، إفسادا للإسلام واستخفافا بالإنسان. فتم بذلك حل كلية الشريعة وأصول الدين ليجعل منها الأستاذ الوزير كان الرفيق محمد الشرفي معاهد عليا تماما كمعاهد اللاهوت العليا الخاضعة لإشراف الكنائس في الغرب. وتمت برمجة كتابات العلمانيين عن الإسلام المعادين له في مجملهم والمناهضين لثقافته والجاهلين به سواء في التعليم الثانوي أو التعليم العالي. وأصبح لا حق لأحد أن يكون له فهم للإسلام غير الفهم الرسمي تماما كما كانت الكنيسة تحتكر فهم الكتب المقدسة المحرفة. وتشكلت لجنة لمتابعة الكتاب الإسلامي القديم منه والحديث لمصادرة كل العناوين الأكثر تداولا بين الناس وسحبها من نقط البيع بكل المكتبات. وكان على رأسها اليساري المعروف الرفيق أنس الشابي وكانت هذه العصابات تعترض سبيل الحجاج عند عودتهم لتصادر منهم كل العناوين التي لا تروق لها. مما أصاب البلاد بحالة من التصحر الثقافي والفكري، خاصة في كل ما له علاقة بالكتاب الإسلامي وبالثقافة الإسلامية والفكر الإسلامي الجاد، وبآخر الإصدارات وآخر الإنتاج. فكانت البلاد تعيش شللا كاملا في مستوى النشر والتوزيع، إلا مما كان مبتذلا سخيفا داعرا، وما كان ضرره أكثر من نفعه، إذا كان لابد من بعض النفع فيه. وفتحت إذاعات بكل معهد وفضاءات بكل كلية ومعهد للرقص والتمايل على أنغام كل ألوان وأنواع الموسيقى الصاخبة، وعلى رأس هذه الأنغام المزودالذي هو آلة موسيقية شعبية محلية مما يجيد استعماله السوقة وغير أصحاب المروءات والأذواق السليمة، وفسح المجال واسعا لثقافة الرقص في كل المحيطات وكل الفضاءات الخاصة والعامة. وفتحت أبواب الإذاعات والقنوات التلفزية المحلية والوطنية الرسمية والخاصة أبوابها واسعة لكل السفلة وسقط المتاع ممن لا يجيدون إلا السفالة والرداءة والهبوط، لتكون مراتع لهم بالليل والنهار، يصولون فيها ويجولون بدون أي ضابط أخلاقي ولا إنساني ولا فني ولا أدبي، لصرف الرأي العام عن كل اهتمام جاد وعن قضاياه الحقيقية وأمراضه وأوجاعه ومآسيه ومآسي وطنه وأمته ومآسي الإنسان المستضعف الذي تطحنه رحى قوى الهيمنة الدولية المالية منها والإعلامية والعسكرية. وكان من أهم وأوكد اشتراطات الإنخراط في جوقة هذه الثقافة ظاهرة العري التي يجب أن تكون عليها النساء كبارا وصغارا، ومن خالف ذلك الإشتراط أو نهى عنه فإنه ليس أقل من أن يكون مشتبها في أمره، وإلا فإن لعنة التطرف والإسلاميين تظل مطاردة له حتى يثبت خلاف ذلك.

وإن كانت هذه من الثقافات التي ليست في حاجة كبيرة لمن يقوم بها أو يجيدها ويبدع فيها، إلا أن أكبر روادها والضالعين فيها والمروجين لها هم مجموعات اليسار الماركسي التي كان لا مكان لمعظمها في عهد الهالك بورقيبة بالبلاد، والتي أمضت عمرا في المهجر تتربى وتتكون وتتربص على خدمة قضايا اللوبي اليهودي في ما تعتقد أنه من الإبداع في ما كانت تنتجه من أعمال فنية سنمائية ومسرحية وأدبية وغيرها. وبمجرد إبرام صفقة التحالف مع الإنقلابيين ومع بقايا الدستوريين أعداء الأمس، حتى هرع من هذه العصابات للداخل من هرع وبقي هناك من بقي في إطار تقاسم الأدوار لآداء نفس المهمة. فكنت لا تسمع إلا الأغنية الماجنة الداعرة. ولا ترى من المرأة إلا الجسد. ومن الجمهور إلا الراقصين والراقصات. ومن الأفلام إلا الهابطة شكلا ومضمونا فنيا وأدبيا. وإذا كان من عمل هادف ومبدع فإنه لا يوحي لك من الإسلام وبكل ما يتعلق بالهوية العربية الإسلامية للشعب والبلاد إلا بما هو خرافة أو أسطورة بشيء، إلا بما فيه إساءة لكل ذلك ولماضينا وحاضرنا. وكان التركيز في كل ذلك على إبراز وإحياء الماضي القرطاجي والبونيقي والروماني. وعلى التعلق بالماضي الإستعماري والحاضر الغربي. ولقد تم صرف الرأي العام بقوة الإعلام وبقوة البوليس الذي يصول ويجول في كل مكان من البلاد يرصد الحركات والسكنات ولا يستثني كبيرا ولا صغيرا، للغناء الهابط وللموسيقي الصاخبة وللرقص، وفي أحسن الحالات لفضاءات الرياضة وملاعب كرة القدم.

ومازالت هذه الثقافة مدعومة بكل قوة، ولكن الشعب التونسي برهن بما لا يدعو مجالا للشك أنه محب لدينه ومتمسك به رافض في النهاية لكل البدائل المشبوهة والمغشوشة والمشوهة. بحيث كانت النتيجة أن استعاد الشعب أدراجه، وفي الوقت الذي ظنت فيه هذه العصابات أنها بلغت به حد عدم الرجعة في ساحات الدعارة والفساد والإنهيار الأخلاقي، بعد أن أعتقدت أنها قد أغرقته في وحل العري والرقص والفساد والدعارة والإنحلال والتهميش والعزلة، حتى تفاجأت هذه العصابات كلها بنتائج عكسية تلقت فيها الرفض الواضح لخياراتها الفاسدة والإصرار على التمسك بهويته وبثقافته الأصيلة المصادرة وبعقيدته التي يرى دائما أنها الملاذ من المهالك والحامية له من الأخطار

* المجال الإجتماعي لتحرك العصابة الإجتماعية“(العصابة الثالثة)

أما في المستوى الإجتماعي، فدعني أقول أن المعركة وإن كانت قديمة، أي سابقة لحملة الإستئصال التي قادتها مختلف مكونات الحركة العلمانية اللائكية التي لم يتخلف منها في ذلك إلا القليل النادر، ضد الحركة الإسلامية وضد الإسلام من خلالها، وضد الهوية العربية لتونس العروبة والإسلام ولشعبها العربي المسلم، إلا أن اللافت أن الحملة كانت تحت ثلاث شعارات رئيسية تقريبا:

1- الحفاظ على المكاسب والتمكين لمشروع الحداثة الذي لا يمر إلا عبر الثقافة العلمانية الغربية على حد زعم كبار حاخامات الحركة العلمانية اللائكية الهجينة.

2- إزاحة العقبة الكأداء والعائق الأكبر المتمثل في الحركة الإسلامية في نظر النخبة العلمانية اللائكية الهجينة من الطريق التي تصبح سالكة بعد ذلك لقيام النظام الديمقراطي المنشود، الذي لا علاقة في رأيهم للإسلام ومن ثمة للحركة الإسلامية به، والذي لا علاقة في الحقيقة كذلك لهذه النخبة العلمانية الهجينة الإستئصالية العنيفة ولمشروعها العلماني المغشوش الدخيل به.

3- إنهاء الصراع العلماني الإسلامي من أجل تغيير طبيعة المجتمع الذي تعتقد النخبة العلمانية التونسية أنها قد انتهت به إلى حد من العلمنة لم يعد مسموحا ولا مقبولا مراجعته والتراجع فيه باتجاه الأصل والأصالة العربية الإسلامية. وإذا كان لابد من عروبة وإسلام فلا يمكن إلا أن تكون عروبة علمانية وإسلام علماني.

فكان تحرك العصابات الإجتماعية في هذا الإطار وفي هذا الإتجاه ولهذه الغايات والأهداف. وكان أن صحب الحملة الإستئصالية الأمنية، وإن كان ذلك يتم من قبل في الحقيقة، ولكن بأقل حدة وبأقل وضوح، برامج ثقافية وإعلامية وتعليمية فيها إمعان واضح لفرض النمط الإجتماعي الغربي. فكان العمد واضحا في محاولة إخفاء التظاهرات الشعبية في المناسبات الدينية. وإذا كان لابد من الوقوف عند بعض الشيء منها، فبفتور وبالتركيز على الجانب المادي الإستهلاكي فيها، وعلى جوانب التهريج والخرافة والفلكلور، بما يكون من إضفاء ما تعتبره هذه النخبة المستولية على منابر الإعلام والمحتكرة للإشراف على الفضاءات الخاصة والعامة والمسيرة لها عليها من مظاهر الحداثة التي يتم إقحام المرأة فيها إقحاما على صورة جسد ولحم ودم ومتعة تضيع فيها إنسانيتها وأنوثتها وكرامتها باسم الحرية والتحرر واستعادة الحقوق والمساواة ورفض التمييز بين الجنسين. كما كان العمد واضحا في المبالغة في الإعداد للمناسبات الوطنية والعالمية وإحاطتها بأكثر ما تحتاجه من عناية وإعلام وتمويل. وبقدر ما كان عليه الشعب التونسي من إصرار على فرض، وبتلقائية مناخات وأجواء أصيلة مستمدة من عقيدته ومن ثقافته العربية الإسلامية، والتي دخلت وتأصلت في عاداته وتقاليده على البلاد كلها في المناسبات الدينية، بقدر ما نجحت الآلة الإعلامية الرسمية والنخبة العلمانية في جعل الكثير من المناسبات الغربية ظاهرة أصبح مفروضا على الخاصة والعامة الإنخراط فيها، كمناسبة رأس السنة الميلادية وأعياد الميلاد وعيد الحب وغيرها من المناسبات التي لا علاقة للشعب العربي المسلم في تونس ولأي من شعوب أمة العرب والمسلمين في بلاد العرب والمسلمين بها.

فلا حديث عن حقوق الجار، ولا على حسن الجوار، ولا على إكرام الضيف، ولا على صلة الرحم ووصلها، ولا على التضامن الإجتماعي التلقائي الذاتي، ولا على ضرورة إيواء المسنين وكبار السن والعجز والرأفة والرحمة بهم، ولا على بر الوالدين، بل فتحت أبواب المآوي الخاصة بالعجز للتخلص من هذه الفئة الإجتماعية التي لا حاجة للمجتمع العلماني الإنساني بها، ولا على أي شيء من هذه الثقافة الإجتماعية التي تجعل النسيج الإجتماعي أكثر ترابطا وأكثر تعاونا وأكثر تضامنا وأكثر انسجاما وتواصلا. بل لقد كان كل غير ذلك هو الحاصل. فكانت العائلة والأسرة والعرش والجهة أحيانا كل أولئك منبوذا رسميا ومستهدفا من أجل أن كان أحد أو بعض الأفراد من هذه الأسرة أو من هذه العائلة أو من هذا العرش أو من هذه الجهة ممن ثبت انتماؤه أو انتماؤهم للحركة الإسلامية، أو وجود علاقة له أو لهم بالإسلام كما يفهمه وكما تفهمه وكما لا تفهمه النخبة العلمانية في سدة الحكم أو القريبة منها والداعمة والمعاضدة لها.ولقد فسح المجال للشباب للتهور بلا حدود حتى أصبح اعتداء الإبن أو البنت المشبعان بثقافة الرذيلة والرقص على أي من الوالدين أمرا شبه مألوف، ولا يرى أو يجد فيه الكثير كبير حرج. وأصبح اعتداء التلميذ على أستاذه أو أستاذته أمرا متكررا في المؤسسات التربوية والتعليمية ويحسب له حسابه. وانسحب كل من الولي والمربي معلما كان أو أستاذا من العملية التربوية، وتم استبعاد كل الإجراءات الزجرية الرادعة، وأصبح الولي معرضا للوجود تحت طائلة القانون بمجرد تأديب إبنه أو إبنته، بعد أن رفع النظام القمعي الإستبدادي شعار الحوار والتحاور بين أفراد العائلة، وهو الذي لا يقبل بتحاور أي كان معه، ولا بالتحاور مع أي كان، لنتصور وليا مقموعا لا رأي له ولا صوت، وغير مقبول منه إلا السمع والطاعة، مدعوا لاعتماد الحوار أسلوبا في وسطه العائلي، وإن كان هذا مما ليس جديدا في الحقيقة على ما نعلم في أوساطنا العائلية، وعلى غير المعنى الذي تدعو إليه السلطة طبعا، ولغير الأهداف والغايات. وبرعاية من السلطة السياسية وتحت وطأة إعلامها خاصة قبل الثورة الإعلامية وتعدد البث الرسمي والحر عبر الأقمار الصناعية، وتحت لهب سياط أدوات قمعها البوليسية، لظهر مختلف فئات الشعب، وخاصة نخبته وعامته الإسلامية، وبعض الأحرار من مختلف مكونات الطيف السياسي والثقافي والإعلامي في مكونات المجتمع المدني. فقد أصبحت الكلمة الطولى للنساء والفتيات والفتيان، ليكون الآباء تحديدا في المرتبة الأخيرة بين قابل بأمر واقع غير مقتنع به وغير قادر إعادة الأمور لنصابها وعلى وضع الأمور تحت السيطرة، وبين موافق على ذلك الوضع ومقنعا به، وبين جاهل لذلك الواقع وغير مكترث به، وبين متجاهل للوضع تاركا الحبل على الغارب طلبا للنجاة وهروبا ببعض الراحة من العناء، وبين كل هذا وذاك مواقف وآراء ومواقع. فاستشرت الرذيلة وأصبحت الخيانة الزوجية والخلان والخليلات أمرا مقبولا طوعا أو كرها خوفا أو طمعا في ظل استشراء الفقر وانتشار ظاهرة البطالة وتسريح العمال الذي أصبح يقتضيه جشع ومصلحة الرأس مال الخاص الذي استلم المؤسسات الإنتاجية والتجارية والخدماتية والإقتصادية عموما من القطاع العام. حصل كل هذا خاصة منذ بداية تسعينات القرن الماضي إلى نهايته ومازال يحصل، إلا أنه بخبو وهج الخطاب السياسي المغشوش، وزوال بهرجه الكاذب، وظهوره على حقيقته خاصة في ما بدا لكل عاقل ولكل ذي فطرة سليمة ولكل حر من أبناء شعبنا عداءه الحقيقي والواضح والصريح لهوية الشعب العربية الإسلامية ولعقيدته ودينه عموما. وبظهور الإعلام الحر المختلف والمتنوع، وببروز الحركة الإسلامية في العالم ممثلا لحركة التحرر مدافعة عن الأمة في مواجهة التحالف الصليبي الصهيوني وفي التصدي لأنظمة الإستبداد في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي، وفي وضوح من الفرز الثقافي والسياسي بدا من خلاله بوضوح انحياز حركة التحرر العربي الإسلامي للشعوب ولقضايا الحق والعدل والحرية ولمعسكر المقاومة والممانعة والإستضعاف، وانحياز الحركة العلمانية عموما انحيازا كاملا وبوضوح كامل في مستوياتها الرسمية كلها وحتى في بعض مستوياتها في من يعتبرون أنفسهم في المعارضة للغرب الإستعماري الصهيوني، وليس مطلوبا من الصورة أن تكون أكثر وضوحا مثلما هي عليه في أفغانستان وفي العراق وفي فلسطين وفي الصومال وفي لبنان، حدث تراجع كبير وواضح في كل الأوساط باتجاه التدين المحاصر والمطارد في أوطانه، والممنوعة منه شعوبة المؤمنة به. وليس في الحقيقة في ذلك أي بدع من القول، لأن الثابت تاريخيا أن هذه الأمة ليس لها في الحقيقة وفي النهاية من عاصم يعصمها، ومن ملاذ تلوذ به غير عقيدتها عقيدة التوحيد وشريعتها شريعة الإسلام. ومن كانت عزته بالله يعز ولا يذل ومن كانت عزته بغير الله يذل ولا يعز. في هذا الإطار وفي هذه الظروف عافت نفس الشعب ذلك المنحدر للرذيلة وللعري الذي كان يساق إليه سوقا ويفرض عليه فرضا، وتاقت وخاصة فئات الشباب منه إناثا وذكورا إلى علو الهمة واعتلاء ربوة الفضيلة والعفة والكساء والستر والحشمة المحارب من طرف نظام الدولة العلمانية الحديثة، سواء في عهد المجاهد الأكبرأو في عهد الحاج بن علي حامي الحمى والدينفانتقلت حركة المجتمع من المهادنة والطاعة إلى المواجهة السلمية والعصيان والصبر والمصابرةمن الإيمان بالطاغوت إلى الإيمان بالله، من القبول بدين الملك إلى القبول بدين الله في بلد وفي وضع مازال إصرار الرعاة وأولي الأمر على فتح الخمارات والمواخير وقاعات الليل وكل أوكار الفساد والرذيلة، وعلى الزج بأبناء الشعب قصرا بمكر الليل والنهار وبقوة الإعلام والبوليس والقانون في أتون الرذيلة والمخدرات والعلاقات الجنسية المحرمة، وعلى إغلاق المساجد وتعطيل دورها الحضاري في الإصلاح والبناء والتوعية والترشيد والتربية والتكوين. هكذا يعيش المجتمع التونسي في مثل هذا الضنك وفي مثل هذا التناقض وفي مثل هذا المرجل الذي يوقد ناره كرزاي تونس وامرأته حمالة الحطب وبسيسه. وإذا كان قديما لكل فرعون هامان فإن السنوات الأولى من الألفية الثالثة قد جاءت مؤكدة أن الإستعمار والصهيونية واجدان في كل بلد من بلاد أمة العرب والمسلمين كرزاي لهما وأنهما جاعلان لكل كرزاي بسيس(نسبة إلى المدعو برهان بسيس)، وهو رمز المؤجر لسانه دفاعا عن الطاغوت وعن خلفاء ووكلاء الإستعمار والصهيونية في أوطان أمة العرب والمسلمين. ولعل مثل هؤلاء هم من صنف العضاريط الذين يقدمون خدمات لمن يطلب منهم مقابل إطعام بطونهم.

* المجال الإقتصادي لتحرك العصابة الإقتصادية“(العصابة الرابعة)

أستطيع أن أؤكد وعلى مسؤوليتي على أن هذا النظام ليس إلا نظام العصابات السبع. وليس من المصادفة أن يكون ذلك منسجما وعلى توافق تام مع نظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب الذي ليس إلا نظام تحالف مختلف مكونات طائفة الحركة العلمانية اللائكية في هذه العصابا ت كما سبق أن بينت ذلك، وهذا ما يعلمه شعبنا في الداخل، وهذا ما تعلمه مكونات المجتمع المدني الآخذة في إعادة التشكل بعد حالة الإنهيار التي انتهت إليها طوعيا بفعل حالة الغباء السياسي التي كانت عليها الحركة العلمانية والخوف غير المبرر والطمع والإنتهازية التي لا يمكن إلا أن تكون من ثوابت الثقافة العلمانية بحكم طبيعتها المادية الطبقية الإستعمارية.

ومع العصابة الرابعة نتحدث قليلا عن نشاطها الإقتصادي في ما أعلم وما أرى وما أسمع. لأن لهذا المجال في الحقيقة رجاله الذين يفهمون فيه جيدا ويجيدون الحديث فيه في إطار قواعد وأطر ومناهج العلوم الإقتصادية.

إلا أني من موقع المتضرر ومن موقع المستهلك ومن موقع الحر الغيور على وطنه وشعبه وأمته أقول:

أن المسألة الإقتصادية للبلاد، كان منذ البداية قد تم تسليمها ومنذ أن قبل نظام عصابات 7 نوفمبر الرهيب بإعادة جدولة الديون التي ترتبت على البلاد جراء سوء إدارة المال العام، وجراء الفساد المالي المستشري في أوساط المغتصبين للإشراف على الشأن العام بالبلاد طيلة فترة حكم الهالك بورقيبة إلى يوم الناس هذا وإدارته بلا حسيب ولا رقيب، للعصابات المالية والإقتصادية الدولية المتمثلة أساسا في صندوق النقد الدولي والبنك العالمي الذان للإمبراطورية الأمريكية وربيبتها الصهيونية كما هو معلوم السيطرة الكاملة عليهما. ولعل مراقبة ومتابعة هذه المؤسسات المالية لاقتصاد البلاد يقلل من حجم الإختلاسات والفساد المالي وتبديد المال العام وتحويله بدون أدنى عناء ولا مشقة للحسابات الخاصة وصرفه في ما لا مصلحة فيه للشعب وللوطن في الشهوات ونداء الرغائب  وإشباع الغرائز وفي المآرب الخاصة والشخصية. وللإفلات من هذا الحرج الذي ربما تلاقيها هذه العصابات كلها وخاصة المجعولة منها على خزائن الأرض بالبلاد أو تخشاه، انبرت عبر كبيرها جميعا الذي علمها السحر، وهو الأقل من الكثير منها علما، إن لم أقل أجهلها بهذه الأمور الخطيرة والدقيقة، في وقت مبكر لبعث مؤسسات مالية موازية تخفف من حرج اختلاس المال العام من خلال ميزانية الدولة ومؤسساتها المالية والإقتصادية، وهي مؤسسات لهذه العصابة إشراف مباشر عليها. وكانت جباية كل مواردها المالية من الشعب مباشرة، في جو من الرعب والخوف الشديد والهلع، لا يستطيع أحد كبير كان أو صغير أن يمتنع عن تقديم وإعطاء ما يطلب منه. لأن ذلك يضعه في عيون الإستبداد وأعوانه من المناهضين لنظام المستبد الأكبر. وكانت التهمة التي كان مجرد اتهام الزوج زوجته بها، أو اتهام الأب إبنه، أو الزوجة زوجها، أو الإبن أبوه أو أمه، أو أي كان أي كان بها كافية للزج به في السجن أو طرده من عمله، أو ليس أقل من إنزاله في قائمة المشتبه بهم والمشكوك في ولائهم له، هي الإنتماء إلى الإسلام على فهم الحركة الإسلامية له، وليس على فهم هذه العصابات له، وما يترتب عن ذلك الإتهام أو الإشتباه من مأساة ومن معاناة ليس من السهل أن تنتهي، في عمليات ابتزاز واحتيال قل أن يوجد لها نظير. فكانت الظروف مناسبة لألا يتخلف أحد. وكان الناس من مختلف الفئات وفي مختلف المسويات والمواقع يتسابقون لدفع كل أكثر مما هو مطلوب منه، بل ليدفع من عجزه وفقره ما ليس مطلوبا منه. وهو الذي لا يعرفه أحد ولا علم لأحد بوجوده أو عدمه أصلا. ولكن الضغط الإرهابي وهاجس الرعب الذي أدخلته هذه العصابات لكل بيت ولكل قلب من كل من في كل بيت. وقد أرسلت هذه العصابات إعلامها المأجور زاعمة أن ذلك من إبداعات قائد التغيير، أي قائد كل هذه العصابات لإشاعة ثقافة التعاون والتراحم وغرس روح التضامن بين المواطنين “. سميت عملية النهب تلك وما تم جمعه وما يتم جمعه كل عام من اعتمادات وقيم مالية ضخمة لا يعلم أحد من دافعيها ولا من الذين من المفروض أنهم من أصحاب الحقوق في التمتع بها بصندوق التضامن 26 – 26 .وهو الصندوق الذي حل محل ما كان قد تم تكليف ما سمي في حينه المجلس الإسلامي الأعلى عند بداية المسرحية وفي مشاهدها الأولى بإنشائه ليكون صندوقا للزكاة. وذلك ما لم يرق لمن أصبحوا من أصحاب النفوذ الأكبر في سدة الحكم والضامنين للصنم الأكبر استمراره في موقع الرئاسة مدى الحياة من مختلف مكونات طائفة اليسار الماركسي والقومي العربي الملتحقين بالسلطة لتعزيز صفوف اليمين الدستوري في مواجهة والتصدي لما أسماه في ذلك الوقت أحد رموز البعث العراقي بمدينة قفصة(وهو الأستاذ الشافعي العلياني ) بالمارد الأسود، في إشارة إلى الإسلاميين في الحركة الإسلامية، لما في ذلك من دلالة ورمزية إسلامية لا تليق بالدولة العلمانية اللائكية الحديثة المغشوشة طبعا، ولا يقبل بها العقلانيون التقدميون الحداثيون الديمقراطيون جدا جدا. وهم من أوجد هذه الديمقراطيةالتي يلتهم لهيبها الحارق اليوم كل الناس بمن فيهم بعض أولئك الذين أوقدوا نارها. فكان هذا الصندوق الذي لا يعلم دائما أي كان وبكل شفافية ماليةفي الديمقراطية التونسية التي تديرها وتشرف عليها وتسيرها النخبة العلمانية المستنيرةوالمستنيرة جدا المؤمنة بالفكر الإنساني النير وبفلسفة الأنوارذات الأصول التوراتية الإنجيلية هذه المرة في مواجهة الظلامية الإسلاميةالمؤمنة بالنور الذي أنزل مع محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، كم من القيم المالية التي تجمع في كل مرة. وهي التي ينضاف إليها في بعض السنوات يوم عمل من كل اليد العاملة النشيطة في كل القطاعات الخاصة والعامة. هكذا تنقلب الموازين. وهكذا تقلب الحقائق باسم العقل والعقلانية، وباسم التقدم والتقدمية، وباسم الحداثة والإستنارةولا يعلم أي كان بل وليس لأي كان أن يسأل أو أن يعرف كم كان حجم الإنفاق وكم كان حجم الإستثمار وكم كان حجم الأرصدة المتبقية في كل سنة على الأقل، في الوقت الذي يتم الإعلان فيه على صرف هذه القيم على مشاريع وهمية في معظمها في بعض الأرياف وما اصطلح على تسميته مناطق الظل التي انتهت هذه العصابات إلى اعتبارها المناطق المنتجة لما أسموه بالتطرف والإرهاب. وهي التي جعلت منها في الحقيقة نفس هذه العصابات مناطق ذل. وببعض أشكال المتابعة تبين لي أن الذين من المفروض أن ينتفعوا بهذه الأموال الطائلة التي تجبى كل عام على الأقل هم أنفسهم مساهمون، إما بمساحات الأرض التي تقام عليها بعض المرافق الصحية كالمستوصفات والمدارس وجلب المياه والكهرباء لهذه المناطق، أو باليد العاملة، أو بالمواد اللازمة من حجارة وحديد وإسمنت ورمل وغير ذلك مما هو لازم لإقامة مثل هذه المشاريع التي هي في الحقيقة مستحقات وحقوق كان من المفروض في إطار سياسة اقتصادية نزيهة وشفافة وراشدة أن يكون هؤلاء قد تمتعوا بها منذ زمان بعيد، لما لم تكن الكثافة السكانية لتونس لم تتجاوز الأربع ملايين نسمة. وفي مواجهة ضرورة تغطية عملية النهب القوية بدا أن هذا الصندوق لم يعد كافيا. فتقرر إنشاء بنك التضامن21/21 ” كمؤسسة مالية تستمد رصيدها المالي وقيمها المادية من الشعب كذلك مباشرة، من المؤسسات الخاصة والعامة، ومن الأفراد الذين يدفعون دفعا بكل وسائل الإكراه والإبتزاز لما أسموه لهم تبرعا وتضامنا تحت شعار إعلاني التونسي للتونسي رحمة“. وهي المؤسسة المالية التي تم الإعلان على أن الإهتمام فيها سيكون ببعث المشاريع الصغرى في معالجة مشكلة البطالة المستفحلة والزائدة في الإستفحال، في زمن أنفقت فيه أموال طائلة للإنتهاء بالنمو الديمغرافي في تونس إلى أدنى مستوى له، بدت بعض مظاهره في تسحر المدارس الإبتدائية من تلك الكثافة المعهودة من الناشئة إلى حد أن بعض المدارس لم يعد بالإمكان الحصول فيها على عدد كاف من التلاميذ لتكوين قسم للسنة الأولى. وانتهى هذا الوضع إلى أنه أصبح هناك في قطاع التعليم الإبتدائي خاصة بطالة في اليد العاملة النشيطة. أي وجود بعض المعلمين بدون مهمة من حقهم أن يتقاضوا مرتباتهم ويتمتعوا بكل الحقوق التي يتمتع بها غيرهم، وهم في حالة عدم مباشرة حقيقية وفعلية، وما يمكن أن تكون عليه الحال بعد ذلك في المعاهد الثانوية والجامعات والمعاهد العليا للتعليم العالي

أما المؤسسة المالية الموازية الثالثة فهي ما سمي صندوق التنمية الرياضية وهو في الحقيقة صندوق يستمد أرصدته من عمليات القمار التي أغرقت فيها هذه العصابات كل التونسيين تقريبا إلا من رحم ربك شيبا وشبابا نساء ورجالا. وهي عملية يتراهن فيها كل المشاركين على النسبة الضعيفة من الرصيد الحاصل والذي يصل أحيانا إلى ملايين الدينارات ليكون من نصيب الفائز الذي ينجح في توقع نتائج الفرق المتبارية في لعبة كرة القدم لكل أسبوع، أو يتقاسمها مع من يكونوا قد حالفهم الحظ في الوصول إلى نفس النتيجة. وبذلك تكون هذه العصابات قد حصلت على أرصدة مالية ضخمة في كل أسبوع من كل شهر على امتداد الموسم الرياضي. وأعطت فرصا للضحايا من أبناء الشعب لينهلوا ويعبوا من المال الحرام عبا. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال :جسم غذي بالحرام النار أولى بهثم والأخطر من ذلك أنها قد نجحت بذلك في صرف كل الأنظار بالكامل أكثر من أي وقت مضى إلى ساحات التهميش الرياضية، وأسست لعقلية الإنتظار والسعي إلى الكسب السريع المحرم، وما إلى ذلك من الأضرار والخسائر التي تلحق من ذلك وبذلك الأفراد والمجموعات. وقد قيل في ذلك أن كل ذلك يرجع إلى القدرة على الإبداع والإستشراف التي يتمتع صانع التغيير وحامي الحمى والدين الجنرال الحاج زين العابدين بن علي. وهو الذي أوجد حلا لمشكلة مناطق الظل لتزويدها بالمدرسة وبالمستوصف وبالماء الصالح للشراب وبالكهرباء. وهو الذي أوجد حلا لمشكلة البطالة ببعث بنك التضامن. وهو الذي أو جد حلا كذلك للبنية الأساسية الرياضة بالكامل بالبلاد. وهو العبقري الفذ الذي مازال يتم تقديمه في كل مرة من طرف زبانيته وبطانته للشعب التونسي الذي يعرفه جيدا والذي وفي الحقيقة قد انفض من حوله وانصرف عنه منذ زمان على أنه ليس ثمة في تونس من هو مثله أو أفضل منه لمواصلة تبوء مقعد القيادة فيها.. هكذا.

أما الأرصدة المالية الموازية الرابعة والتي لم يكن بالإمكان وضعها في مؤسسة مالية خاصة بها فهي الإيرادات المالية الحاصلة من مؤسسات القطاع العام المالية والإقتصادية المختلفة التي تم التفويت فيها للقطاع الخاص، والتي لا يعلم أحد ممن له الحق في ذلك من كل أبناء الشعب المالك الحقيقي لكل تلك المؤسسات والمنشئات والقطاعات كم بلغت تلك الإيرادات وما هو مصيرها.

يحصل كل هذا في وقت انتهى فيه الحديث في البلاد عن مجانية التعليم وعن مجانية الصحة، والحديث في هذه المسألة كذلك يطول. واستنادا إلى ما تقدم لم تبق الميزانية مسؤولة على الإنفاق بالكامل إلا على قطاعات الجيش وما تسميه هذه العصابات سلك القضاء الذي جعلت منه عصابة من العصابات المكونة لنظام العصابات السبع لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب وقطاع البوليس أو ما يسمى الأمن، وهو أحد العصابات السبع كذلك وهي الأشد خطرا على الشعب. وهي الموكولة لها المهمة الأكبر والدور الأكبر في حماية بقية العصابات المكونة لهذا النظام وجزئيا على التعليم والصحة، وهما القطاعان من القطاعات التي مازالت لم يتم التفويت فيها بالكامل. وبذلك نجد أنفسنا أمام المعادلة الصعبة التي سأل فيها جحا أخته عن اللحم الذي كانت قد أكلته، فقالت له أن القطة قد هي التي أكلته، فوزن القطة التي وجد أن وزنها لا يمكن تكون به هي آكلة اللحم، فقال لها إن كانت هذه القطة فأين اللحم وإن كان هذا اللحم فأين القطة ؟ فوجدت نفسها في النهاية بعملية حسابية مضبوطة مطالبة إما باللحم أو بالقطة.

وبلك نستطيع نحن أن نقول كذلك لهذه العصابات، إذا كانت مناطق الظل بالريف التونسي قد وجدت مشاكلها الحل عن طريق المؤسسة المالية الموازية الأولى صندوق التضامن 26/26، وإذا كانت مشكلة البطالة واجدة بعض حلولها على الأقل حتى لا نكون مبالغين عن طريق المؤسسة المالية الموازية الثانية بنك التضامن 21/21، وإذا كانت مشكلة البنية الأساسية للرياضة واجدة طريقها إلى الحل عن طريق المؤسسة المالية الموازية الثالثة صندوق التنمية الرياضية، فأين نصيب هذه القطاعات من الناتج القومي الخام، أي ما من المفروض أن يكون قد رصد لها من ميزانية الدولة كل سنة؟

وأين الإيرادات المالية الحاصلة من التفويت في مؤسسات القطاع العام؟

هذه الأموال الطائلة هي كلها فضاءات لاقتصاد مواز حاصلة قيمه المالية من النهب المباشر للشعب انطلاقا من الأطفال في رياض الأطفال ومرورا بالتلاميذ والطلبة والعمال والفلاحين والموظفين في مختلف القطاعات الخاصة والعامة وانتهاء بأصحاب المؤسسات والمهن الحرة، ولا يعلم أحد أين تذهب وماذا يفعل بها. وهي من المال العام المعرض للنهب والتهريب بعيدا عن أي مراقبة دولية ولا وطنية. وهو المال الذي يجمع من الشعب بغير وجه حق استغلالا للنفوذ وتحت الإكراه والإبتزاز وبالترغيب والترهيب ليؤول في النهاية جله على الأقل حتى لا نقول كله أحيانا إلى العائلات والأقارب والأصهار والمقربين، إضافة إلى ما تصل إليه أيديهم من المال العام الوطني ومن الموازنات المخصصة لما تبقى من المؤسسات التي مازالت تابعة للقطاع العام وما تتم جبايته من الضرائب والأتاوات والأداءات والمعاليم.

وهذه العصابة يعلم شعبنا كله ممن تتكون ومن يديرها. وهي التي تتصرف على خلفية وقاعدة أن البلاد كلها ملكا لها. وقيل أنه عندما تم إلفات نظر الرجل الأول في البلاد لوضع هذه العصابة يدها على ما تريد من أموال خاصة وعامة وعلى ممتلكات مختلفة والتصرف في كل شيء بدون أي رادع وعلى غير أي قاعدة ولا اعتبار عندها لقانون ولا لمصلحة عامة ولا لأي مسؤولية في أي مستوى، فلا يستطيع أحد أن يعترض ولا حق معها لأحد في القبول أو الرفض، وهي التي لا يسأل أفرادها وهم يسألون، ولله المثل الأعلى، فكانت إجابته باللهجة العامية التونسية على ما شاع في حينه من القول، وهو الذي لا يجيد أكثر منها من اللغات ومن اللهجات، يزيهم ما مشاو حفايا، وبهذه اليد المطلوقة في البلاد تختلس وتنهب وتهرب وتغتصب وتبتز. وهي التي لم تترك قطاعا من القطاعات المربحة إلا و استثمرت فيه. وهي التي تغرق السوق بكل أنواع التجارة الموازية المعفية من الضرائب الجمركية وغيرها من الضرائب التي تؤخد على غيرهم. فكانت تعيق اقتصاد البلاد وتلحق أضرارا كبيرة بالتجار والصناعيين والموردين والمصدرين ممن يعتمد عليهم اقتصاد البلاد سواء في القطاع الخاص أو القطاع العام

فهي عصابة تعمل وتتحرك خارج إطار القانون المنظم للحياة الإقتصادية والمالية. بل فوق كل القوانين المنظمة لمختلف أوجه الحياة بالبلادإلخ

وإذا كان رب البيت للطبل قارعا فلا تلومن الصبية عن الرقص.

* المجال الإعلامي لتحرك العصابة الإعلامية“:(العصابة الخامسة )

وهذه لمحة كذلك على المكون الخامس لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وهو الذي حوله ما يشبه الإجماع في المستوى الدولي على أنه القوة الرابعة أو السلطة الرابعة. بل ثمة من يبوئه المكانة الأولى في كل السلطات وفي كل القوى، وهو المجال الإعلامي الذي تستولي عليه استيلاء شبه كامل العصابة الخامسة. وهي التي تتصرف كذلك في إعتمادات وإمكانيات مالية ومادية هامة للدعاية والغش والتضليل وقلب الحقائق.

هي عصابة مكونة من كل أصحاب الأقلام المأجورة، وكل أصحاب الأصوات المبحوحة، وكل مؤجري ألسنتهم من الإنتهازيين وأصحاب الأنفس الضعيفة المتفانين في خدمة المستبد الأكبر، والذين لا يهمهم ما يمكن أن يلحق الوطن والشعب والأمة والإنسان عموما من خسارة وضرر مما يكتبون ومما يقولون. فكانت هذه العصابة من أخطر العصابات. وهي الخادمة لها جميعا لما هي عليه من قدرة على التلبيس والغش والخداع والكذب وتزيين الأعمال السيئة لفرض انطباع لدى الرأي العام على أن الأوضاع السيئة والبالغة الخطورة أحيانا هي أوضاع جيدة وعلى المواطن أن لا يخشى أي حرج ولا أي قلق ولا أي ضرر أو خسارة. وهي التي تخرج المجرم على أنه بريء. وتظهر البريء على أنه مجرم. وتساوي في أحسن الحالات بين المجرم والضحية. وقد برعت هذه العصابة إضافة إلى ذلك في شراء الذمم و منابر الإعلام والأقلام المأجورة من هنا وهناك لفرض واقع مزيف مغشوش بعيدا كل البعد عن حقائق الأشياء والأمور. وهي التي تحتكر كل منابر الإعلام الوطنية الداخلية وتسيطر سيطرة كاملة عليها. وهي التي تمتد أيدي أصحابها إلى بعض المنابر الحرة والمستقلة ليفرضوا من خلالها ما لم يكونوا قادرين على فرضه من خلال كل منابر الإعلام الداخلي التي لهم عليها السيطرة الكاملة. وأنا أقصد بالعصابات الإعلامية كل الذين يعلمون أن ما هم بصدد القيام به هو جريمة في حق الشعب والوطن، وهم مستمرون في ذلك في إصرار وبهمة وعزيمة ولا يتورعون في فعل أي شيء مخالف للقانون وللذوق العام ومخل بالمروءة  والشرف ولا مصلحة فيه إلا لهذه العصابات.

فهي عصابة تحتكر كل المنابر الإعلامية وتحكم الرقابة الشديدة والصارمة بتعاون مع باقي العصابات وخاصة العصابة الأمنية على كل منبر حر لمحاصرة الكلمة الصادقة والرأي الحر ولمحاصرة الحقيقة حتى لا تتجلى للناس الذين تحاول أن يظلوا أسرى اباطيلها وتضليلها وغشها وخداعها ومهارتها في قلب الحقائق. ويدخل في هذه العصابة القائمون على إعلام ما يسمى أحزاب المعارضة الإدارية التابعة، المعارضة للمعارضة..وهي من مكونات النظام ومن احتياطيه البشري والإعلامي. وأقلام وصحافة هذه الأحزاب هي أقلام ومنابر لترشيد هذه العصابات ونصحها والتستر عن جرائمها خوفا من بطشها وطمعا في سخي عطائها وفي منحها من المقاعد التي قبلت هذه الأحزاب أن تكون من خلالها شاهد زور ما ليست أهلا له وما لا تستحقه. وهي التي قبلت بتمثيل نيابي بدون الحد الأدنى من القاعدة الإنتخابية على سبيل الصدقة من موقع أحزاب التسول السياسي. فأحزاب التسول لا يمكن أن يكون لها من الإعلام إلا ما يرضي الجهة المانحة ويرضيها عنها. ومن هنا فهو الإعلام الأخطر فعلا لما يمكن أن يكون قد تخلد في أذهان بعض السذج والأغبياء والمغفلين من أن ذلك الإعلام هو إعلام معارض وإعلام معارضة.

* المجال الأمني لتحرك العصابة الأمنية“(العصابة السادسة):

هي أداة وآلة رهيبة من أدوات وآلات أنظمة الإستبداد في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي وفي كل الأنظمة الظالمة الفاسدة في كل وطن من أوطان شعوب العالم. وهي من العصابات المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. وهي من العصابات التي حلت في أوطان شعوب أمتنا وفي بلادنا وفي أوطان الشعوب المستضعفة التي وطأتها جيوش الإحتلال الغربي الصليبي محل أدوات وعصابات الإستعمار وآلته الحربية المدمرة.

فلئن كانت الأجهزة والفرق والتشكيلات الأمنية مطلوبة وشرطا من شروط تحقيق الإستقرار والأمن وتثبيت مبدإ التعاقد الإجتماعي والحفاظ على الأنفس والممتلكات والحرمات والأعراض، إلا أن الذي نراه وبدون مبالغة لا علاقة له تقريبا بالكثير من هذه المهام، حتى لا أقول أنه لا علاقة له بها مطلقا.وبالإشارة إلى جهاز الأمن في أنظمة الإستبداد والقهر والإرهاب على أنه مجموعة من العصابات مختلفة المهام والأدوار، فإن ذلك لا يعني أنه ليس في هذه الأجهزة صالحون ووطنيون وأبناء أصول، ولكن السياسة التي تحكم الجميع هي سياسة فاسدة يستوي أمامها الصالح والفاسد المسلم والمجرم الأصيل والهجين الرجال وأشباه الرجال، وإدارة التوجيه والتحكم هي المسؤولة في النهاية عما يحصل من أي من هؤلاء المسلمون والمجرمون، الصالحون والفاسدون وغيرهم معا. وذلك ما لا يعفي أي كان من المسؤولية في الحقيقة أمام الله ثم أمام التاريخ وأمام الشعب. ولا يكون الفرز ممكنا وقائما إلا على خلفية أن المسلم يبقى دائما ذلك الذي، وإذا كان لا بد من ارتكاب أي فعل من الأفعال المكونة لأي جريمة لا يكون قام به إلا من موقع المضطر اضطرارا شديدا، وعسى أن يكون ذلك له عذرا كافيا بين يدي الله يوم القيامة، ويمكن أن يجد من يتفهمه له عندما تحين فرصة المكاشفة والمحاسبة قبل ذلك، و يمكن أن يعاد له الإعتبار حيا أو ميتا في التاريخ.

لا يمكن لجهاز الأمن أن يكون محققا لأمن وراحة وحماية الفرد والجماعة إلا في النظام الصالح المحقق للمواطنة والأكرم فيه عند الله هو الأتقى. وهي الحالة التي يجوز الحديث فيها عن الأمن. وهي الحالة التي يستقيم أن نسمي فيها مثل هذا الجهاز جهاز أمن. أما في أنظمة الإستبداد التي هي ضرورة وحتما أنظمة فاسدة، فإن هذا الجهاز لا يمكن أن يحقق الأمن والراحة والحماية للفرد ولا للجماعة، وهو النظام السالب للمواطنة والأكرم فيه عند الله هو الأشقى عند هذا الجهاز الذي هو جهاز رعب وغيره من الأجهزة المماثلة. وهي الحالة التي لا يجوز الحديث فيها عن الأمن. وهي الحالة التي يستقيم أن نسمي فيها مثل هذا الجهاز الذي لم يعد فيها جهاز أمن ولكنها الحالة التي يكون قد تحول فيها إلى جهاز قمع وظلم وخوف ورعب. بل ولا يستقيم أن نتحدث كذلك عن جهاز أمن ولكن يصبح الكلام عن عصابات رعب وخوف وترويع وإرهاب هو الأقرب للصواب والأوفى بالغرض. وكل الذي تقوم به هذه العصابات بل كل ما هو مطلوب من هذه العصابات القيام به هو الحفاظ على أمن المستبد الأكبر وأعوانه ومساعديه وعائلته وأقاربه وأصهاره وكل الدائرين في فلكه والملتقطين فتات موائده الذين يحيط نفسه بهم يستعملهم كيف شاء ومتى شاء ولأي غرض ولأي هدف شاء. ويتحصن بهم ممن قد تمتد إليه يده بسوء.

ونحن هنا في وارد الحديث عن عصابات أمنية تحرص أمن النظام ومصالح المتنفذين في هذا النظام، ولا شأن لها بحراسة المواطن والوطن ومصالحهما، على خلفية أن الكل ملك للمستبد الأكبر وللكل عليه واجبات له ولا حق لأحد عليه. هكذا الإستبداد وهكذا صورة المستبد. وإلا فلا مجال للحديث عن استبداد ولا عن مستبد ولا على عصابات أمنية. هي العصابة السادسة في غير ترتيب تفاضلي المكونة لنظام تحالف 7 نوفمبر الرهيب. ومن هنا تأتي الكثير من معاناة الشعب التونسي الذي جعل الإستبداد السياسي العلماني اللائكي من أبنائه عصابات منظمة ومدربة ومسلحة مستعدة في كل وقت للإعتداء عليه وسومه العذاب والهوان لمجرد أن يكون تكلم بما لا يرضي الفرعون وسحرته وجنوده، وبمجرد أن يطالب يوما وبكامل الهدوء بحقة في العيش بكرامة. أما إذا تظاهر وطالب بحقه في المواطنة والمشاركة السياسية والمتابعة والمراقبة والمحاسبة فلا أرض تقله عندئذ ولا سماء.

هذه العصابة هي التي تفعل بمن تشاء ما تشاء متى شاءت وأين ما شاءت ولا تسأل عما تفعل. فإذا ما استثنينا دور بعض الفرق منها في ما يزعم من محاربة المخدرات والجريمة وحفظ المؤسسات والشخصيات من كبار رؤساء مختلف العصابات المكونة للنظام، فإن الآلاف المؤلفة من عناصرها مدعوة بأن لا تهتم بشيء اهتمامها بالمثقفين والأحرار الذين لهم رأي آخر غير رأي من هم في سدة الحكم من العناصر المكونة للعصابة السياسية والذين يفكرون بطريقة مختلفة ويرون أن مصلحة بلادهم لا تتحقق بما يقول من هم في السلطة أنها تتحقق به، بعدما تبين أن هؤلاء هم مجرد عصابة حقيقية ليس لهم من مصلحة البلاد والشعب شيء، وأفعالهم وسلوكهم شاهد على ذلك.

والذي زاد الأمر خطورة أن هذه العصابة كغيرها من العصابات الست الأخرى قد التحق بها الكثير جدا من العقائديين يمينا ويسارا وخاصة في مواقع أخذ القرار والتنفيذ، والذين لهم ثارات مع المخالفين لهم في الرأي وفي المرجعية الفكرية والثقافية والعقائدية وخاصة مع الإسلاميين. وهي الفرصة التي لم يكونوا يحلموا بها يوما. وهي أن نكون بين أيديهم وهم في موقع القوة الذي يكونوا قادرين علينا ولا نكون قادرين عليهم فيه. ومن هنا كانت مأساة الشعب التونسي هذه المرة على أيدي هؤلاء خلافا لما كانت عليه الأمور من قبل وفي جولات سابقة لم تكن العناصر المكونة لهذه العصابة هي نفس العناصر يوم كانت هذه العناصر نفسها في المعارضة وإن كانت مخترقة للنظام كما يقول حاخام اليسار الأكبر الشيخ الرفيق محمد حرمل، إلا أنها ليست في المواقع التي تستطيع من خلالها أن تفعل دائما ما تريد بمن تريد.

فأنشط العناصر المكونة لهذه العصابة هي عناصر أما على الهوية اليسارية الماركسية أو على الهوية اليسارية القومية العربية.وأنا من واقع المعانات والعلاقة المباشرة الدائمة بها، ولمعرفتي المباشرة للعناصر المعلومة لدي، لست في حاجة إلى إثبات ذلك بأكثر من ذلك، وما زاد على ذلك من الإنتهازيين والمغفلين والإمعاوات وأصحاف الأهواء والنزوات والجبناء والطماعين. فما ترى مثل هؤلاء فاعلين بالرجال الأتقياء الأنقياء وبالنساء الفاضلات العفيفات وبالصغار الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوى أنهم أبناء رجال كانت كل جريمتهم أنهم انتظموا في الفكرة الإسلامية وقالوا لا للظلم والفساد والكفر والتكفير، نعم للعدل والحرية، وللحق والفضيلة والعفة، وللإسلام والهوية العربية الإسلامية لتونس العروبة والإسلام وللشعب التونسي العربي المسلم.

هذه العصابة هي التي سقط على أيديها العشرات من الشهداء ومازالت تعيث فسادا في طول البلاد وعرضها،وهو ما يسميه الصحفي مراسل الكسيبي الحزب السري داخل السلطة، ومازالت تمعن في القتل والتنكيل والتعذيب في وقت تعددت فيه مراكز أخذ القرار، وتعددت فيه المسؤوليات بحسب كل جهة في النظام ونفوذها وإمكانياتها وقدراتها. وهو الذي كان ومنذ البداية في الحقيقة أضعف حلقة فيه هي رأس السلطة بعد أن التحقت به الكثير من العناصر والقوى القوية، والتي أصبح لها نفوذ كبير في ظل استعداد الكل للضرب بقوة على أيدي كل من له علاقة من قريب أو بعيد بالحركة الإسلامية. فكان ذلك مجال تنافس ومزايدة بين العناصر النافذة والقوى الملتحقة بالسلطة والقريبة منها والمعاضدة والمساندة لها والمتحالفة معها على ذلك. هذه العصابة هي التي مازالت تروع إلى اليوم كل الناشطين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين وتعتدي عليهم بالعنف الشديد في كل مكان ومن أجل أي سبب وبدون سبب إلا لعلمها أنه ليس على رأي هذه العصابات المحكمة قبضتها على البلاد منذ عقدين من الزمن. هذه العصابة هي التي يتمت المئات إن لم يكن الآلاف من الأطفال ورملت بالموت والحياة المئات كذلك من النساء وثكلت المئات من الأمهات. وهي العصابة التي مازالت منتشرة في طول البلاد وعرضها ولها السيطرة الكاملة على كل الأوضاع وكل الفضاءات وكل الساحات تطارد الشباب المثقف وغير المثقف من أجل إسلامه ومن أجل توقه للإنخراط في مقاومة المحتلين والغزاة لأوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وعلى رأسهم الأمبراطورية الأمريكية التي تقاتل هذا الشباب وأسره وكل أبناء شعبنا من خلال قانون الإرهاب سيء الذكر الذي تزج هذه العصابة على أساسه كل يوم تقريبا بزرافات من أنباء الشعب في غياهب السجون وتسومهم سوء العذاب. وهي العصابة التي مازالت تطارد بناتنا وأبنائنا ونساءنا في كل مكان من البلاد من أجل اللحية والحجاب. وهي العصابة التي تحكم الرقابة المشددة على كل مساجد البلاد ليهجرها الشباب والناس جميعا والواقفة وراء غلق الكثيرمنها. وهي التي تجعل من قانون المساجد سيء الذكر سيفا مسلطا على كل من يخالفه. وهي العصابة التي قطعت ومازالت تقطع أرزاق مئات الآلاف من أبناء الشعب بسبب رأيهم السياسي وبسبب رفضهم مواصلة فرض على الشعب التونسي العربي المسلم أي هوية أخرى وتصديهم لذلك، ولعملية التكفير الجماعي الممنهج التي يتعرض لها، والتمسك بهوية الشعب والبلاد التي لا يريدون إلا أن تكون عربية إسلامية والتي لا يمكن إلا أن تكون كذلك.

* المجال القضائي لتحرك العصابة القضائية“:(العصابة السابعة):

والذي يؤسف كل تونسي وكل إنسان في الحقيقة أن يجد نفسه مضطرا إلى الحديث عن ما من المفروض أنها السلطة الثالثة على أنها قد أصبحت إحدى سبع عصابات تحكم البلاد منذ ما يربو عن نصف قرن من الزمن.

والذي نأسف له أن يكون بما علمناه عن سلطة القضاء وبما علمناه من القانون وبما عانيناه من القانون ومن سلطة القضاء التي من المفروض أنها سلطة مستقلة مقدسة، أن جل قضاتها استنادا إلى الحديث المروي عن الرسول صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم والذي جاء فيه أن القضاة ثلاث: قاض علم الحق وعمل به فهو في الجنة وقاض علم الحق ولم يعمل به وقاض لم يعلم الحق ولم يعمل به فهما في النارأو كما قال صلى الله عليه وسلم مع اعتذارنا الشديد لهذه السلطة الجديرة في الأصل بالإحترام والتقدير والإجلال، ومع اعتذارنا الشديد لرجال صادقين فيها يحاولين ما استطاعوا أن يجتنبوا استغلال نفوذهم وموقعهم وسلطتهم لإلحاق الظلم والضرر والأذى بالناس، ويعملون ما استطاعوا على رفع المظالم وإنصاف المظلومين وإن قلوا. وبالمناسبة فليس منا من لا يترتب عليه واجب الشكر للقاضي الهمام الذي صدع بكلمة الحق في الوقت الذي كان فيه الجميع يعانون وملازمون فيه الصمت الأستاذ مختار اليحياوي، ليأتي في المرتبة الثانية الهيئة الشرعية المطاردة لجمعية القضاة، وليكون في المرتبة الثالثة الأستاذ المجاهد محمد عبو وفي المرتبة الرابعة رجال لا نعلمهم ولا نخالهم إلا موجودون يؤدون الواجب على الوجه الذي يقيم العدل وينصف المظلومين ويجعل حدا لظلم الظالمين، وليبق في المرتبة الخامسة العصابة القضائية، وهي المكونة من المرتشين وضعاف الأنفس والإنتهازيين والجبناء والساقطين أخلاقيا من الزناة والعربيدين والمستهترين والمعينين الظالم على ظلمههذه العصابة هي التي تأتمر بأوامر البوليس وبأوامر كل صاحب موقع ونفوذ في السلطة التنفيذية. وهي التي لا يعنيها القانون ولا يلزمها، وإذا كان ولابد ففي المرحلة الأخيرة وبعد أي طلب أو أمر من هنا أوهناك. هذه العصابة هي التي انضمت إلى باقي العصابات المشار إليها سالفا لتكوين نظام تحالف7 نوفمبر الرهيب الذي هو نظام شراكة بين اليمين الدستوري واليسار الماركسي واليسار القومي العربي. وهو نظام العصابات السبع أو المافيات السبع.وهي التي كانت ومازالت ضالعة في المجزرة التي قام بها هذا النظام بهذه المكونات العلمانية وبهذه العصابات ضد الشعب. والتي بدأت فصولها الأكثر درامية منذ 1990. والتي مازالت متواصلة إلى اليوم. والتي بعد انتهاء شهر العسل وزواج المتعة بين بعض مكونات الحركة العلمانية اللائكية وبعضها الآخر أصبحت أكثر شمولا، ولا استثناء فيها لأحد. وكان الدور الأشد درامية في المحاكمات التي طالت عشرات الآلف من الإسلاميين في العقد الأخير من القرن العشرين هو دور العصابة القضائية، وإن كان ليس من السهل القول أن دور هذه العصابة كان أشد درامية من دور العصابات الأخرى لأن كل مشاهد المجزرة كانت درامية وكل من كان له فيها دور كان دراميا، ولم يكن مقبولا من أي كان أن يكون له دور غير درامي في هذه المجزرة التي مازالت مستمرة وعلى نفس المستوى من الدرامية، لأن ساحته هي الحرية والهوية والعدالة الإجتماعية. وبذلك لا يمكن أن تنتهي حتى يحق الله الحق وتبطل الباطل ولو كره الكافرون والتكفيريون والمنافقون والإنتهازيون.

نقلا عن موقع السبيل أونلاين نت <!– var prefix = ‘ma’ + ‘il’ + ‘to’; var path = ‘hr’ + ‘ef’ + ‘=’; var addy90302 = ‘info’ + ‘@’; addy90302 = addy90302 + ‘assabilonline’ + ‘.’ + ‘net’; document.write( ‘‘ ); document.write( addy90302 ); document.write( ” ); //–>\n

نوفمبر 22, 2007

في الديـــــــــــــــن والسيــــــاسة

يندرج تحت تصنيف : سياسي — chortani @ 12:26 م

في الديـــــــــــــــن والسيــــــاسة

بـــسم اللــه الرحمـــان الرحـيــــم
الفهرس

-مدخل………………………………………………………………………………………………….ص:2
-توطئة…………………………………………………………………………………………………ص:3
-مقدمة………………………………………………………………………………………………….ص:4

– إشكالية الدين والسياسة؟……………………………………………………………………………..ص:9
– إستغلال الدين؟ !……………………………………………………………………………………..ص:14
– ما معنى التستر بالدين ولماذا؟……………………………………………………………………….ص:17
– تناقضات النظام السياسي والنخب العلمانية اللائكية والتقليدية في التعامل مع الإسلام ومع الحركة الإسلامية في لعبة السياسة الإقليمية والدولية………………………………………………………….ص:19
– الإستبداد والإلغاء، قيمة من لا قيمة له:………………………………………………………………ص:55
– السياسة بين العبادة في النظام الإسلامي والعادة في غيره من المناهج والأنظمة:………………….ص:70

– ملحق………………………………………………………………………………………………….ص:84
– قانون المساجد………………………………………………………………………………………..ص:87

– رسالة إلى السيد وكيل الجمهورية العام بمحكمة الإستئناف بقفصة بخصوص لمحجوز…………..ص:88
– رسالة إلى وزير الداخلية…………………………………………………………………………….ص:89
– رسالة إلى رئيس منطقة “الأمن الوطني” بقفصة…………………………………………………..ص:90
– نداء إلى كل من يهمه الأمر………………………………………………………………………….ص:91
– رسالة إلى السيد قاضي تنفيذ العقوبات………………………………………………………………ص:92
– رسالة إلى السيد وكيل الجمهورية العام للتدخل لإعادتي من سجن القيروان إلى سجن قفصة…….ص:93

مدخـــــل

يقول الله تعالى:
إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا(58) يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا(59)ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا (60) وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا(61)

*سورة: النساء
تـــوطئة

فتاوى علمانية لائكية؟ !:

وإذا كان نظام الحكم الدستوري يمثل العائق الأساسي الأول أمام تحقيق الديمقراطية في بلادنا وإرساء نظام جمهوري ديمقراطي فإن الحركة الإسلامية بمشروعها الإستبدادي المتستر بالدين وبما تدفع إليه من ردة عامة في المجتمع تمثل العائق الأساسي الثاني.

* * *
إن الشعوب العربية لن تعرف طريقها إلى الديمقراطية إلا متى جعلت من الدين شأنا خاصا بكل فرد في المجتمع وفصلته عن السياسة وعن الشأن العام وبالتالي عن الدولة، وحجرت توظيفه من قبل أي كان.
الأسس العامة لبرنامجنا-

“الحزب الإشتراكي اليساري

مقـــــــدمة

ليس عنوان “في الدين والسياسة” إلا دراسة متواضعة تناولت فيها موضوعين من أكثر الموضوعات إثارة للجدل ائتلافا أو اختلافا قربا أو بعدا اتصالا أو انفصالا منذ وقت مبكر من التاريخ الإنساني.
ولم يسبق أن طرحا على بساط السجال والجدل والنقاش من قبل على الأقل بالقدر الذي طرحا فيه في التاريخ المعاصر للحضارة الغربية وتحديدا منذ عصر النهضة الغربية.
وإذا كان التاريخ يثبت أن السياسة لم تكن يوما مختلفة عن الدين أو متناقضة معه ولا مفارقة له ولم يكن الساسة والحكام يستطيعوا أن يكونوا بعيدين عن المقدس وعن رجال الدين ورموزه ومؤسساته ويستمدون الدعم منهم ويسعون لمباركة الآلهة لهم مما جعل السياسة في خدمة الدين تستمد منه القداسة التي تعطي للسياسي نفوذا أكبر وقوة أكبر ويحضى من خلال ذلك بتأييد أكبر ويحصل على قوة معنوية أكبر حتى في مواجهة الأعداء والخصوم والمخاطر والصعوبات…وجعل الدين في خدمة السياسة مباركا لها ويضفي عليها من القداسة ما يمكن لها حيث لا مكان للتمكين لها بدونه.
فالتاريخ الإنساني هو عموما وحتى اليوم وإن بدرجة أقل أحيانا وفي بعض الجهات ولدى بعض الشعوب والأمم هو تاريخ الشراكة بين الدين والسياسة في إطار النظام السياسي الواحد على تنظيم حياة الشعوب والأمم. فحتى النظام الشيوعي الذي لم يعرف التاريخ له مثيلا في إلغاء الدين أصلا، وإلغاء العقول وإنسانية الإنسان، ونفى أي وجود حقيقي له في تاريخ الشعوب والإنسان قد زعم لنفسه من الناحية النظرية على الأقل أنه كما يسمح بحرية المعتقد لحسابات معينة ولظروف معينة فإنه يعطي لنفسه كما يؤكد ذلك الرفيق لينين قائد ثورة اكتوبر1917 في روسيا في أحد خطاباته حرية الدعاية ضده.
وما إن جاء الوقت الذي استلم فيه الغرب في إطار الحتمية الكونية التي تقضي بتداول الأيام بين الناس زمام المبادرة الحضارية بعد أن سقطت بفعل نفس الحتمية من العرب والمسلمين وفقدوها، حتى كان الصدام بين العقل والدين المسيحي بحكم الطبيعة التحريفية التي أصبح عليها بعد رفع المسيح عليه السلام ممثلا في نظام الكنيسة المسيحية الظالم والذي كان قد بلغ من الفساد حدا أصبح ينظر إلى الدين المسيحي خصوصا والدين عموما من خلاله على أنه مفسدة وعلى أنه تسلط وظلم وقهر وفساد واستبداد. في وقت ظل فيه العقل الغربي المنتقل من البربرية إلى المسيحية المحرفة بعد إنهاء الإسلام دور النظام المسيحي على أساس من الدين المسيحي من مناطق نفوذه التقليدية في جنوب آسيا وجنوب شرق إفريقيا وشمالها وانتقاله إلى شمال البحر الأبيض المتوسط حيث أوروبا البربرية يعيش في عتمة الجهل والخرافة والأسطورة إلى أن استنار بالمعارف والعلوم التي لا قبل له بها من قبل والتي انتقلت له من حركة الإحتكاك المباشر التي دامت قرونا بين الغرب الصليبي والعرب والمسلمين حربا وسلما قربا وبعدا.
وما إن استوعب هذا العقل الحر هذه العلوم والمعارف وأصبح مبدعا، حتى وجد نفسه وجها لوجه مع العقل الكنسي المقدس المتحجر، ومع المقدس الإنجيلي المحرف والمزور ، ومع التحجر والإنغلاق ومعاداة كل جديد وكل مبادرة علمية مبدعة مختلفة مع فهم رجال الدين المسيحي الكنسي للعلم وللكتاب المقدس ومحاربة ذلك ومصادرته، ومطاردة واضطهاد أصحابها والتنكيل بهم إلى حد القتل بعد أن يكون نظام الكنيسة قد وجه لهم تهمة الهرطقة التي يفضي الحكم في من ألحقت به تطهيره من الشيطان الذي يعتقدون ويروجون على أنه قد أصبح يسكنه حرقا.
واقتضى هذا الوضع أن يكون الصراع متواصلا بين العقل الكنسي المقدس باسم الدين وبين العقل الحر المشكل عربيا إسلاميا وإغريقيا(1) من خلال ما تلقى من معارف وعلوم صحيحة كانت الحضارة العربية الإسلامية قد وضعتها بين أيديهم.
ولقد أنتج:
1- الإحتكاك الطويل الذي ظل قائما بين العرب والمسلمين والفرنجة خاصة مدة الحروب الصليبية التي كان الغرب المسيحي يشنها طويلا على العرب والمسلمين واليهود والمسيحيين الشرقيين الشركاء الحقيقيين للعرب والمسلمين، والذين كانوا يتمتعون بكامل حقوق المواطنة بالرغم من اختلافهم معم في الدين والمعتقد في البناء الحضاري العربي الإسلامي.
2- تحجر العقل الكنسي المسيحي للنظام السياسي الكنسي ومعاداته للعقل العلمي الحر ومصادرته.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) يثبت التاريخ أن بداية طريق العقل الغربي لعلوم ومعارف الإغريق العقلية كان أول ما كان عبر حركة الترجمة التي عرفها العالم الإسلامي للعلوم والمعارف المختلفة لمختلف الأمم والشعوب التي انتهت به إليها حركة الفتح الإسلامي.
3- بلوغ العقل الغربي العلمي الحر درجة من اليقين بصحة تكوينه من خلال الحقائق العلمية والنتائج التي انتهى إليها وإيمانه بضرورة انتزاع حرية التفكير وتحرير العقل من مكبلات المقدس المحرف والفهم الكنسي له الذين أصبحا يصادران العقل الحر والإستمتاع بأنوار العلم والمعرفة.
4-ارتباط العقل الغربي الحر