تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين
المواقف والغايات والأهداف
ـ من هو صدام حسين؟:
ليس الغرض من طرح السؤال لوضع ترجمة لحياة صدام حسين المجيد التكريتي، ولكن للقول بأنه كان من الدكتاتوريين الكثيرين على رأس النظام السياسي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وأنه كان من حب الذات بما يجعله لا يرى إلا نفسه، ولا يريد للكل أن لا يرى سواه. وأنه كان كغيره من الإستبداديين الذين لا يملكون قيمة لأنفسهم في ذاتها، ولكنهم حريصون على البحث عن تلك القيمة في إلغاء كل من سواهم، سواء قصدوا ذلك أو لم يقصدوه، وسواء قاموا بذلك أو لم يقوموا به، وسواء علموا ذلك أو لم يعلموه، وسواء أرادوا ذلك أو لم يريدوه. وهو كغيره من الزعماء العرب والحكام وفي باقي الأنظمة في أوطان شعوب الأمة الإسلامية وعالم المستضعفين عموما الذين يختزلون النظام السياسي والشعب والوطن والدولة في ذواتهم، حتى لا يرى غيرهم، وحتى لا يكاد أحد يرى وطنا ولا شعبا ولا دولة ولا نظاما سياسيا.
وهو كغيره من مكونات الحركة العلمانية اللائكية ذات الأصول العربية الإسلامية الهجينة العبثية الفاسدة في الجانب الكثير منها باعتبار كل ذلك، والمستعلية على شعوب الأمة، والمؤمنة بالهدم، والعاجزة عن البناء، والتي لا إيمان لعناصرها إلا بأنفسهم وبذواتهم وبالأجنبي الذي تستمد منه قيمتها ووجودها وقوتها واستمرارها في الوجود بالقدر الذي يخدمه ويخدمها، ولا يخدم شعوبها وأوطانها. وهي المؤمنة بالإلحاق الحضاري وبالتبعية للغرب الصليبي. والمولعة بخطب ود اليهود الصهاينة مهما ادعت عناصرها ومهما أظهرت لهم من عداء ومن مناهضة، ومهما زعمت من تهديد لهم باعتبارهم قوة احتلال وحركة تهديد مباشر وحقيقي وموضوعي لأمة العرب والمسلمين وللإنسان عموما، بالنسبة لمن له إيمان بهذه الأمة وبالإنسان، وكان ذلك من المسائل الخلافية في هذه الطائفة.
فقد كان الرفيق صدام حسين عاليا من المسرفين. وقد كان استبداديا دمويا موغلا في القتل والإبادة. وكان لا يكتفي في ذلك بما أعد لذلك من أجهزة مختصة ومن تجهيزات وأماكن كافية، وبما رصد لذلك من إمكانيات ونفقات ليقوم بذلك بنفسه أحيانا، بحثا للمتعة وإشباعا للرغبة وإظهارا للقسوة، على رأس نظام علماني معاد للهوية العربية الإسلامية الأصيلة لأمة العرب والمسلمين، مهما كان مدعيا ومظهرا خلاف ذلك، وإن كان يزعم على الدوام أنه العربي المسلم المنافح عن الشرف العربي والمدافع عن الأمة العربية، وإن كان يفعل ذلك بقناعته وبطريقته. وهو الذي كان قائدا كذالك لحزب البعث العربي الإشتراكي القومي النزعة والماركسي المرجعية والقيم والمبادئ، لكنها الماركسية المزيفة في إطار قومي عربي مزيف، بعيدا عن القومية العربية الإسلامية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وذات العلاقة المباشرة بالمعسكر الإشتراكي الشرقي، حيث كان زمرة من الحكام العرب ومن يدور في فلكهم وسدنة حكمهم من عناصر الطائفة اللائكية وحتى من المستقلين عنهم والمعارضين لهم يولون وجوههم الإتحاد السوفياتي سابقا، والذين أصبحوا يعيشون بعد سقوطه حالة من اليتم أصبحوا بها بين قتيل وشريد وذليل.
أحسب أنه لا يختلف إثنان من العقلاء والعدول وأولي الألباب في أن صدام حسين كان موغلا في الدموية والإرهاب من أجل المحافظة على الملك والنفوذ والتفرد بالرأي، وفرض برنامجه ورؤيته لحكم العراق من خلال حزب البعث، كما يرى ذلك ويريده، ووفق ما يتحقق له من مصالح، وما يعتقد أن يتحقق به من مصالح الشعب العراقي، وإقصاء وتهميش واستئصال كل من يخالفه الرأي من أهل الإختصاص وغيرهم، وكل من يطالب بحقه في المشاركة السياسية، ومن يريد أن يكون له رأي ودور في إدارة الشأن العام بالبلاد، وكل من له موقف من سياسته وبرامجه وخياراته الفكرية والثقافية والسياسية والإجتماعية والإقتصادية والعسكرية وغيرها.
هذه هي صورة صدام حسين التي يعرفها الجميع. والتي قدم عليها نفسه للجميع. دون أن يعني ذلك أنه ليس للرجل إيجابياته وإنجازاته التي أخفتها على قدر شأنها وعميم نفعها بشاعة جرائمه وطبيعته الدموية في غير حاجة ولغير ضرورة ملحة أحيانا.
هذا هو صدام حسين من منطلق ذاتي كما نراه، ومن منطلق مبدئي ثقافي، ومن منطلق سياسي في إطار الطبيعة الإستبدادية للأنظمة السياسية العلمانية في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، وفي إطار النظام العالمي الإستعماري الإمبريالي، الغربي الصليبي والصهيوني المادي النفعي.
ـ إيقافه ومحاكمته وإصدار حكم الإعدام فيه:
فبالرغم من أن صدام حسين قد بدل خطابه للشعب العراقي وللرأي العام العربي والإسلامي منذ حرب الخليج
الأولى التي كانت رحاها قد دارت بين نظام البعث العربي الإشتراكي بالعراق بقيادة صدام حسين، وبين ما كان يعتقد، أو ما كان ينبغي أن تكون ثورة إسلامية في إيران، قبل أن تظهر نزعتها الطائفية والصفوية. وقد ازداد هذا الخطاب وضوحا بعد إخراج قواته العسكرية من الكويت. وأثناء الحصار الأمريكي لنظامه وللشعب العراقي، بسبب حماقاته وغبائه السياسي، وفساد رؤيته في إدارة المعركة، وخطإ حساباته في تحديد طبيعة المعركة، وفي عقد التحالفات، وفي عدم تقديره لقدراته ولقدرات خصومه وأعدائه، بإضفاء صبغة إسلامية خالصة عليه لم يعهدها من قبل، وما كان الشعب العراقي ولا الرأي العام العربي الإسلامي يعلمها عنه.
فلم يكن هذا الخطاب إلا من مقتضيات المرحلة، في المواجهة التي أصبحت مفتوحة ومفروضة عليه مع الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا التين كثيرا ما تغاضيتا وغيرهما من القوى الدولية الغربية، والتي كانت داعمة له في حربه التي كانت حربا بالوكالة ضد إيران التي كان يعتقد وكنا نعتقد في البداية وقبل وضوح الصورة بعد ذلك أنها ثورة إسلامية، على الجرائم التي كان يقترفها في حق الشعب العراقي، وعلى الإنتهاكات التي كان يرتكبها في حق مبادئ حقوق الإنسان، التي كان بحكم ثقافته الشرقية في المعسكر الإشتراكي لا يعترف بها. وقد استمر على ذلك حتى بعد انهياره. والذي كان يجد له أصداء أوسع وأكبر في الشارع العربي الإسلامي المناهض للغرب عموما ولأمريكا وبريطانيا خصوصا. والذي كان يلتقي في مناصرته للشعب العراقي وفي دعمه له في الحصار المضروب عليه، وفي التهديد الأمريكي البريطاني له وإعلان الحرب عليه، مع القوى المناهضة للحرب وللعولمة وللهيمنة الأمريكية الإمبريالية على العالم، ومنظمات حقوق الإنسان غير الحكومية خاصة، والكثير من أحرار العالم، بعد حماقات حزب البعث القومي العربي في العراق بقيادة صدام حسين نفسه في إشعال الحرب مع إيران بإيعاز واضح ومعلوم من الغرب، وبمباركة ومساندة ودعم من النظام العربي الفاسد. وفي غزوه للكويت، بعد أن بلغ به غباؤه السياسي، وحساباته الضيقة، وضيق الأفق الإستراتيجي عنده، وجهله بطبيعة العلاقة مع الغرب الصليبي الإستعماري الإمبريالي، الديمقراطي في أوطانه ولدى شعوبه، والمعادي للديمقراطية في أوطان شعوب كل المستضعفين في العالم وخاصة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، والإرهابي الراعي والداعم لإرهاب “دولة العدو الصهيوني” في فلسطين المحتلة، ولإرهاب النظام التقليدي والعلماني اللائكي الهجين في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين. وقد ساد عنده الإعتقاد أن الغرب الذي دعمه بدون قيد ولا شرط في حربه مع إيران في ذلك الوقت قد أصبح صديقا. وهو الذي استطاع أن يشن الحرب عليها بالوكالة عبر نظام البعث في العراق.
وكما استجاب صدام حسين لدعوة الغرب للتصدي “للثورة الإسلامية” في إيران، فإنه لم يتقدم لغزو الكويت إلا بعد أن استشار الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك، وأعطته الضوء الأخضر لإلحاق الكويت بالعراق. وكانت الفرصة المناسبة التي أعطاها للغرب بقيادة أمريكا لينتزع منه ما كان مكنه منه من نظم ومعلومات وتقنيات كان تصديرها ممنوعا دوليا أي غربيا لغير من لا يريد الغرب أن يصدرها له ذلك، ولمن يتحقق له بذلك معه من مصالح ، وما لا يتشكل عليه به من مخاطر، وهي من التقنيات والمعلومات والنظم والمواد التي لم يمكنه منها حتى أولى أصدقائه في المعسكر الشرقي الذي يدور النظام العراقي في فلكه منذ عقود من الزمن.
هذا الخطاب الذي كان معاد له، والذي كان ينزل أشد العقوبات بمن يؤمن به وبمن يتوجه به للشعب العراقي، ويعتبره خطابا رجعيا معاد للنظام وللثقافة التقدمية لحزب البعث القومي العربي، هو الخطاب الذي أصبح الوقت مناسبا ليكون خطاب صدام حسين. وهو الخطاب الذي لم يعد مناسبا ومقبولا إلا عندما يرى القائد أنه أصبح الخطاب المناسب ويمكن أن يكون مقبولا، وإنه لا يحل إلا له عندما يريد أن يستحله. وهو المحرم عندما كان هو يحرمه. وهو خطاب تقدمي عندما يصبح خطابه. وهو رجعي عندما كان ويكون خطاب آخرين من أبناء الشعب أو غيرهم، خاصة عندما يكون صادرا ممن يختلف معه في الرأي. مثلما أصبح الخطاب الذي كان يقول به المعارضون للنظام القبلي في ليبيا، والذي كانوا يحاكمون عليه بمدد طويلة في السجون، وتصدر عليهم من أجله أحكاما بالإعدام، لا حرج منه ولا ضير فيه عندما أصبح العالم يستمع لسيف الإسلام القذافي وهو يتوجه به لليبيين وللعالم ولا أحد يمنعه من ذلك ولا يترتب له عليه فيه شيء. والمواقف من سياسات القذافي الفاسدة التي أصبحت مواقف نفس الشخص ليكون مقبولا لدى الغرب في إطار ظاهرة توريث الحكام العرب في عهد الديمقراطيات الملكية والجمهورية أبناءهم. ولم يكن صدام نفسه خارج هذا الإطار. وهم من يكونوا بذلك قد أضافوا بعد توريث الرفيق حافظ الأسد ابنه بشار في جمهورية سوريا العربية مصطلحا جديدا في فلسفة العلوم السياسية وهو مصطلح ” الجملكيات العربية“.
فهذا الخطاب الذي أصبح يتوجه به الرفيق صدام حسين للشعب العراقي ولجماهير أمة العرب والمسلمين، هو
خطاب الثقافة العربية الإسلامية الذي كان يلتجئ إليه الزعماء والقيادات في المنطقة العربية خاصة في الملمات وفي الظروف الصعبة وعند النوائب في الداخل، خاصة في مواجهة الحركة الإسلامية، وغالبا ما يشفعونه بزيارة البقاع المقدسة حجا أو عمرة زيادة في التظليل، وفي حروب التحرير في مواجهة الأعداء والغزاة. وهو الخطاب الذي التجأ إليه الرفيق صدام حسين، بدءا بحرب الخليج الأولى، ومرورا بالحصار والغزو الأمريكي البريطاني الغربي للعراق وإسقاط نظامه، وانتهاء بفراره حتى إلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة في محكمة جائرة ظالمة تحت حراب الإحتلال. وقد ألزم نفسه مصاحبة كتاب الله حتى تنفيذ حكم الإعدام فيه يوم عيد الإضحى للسنة السابعة والعشرين وأربعمائة بعد الألف للهجرة. وهل يكون الله قد تقبل منه؟. فهو الخطاب الذي ألقى بصدام حسين في آخر أيام حياته، وبعد سقوط عرشه في بغداد، وبعد مغادرة قصوره الكثيرة إلى المساجد التي أصبح يلتقي روادها ويحرضهم على الجهاد في سبيل الله، ويستنفر من خلالها من كان يلاقيهم من أبناء الشعب العراقي للمقاومة والفداء ومواجهة الغزاة الأمريكيين والبريطانيين، وهو هائم على وجهه لا يلو على طائل، وقوات الإحتلال الأمريكي الصليبي وميليشيات الخونة والعملاء العرقيين والطائفيين تتعقبه. وهي نفس المساجد التي كان يضيق على مرتاديها وعلى خطابها وعلى خطبائها وعلى علمائها ومفكريها، ويخضعهم للمراقبة المشددة، والمتابعة والمطاردة، ويخضعهم للمحاكمات الجائرة من أجل ذلك والحبس والنفي والقتل كغيره من الزعماء والحكام العرب.
وهي نفس الأماكن التي كان يحرم على الآخرين التوجه من خلالها للناس بمثل ما أصبح يتوجه به إليهم من خلالها، ويحثهم على التوجه به لجماهير الشعب العراقي التي كانت ممنوعة من الإستماع إليه وبمعاقبتها عليه إذا كان فيه ما لا يروق له وما لا يرضيه به أصحابه وما لا يرضى به عنهم.
ورغم ذلك لم يستطع القائد الرفيق صدام حسين أن يجد لنفسه في طول العراق وعرضها ملجأ يلجأ إليه، مثلما ظل المجاهد الملا عمر والشيخ المجاهد أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري وغيرهم من المطلوبين دوليا كالحيتان في ماء بحر الشعب الأفغاني والباكستاني المسلم وقبائل وزيرستان المسلمة، ومئات الآلاف من جنود الأعداء الغربيين الصليبيين والعملاء والخونة مزودين بأحدث الأسلحة والأكثرها فتكا، والمعدات الأكثر دقة، وفي انتشار واسع لعشرات الآلاف من العناصر الإستخباراتية المختلفة الإختصاص مجهزين بأحدث الوسائل والأجهزة والمعدات والنظم الإستخباراتية، جادة في البحث عنهم وتعقبهم وترصدهم وتتهددهم بالقتل، سوى جحر أو قبو تم إعداده له تحت الأرض حتى ألقى الجيش الأمريكي القبض عليه فيه.
ـ إلقاء القبض على الرفيق صدام حسين:
كان إلقاء القبض على الرفيق القائد صدام حسين، الذي عوض أن يبقى مع شعبه على وجه الأرض في مواجهة الغزاة، قد وجد أنه لا ملجأ له إلا تحتها، ولألا تكون له بذلك علاقة بالمقاومة والمواجهة من حيث لا يريد ولا يقصد. وكيف يكون له ذلك وهو مدفون في الأرض ولا علاقة له بالعالم الخارجي معزولا، وهو الذي كان يعلم أنه قد لا يجد مكانا لنفسه فوق الأرض في أي بيت من بيوت العراقيين التي لم تسلم من بطشه وأذاه. ولو وجد ذلك ما كان ليكون ملجأه إلى ذلك القبر الذي لا يستطيع من خلاله أن يعلم ما الذي يدور من حوله، ولا هو يستطيع أن يدافع فيه عن نفسه، ولا هو مستطيع ولا قادر فيه حتى على الإفلات من العدو، قد اعتبرته قيادة البيت الأبيض إنجازا مهما. واطمأن العراقيون الخائفون من عودته حتى وهم يعلمون أن عودته لقيادة العراق قد أصبحت مستحيلة. وأصبحوا يبحثون لأنفسهم عن وضع أفضل أصبح في ظل الإحتلال والصراع والتطاحن الطائفي والعرقي مستحيلا.
ـ المحــــاكمة:
لقد جعلت قوات الإحتلال، والعملاء والخونة الذين جاؤوا معها على الدبابات البريطانية والأمريكية الغازية من إيران ومن المنافي، والذين انضموا إليها من الداخل واحتضنوها وقدموا لها الدعم والتأييد ومنحوها المساندة، من إلقاء القبض على صدام حسين سريعا ومحاكمته مشروعا مهما تم التركيز عليه، خاصة عندما أضافت إليه قضية الإرهاب وتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، والذي سرعان ما تشكل كقوة من قوى المقاومة في حركة تحرير العراق.
لقد كان تعويل الغزاة والخونة والعملاء على إلقاء القبض على صدام حسين وعصابته في الحكم سابقا وإخضاعهم للمحاكمة كبيرا، إلى حد الإستخفاف بالرأي العام العراقي والقومي العربي والإسلامي، في محاولة لتقديم أنفسهم على أنهم المنقذون والمحررون للشعب العراقي من الإستبداد والدكتاتورية، وأنهم إنما جاءوا لإحلال عهد جديد في العراق قوامه الديمقراطية والأمن والإستقرار والحرية والسلم الإجتماعي والعدالة والسلام.
لقد كان هذا الوهم من قناعات أربع جهات أساسية لها مصلحة في هدم العراق وإنهاء صفة العروبة والإسلام له، والقضاء على الهوية العربية الإسلامية لشعبه الذي وإن كان متعدد الأعراق والأثنيات والطوائف والمذاهب، إلا أن الجامع الذين كان لا خلاف فيه بين كل هذه المكونات هو اللسان العربي على الأقل، وذلك ما نعنيه بعروبة العراق، وهي:
1- الغرب وعلى رأسه الإمبراطورية الأمريكية.
2- إيران التي تبين أن لها أطماعا حقيقية وجدية في العراق بالتنسيق مع عملائها وامتداداتها الفارسية والطائفية والمذهبية فيه وخاصة في الجنوب منه.
3- العملاء والخونة من العرقية العلمانية اللائكية الكردية بقيادة جلال الطلباني ومسعود البرزاني، والطائفة الشيعية بقيادة مومياء النجف السوداء، الصفوي الفارسي الأصل المدعو علي السيستاني، مفتي البيت الأبيض واليمين المسيحي اليهودي الأصولي المتطرف الذي انتهى إليه حكم الولايات المتحدة الأمريكية. هؤلاء الذين دخلوا مع القوات الغربية الصليبية الغازية بتنسيق مع الجمهورية “الإسلامية ” الإيرانية، خاصة بعد التعاون اللامشروط الذي تم بينها وبين ” الشيطان الأكبر” (أمريكا) في غزوها لأفغانستان، وفي ما تسميه حربها على الإرهاب الذي انتهى بكل المراقبين والمحللين إلى القول بأنها حرب على العرب والمسلمين وبدون أدنى شك في ذلك.
4- والكيان الصهيوني المدعوم دعما مباشرا متواصلا ولا مشروطا من طرف الغرب الإستعماري الصليبي الذي أوجده، وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية واللوبي الصهيوني العالمي، وصنائعهم في النظام العربي الفاسد وفي الكثير من مكونات النخبة العلمانية اللائكية خاصة.
لقد جعلت هذه الجهات والأطراف والمكونات الدولية من مطاردة صدام حسين وزمرته وإلقاء القبض عليه ومحاكمته مشروعا سياسيا وإعلاميا. واعتبرته نصرا ظلت تشغل به قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي: 1- في بعده الطائفي الشيعي الصفوي بقيادة السيستاني والتنظيمات المتواطئة مع إيران وأمريكا وبريطانيا والصهيونية والغرب الصليبي الصهيوني عموما، والتي يمثلها:
أ- ما يسمى: بالمجلس الأعلى للثورة “الإسلامية“، وهو الأبعد ما يكون عن الثورة وعن الإسلام.
ب- وما يسمى حزب الدعوة، وهو الحزب الذي يجعل من أوكد وأهم مهماته ككل التنظيمات والقوى والمراجع الشيعية، إلا ما رحم ربك ربما، الدعوة إلى التشيع في البلاد الإسلامية، بما هناك من فرق بين التشيع السبئي ذات الأصول اليهودية، والإسلام أو التشيع السني ذات الأصول العربية الإسلامية، البعيد عن عقيدة اللاهوت وعن إخضاع النص القرآني للحدث التاريخي،وعن اعتماد منهجية الطعن في التاريخ وفي الثوابت والأصول، والنيل من الصالحين من أبناء الأمة.
ج- وما يسمى بالتيار الصدري الذي يبحث عن موقع سياسي له في ساحة لا مرجعية خاصة به له فيها، وعن مكاسب مادية انتهت به إلى بيع السلاح جهارا نهارا للقوات الغازية ولعميلها إياد علاوي رئيس ما يسمى بمجلس الحكم بعد سقوط بغداد، في الوقت الذي كان الواجب الوطني والديني، لو كان له:
1- من الحس الوطني ما يجعله عراقيا حقيقيا.
2- ومن الحس الديني ما يجعله مسلما صادقا، يدعوه لرفعه في وجه الغزاة والعملاء والخونة، ويلتحق: *بالمقاومة الوطنية الشريفة التي دفعها:
- إيمانها بالله أولا.
- ثم بالوطن وبالشعب ثانيا.
- ثم بعزة الأمة واستقلالها ثالثا.
لإعلان الحرب على الغزاة، وعلى كل من ثبت وجود أي صلة له بهم.
2- وفي بعده العرقي والأثني بقيادة أكبر وأفسد القيادات العلمانية الكردية جلال الطلباني ومسعود البرزاني، وهما الذان لا يتحرجان من التصريح في تبجح معلن مخجل كغيرهما من العملاء وصنائع اليهود، بأن القوات الأمريكية والبريطانية الغازية لبلاد الرافدين هي قوات تحرير، تماما كمنطق وخطاب الحركة القومية العربية في تحالفها مع القوى الإستعمارية البريطانية والفرنسية في بداياتها من قبل، وليست قوات احتلال وتدمير.
3- وفي بعده الأثني والسياسي كذلك بالنسبة لكل من آمن بالمقاومة السياسية من منطلق مبدئي، وكخيار وحيد يمكن أن يغادر به الغزاة العراق، والذي وضع فتواه المدعو علي السيستاني:
أ- وهو الذي لا يفقه في هذه المسائل شيئا.
ب- وهو الذي ليس له منها إلا الإمضاء بعد أن تكون الجهات الدينية ذات الأصول الشيعية والعلمانية ذات التوجهات الليبرالية الإنتهازية التي تبحث من حوله لنفسها عن أي دور يتفضل به عليها ترضى به ويرضيه عنها، وهو مفتي البيت الأبيض وممثله بريمر،قد أعدت وبترتيبات إيرانية كل شيء. وأخذت القرارات، وحددت المواقف، ووضعت الأسس، وصاغت الخطاب، وحددت آليات العمل وإدارته، بإشراف أمريكي مباشر.
وأريد لهذه القضية أن تستمر، بين مطاردة لصدام حسين وإيقافه والتحقيق معه ومحاكمته أكثر وقت ممكن، لتظل الأنظار مشدودة إلى هذا الذي تعتبر:
- الولايات المتحدة الأمريكية.
- وحليفتها بريطانيا.
- والصهيونية العالمية.
- والغرب الصليبي عامة.
- والخونة والعملاء من هنا في الداخل العراقي.
- ومن هناك في النظام العربي الفاسد.
- وفي النخبة العلمانية اللائكية في جوانب وأطياف وجهات كثيرة منها، إنجازا تاريخيا مهما، باتجاه إعادة الإعتبار للعراق وللعراقيين وللعرب والمسلمين، وتخليص المنطقة العربية والعالم الإسلامي من الإستبداد والدكتاتوريات التي لم يعد من مصلحة أمريكا الإبقاء عليها، والتي ترى أنها غير منصاعة بالكامل للأمر والنهي الأمريكي. أي تلك التي تبدي بعض الإستعداد أو بوادر التمرد وإن كان مفتعلا هازلا حينا، وتستطيع أمريكا نفسها أن تتفهمه أحيانا.
لقد حاولت:
1- قوات تحالف الإحتلال الغربي الصليبي الحليف الإستراتيجي لليهود الصهاينة وللدولة العبرية في فلسطين المحتلة.
2- والقوى الطائفية والعرقية العميلة الخائنة المدعومة من الدولة الفارسية الصفوية التي طالما أيدناها عندما ظهرت علينا بثوبها الإسلامي الخادع سنة 1979 بعد الإطاحة بنظام الشاه، الذي كان أكثر وضوحا:
1- في بعده القومي العرقي الفارسي.
2- وفي عدائه للإسلام وللعرب والمسلمين.
3- وفي ولائه المعلن للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية والصهيونية، في زمن لم يكن العرب الذين كانوا قد شهروا سيف القومية العربية على الإسلام، وكانوا يلتقوا معه في ذلك، ولم يكونوا يقيموا وزنا للإسلام وللعلاقة بالمسلمين.
4- وهي التي لم تكن إلا ثورة ذات طبيعة طائفية مذهبية.
5- وتشكيك في العقائد دون سند ودون دليل يذكر.
6- وتمكن لثقافة الكراهية والحقد بين المسلمين بالنبش في التاريخ القديم.
7- وإثارة النعرات المذهبية والطائفية التي ليس المسلمون في حاجة إليها، ولم يكونوا يوما في حاجة إليها، ولا مصلحة ولا منفعة لهم فيها قديما ولا حديثا.
8- والنظام العربي المصطف وراء أمريكا في مواجهة شعوبه، وبسط هيمنتها السياسية والثقافية والإقتصادية والعسكرية على المنطقة العربية وعلى العالم الإسلامي عموما، وعلى دنيا المستضعفين بصفة عامة.
9- وجانب كبير من النخبة التقليدية القريبة من هذه الأنظمة الفاسدة الداعمة لها والقابلة بها.
10- وجانب أكبر من النخبة العلمانية اللائكية التي أصبحت ممثلا لطائفة جديدة من منحدر سني وشيعي إسلامي،واتخذت من الثقافة الإستعمارية الصهيونية الغربية مرجعا لها، ومنطلقا لتفكيرها ومصدر إلهام لها في مشاريعها السياسية والثقافية والفكرية والإجتماعية والإقتصادية.
وقد جعل كل هذا النسيج المتناقض والمختلف وغير المتجانس الرجعي العدمي والعبثي، من الحركة الإسلامية الإصلاحية المجددة المجاهدة تناقضها الرئيسي.
لقد حاولت كل هذه الجهات مجتمعة في العراق أن تشد انتباه قطاعات واسعة من الرأي العام العراقي أكثر ما يمكن من الوقت، مستفيدة من السمعة السيئة لنظام حزب البعث القومي العربي بقيادة الرفيق صدام حسين، لصرف الأنظار عن الجرائم البشعة التي ترتكبها قوات التحالف الغربي العسكري الصليبي الصهيوني بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، المنتشية بخروجها منتصرة في الحرب الباردة، بعد أن كانت تعتبر أنها هي التي انتهت بالإتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي كله من حوله إلى السقوط والتفكك والإنهيار، وهو المعسكر الذي كان في الحقيقة يحمل في ذاته كل أسباب التفكك والإنهيار، وهو من استوعب كل الجرائم التي كان يرتكبها الرجل الأبيض في كل المناطق التي حل بها من الأرض غازيا، وقد كان طرفا معه في ذلك بطريقته طبعا بعد ذلك، والتي أقام عليها ثقافته وحضارته، والجرائم التي كان يقوم بها حلفاؤه وعملاءه، وأولئك الذين جاؤوا به من أعوانه باعتباره قوة فتح و تحرير وليس قوة احتلال وتدمير، وقوة إحلال على حد قول بعض الليبراليين الجدد الذين كان من بين مآثرهم أن أرسلوا برقيات تهنئة لزعيم حزب العمل الصهيوني الإرهابي اليساري إيهود باراك بمناسبة فوزه في انتخابات رئاسة وزراء الكيان الصهيوني على الإرهابي اليميني بن يمين ناتانياهو، وليس قوة احتلال، من قتل وتصفية عرقية وطائفية، ومن تدمير للبنية التحتية، ومن استنزاف لقدرات العراق المادية والطبيعية والبشرية. وكان القاسم المشترك بين كل هذه الجهات والأطراف والمكونات هو التخريب والقتل والتهجير وبت الفوضى بالبلاد، والعمل على استئصال المقاومة وإنهائها عسكريا وثقافيا واجتماعيا وسياسيا وإعلاميا، بتقديمها للرأي العام الداخلي الذي هو ملاذها ومجال تحركها، والذي منه انطلقت وإليه تعود، وهي الممثل الحقيقي للنسيج الإجتماعي الحر، وهو فضاؤها الذي يؤويها ويرشدها ويدعمها ويؤيدها ويحتضنها من أجل الحرية والتحرير والتحرر، من أجل الإستقلال والإستقلالية وتقرير المصير، بإنهاء الإحتلال واستعادة العراق العربي الإسلامي الموحد، على أنها عنف وطائفية وتطرف، وعلى أنها أطراف وجهات وتنظيمات تكفيرية، وللرأي العام الخارجي على أنها إرهاب. وهي التي مازال العملاء والخونة بقيادة أغلب مراجع الشيعة وبدعم إيراني مباشر وعلى رأسهم المدعو “آية الله العظمى” علي السيستاني الذي فسح المجال لكل من هب ودب من رموز الطائفة العلمانية المتواطئة مع الغزاة لتدخل تحت عباءته بحثا عن مكاسب ومنافع ونزوات تحت سلطة الإحتلال، يحملونها مسؤولية العنف والإرهاب والقتل والتدمير والفساد الذي أصبح مستشريا في بلاد الرافدين، وبقاء الإحتلال التي يسمونها قوات التحالف، وهي التي يعتبرونها قوات تحرير العراق من الدكتاتورية والإستبداد، مثلما جاءت قوات الإستعمار للمنطقة مدعية تحريرها من الإستعمار العثماني التركي، وتقديمها موحدة لزعيم الثورة العربية الكبرى الشريف حسين ومن جاء بعده من زعماء الحركة القومية العربية، ومثلما كانت الحركة الإستعمارية الغربية تعتبر نفسها:
- وهي تعيث فسادا في كل أنحاء العالم.
- وهي التي لم تترك في أوطان الشعوب التي احتلتها تقدما ولا تقنية ولا ديمقراطية ولا حقوق إنسان.
بل كل الذي كان مما يمكن اعتباره إنجازا لها هناك هو:
1- إنهاء النظام الإسلامي.
2- وفرض بدلا منه النظام العلماني ذي الأصول التوراتية الإنجيلية.
3- وفرض الإستبداد والدكتاتورية ومواصلة رعاية ذلك.
4- وفرض الكيان الصهيوني الغاصب لفلسطين العرب والمسلمين بدعم متواصل منها.
5- وفرض ثقافة ولغة الغرب.
6- وإيجاد طائفة جديدة وهي التي تمثلها النخبة العلمانية اللائكية التكفيرية البديل الإستعماري الغربي في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين وسائر أوطان المستضعفين في العالم المناهضة للإسلام والرافضة للبديل الإسلامي في بلاد العرب والمسلمين والمتصدية له، والتي كان نظام صدام حسين أحد نماذجها باسم القومية والتقدم والتطور والعقلانية والإنسانية والحداثة وغيرها من الشعارات.
لقد كانت محاكمة صدام حسين وأزلام نظامه طائفية بحتة منذ البداية، وكذلك أرادتها قوات التحالف الصليبي الغازية في إطار البحث عن صيغة تقارب مع النظام الصفوي الإيراني:
أ- الذي كان خير معين للقوات الأمريكية في غزوها لأفغانستان واحتلاله.
ب- والذي كان الداعم الأساسي لها في احتلال العراق:
ج- من خلال القبول بها وهي ” الشيطان الأكبر ” على حدودها.
د- ومن خلال الفرصة التي ستكون وكانت سانحة لإيران نفسها للتدخل المباشر وبدون قيد في الشأن العراقي الداخلي.
ه- ومن خلال الإفتاء لامتداداتها الشيعية الصفوية في العراق من مثل ما يسمى التيار الصدري وحزب الدعوة وخاصة ما يسمى المجلس الأعلى للثورة الإسلامية، بالموافقة على التدخل الأجنبي في العراق وإسقاط نظامه واحتلاله والقبول بذلك.
و- ومن خلال التعويل على جل مكونات الطيف الشيعي بالداخل العراقي والإنظمام إليه في مهادنة المحتل والتعامل معه والقبول والرحيب به.
ز- ومن خلال التصدي للمقاومة التي يغلب عليها الطابع الوطني السني، والتي لم يكن للجانب الشيعي والعرقي الكردي ظهور متميز واضح فيها واعتبارها إرهابا، والتحالف مع الغزاة في مواجهتها، مما أثار النزعة الطائفية التي لم تكن المقاومة ولا السنة مسؤولة عنها:
1- باعتبار أن أعوان الإحتلال من المرحبين به ومن القادمين معه والذي قبلوا بما يسمى العملية السياسية بعد إسقاط نظام البعث العراقي، هم الذين بدأوا بتأكيد الإنقسام الطائفي والعرقي من خلال ما يسمى بالدستور الذي وضعه الحاكم الأمريكي بالعراق بريمر، وكان ذلك قبل انطلاق المقاومة وتشكل حركة التحرير الوطني العراقي .
2- وباعتبار أن الذين كانوا سببا في إثارة النعرة الطائفية والعرقية والإنقسام الطائفي والأثني هم أولئك الذين جاؤوا مع الإحتلال والذين قبلوا به من أغلب الطائفة الشيعية اللاوطنية والمرتبطة بالنظام الإيراني طائفيا ومذهبيا وعرقيا وجغرافيا من جهة الجنوب خاصة، ومن الأكراد بالشمال، إذا ما استثنينا مقاتلي الحركة الإسلامية الذين كانوا في مواجهة دائمة ومستمرة مع مليشيات الرفيق جلال الطالبان ومسعود البرزاني الذان استقويا عليها بسلاح الجو الأمريكي من قبل احتلال العراق. والذين انطلاقا من إيمانهم بالعملية السياسية والقبول بها استنادا إلى فتوى المرجع الشيعي الإيراني الفارسي الأصل المقيم بالعراق المدعو علي السيستاني، التي يلتقي فيها مع فتوى العلماني اللائكي المدعو جلال الطلباني وكذلك ومسعود البرزاني الذان يعملان على اقتطاع كردستان العراق والإستقلال بها، وقد قطعا أشواطا في ذلك، لم يكن أمامهم إلا أن تكون ميليشياتهم المسلحة جنبا إلى جنب مع جنود الإحتلال الأمريكي والبريطاني في مداهمة منازل المدنيين العزل، ومحاصرة المدن وقصفها، وانتهاك الأعراض وقتل الأنفس، ونهب وإتلاف الثروات والمكتسبات، ولتجد المقاومة المشكلة من كل ألوان الطيف العراقي، والتي يغلب عليها الطابع السني كما سبقت مني الإشارة إلى ذلك من قبل نفسها، ليس أمام جنود الإحتلال، ولكنها أمام عناصر الميليشيات الطائفية والعرقية المسلحة، إن لم تقتلها فهي قاتلة عناصرها ومجاهديها.
هذه المقاومة العراقية، التي أصبحت محسوبة على الطائفة السنية في المثلث السني، التي ليس أمامها إلا أن تعتبر شرعا وقانونا وأخلاقا ومصلحة وطنية أن من يقف مع الإحتلال ويؤيده ويناصره ويتولاه، ويستهدف العراقيين بالقتل والتدمير والتشريد والتهجير هو مثله، وليس أمامها إلا أن تستهدف بالقتل كل من كان استهدافه لأبناء وطنه الأبرياء العزل بالقتل وغيره من الإنتهاكات، وللمقاومة المسلحة للوجود العسكري الأجنبي، هي التي اعتبرت قد فجرت عند الطائفيين العنف، وتسببت في الإًصطفاف الطائفي والإنقسام العرقي والإقتتال الداخلي في مقاومتها للغزاة ومن يساندهم في أعمالهم الهمجية الإجرامية، ويساهم معهم في ذلك.
- وهي التي لم تكن هي البادية أولا.
- وهي التي لم تكن تستهدف إلا من يستهدفها ويستهدف العراق والشعب العراقي ثانيا.
- وهي التي لم تكن لها مشكلة إلا مع الإحتلال ثالثا.
- وهي التي في عملها على تحرير البلاد يصبح من حقها أن تستهدف المحتل ومن يقف إلا إلى جانب المحتل ويسانده ويساعده ويتصدى لها معه من الخونة والعملاء، بقطع النظر عن طائفته أو مذهبه أو عرقه أو لونه أو دينه أو وطنه أو موطنه رابعا.
- وهي التي لا تؤمن بالطائفية ولا تعمل على الإنقسام ولا الإقتتال الطائفي، ولا تؤمن إلا بالشرفاء من أبناء الوطن وبتحريره كاملا موحدا خامسا.
ثم إن طائفية المحاكمة والخيانة الوطنية كانت ظاهرة منذ البداية كذلك، ومنذ أن تم الترحيب بالقوات الأمريكية في قلب بغداد، واجتمع حولها الرعاع مهللين ومكبرين لسقوط نظام صدام حسين. وقد يبدو مقبولا تفهم موقف هؤلاء للجحيم الذي كان يعيش الناس فيه إبان حكمه وعائلته وبطانته الحزبية والعشائرية، ولكنهم لم يكونوا يتصوروا ربما نار جحيم احتلال بلادهم من طرف الأجنبي الأمريكي البريطاني الغربي الصليبي، وما يلحقهم به قبوله من خسائر ودمار، ومن مذلة ومهانة لم يذوقوا مثلها كذلك في نظام الإستبداد، وعار لا ينمحي على مدار ومجرى التاريخ، خاصة بالنسبة لمن هادنوه وأعلنوا موالاته والقبول به. والظلم لا يزال بظلم أكبر منه. والإستبداد لا يستبدل بالإحتلال. والشعوب الحرة هي التي لا تقبل بالإستبداد ولا بالإحتلال. ولا تقبل بغير تحرير نفسها من الإحتلال ومن الإستبداد. ولتكون بذلك وعن جدارة لها السيادة الكاملة فعلا على أوطانها.
ومنذ أن تم تقديم الرفيق صدام حسين ومجموعة من زمرته في حزب العبث الإشتراكي للمحاكمة في ما يعتبر من أبسط الجرائم التي كان قد ارتكبها في تاريخ حكمه، وهو المطلوب محاكمته في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بدءا بالجرائم التي ارتكبها في حق الشعب العراقي، ومرورا بالحرب مع إيران باعتباره هو البادي، البادي أظلم، وانتهاء بغزو الكويت، وهي حادثة الدجيل والتي كان الحكم فيها عليه بالإعدام شنقا حتى الموت كافيا لإنهاء المحاكمة في حقه تقريبا في ما زاد عن ذلك من الجرائم الأخرى الكثيرة وهو على قيد الحياة في حق الأفراد والمجموعات والشعب والوطن والدول.
لقد تم كل ذلك بخلفية طائفية تم التنسيق فيها بين الطائفيين الشيعة في العراق وإيران والصليبيين في أمريكا وبريطانيا إرضاء للشيعة:
1- للمحافظة على تأييدهم ومساندتهم ودعمهم واستمرار ولاءهم للإحتلال.
2- وتحقيقا لرغبة صفوية فارسية مذهبية طائفية إيرانية لتطمينها على وفاء القوات الأمريكية على عدم المساس بالمصالح والأمن والسيادة الإيرانية على حدودها، باعتبار أن الشيعة الذين كانوا الأكثر انخراطا في حزب البعث، والأكثر تأييدا لصدام حسين كانوا يحسبون أعضاء حزب البعث العلمانيين اللائكيين من أصول سنية وشيعية وعربية وكردية وغيرها أنهم سنة وشيعة، والحقيقة أنهم يصبحوا بمقتضى ذلك وعلى ذلك الفكر وتلك الثقافة لا سنة ولا شيعة. ولكنهم علمانيون لائكيون عربا أو كردا أو غيرهم من الأعراق. ويعتبرون صدام حسين سنيا، ويحسبونه على السنة، خاصة وهم الذين كانوا قد انخرطوا مباشرة في المقاومة المسلحة للمحتل. وقد بدا وكأنهم يقفون إلى جانب صدام حسين ويدافعون عنه وعن نظامه، وعليهم بمقتضى ذلك أن يدفعوا ثمن جرائم صدام حسين في حق الجميع، وأن يتحملوا المسؤولية في ذلك بالكامل. وليتقدم الشيعة المنخرطون منهم في مسلسل العمالة والولاء المحرم نصا للأجنبي المستعمر والخيانة الوطنية أنفسهم للعالم من خلال ذلك ومن خلال الدعم والمساندة الإيرانية لهم على أنهم هم وحدهم الضحايا، أو على الأقل الضحية الأكبر والأكثر خسارة وتضررا.
ـ حكـــم الإعــــــــدام
2)
ما إن انتهى مسلسل المحاكمة التي تداول عليها وفق حسابات مختلفة، ولغايات وأهداف مختلفة، أربع قضاة من مختلف الطوائف والأعراق، ولعهم كانوا كلهم شيعة عربا وكردا علمانيين من أصول مختلفة أو شيعة أو سنة، والتي كان الجامع بينها موالاة العدو المحتل والعداء لصدام حسين ونظامه وحزبه، والخيانة الوطنية ومناهضة المقاومة واعتبارها إرهابا، والتي انتهى من الوقت ما يكفي لشد أنظار موالي الإستعمار والنظام الصفوي الإيراني، الذي حسبناه ذات يوم نظاما إسلاميا، من الشيعة والأكراد خاصة، والتي لم يعد هناك حاجة لمواصلتها بعد أن تبين أنها لم تحقق الأهداف التي كان يعتقد أنها يمكن أن تحققها بالتغاضي عن جرائم المحتل والطوائف والأعراق المتحالفة معه، والوقوف عند التشفي في نظام البعث وقياداته، واعتبار أن أهداف الشعب العراقي وغاياته في إسقاط صدام حسين وملاحقته وإلقاء القبض عليه وإخضاعه للمحاكمة وتولي “العراقيين” القابلين بالإحتلال والعاملين معه شأنه بأنفسهم قد تحققت، أصدرت المحكمة الأمريكية بالعراق بمنظومة قانونية عراقية وبقضاة عراقيين طائفيين وعرقيين تحت حراب قوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الإمبراطورية الأمريكية وبإدارة وإشراف مباشرين منها، حكم الإعدام في الرفيق صدام حسين المجيد الرئيس العراقي السابق وإثنان من أركان حكمه، برزان التكريتي الأخ غير الشقيق له، وعواد البندر رئيس محكمة الثورة التي أحيل عليها ما قيل أكثر من 140 من أهالي منطقة الدجيل، في محاولة الإغتيال التي تعرض لها صدام حسين في حينه أثناء مرور موكبه بتلك المنطقة التي كان قد نظم زيارة لها في ذلك الوقت. وقد تمت محاسبة صدام حسين محاسبة عسيرة على ذلك. وكان إنصاف الشيعة وإعادة الإعتبار لهم في تلك المحاكمة من دون بقية مكونات الشعب العراقي الذي لقي من العسف والقمع والإضطهاد والتنكيل به من صدام حسين وعائلته وحزبه أكثر بكثير مما حدث في تلك الحادثة. فكان الإستقواء والإستنجاد بالأجنبي طائفي شيعي بفتوى صفوية فارسية مذهبية. وكانت محاكمة صدام حسين وأركان حكمه طائفية عرقية شيعية كردية. وكان إصدار حكم الإعدام في حقه طائفيا شيعيا إيرانيا كرديا من دون مكونات الشعب العراقي. وكان إعدامه كما سيأتي لاحقا صدريا طائفيا شيعيا إيرانيا، وبتواطئ كردي أمريكي بريطاني.
ـ تنفيذ حكم الإعدام في الرفيق “القائد” صدام حسين:
وبعد صدور الحكم الذي لم يغير مما كان معلوما من أمر المحاكمة، ومن طبيعة المحاكمين والحكام والمشرفين عليهم والمتابعين لهم أمرا ونهيا شيئا، ولم يغير مما كان محتملا أو معلوما سلفا من الحكم، استنادا إلى ما هو معلوم من الجرائم، وإلى ما هو معلوم من المجرمين الحكام والحاكمين، والمحتلين والمتواطئين معهم بالداخل والخارج العراقي، والمحاكمين من أركان نظام صدام حسين السابق.
*- وقد كان طبيعيا أن يصدر الطائفيون العراقيون والصفويون الإيرانيون حكم الإعدام في صدام حسين، لأنه نكل بالأولين وهزم في الحرب الآخرين.
*- وكان طبيعيا أن يصدر الغزاة الصليبيون حكم الإعدام في صدام حسين لأنه:
أ- لم يكن وفيا بما فيه الكفاية لهم.
ب- ولأنه كان متقلبا في مواقفه منهم وعلاقته بهم بين الولاء والعداء.
*- وكان طبيعيا أن يكون حكم الإعدام هو الحكم الذي يجب أن يصدر في حق صدام حسين ولكن:
أ- بوجه حق لا بغير وجه حق.
ب- وبعدل لا بحيف وظلم.
ج- وأن يكون في حق الشعب العراقي لا في حق بعض شيعة العراق حلفاء الإستعمار الأمريكي البريطاني وعملاء النظام الصفوي الإيراني الشيعي.
د- وأن يصدره في حقه الشعب العراقي، الذي لم يتم إنصافه من صدام حسين، ولم يحاسبه ويحاكمه ويصدر فيه الحكم الذي يستحقه من أجل ما اقترف في حقه من جرائم، وما جلب له من ويلات ومصائب، وما تسبب له فيه من خراب ودمار.
كان تنفيذ الحكم فيه يوم السبت 30 ديسمبر 2006 على الساعة السادسة صباحا بتوقيت بغداد، الموافق للعاشر من ذي الحجة 1427 أي فجر يوم عيد الإضحى المبارك لعامة المسلمين في العالم، باستثناء الطائفة الشيعية في العراق على الأقل إن لم يكن في كل العالم.
ولقد كان ظاهرا حرص الصفويين في إيران، والأمريكيين بالبيت الأبيض وخارجه، والطائفيين الشيعة، والقوميين العلمانيين التكفيريين الأكراد، واليهود الصهاينة، لا على التخلص من صدام حسين فقط، ولكن للتمتع والتلذذ بإعدامه:
أ- بكل حيوانية ووحشية.
ب- وبكل ما في الطائفية الشيعية والصفوية المقيتة من حقد لم تبلغ في إي وقت مضى من التاريخ من التمكن والظهور والقوة لتعبر عنه. وليس من باب الصدفة أن يقترن هذا الظهور وهذه القوة وهذا التميز بظهور دولة للعصابات اليهودية الصهيونية في فلسطين من العالم العربي الإسلامي. ولكن لا يمكن إلا أن يكون لذلك دلالاته ومعانيه وانعكاساته وتداعياته ونتائجه، باعتبار أن ذلك كان من الظواهر الطبيعية والكونية والتاريخية التي لم يعرف التاريخ البشري لها وجودا منذ آلاف السنين.
ج- وبكل ما في العلمانية الكردية من كراهية للإنسان.
د- وبكل ما في الصليبية من عدوانية.
ه- وبكل ما في الصهيونية من عنصرية وعداء للإنسان.
في يوم عيد الإضحى المبارك، تماما كما قصفت القوات الأمريكية والبريطانية العراق من قبل زمن الحصار في رمضان بدون أي مبرر يذكر، وبدون أي معطى جديد يبرر ذلك التدخل من سلاح الجو وقتها وكما يعربد الجيش الصهيوني في المنطقة كلها وفي فلسطين المحتلة على مدار الزمن على امتداد عقود من السنين في كل المناسبات وبلا انقطاع، غير الإمعان في إذلال وإهانة المسلمين والعرب بصفة خاصة، وانتهاك حرماتهم. وكما يساء للنبي صلى الله عليه وآله وسلم في الكثير من العواصم الغربية الصديقة للنظام العربي الفاسد، والقدوة الحسنة والمثال المحتذى للكثير من مكونات الحركة العلمانية الهجينة المزيفة في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين.
وما كان حرص الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالغرب واليهود الصهاينة في كل مكان على الإسراع بتنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين، الذي كان يمضي إقامته داخل المنطقة الخضراء (الحمراء) في قبضة القوات الصليبية الغازية للعراق بمركب القصور الفخمة التي كان صدام حسين نفسه يهدر فيها ثروات الشعب العراقي، وكان ينعم فيها بحياة الرفاه والسيطرة والسطوة والتكبر والتجبر، والذي اتخذت منه القوات الأمريكية مقرا آمنا لها ولعملائها وللخائنين للعراق وللشعب العراقي، الذين لا هم لهم إلا تأمين أنفسهم وفتح أبواب جهنم على الأحرار من باقي أبناء الشعب، وعلى باقي أنحاء العراق، قيل خوفا من هروبه أو تهريبه :
- وهو الذي لم يهرب ولم يكن يستطيع الهروب حين كان يمكن أن يهرب أو حين كان مستطيع الهروب.
- وهو الذي لم يتم تهريبه حين كان يمكن أن يهرب.
- وهو الذي كان يعلم أنه لم يترك لنفسه ولو ملاذا آمنا واحدا، لا داخل العراق ولا خارجه، بعد أن كان قد فوت على نفسه الفرصة حين طلب منه مغادرة البلاد مع من يريد من أهله إلى روسيا التي أعلنت قبولها به، أو إلى أي مكان آخر يريده ويقبل به. وقد كان الكل في المنطقة وغيرها يرغب في ذلك تجنبا للتدخل العسكري الذي كانت أمريكا نفسها لا ترغب فيه، ولا مصلحة لها فيه وتخشى عواقبه. ولعله كان، وهو من هو، ينظر إلى ذلك العرض على أنه في صالح المنطقة وفي صالح العراق والشعب العراقي، وفي صالح أمريكا والغرب والنظام العربي وانتصارا لهم، وفي غير صالحه وهزيمة له. وأصر على البقاء في محيط عراقي معاد له بالكامل. وهو الذي لم يبق على أسرة واحدة تقريبا لم ييتم فيها صغيرا ولم يرمل فيها امرأة ولم يثكل فيها أما. وكانت تلك آخر حماقاته الكثيرة، وغباءه وتهوره السياسي، ونزعته الإستبدادية الدموية الفردية التي جلبت له وللعراق وللشعب العراقي كله هذه الويلات والمصائب التي لا حد لها.إنما كان كل ذلك حزما من الحكومة الطائفية للطائفي نور( ظلام) المالكي المقبولة أمريكيا، والمدعومة صفويا إيرانيا، لتنفيذ حكم الإعدام فيه، وهو الذي لم تسلمه القوات الأمريكية، على ما يبدو لمأمورها وخادمها المطيع المالكي، إلا في الوقت المقرر لتنفيذ الحكم فيه. ولعلها تعلم أنه سيتم التمثيل والتنكيل به أو حتى قتله قبل حلول موعد تنفيذ الحكم القانوني فيه. وهي المرة الوحيدة وفي المسألة الوحيدة التي تفوض فيها أمريكا لعملائها التقرير في أمر ما، وتستجيب لهم في طلب، وتتفصى من أي مسؤولية على ما حدث من تجاوزات لا أخلاقية ولا إنسانية. وكانت الخطة محكمة في من سيقوم بتنفيذ الحكم. وحضرت عدسات التصوير غير الشرعية لتلتقط مشاهد التنفيذ لحظة بلحظ. وما كان لأعوان التنفيذ أن يكونوا ملثمين وما كان ينبغي أن يظهروا أصلا ولو لم يكن إظهارهم مقصودا، وله دلالاته وأهدافه.
1- لو لم يكونوا أشخاصا بعينهم وليسوا موظفين بالوزارة كما تدعي حكومة المالكي.
2- ولو لم يكونوا يعلمون أن المشهد سيجد طريقه إلى الإنتشار على أوسع نطاق ليدخل كل البيوت التي لم يكن أهلها يتصورون أن ذلك سيكون ممكنا ذات يوم والذين انتظروها في الفترة الأخيرة طويلا، وذلك ما كانت تريده الحكومة، وذلك ما خططت له، وذلك ما حصل فعلا. وما الهتاف باسم مقتدى مرات عديدة من طرف أعوان التنفيذ إلا لأن عناصر ميلشياته هي التي تولت المهمة. وإلا ولما لا، لأن مقتدى نفسه هو الذي كان يتولى تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين بنفسه. ولأنه كان يمكن أن لا يتم تصوير المشهد إلا بعد سقوطه الرجل صريعا، وبعد أن تكون قد فارقته الحياة. ولعه من باب المصادفات النادرة، إن كان ذلك مصادفة:
أ- أن يكون ذلك يوم عيد الإضحى لكل المسلمين باستثناء الشيعة، وأحسب أن ذلك كان في الحسبان.
ب- وأن يكون ذلك موافقا ليوم السبت الذي هو يوم العطلة الأسبوعية لليهود، وهو من الأيام المقدسة عندهم، لتكون فرحة المهتمين بالموضوع منهم أكبر، لاسيما وأن صدام حسين كان قد أفزعهم مرة في حياته عندما اشتد عليه الضغط الداخلي والخارجي برمي مجموعة من الصواريخ طويلة المدى باتجاه دولة الكيان الصهيوني التي سقطت بصحراء النقب.
ج- وليكون ذلك هدية حكومة المالكي الأمريكية لسيده الصليبي الأكبر جورج بوش بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية الجديدة.
د- وما كان ليكون ذلك الحرص منه إلا استنادا لحرص مراجع الشيعة المتعاملين مع قوات الإحتلال والمتواطئين مع الصفويين في إيران“الثورة الإسلامية“على جواز إعدام صدام حسين يوم عيد الإضحى المبارك عند أهل السنة والجماعة.
ولا يمكن أن يكون ذلك غير مقصود به إبراز مشاعر عدم التقدير لمشاعر المسلمين غير الشيعة، وإن كان صدام حسين كما أسلفت لا يمكن اعتباره سنيا ولا شيعيا، ولكنه علماني من أصل سني.
ه- ولعلهم حرصوا على أن يكون ذلك كذلك يوم السبت باعتبار أن التشيع أصلا في ما نعلم من التاريخ وفي ما هو وارد في كتب الطائفتين التين كانتا إفرازا من إفرازات التاريخ. ولا أصل لهذا التقسيم في الإسلام الذي تركه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حتى بعد استشهاد الخليفة الراشد الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام ورضي الله عنه بعشرات السنين، هو صناعة يهودية متأكدة في كل المراجع التاريخية وغيرها، سواء السنية منها أو الشيعية.
و- واجتنبوا كذلك أن يكون ذلك مقرونا بيوم العيد عندهم، فتحدي مشاعر أهل السنة أولى عندهم، لما تربوا عليه من حقد تاريخي وكراهية وتكفير لمن خالفهم في فهم النص وفي قراءة التاريخ، ومن خالفهم في المذهب، على قاعدة من ليس شيعيا هو كافر عندهم مستباح الدم والمال والعرض، طالما هو لا يؤمن بالركن السادس في الإسلام عندهم وهو الإمامة، مثلما يفعلوا في العراق تماما عندما أتيحت لهم الفرصة، من أن يكون العيد عندهم عيدين عيد الإضحى وعيد التضحية على صدام حسين. ولا أحسب أن يكون كل هذا الذي حصل مصادفة، وبعيدا عن الإدراك والقصد كله أو جله، وإن لم يكن لدى البعض فلدى الكل.
وهي ليست في الحقيقة المرة الأولى التي يحصل فيها هذا الفعل الشنيع في تاريخ المسلمين. ولعل لسان حاال المالكي كان يقول كما قال من قبله طاغية بني أمية وسفاك دماء المسلمين الحجاج بن يوسف الثقفي في عهد هشام بن عبد الملك (724 ــ 743 ) عندما أمره بقتل الجعد بن درهم لقوله بخلق القرآن لمن اجتمع حوله من الناس يوم عيد الإضحى “إذهبوا ضحوا فإني مضح على الجعد بن درهم “. بما هنالك من فرق طبعا بين الدولة الأموية الظالمة في ذلك الوقت، وبين الدولة الصفوية الحاقدة والإحتلال الأمريكي الصليبي المعادي. وبين نور المالكي والحجاج بن يوسف. وبين الجعد بن درهم وصدام حسين. ولكن الصنيع واحد والتوقيت واحد والإسلام واحد والمسلمون هم المسلمون وقد أصبحوا سنة وشيعة.
وبذلك وبهذا الفعل الطائفي الإستعماري الصليبي الصهيوني الصفوي الشنيع كان صدام حسين قد عاش ظالما وقضى مظلوما.
والذي بدا أكثر وضوحا أن تنفيذ حكم الإعدام في الرئيس العراقي السابق صدام حسين بتلك الطريقة وفي ذلك الإحتفال وفي ذلك الوقت من ذلك اليوم، ليس لأنه كان ظالما مستبدا، ولكن لأنه كان عند الذين أفتوا بجواز أن يكون ذلك كذلك سنيا.
أو أنهم كانوا على قدر من الغباء والتجرد من الأخلاق والإنسانية وبعدا عن الإسلام، بما لم يتركوا لأي كان أن يكن لهم من الإحترام والتقدير ما هو جدير به مثلهم.
ـ المــــــــواقف:
لقد تحددت المواقف من زوايا متعددة ومختلفة، ولغايات وأهداف متعددة ومختلفة، ومن مواقع متعددة ومختلفة، ومن جهات متعددة ومختلفة.
فقد اعتبر صدام حسين نفسه في رسالة كشف عنها محاميه خليل الدليمي قبل إعدامه بيومين وجهها للشعب العراقي وللعرب وليس للمسلمين قبل تنفيذ حكم الإعدام فيه يقول فيها(…ها أنا أقدم نفسي فداء فإذا أراد الرحمان هذا صعد بها إلى حيث يأمر سبحانه مع الصديقين والشهداء وإن أجل قراره على وفق ما يرى فهو الرحمان الرحيم وهو الذي أنشأنا وإليه راجعون فصبرا جميلا وبه المستعان على القوم الظالمين).
والملاحظ أنه لم يتوجه بهذا الخطاب للمسلمين، ولم يكن معنيا بالخطاب فيها إلا بالعراقيين والعرب.
ولم يبد أسفا ولا ندما على ما ارتكب في حق أي كان من جرائم كان يمكن أن ينظر له الله به ببعض الرضى، إضافة إلى ما أبداه من ملازمة لكتاب الله منذ إلقاء القبض عليه في ما نعلم حتى إعدامه. ولكنه لم يكن حريصا فيها إلا على تثبيت ذاته في هذه الدنيا حيا وميتا. فلا إعلان فيها للتوبة النصوح التي لا يقبل الله من عبده حتى يعلنها، وحتى يوفي بشروطها في عالم الشهادة، إلا ما كان بينه وبين نفسه، وما بينه وبين الله، ونحن ” أمرنا أن نحكم بالظاهر والله يتولى السرائر“. ومنها الندم على ما ارتكب من الإثم والفواحش. والندم على ما فات من غير صالح الأعمال والأقوال، والعزم على أن لا يعود لمثله أبدا. والإعتذار لمن ظلمهم وطلب العفو والصفح منهم، وتعويض كل أو ما هو قادر على تعويضه لهم من أضرار وخسائر… ذلك أن الله كما يقول الأصوليون قد أمر أن لا يعبد إلا بما أمر أن يعبد به.
وقد أحدث تنفيذ حكم الإعدام في صدام حسين كائن من كان هو يوم عيد الإضحى المبارك، ضجة كبيرة في الأوساط الإعلامية والشعبية والرسمية داخل العراق وخارجه وفي العالم. وكان ذلك مثار جدل كبير في كل الأوساط وفي كل المواقع.
فقد جاءت مواقف الطائفيين بالعراق والصفويين بإيران والصليبيين بالبيت الأبيض ولندن وسدني(استراليا) والصهيونيين في تل أبيب بفلسطين المحتلة متطابقة، معتبرة أن ذلك هو قول القانون فيه، وذلك هو العدل الإلهي، وذلك بما اقترفت يداه وهو مستحق لحكم الإعدام وتنفيذه فيه، وهو إنجاز مهم وتقدم باتجاه تذليل الصعوبات أمام شعار المالكي بإجراء المصالحة الوطنية التي يريدها الأمريكان الغزاة، ولا يريدون أن تكون المقاومة طرفا فيه. وهو الذي دعا البعثيين على إثر الإمضاء على مرسوم الموافقة على تنفيذ حكم الإعدام شنقا حتى الموت في زعيمهم وقائدهم ورمزهم وعنوان ثقافتهم وسياستهم صدام حسين في موعده وعلى إثر تنفيذه، إلى المصالحة الوطنية..هكذا !
وما كان كل ذلك إلا خطوات استعمارية أمريكية غربية صليبية باتجاه فرض الديمقراطية التي لا يريدونها لنا في الأصل إطلاقا، والتي يمنعون حلولها بربوع أوطاننا، على الشعب العراقي بعد الإطاحة بنظام الدكتاتور صدام حسين وبعد إعدامه. وليست تلك إلا ذريعة أخرى كاذبة، كذريعة نزع أسلحة الدمار الشامل التي اجتاحوا بها العراق وسط تأييد رسمي عربي علماني وتقليدي فاسد، وغربي صليبي صهيوني ديمقراطي إرهابي. وما أشبه اليوم بالبارحة، فقد كانت الحركة الإستعمارية الغربية قد اجتاحت المنطقة العربية خاصة، من العالم الإسلامي بذرائع كاذبة كانت الحركة القومية قد تفهمتها ووافقت عليها خاصة في المشرق العربي وهي:
1- تحريرنا من الإستعمار العثماني.
2- تأهيلنا لحكم أنفسنا بأنفسنا (الإنتداب).
3- إلحاق أبناء عمومتنا من اليهود الصهاينة بنا وإقامة دولة عربية يهودية في فلسطين تكون نموذجا حضاريا في الشرق بخبرات اليهود وعلومهم كما يؤكد على ذلك الشريف حسين وابنه فيصل.
4- تسليم المستعمرين البريطانيين، العرب الوطن العربي مستقلا وموحدا.
فالديمقراطية الأمريكية الغربية لا تعني سوى الإطاحة بالأنظمة، خاصة الوطنية منها. وإلغاء الدولة وحل الجيوش ووحدات الأمن المختلفة. وذلك ما لم تقم به بالكامل إلا في العراق. وإصدار أحكام الإعدام في الزعامات والقيادات الدكتاتورية في أوطانها، والقيادات الوطنية التي لا تأتمن على مصالحها في ظلها، والتي لا تأتمر بأوامرها ولا تنتهي بنواهيها، من أمثال سلفدور ألندي ونوريقى وميليسوفيتش وأخيرا وليس آخرا صدام حسين. وتنصيب قيادات عميلة خائنة لشعوبها وأوطانها. وإدخال البلاد كلها في وضع استثنائي ودوامة من العنف والتعذيب والقصف والتدمير لا نهاية لها.
وكانت مواقف النخبة مختلفة متباينة باختلاف المكان والموقع، والخلفية السياسية والفكرية والعقدية. ولكن لا أحد يستطيع أن ينكر على الرجل دكتاتوريته. ولا أحد يعتبر أن صدام حسين لم يكن دمويا ولم يجرم في حق شعبه وجيرانه بصرف النظر عن المبررات والتبريرات، وعلى اختلاف في المراوحة بين العقل والعاطفة، إلا من كان مجانا للصواب أو منكرا للحقيقة أو جاحدا لأصحاب الحق من الشعب ومن الجيران حقهم، أو منحازا انحيازا عاطفيا أو مصلحيا أو حزبيا أو عشائريا أو أسريا. وقد لعبت العاطفة والطائفية والعصبية إضافة إلى الأخلاق والأبعاد الإنسانية دورا كبيرا أمام:
1- وجوده في قبضة الإحتلال الأمريكي.
2- والمأساة التي أصبح الشعب العراقي يعيشها، والوضع المتفجر الذي بدا معه زمن حكم صدام له أفضل.
3- محاكمته من طرف قوات الإحتلال عن طريق أعدائه الطائفيين، وضحاياه العراقيين والعرقيين الأكراد.
4- التواطؤ الإيراني الصفوي مع قوات الإحتلال، والتدخل المباشر عبر عملائها الطائفيين هناك في الشأن العراقي.
5- الإنقسام الطائفي الذي فرض نفسه بفعل قوات الإحتلال، وبأداء المقاومة ضد الخونة والعملاء الذين كانوا على مستوى طائفي معين وعرقي معلوم.
6- النزعة الطائفية التي اكتستها المحاكمة والحكم، وتنفيذ حكم الإعدام في الرفيق القائد العربي صدام حسين.
7- تعامل الطائفيين الشيعة معه منذ البداية حتى النهاية على أنه سني.
8- التحرك السني وردود الأفعال المختلفة في وجه أمريكا وفي وجه النفوذ الإيراني والتبجح الطائفي الشيعي المرتهن لها والمتحالف مع قوات الإحتلال.
وقد كانت ردود فعل الشارع في بعض الأقطار العربية والإسلامية عاطفية صرفة لكل الإعتبارات السالفة الذكر. فقد استمات في الدفاع عنه والإشادة به والتعاطف معه حتى أولئك الذين الحق بهم من المظالم واقترف في حقهم من الجرائم ما لا يقل عن تلك التي ارتكبها في حق الشيعة والأكراد، أمام النزعة الإنتقامية الطائفية والصفوية والصليبية والصهيونية، خاصة لما نرى أن وزير خارجيته سابقا …..الصحاف لم تتضمنه قائمة المطلوبين أمريكيا بعد سقوط بغداد، وليس معنيا بشيء مما كان طرفا فيه، بما أنه كان ضمن الزمرة البعثية الحاكمة من حول صدام حسين، لا لشيء إلا لأنه علماني شيعي الأصل. وعندما نرى طارق عزيز في وضع أفضل، وهو كذلك أحد أركان نظامه، لا لشيء إلا لأنه مسيحي، إلى آخر ذلك من الدلالات التي تفيد بكل جلاء ووضوح تركيز قوات الإحتلال الصليبي على الجانب الطائفي، وتكريم الشيعة المتحالفين معها بتنسيق مع النظام الشيعي المذهبي في إيران، للمحافظة على تأييدهم لتقوية جانبها وموقفها السياسي والعسكري والأمني، للإنتقام ممن تريد أن تنتقم منهم، ولتمكن لديمقراطية الإنتقام والثأر وانتهاك حقوق الإنسان في السجون وخارجها. ديمقراطية القصف والإبادة والكراهية والعنصرية والإنقسام الطائفي والعرقي في البلد الواحد.
ـ تنظيم مجالس ومواكب العزاء في الداخل والخارج العراقي:
1- فقد كان طبيعيا أن يستلم أهله جثمانه وأن يتولوا مواراته التراب وقد أصبح من التاريخ. وقد شهد النقلة المحتومة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب حيث الحياة الأبدية التي ليس بعدها موت. وحيث الحياة الحقيقية. وحيث يعرض الناس لا تخفى منهم خافية. ومن عمل خيرا فلا يجد إلا خيرا منه، ومن عمل خلاف ذلك فلا يلومن إلا نفسه.
2- وكان طبيعيا كذلك أن تنظم مواكب العزاء في الداخل العراقي لاعتبارات أخلاقية وإنسانية بصرف النظر عن كل شيء، وقد أصبح الرجل من الماضي ولا طمع فيه مثلما كان يطمع فيه الطامعون، ولا خوف منه مثلما كان يخافه الخائفون.
3- وقد كان طبيعيا أن يكون ذلك على أساس القرابة الدموية أو المصاهرة أو الصداقة، وبخلفية عشائرية وطائفية وعرقية:
أ- أمام ما حصل من استفزاز وتجاوز طائفي صفوي.
ب- وأمام الوجود العسكري التخريبي التدميري لقوات التحالف الصليبي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي جعلت من الوطن العربي والعالم الإسلامي مسرحا لعملياتها العسكرية، في الشيشان وباكستان وأفغانستان، وفلسطين والعراق والسودان والصومال…من دون مختلف ساحات العالم، في مواجهة حركة التحرر العربي الإسلامي، بتعاون وثيق ومعلن مع طرف الأنظمة العميلة الفاسدة، ومن طرف الطائفة العلمانية في جل مكوناتها إن لم تكن كلها، ومن طرف النخبة التقليدية ذات العلاقة عادة بالأنظمة أي كانت طبيعتها، للإبقاء على الأمة كلها تحت رحمة العملاء والخونة والقوى الإستعمارية الصليبية والصهيونية المساندين لها والداعمة لهم.
أما في الخارج، فلنفس هذه الإعتبارات، وبنفس هذه الخلفيات كذلك، ولاعتبارات أخرى ذات صلة بالموقف العربي الرسمي الذي لاذ بالصمت في الغالبية العظمى منه إزاء ما حصل خوفا وتهيبا من أمريكا، والذي أراد ربما أن يعبر عن نفسه بأسلوب لا يحسب عليه ولا حاجة له في أن لا يحسب له، فسمح بهذه المجالس والخيمات والمواكب والمسيرات التي خلت منها المنطقة العربية، إذا ما استثنينا فلسطين والأردن، والتي كان لها ظهور أكبر في بعض الأوطان الأخرى من العالم الإسلامي، أن تكون تعبيرا ربما وبطريقة غير مباشرة عن عدم رضاها بالنهج الطائفي الذي سلكه شيعة العراق ومن ورائهم الصفويون في إيران، دون إغضاب أمريكا والكيان الصهيوني ودول الخليج، وخاصة الكويت التي عانت حكومة وشعبا من الغزو العراقي زمن حكم صدام حسين للعراق عليهم.
فقد جعل الطائفيون والإستعمار الأمريكي للعراق بهذا السقوط الأخلاقي واللإنساني، وبهذا التمثيل والحقد والعداء للمسلمين عامة وللمسلمين السنة خاصة، والذي عبر عن نفسه من خلال فتوى مراجع الشيعة الصفويين والعراقيين المتحالفين مع الإحتلال، من الخامنائي حتى السيستاني، في جواز إعدام صدام حسين يوم عيد المسلمين السنة إهانة وإذلالا لهم وللعرب، وبشرى لليهود الصهاينة في يوم سبتهم، ولرعاة البقر بالبيت الأبيض بمناسبة رأس السنة الميلادية وفي غير يوم عيد الشيعة.
فلم يكن تصوير مرحلة إعدام صدام حسين لحظة بلحظة صدفة، ولكن لذلك دلالات ومعاني كثيرة منها:
1- لوضعها بين يدي كل الحاقدين لإشفاء غليلهم.
2- ليشاهد كل الشعب ورعاة البقر بالبيت الأبيض والعصابات الإجرامية بتل أبيب وكل الصفويين في إيران والأكراد وزعمائهم وزعماء بعض العواصم العربية العملية ويعيشونها.
3- للتأكيد لكل العالم أن صدام حسين قد أعدم وانتهى.
4- ليكون ربما عبرة لكل المستبدين والظالمين والدكتاتوريين، من وجهة نظر الناطقين باسم الشعب العراقي بالمنطقة الخضراء، ومن وجهة نظر قيادات قوات الإحتلال في العواصم الغربية.
5- للتشفي أمام نجاح المقاومة في إفشال المشروع الأمريكي في حدود إنهاء العملية السياسية وعدم التقدم فيها وتشديد الضغط على الغزاة وإجبارهم على البدء في البحث عن خروج آمن لهم، من أهل السنة والجماعة باعتباره محسوبا شيعيا صفويا وأمريكيا غربيا صليبيا عليهم، شاء من شاء منهم أو أبا من أبا، وسواء كان ذلك صحيحا أو غير صحيح، وسواء كانوا قابلين بذلك ومجمعين عليه أم لم يكن ذلك كذلك.
6- لإعطاء آل الصدر الفرصة للقصاص منه مباشرة وبأيديهم. وللتشفي منه، وقد منحتهم الحكومة الأمريكية بالعراق برئاسة عميلها الطائفي المالكي المعمد غربيا والمزكى إيرانيا والمفوض شيعيا والمدعوم صدريا هذه الفرصة. نقول هذا بكل أسف وحسرة، لأنه ما كان لما حصل أن يكون، وما كنا نريده أن يكون. وقد رأينا كيف أن الأكراد من منطلق عرقي لم يفعلوا ذلك ولم يقبلوا به، ولم يوافقوا عليه في شخص الرئيس المنصب أمريكيا وبخلفية عرقية كردية. لأنه وإن كان عميلا كغيره من العملاء لم يوافق على ذلك وبخلفية كردية وهو الذي كان معافى من الحقد الطائفي الذي بدا الأخطر في العلاقات الإجتماعية والدولية من الحقد العرقي. وليس صحيحا أن أولئك الملثمين هم موظفون بالوزارة، وحتى إذا كان الأمر كذلك فقد تم الإختيار عليهم، ويكونوا هم أنفسهم قد سعوا إلى ذلك، وليكونوا هناك ولينفذوا فيه حكم الإعدام بذلك المشهد الإحتفالي، كما سبق له أن أعدم آل الصدر وغيرهم من قبل.
7- إضعاف الروح المعنوية للعراقيين الذين مازالوا يحافظون على ولائهم لصدام حسين ولزمرته من البعثيين الذين تلوثت أيديهم بدماء الكثير من أبناء الشعب العراقي.
8- لتأكيد ولاء هذه الحكومة العاجزة الفاشلة، التي هي حكومة الوكلاء العملاء في حضور الأولياء الأعداء والإخلاص لهم، ولآل بوش بالبيت الأبيض وللنظام الفارسي الشيعي في إيران.
9- للغباء وفساد الرؤية السياسية للحكومة الأمريكية الفاسدة بالعراق برئاسة المدعو المالكي، وقد غلب الحقد الطائفي على الحكمة والأخلاق والقيم الإنسانية.
10- وربما لتوريط ما يسمى بالتيار الصدري الذي حمل المالكي لرئاسة الحكومة بما يزيد من الإحتقان الطائفي، والذي سعى على ما يبدو وبكل جهده لإنجاز مهمة إعدام الرفيق صدام حسين كعربون ود وردا للجميل، وتعبيرا منه لوفائه له، إضافة إلى تحقيق غاية في نفسه ولإرضاء أكثر من طرف ومن جهة داخلية وإقليمية وعالمية.هذا التيار ذو الصلة المباشرة والوثيقة كذلك بالنظام الإيراني، والذي أوغل في التصفية والإبادة الطائفية، مما أفسد على أمريكا خططها في مغادرة العراق ببعض ماء وجهها وقد أنهكتها المقاومة وألحقت بها خسائر كبيرة، ليس إلا أحد مكونات الطائفة الشيعية المتعاونة مع الإحتلال، والذي ينتهي دائما في رقصاته المتناقضة للعودة إلى عباءة السيستاني السوداء، وهو التيار الأكبر في الساحة الشيعية، وعلى رأسه مجموعة من المراهقين بقيادة صاحب الشطحات العجيبة المدعو مقتدى الصدر الذي مازالت مكونات الطائفة الشيعية مستفيدة من غبائه السياسي، والدفع به لإذكاء الفتنة الطائفية، محافظة منها على وضع متفجر في كل مستوى وعلى كل صعيد، لا يسمح للقوات الغازية بمجرد التفكير في مغادرة العراق حتى يبلغ الإنفصاليون من أنصار التقسيم والداعين له والعاملين عليه مستوى من العدة والعتاد والإعداد الذي يستحقونه لتحقيق مآربهم دون أن تبقى لديهم حاجة لمن يحمى مشروعهم ويدافع معهم عنه، ويتحقق كذلك لأمريكا ما تريده في المنطقة مما تسميه الفوضى المنظمة…
وبإعدامه بتلك الطريقة الهمجية اللإنسانية، وفي ذلك التوقيت المقصود، يكون صدام حسين على ظلمه وبطشه وفساد نظامه قد قضى في نظر الكثيرين حتى من خصومه ” شهيدا” .
وبهذه المواقف وبهذا التعاطف الذي لقيه صدام حسين في الكثير من الأوساط للإعتبارات السالفة الذكر:
- بعد الذي مازال يشاهده العالم من مأساة بالعراق.
- وبعد إلقاء القبض عليه من قبل الأمريكان.
- وبعد محاكمته وإصدار حكم الإعدام بحقه.
- وبتنفيذه بتلك الطريقة المخجلة بالغ ما بلغ من الإيغال في الجريمة.
كان صدام حسين لعنة على أعدائه حيا وميتا، بسبب أن الذين أعدموه، كان من المفروض أنهم إنما جاؤوا وجيء بهم ليكونوا بديلا ديمقراطيا يحتذى في المنطقة كلها، ولينقذوا الشعب مما كان يتعرض له من هلاك كان صدام حسين وحزبه يلحقونه به. ولكن مازال الذي يتعرض له على أيديهم من بعده أكثر بشاعة. وكانوا من الخونة والعملاء. وكانوا أشد نذالة ودموية وإرهابا منه.
ـ الغايات والأهداف
3)
فلئن كانت غايات وأهداف الطائفيين هي بعض ما تمت الإشارة إليه سالفا، سواء كانوا يقصدونها أو لا يقصدونها، وسواء كانت حاضرة لديهم أو غير حاضرة، وسواء كانوا يعلمون ذلك أو لا يعلمونه، فإن كل ذلك وغيره يمكن أن يكون صحيحا، وأن لكل ذلك تداعياته على الداخل والخارج العراقي.
وإذا كانت الغايات والأهداف القريبة والظرفية التكتيكية كذلك وفي ذلك المستوى، فإن الغايات والأهداف الإستراتيجية التي يجب الوقوف عندها، ليس من خلال إعدام صدام حسين فقط، ولكن من خلال عودة الإستعمار للمنطقة هي أكبر من ذلك.
لقد دخلت أمريكا المنطقة غازية عسكريا بأربعة عناوين لغايات أساسية هي:
1- محاربة الإرهاب: وهي الحرب الإستباقية التي أعلنتها أمريكا على العرب والمسلمين، بعد الهجوم الذي شنه عليها تنظيم القاعدة بواشنطن ونيويورك يوم 11/9 /2001، على قاعدة القانون الروماني القديم وعلى قاعدة المعتقد اليهودي القائلين بمعاقبة الجميع بجريرة البعض لإجهاض مشروع حركة التحرر العربية الإسلامية في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي وفي العالم.
2- نزع أسلحة الدمار الشامل: الذي أوهمت العالم أن النظام العراقي في عهد صدام حسين كان يملكها، وهو يشكل بها خطرا على جيرانه وعلى العالم، لضمان أمن جيرانه والمنطقة والعالم، بما في ذلك إيران، التي كان العرب والغرب كله قد مد له يد المساعدة والمساندة المطلقة واللامشروطة لشن الحرب عليها بالوكالة عنهم. وكانت ذريعته في ذلك في حينه، المشكلة الحدودية بين العراق وإيران، والتي كان من المفروض أنها منتهية منذ أن أمضى صدام حسين نفسه بالنيابة عندما كان مستشارا للرئيس العراقي حسن البكر على تسويتها مع نظام الشاه في ذلك الوقت بالجزائر سنة 1975.
3- الإصلاح السياسي وإصلاح مناهج التعليم: وهي التي تفسد ولا تصلح، بهدف فرض الثقافة العلمانية ذات الأصول المسيحية اليهودية، المشروع الإستراتيجي لحركة الإستعمار كلها منذ أن انطلقت في القرن الرابع عشر، وقطع الطريق أمام الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة، المشروع الأساسي لحركة التجديد والإحياء والإصلاح العربية الإسلامية، وليس تلك الرسمية السائدة المغشوشة.
4- فرض نماذج لأنظمة ديمقراطية تحتذى: على الطريقة الأمريكية الغربية وعلى مقاسها، وبما يحقق العولمة الثقافية حيث لا ثقافة غير ثقافة الغرب ولا شعوب ولا أوطان ولا أمم ولا حضارات ولا خصوصيا ولا ثوابت غير ثقافة وحضارة الرجل الأبيض الفاتح المسلح والباحث عن الثروة.
ومن خلال هذه الغايات وغيرها يهدف الغرب الصليبي العنصري بقيادة الإمبراطورية الأمريكية إلى:
1- فرض العولمة كخيار غربي أمريكي، لتكون أمريكا هي الآمر الناهي في العالم كله بما في ذلك الدول الغربية والإتحاد الأوروبي الآخذ في التشكل والإمتداد شرقا حفاظا على أكثر ما يمكن من النفوذ والمصالح أمام تهديد النفوذ والتفوق الأمريكي ماليا واقتصاديا وإعلاميا وعسكريا. هذه العولمة التي يريدها الإتحاد الأوروبي ودول شمال آسيا غربية يهودية صليبية وثنية، وتريدها أمريكا أمريكية صهيونية، بعدما أضافت للصواريخ العابرة للقارات الإعلام العابر للآفاق، والشركات العملاقة العابرة للقارات، والرساميل العابرة للقارات، على أساس قاعدة الإقتصاد الحر القديمة المعروفة
دعه يفعل دعه يمر).
2- تأكيد الهيمنة المطلقة لدولة الكيان العبري الصهيوني اليهودي في الشرق الأوسط كامتداد طبيعي للوجود وللنفوذ الغربي وللنمط الحضاري والإجتماعي الغربي، و كانت تراهن عليها منذ البداية لتكون إسفينا مدقوقا في ظهر الأمة العربية تحديدا، وعامل إعاقة دائمة للتطور الحضاري المعرفي التقني والعلمي والإجتماعي والإقتصادي والسياسي، وهي التي ساهمت الحركة القومية العربية، والنظام الإقليمي العربي، والدولة القطرية المولود غير الشرعي لحركة الإستعمار، في إيجادها وبقائها واستمراها في الوجود قوية، بشكل ليس هنا مجال تفصيله(يأتي بيان ذلك في دراسة لنا مازالت بصدد الإعداد والمعالجة بعنوان: خلفاء الإستعمار).
3- تنفيذ برنامجها في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي الأكثر تنوعا دينيا وعرقيا وطائفيا وأثنيا، والأكثر انقساما، والذي تسميه الفوضى المنظمة، بتفتيت المفتت لتزيد تلك الأوضاع انقساما وتوترا وتصادما وفرقة على أسس دينية وعرقية وطائفية. ولتكون هي الجهة القائمة على تنظيم هذه الفوضى التي تعمل على إيجادها، كما هي قائمة وبنجاح على تنظيم فوضى الإنقسام القطري. وكما نجح الإستعمار من قبل في تفتيت الموحد من الأمة الإسلامية وبتركيز خاص على المنطقة العربية لرمي العرب فيها بدولة الكيان الصهيوني، وكانت الحركة القومية العربية خير معين له على ذلك.
4- العمل بكل الوسائل وعلى مدار الزمن، ومع كل من يسمع لها ويطيع، على إجهاض مشروع الحركة الإسلامية المعاصرة التي أصبحت الممثل الحقيقي الشرعي صدقا وعدلا لحركة التحرير العربي الإسلامي بالرغم مما تعانيه من نقائص، وممازال يكتنف مشروعها من غموض في مواجهة الإستبداد والصهيونية والإمبريالية العالمية لتحقق برنامجها في الوحدة العربية الإسلامية والتنمية والثورة العلمية والتقنية بالتنسيق والتعاون مع كل الوطنيين والأحرار والمستضعفين في العالم.
5- مواصلة فرض المشروع الثقافي والسياسي والإقتصادي والإجتماعي الغربي على كل أمم وشعوب الأرض وفي استهداف خاص:
أ- للعرب والمسلمين بخلفية صليبية.
ب- ثم بخلفية استعمارية للهيمنة والنهب.
ومن ثمة كان حرصها على الإطاحة بصدام حسين المتقلب في المواقف، والذي لا يؤتمن جانبه بالرغم من علمانيته، ولكن يبقى دائما من بقايا امتدادات الإتحاد السوفياتي سابقا، ومازال محافظا على علاقاته بروسيا. وكان تراجعها في برنامج الديمقراطية والإصلاح للشرق الأوسط الكبير الذي دخلت به المنطقة غازية، عندما جاءت نتائج الإنتخابات النيابية التي حصلت بالمنطقة لصالح الإسلاميين في الحركة الإسلامية، وخاصة بفلسطين. وبالرغم من توتر علاقاتها بإيران منذ الثورة التي أطاحت بشرطيها في الخليج الشاه، إلا أن اللقاء قد جمعهما من أجل الإطاحة بنظام إمارة طالبان الإسلامية السنية التي لا ترغب فيها إيران خاصة، والتي كانت عينها على أقلية شيعية هناك، على قاعدة الحرب على الإرهاب.
وإذا كان لابد أن تبقى أمريكا غارقة في الوحل الأفغاني، فإنه لا حاجة ولا ضرورة بعد ذلك لإيران بأن تقاسمها الغرق في نفس الوحل، بعد أن أصبحت علاقة الأقلية الشيعية في مزار الشريف مدينة بالولاء لأمريكا وللقوات الغربية هناك، مثلها في ذلك مثل أغلب مكونات الطيف الطائفي الشيعي في العراق بعد ذلك.
وقد تبين أن علاقة التوتر الظاهرة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران لا تحول دون الإلتقاء على نفس الصعيد عند تقاطع المصالح، وهي التي لم تلتق معها بوضوح على أي صعيد بالقدر الذي كان عليه الإلتقاء في أفغانستان بدافع طائفي عدواني لأهل السنة، خاصة بعد ما افتعلت قضية قتل الجواسيس الإيرانيين بمزار الشريف من طرف مقاتلي طالبان عندما كان لها السيطرة على نسبة % 95 من أرض أفغانستان، اعتبرت أنهم دبلماسيين في دولة لم تكن إيران معترفة بها أصلا. وليس بنها وبينها بالتالي تبادل تمثيل دبلماسي.
وبعد غرق الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة اليمين المسيحي اليهودي المتطرف في أفغانستان، كانت إيران بالرغم من مواصلة الخطاب المتوتر ضد أمريكا، وهو خطاب لا يعدو أن يكون لغير الإستهلاك الإعلامي لا ترى مانعا من إقدام أمريكا على الإطاحة بنظام صدام حسين صديق الأمس بالعراق، وهي التي أذاقها طعم الهزيمة بعد حرب بينها وبينه دامت ثماني سنوات. تلك الحرب التي كانت حقيقتها ودافعها غير المعلن استقطاب الثورة الإيرانية الشيعية المذهبية شيعة العراق بالجنوب. وكان الدافع المعلن لإشعالها، تراجع صدام حسين على رأس النظام العراقي في المعاهدة الحدودية لسنة 1975، وبدعم عربي ومباركة من جل الأنظمة العلمانية اللائكية والنخبة الداعمة لها، من منطلق الفكر التقليدي وطبيعة النظام السياسي العربي التقليدي الملامس للإسلام على المعنى المتوارث منذ الإنقلاب الأموي على نظام الخلافة الراشدة الشوري، وإقرار نظام الوراثة العضوض، وهو الذي أصبح تغلب عليه التقاليد. ومن منطلق طائفي استنادا إلى فهم للإنقسام الطائفي السني الشيعي في تاريخ الإسلام، وتلك الثورة التي كنا في حركة الإتجاه الإسلامي في تونس في ذلك الوقت، والتي هي حركة النهضة في ما بعد، قد دفعنا ثمن تأييدنا لها ومساندتنا لإيران في ذلك الوقت غاليا، عندما كان قد ساد عندنا الإعتقاد بأننا بين يدي ثورة إسلامية. وقد أدخلت بها إيران التشيع بيوتا ما كان له أن يدخلها بغيرها. وإذا كان النظام الإيراني العلماني الفارسي في عهد الشاه مناهضا للعروبة والإسلام، ومساندا وداعما وموال للغرب وللصهيونية، فإن إيران الملالي، إيران الثورة “الإسلامية” قد جعلت:
- من الإسلام في مفاهيمه الطائفية المذهبية الشيعية.
- ومن إظهار العداء للإمبريالية الأمريكية والصهيونية العالمية، ومناهضة ثقافة وحضارة الغرب.
- ومن القضية الفلسطينية.
البوابة التي دخلت منها العالم الإسلامي والمنطقة العربية لاحتضان الأقليات الشيعية، وللتمكين للتشيع وتصحيح عقائد المسلمين التي يعتبر الشيعة أنها منحرفة وفاسدة يقضي الواجب الشرعي منهم إصلاحها وتوضيحها، وليس لتحرير فلسطين والقدس، لأن للشيعة من المزارات والأماكن والعتبات المقدسة ما لا يجعلهم في حاجة كبيرة للإلتفات للمسجد الأقصى، إلا ربما بعد تحرير البيت الحرام من هيمنة “النواصب” عليها.
وهي التي تملك من الحقد والكراهية:
1- بدافع مرارة الهزيمة التي ألحقها بها صدام حسين والنظام البعثي في العراق.
2- وبدافع عداءها للدولة العلمانية، كدولة طائفية شيعية ذات أصول إسلامية.
3- وبدافع التخلص من رجل قوي جمع كل ثقافة الإستبداد والدكتاتورية على رأس بلد يملك من الثروات والقدرات ما يجعله قوة إقليمية على حدودها مباشرة، لا يمكن إلا أن يكون معرقلا لتصدير الثورة للمنطقة، ولشد أنظار الشيعة بصفة خاصة لها، وإعطائهم روحا معنوية طائفية قوية، والبحث على نفوذ لهم في الأقاليم العربية التي لهم فيها وجود، وحادا من نفوذها ومعرقلا لتقدمها طائفيا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا.
وهي التي كان لابد بناء على ذلك، أن تكون طرفا مساعدا ومهما لا يرى مانعا من وجود القوات الأمريكية على حدودها في العراق، كما كانت لا ترى مانعا من وجودها (وهي الشيطان الأكبر)على حدودها في أفغانستان من قبل، إذا كانت ستغرق مرة أخرى في وحل مستنقع بلاد الرافدين. ولا غرابة في القول من دعم إيران للمقاومة في أفغانستان، وحتى لبعض الجهات ربما في العراق بطريقة أو بأخرى، فليس ذلك على قاعدة تحرير العراق وأفغانستان وفلسطين، ولكن لإحداث توازن يطيل أمد الصراع ويبقي على القوات الأمريكية والوجود الصهيوني في مناطق الصراع العسكري أكثر وقت ممكن، تكون إيران قد أخذت فيه من الوقت ما يكفي لتكون القوة الإقليمية في المنطقة بدون منازع في إطار الإعداد لمشروع أكبر ينتهي بها إلى ما يعتبره الشيعة الصفويون المهمة الكبرى والمسؤولية التاريخية التي يقتضي الواجب الشرعي منهم القيام بها وهي تحرير مكة. وإن كان هذا الذي تقوم به إيران من إعداد وإصلاحات يتناقض مع مقتضيات ظهور المهدي المزعوم الذي يستعجلون فرجه.
وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي استطاعت أن تكون طرفا في الإطاحة بنظامين تكون أمريكا هي الطرف المهم والأكبر في القيام بذلك في إطار تقاطع المصالح، حتى أنها لتبدوا أنها إنما تقوم بذلك بالوكالة عنها. وهي التي عززت موقف أمريكا المهووسة بالحرب على الإرهاب في غزو العراق بتحالف وولاء التنظيمات الشيعية بالجنوب خاصة بها، والتي أحاطها المرجع الديني الطائفي الصفوي علي السيستاني برعايته وتأييده. وفعلا فقد نجحت إيران في الإطاحة بصدام حسين عدوها اللدود بتحالف مع أمريكا عبر ميليشياتها في العراق، كما استفادت من إطاحتها بنظام طالبان وملاحقة القاعدة.
فقد كانت إيران هي المستفيد الوحيد من تورط أمريكا في تحقيق هدفها من رغبتها في الإطاحة بصدام حسين ونظامه لتتحقق لها بذلك رغبة أخرى في الإبقاء على الوضع متفجرا من حولها وفي العراق بالذات لأهداف استراتيجية منها:
1- بلوغ مرحلة متقدمة في برنامجها النووي تفرض به على المجتمع الدولي القبول والتسليم بها كما أسلفت كقوة إقليمية يحسب لها حسابها في المنطقة وفي المعادلة الدولية، وكدولة نووية تكون صاحبة حق في دخول النادي النووي الدولي.
2- الإبقاء على أمريكا في المستنقع الأفغاني والوحل العراقي حتى لا تتفرغ لها فبل بلوغ حالة الإستعصاء على إضعافها والحد من تنامي قدراتها الإستراتيجية الإقتصادية والصناعية والعسكرية، وقبل امتلاكها للسلاح النووي الذي تضعه نصب عينيها، وتسخر له كل إمكانياتها، وتسعى لامتلاكه بكل الوسائل، وهي على ما يبدو على قاب قوسين أو أدنى من ذلك. وليست المسألة إلا مسألة وقت لا غير.
فإيران هي الدولة التي لا ترى ربما أمريكا حرجا في النهاية:
أ- بعد ما علمت طبيعتها الطائفية والعرقية الفارسية.
ب- وبعد ما علمت أنها لا يمكن على أساس منظومتها الفقهية التقليدية التكفيرية أن تنسجم مع المحيط العربي الإسلامي السني الغالب، وأن لا يتم القبول بها فيه باطمئنان، ما لم تمتد جسور الحوار والتواصل الجاد وتحسن النوايا وتصدق، باتجاه علاقات أكثر وضوحا وأكثر جدية وصدقا في إطار الإحترام المتبادل والجاد من أجل صالح عموم المسلمين، بعيدا عن الحسابات الطائفية والمذهبية والعرقية، من تبادل الأدوار والمصالح معها، وذلك ما لا ترى فيه مانعا، بل لعل ذلك ما تسعى إليه مرحليا على الأقل، مثلما كانت تفعل مع الشاه من قبل، إذا ما تجاوزت حدود السيطرة عليها، وذلك ما ليس من السهل على أمريكا أن تتنازل لها عليه، ولا الإتحاد الأوروبي وإن بدرجة أقل، ولا الكيان الصهيوني الذي مازال يعتبرها خطرا جديا واستراتيجيا عليه:
1- من خلال اهتمامها بالمنطقة.
2- ومن خلال وجودها على خط التماس على الحدود اللبنانية من خلال حزب الله المنحدر من رحمها والذي جعلت منه قوة ضاربة استطاع أن يلحق بها أكثر من هزيمة بعد أن أحاط نفسه بأسطورة المالك للجيش الذي لا يقهر.
3- ومن خلال حملتها الإعلامية المتواصلة عليه، وهي كما أسلفت، مازال ذلك بالنسبة لها ليس أكثر من جزء من خطة لدخول المنطقة، ولتكون لاعبا أو اللاعب الرئيسي فيها، باتجاه استكمال أسباب القوة، وفي الخطاب السياسي والإعلامي المتوتر خاصة بعد صعود الإبن المدلل لمرشد الدولة “الإسلامية” علي خامنائي أحمدي نجاد تجاه الرأي العام العربي الإسلامي للتمكين لعقيدة التشيع والتبشير لها، وهذا ما بدأت تخطوا فيه بنجاح في الكثير من أنحاء العالم العربي الإسلامي.
فأمريكا لا تعلم اليوم كيف السبيل للخروج من المأزق العراقي. هذا العراق الذي لم تنجح إلا في الإطاحة بنظامه السابق، وإلا في إلقاء القبض على رئيسه السابق صدام حسين ومحاكمته وتنفيذ حكم الإعدام فيه من أجل أقل جرائمه التي ارتكبها فيه إثارة.
أ- فلا هي قادرة على الخروج منه.
ب- ولا هي قادرة على البقاء فيه.
حتى وهي “الشيطان الأكبر” في الإعلام وفي الثقافة الإستهلاكية الإيرانية، وهي التي يتداولها الإعلام الأمريكي في تصريحات رعاة البقر من اليمين المتطرف المتصهين في البيت الأبيض على أساس أنها دولة شريرة كانوا قد أنزلوها في محور الشر مع العراق على عهد ” الشهيد ” صدام حسين ومع كوريا الشمالية، كانت الجسور غير الرسمية بينهما مفتوحة على الطريقة الأمريكية الإيرانية، لتتوجه لها ولسوريا بطلب مد يد المساعدة للبحث معها عن حل مشرف للخروج من العراق ولو ببعض ماء الوجه بعد أن أقرت بهزيمتها ومن معها من العملاء والخونة في الشمال والجنوب أمام المقاومة الباسلة المجاهدة، وبعد أن جربت سياسة التحذير والتهديد والوعيد التي عاد إليها الإرهابي بوش الصغير في خطته الأخيرة بعد ما ضرب عرض الحائط بتوصيات بيكر هاملتن وقرر إرسال 27000 جندي أمريكي إضافة إلى الـ130000 القدامى وأدار بظهره لها ولسوريا، وتوجه صوب الأردن ومصر والعربية السعودية ليكون له، ربما مع سوريا وإيران، موقف وشأن خر، وقد قوبل طلبه بالرفض، لأن البلدين من محور الشر بحكم علاقة التلازم القائمة بينهما منذ الثورة الإيرانية، والذي يشكل البعد الطائفي بين النظامين حجر الزاوية فيها، وهما الذان لا يريدان لها إلا أن تظل كذلك، حتى لا تجد ولو فرصة واحدة لمجرد التفكير لفرض أي عقوبة على أي منهما. والحقيقة أنه لا أمريكا ولا إيران ولا سوريا تملك الحل للقضية العراقية، ولا كيفيات وسبل معالجتها والخروج منها. فإيران لم تكن في الحقيقة رافضة للبحث مع أمريكا عن حل للحالة العراقية ولكن:
- أولا: لأنها وسوريا جزء من المشكلة وليستا جزءا من الحل.
- ثانيا: لأنه لا مصلحة لهما في ذلك مطلقا. وهما التان لا تريدان لأمريكا أن تخرج من كل هذه الأماكن البركانية المتفجرة.
- ثالثا : لأنهما لا تملكان الحل وليستا قادرتين عليه.
وكذلك كل دول الجوار التي مازالت أمريكا تعول ربما عليها لإخراجها من المأزق.
ولعل بعد الذي حصل في العراق وخاصة:
- بعد الضجة التي أثارها إعدام صدام حسين في الوسط السني والإنساني في العالم.
- وحملة التطهير الطائفي التي يقوم بها أصحاب الحل السياسي بالبلاد من شيعة العراق بإشراف إيراني مباشر.
- وبعد يأس أمريكا من جدوى البحث عن حلول لمشاكلها في العراق بالتعاون مع إيران وسوريا التين هما كما أسلفت لا يمكن أن يكونا جزءا من الحل باعتبارهما جزءا من المشكلة.
- وبعد القلق الأردني والمصري والسعودي من النفوذ الإيراني المتعاظم ومن خطورة الهلال الشيعي الذي تمت الإشارة إليه في العديد من تصريحات كل من قيادات مصر والأردن والسعودية.
فيبدوا أن أمريكا قد بدا أنه من الأجدى لها التوجه إلى حلفائها التقليديين الأكثر وفاء للبحث عن سبل أفضل لحل مشاكلها في المنطقة وفي العراق تحديدا، وللحد من النفوذ الإيراني وما يمكن أن يشكله من خطر على المنطقة كلها.
وما هذه المحاولات وهذا التخبط إلا محاولة للهروب مما لابد منه في النهاية. فهي محاولات جادة ومتواصلة لاستثناء المقاومة، وهي وحدها التي تملك الحل وتمسك بأوراق اللعبة، وجل إن لم تكن كل خيوطها.
وليس أمام أمريكا إذا كانت تريد أن تريح نفسها وتريح شعبها وتريح المنطقة التي لا تريد أن تريحها ولا تريد لها الراحة، وما زالت تعمل بكل جهد وبكل الوسائل لفتح جبهات فيها، والزيادة في حدة التوتر الذي لم يفارقها منذ زمن بعيد، ولعلها أكثر مناطق العالم توترا قديما وحديثا،وستظل على ما يبدو كذلك طالما:
أ- أن أهلها منقسمون على أنفسهم عرقيا وطائفيا ومذهبيا وثقافيا وحضاريا أيما انقسام.
ب- وأن ولاء أغلب الفاعلين فيها للأجنبي أكثر من ولائهم لأوطانهم وشعوبهم وللأمة.
ج- وأن كل التوقعات على أساس المعلوم من أمر مخزون الطاقة في العالم أن آخر برميل نفط سيكون استخراجه منها ومن العراق تحديدا، وتريح العالم من حولها، إلا أن تتواضع وتتنازل عن كبريائها الزائف وعنجهيتها وتعجرفها واستكبارها الذي لم يجلب لها إلا الهزائم في كل الحروب التي أشعلتها في أنحاء مختلفة من العالم، والذي ساءت بها سمعتها في الكون كله، وتتوجه صاغرة للبحث عن حل لنفسها لدى مختلف فصائل المقاومة التي وحدها كذلك مع كل أحرار العراق القادرة على بحث الحلول المناسبة للعراق وللشعب العراقي، تاركة استراتيجية محاربة الإرهاب وعدم التعاطي وعدم الحوار مع من تصنفهم إرهابيين وراء ظهرها، والإتجاه لبحث حلول للعالم وتحقيق الأمن والسلام لكل الشعوب مع من لا دور لهم في تحقيق السلام والأمن، ومعرضة عمن لا سلام في العالم بدون التشاور والتحاور وبحث الحلول معهم، لإنهاء المظالم وتوجيه النفقات الهائلة المرصودة لتغطية الحروب المدمرة وإشعال أوارها، وتكديس الأسلحة التقليدية وتطوير أسلحة الدمار الشامل، لتطوير البحث العلمي في المجالات الإنسانية، وإطعام الملايين من الأفواه الجائعة، وتوفير مياه الشرب والري لكل شعوب الأرض، ومواجهة الأوبئة الفتاكة المنتشرة في العالم، والعمل على إنقاذ الحياة على الكرة الأرضية كلها من خطر تأثير الإحتباس الحراري ،والتي لا تزيدها الحروب والتلوث الذي يصيب الكون بسبها وبفعلها إلا استفحالا، والتي تفتك بملايين الأنفس يوميا، من مثل الفيضانات والأعاصير والزلازل والجفاف والعواصف والإيدز والسرطان والملاريا والحمى القلاعية وأنفلونزا الطيور والسل الذي افلت مجددا من عقاله وغير ذلك من الأمراض الفتاكة والكوارث الطبيعية.
3- ولعل إعدام صدام حسين هو رسالة موجهة من البيت الأبيض للقيادات في النظام العربي الفاسد، مفادها أن الإطاحة بهم ودق رقابهم هو رهن إشارته في الوقت الذي تراه قياداته مناسبا، وهي القادرة عليه دائما، وهي البالغة مستوى من الإجرام يسمح لها أن تقوم بذلك متى بدا لها ذلك مناسبا إلى جانب القدرة عليه، والتي أصبح لها من التقاليد في ذلك ما لا يستطيع أن ينكرها عليها أحد. فالحي منهم من تريد له قيادة البيت الأبيض الحياة، والمقتول منهم من تريد أن يقتل، تصفية جسدية أو سياسية أو الإثنين معا. فرقابهم مملوكة لها، ومن أطاعها سلمت رقبته، ومن عصاها دقت كما دقت رقبة صدام حسين ورفاقه. وهي الواجدة على ذلك أعونا لها في المنطقة العربية وفي العالم. وقد استوعب ” القائد ” العقيد معمر القذافي الدرس جيدا. فلم يكن هتلر ولا موسيليني ولا شاوسيسكو ولا السادات ولا ميلوسوفيتش الذين أطاحت بهم شعوبهم أو قتلتهم عبرة لهم، ولكن كان صدام ونوريقا والملا عمر وهم بين محتجز و مطارد ومقتول عبرة لمن يعتبر منهم. وما من أحد منهم يخشى الله أو الشعوب على موقعه السياسي أو حياته، بقدر ما يخشى أمريكا والكيان الصهيوني. وقد صاحب ذلك ما يشبه اليقين عندهم أن حياتهم ومماتهم قد أصبحت بيد هذين القوتين. فهما القادرتين على قتلهم كما فعلت أمريكا بصدام حسين وبأيادي عراقية، وكما فعل الكيان الصهيوني بياسر عرفات وبأياد فلسطينية. وهما القادرتان على الإبقاء عليهم أحياء، وهم من كانوا دائما أحرص الناس على حياة.
4- أما هذا الهدف فإن شعوب منطقة أكبر مخزون للطاقة من النفط والغاز الطبيعي خاصة، وشعوب العالم الإسلامي عامة، وعالم المستضعفين عموما هي المعنية به. ذلك أن احتلال العراق وإعدام صدام حسين قد يكون رسالة مفادها، وربما تعني من بين ما تعنيه، أنه لا قدرة لك أيتها الشعوب على الثأر لنفسك بنفسك من المستبدين والظالمين المتسلطين الذين أوجدهم أو يوجدهم غيري، أو وجدوا بطريقة غير شرعية أو غير مقبولة، والذين مازالت لي القدرة وحدي على الإبقاء عليهم أو كنسهم، إلا بتدخلي ومساعدتي. فمن والاني واستنجد بي ليكون بديلا أفضل، وتتحقق من خلاله مصالحي المختلفة، وتدفع به عني المخاطر والخسائر، فإنه بالغ ذلك لا محالة بكل الوسائل وفي الوقت المناسب، كما حصل في الشيلي وفي غيرها من بلاد العالم قديما، خاصة في مرحلة الحرب الباردة وبعدها، ومثلما حصل في أفغانستان وفي العراق وفي الشيشان وفي الصومال حديثا كما يرى العالم كله. ومن عاداني واستغنى عني فلا قدرة له على الخلاص والتحرير. وليس أمامه إلا القبول بالأنظمة الفاسدة المستبدة كقدر مقدور عليه. وهي التي ستظل متسلطة على رقابك وأنا داعمة لها طالما كانت وفية وخادمة لي، ولا أمر لها إلا أمري ولا نهي لها إلا نهيي. فأمريكا هي القوة التي لا صداقة دائمة لها لأحد، ولا عداوة دائمة لها في النهاية لأحد. وهي التي حيث المصلحة والسلامة. وهي التي في النهاية ليس أمامها كما كل قيادات الغرب الصليبي إلا التسليم بحق من يصر على انتزاع حقه منها. والحقوق في شرائع الأرض والسماء وفي ثقافة الظالمين لا تعطى وإنما تفتك. ومن أراد حقا فليس أمامه من خيار إلا أن يفتكه ممن اغتصبه منه أو أن يموت دونه. فما ضاع حق وراءه طالب. ومن مات دون ماله وعرضه مات شهدا كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم أنه قال.
5- لقد بات شبه متأكدا لأنظمة الإستبداد أن دور الشعوب في الإطاحة بها بدا بعيدا إن لم يكن مستحيلا، لأنه بقدر ما تكون وفية للقوى الدولية الإستعمارية بقدر ما تكون في مأمن من الإطاحة بها من طرف شعوبها، مما يزيدها ولاء وعمالة وخدمة لها لدرء الإسقاط ودق الرقاب، ومما يزيدها استهتارا بالشعوب واستخفافا بها والزيادة في اضطهادها وظلمها والتسلط عليها. هذه الشعوب التي أصبحت لا تأمل هي نفسها في القدرة على ذلك بدون دعم خارجي. ولعل همة أعداء الشعوب الداخليين والخارجيين تتجه نحو إسقاطها في الإحباط حتى تصرفها عن مجرد التفكير في غير ذلك، مما يفسح المجال واسعا أمام القبول دائما بأحد أمرين:
أ- أما الإستبداد.
ب- أو الإحتلال.
وتتضاءل الآمال لديها في الإستقلال، ويستقر الأمر على حال من الإحباط لم يعد فيه للشعوب أي دور سوى تزكية الإستبداد على قاعدة:
1- أنه ليس بالإمكان أحسن مما كان.
2- والقبول بالسيئ خوفا من الأسوإ.
هذا الدعم الذي إما أن يكون:
أ- لصالح الأنظمة عندما ترى أن خطر إطاحة الشعوب بها أصبح واردا أو ممكنا أو بات وشيكا أو محتملا.
ب- أو لصالح الشعوب عندما ترى القوى الدولية أن أي من هذه الأنظمة لم يعد من مصلحتها الحفاظ والإبقاء عليها. وما يبدو لصالح هذا أو إلى جانب ذاك، فليس فيه في الحقيقة شيء لصالح الشعوب المستضعفة أو لصالح الأنظمة العميلة المرتهنة سياسيا، والملحقة والتابعة ثقافيا وحضاريا. وما من تدخل إلا ليكون لصالح الجهة الدولية المتدخلة لإعادة ترتيب الأوضاع في هذا البلد أو ذاك.
ولا يمكن لسنن الكون والتاريخ أن تسمح للقوى الشريرة المستبدة الظالمة أن تكون وحدها صانعة التاريخ، من غير أن يكون لحركة الشعوب بقيادة قوى التحرر دورا مركزيا فيها. ومن ثمة فإن هذه القوى بمختلف مرجعياتها وقناعاتها وتصوراتها وثقافاتها وأدواتها وإمكانياتها مدعوة للإلتقاء والتنسيق والتعاون والتضامن للقيام بمهامها التاريخية في مواجهة الظلم والقهر والغبن والحيف والإستبداد والإحتلال حفظا لكرامة الإنسان ولأمنه وسلامته ووحدته الإنسانية.
ومن هذا المنطلق وجب على حركة التحرر العربي الإسلامي أن تمد الجسور:
- مع حركة الإحتجاج ضد العولمة.
- ومع التحولات السياسية نحو مزيد تحقيق الرفاه والحرية والعدالة الإجتماعية والتداول السلمي على السلطة في أمريكا اللاتينية.
- ومع حركة الإحتجاج الداعية لغلق معتقل غوانتانامو بخليج المكسيك وغيرها من المعتقلات السرية والمسالخ في كل أوطان أنظمة الإستبداد وحيث ما حل الإحتلال، والتي تسحق فيها إنسانية الإنسان الحر الرافض للإستبداد والإحتلال والظلم والحيف والاستعباد واستغلال الإنسان لأخيه الإنسان.
- ومع المسيرات الإحتجاجية في مختلف أنحاء العالم، والتي ينظمها ويقودها ويشارك فيها الكثير من شرفاء العالم من مختلف الأديان والمعتقدات والثقافات والأجناس والأعراق والألوان لمناصرة الشعب الفلسطيني والداعية لإنهاء الحرب في العراق ومغادرة قوات الإحتلال له.
والذي بات مؤكدا ولا مفر منه:
أ- إذا كانت هذه الأمة، من خلال ما حصل وما هو حاصل تعلم أنها كلها في دائرة الإستهداف الغربي الصليبي واليهودي الصهيوني.
ب- وإذا كانت تريد أن تكون يوما ما محترمة ومهابة.
ج- وإذا كانت تريد أن ترى المنطقة محررة من الإستبداد والإحتلال والإستعمار.
د- وأن لا تظل مسرحا للحروب وساحة لتجريب آخر ما تنتجه مصانع شركات وتجار الأسلحة.
أن تتجاوز خلافاتها، وقد اختلط في المنطقة العربية أربعة أطراف رئيسية غير متجانسة ومختلفة إلى حد التناقض وهي:
1- النظام العربي العلماني والتقليدي الهجين وملحقاته من النخبتين العلمانية والتقليدية الداعمتين بكل انتهازية وعبثية وعدمية له.
2- الكيان الصهيوني رأس حربة الغرب الإستعماري الصليبي في المنطقة، والذي أصبح يمثل التناقض الأخير في أولويات النظام العربي والنخبة العلمانية التي أصبحت تشعر رغم احتضان القوى الدولية لها، أنها في الهزيع الأخير من ليلها.
3- الحركة الإسلامية التي هي في طريق اكتمال تشكلها كحركة تحرر عربية إسلامية، والتي أصبحت تمثل التناقض الأول في فكر وسياسة واستراتيجية النظام العربي المنتهية صلاحيته والذي يلعب اليوم في الوقت بدل الضائع، والنخبة العلمانية المراهنة في الكثير من مكوناتها على الدعم الغربي لها لتحقيق بعض الإستمرار في الساحات الوطنية والإقليمية. وليس ثمة ما هو أكثر وضوحا في المشهد مما يحصل في العراق وفي أفغانستان وفي فلسطين وفي مصر وفي تونس وفي الجزائر وفي الصومال وفي كل البلاد العربية الإسلامية.
4- النظام الإيراني وطبيعته القومية الفارسية في إطار المنزع الشيعي المذهبي، والذي سعى منذ البداية لأن يكون مركز استقطاب للأقليات الشيعية التقليدية خاصة، وإلى التبشير للتشيع ككل ثورة تعمل على التمكين لفكرها وعقيدتها وثقافتها من خلال طبيعة نظامها السياسي. وذلك ما سعى إليه في المنطقة منذ الإطاحة بنظام الشاه. والذي عمل بذلك على تفجير التناقض الطائفي الذي انتهى إلى الإحتراب خاصة في العراق. وهو النظام الذي مازال أبعد ما يكون إلى الآن عن الإنسجام مع مكونات المنطقة الرسمية منها والإسلامية. والذي يبدو محاربا للكيان الصهيوني من خلال حزب الله في جنوب لبنان، ومتحالفا عبر امتداداته مع قوات التحالف الغربي بقيادة أمريكا في أفغانستان والعراق.
وإذا كانت إيران قد اتجهت بعد الثورة إلى المنطقة العربية والعالم الإسلامي بعد أن كانت معرضة عنها قبل ذلك، لتلمس طريقا في العالم الإسلامي إلى الأقليات الشيعية وعبرها، على خلفية عداء تاريخي تكفيري لأهل السنة وكل من خالف الشيعة في المذهب، وذلك ما تنص عليه المنظومة الفقهية الشيعية، وكتاباتهم في التاريخ، وقراءتهم وفهمهم للنصوص القرآنية والسنية، مازالت لم تراجع نفسها فيه، ولم يبدو منها استعداد لذلك، ولا للتخلي عن ما هو منه من الموروث التاريخي الذي يبعد ولا يقرب، ويفرق ولا يجمع، ويفسد ولا يصلح، ويضر ولا ينفع، فإن النظام العربي الفاسد خاصة العلماني منه، كان جادا في استبعاد الثقافة العربية الإسلامية الأصيلة. وكان أبعد ما يكون عن الموروث الثقافي العربي الإسلامي، والذي ظل يرفض أي معنى وأي وجود للنظام الإسلامي على أي نحو وعلى أي شكل، هو الذي بعدائه للإسلام الذي كان ومازال يعبر عنه من خلال إعلان حربه على الحركة الإسلامية السنية التجديدية الحديثة ومشروعها الإسلامي الأصولي الإصلاحي منذ بداية ظهورها، يمكن للبرنامج الإيراني الطائفي المذهبي، وسط جهل المسلمين بالإسلام الصحيح، وبالثقافة الشيعية التي تغلب عليها الخرافة والأسطورة. وبفسح المجال للجمعيات الثقافية التي تدار من خلالها الكثير من الأنشطة، والتي وهي كذلك، إلا أنها لا تخلوا من أنشطة استخباراتية، ومن ضخ مالي كبير لشراء الذمم لكسب أكثر ما يمكن من الأنصار والمؤيدين (كجمعية أهل البيت الثقافية بتونس) مثلا. في هذا الجهل وهذه الحرب المعلنة على هوية الأمة العربية الإسلامية في المنطقة العربية، ومحاصرة الحركة الإسلامية ومنعها من إنجاز مهمة إقامة النظام الإسلامي الراشد، بدت إيران الأنموذج الوحيد للنظام الإسلامي في العالم، والذي جاءت به حركة الخميني عن طريق ثورة على أقوى نظام في المنطقة. فكان النظام الجديد مركز استقطاب منذ ذلك الوقت للكثير من المثقفين والشباب المتدين منه خاصة، لاعتبارات ولأسباب ولأهداف كثيرة لا يتسع لها هذا المقال. وكغيره من الأنظمة التي قامت في المنطقة العربية، فقد كان اهتمام النظام الإيراني مبكرا بالقضية الفلسطينية، وعمل على إلحاق أكثر من هزيمة بالكيان الصهيوني بالوكالة، عن طريق منظمة حزب الله الشيعية امتداده الطائفي والمذهبي بجنوب لبنان، مقابل تقلص أو انتهاء اهتمام النظام العربي الرسمي بها، هو الذي جعله يكون مع الصفة الإسلامية له قريبا من وجدان العرب والمسلمين غير الشيعة.
لهذه الإعتبارات اعتبر النظام الإيراني والطيف الشيعي من حوله ومن التحق به مذهبيا، كما التحق الكثيرون في العالمين العربي والإسلامي من قبل ومازالوا بالنظام الناصري وبالأنطمة البعثية واليسارية في الحركة القومية وفي الحركة اليسارية الشيوعية في العالم، أن تجربته ناجحة. وبات من حقه أن يعمل على تصديرها بطرقه الخاصة لباقي أنحاء العالم الإسلامي خاصة للشيعة وعبرهم. وهو في ما يبدو أنه صراع مع الغرب وفي ما يبدو أنها مناهضة للصهيونية والكيان العبري في فلسطين المحتلة، يعمل على فرض أمر واقع في المنطقة لتكون بوابته الأوسع إليها بعد لبنان العراق، معولا على الأقلية الشيعية في كل دول المنطقة، ليصنع منها قوى ضغط على الأنظمة داخل أوطانها بحسب ما يراه صالحا، تارة بالقبول بالأجنبي، وأخرى بإظهار مناهضة وجوده فيها كما في سوريا (نظام علماني منحدر من رحم طائفي ) وفي البحرين (أغلبية شيعية تحكمها أقلية سنية) وفي السعودية (أقلية شيعية تعتقد أنها مهضومة الجانب) وفي العراق (ما يقال عن أغلبية موصولة به وهي الحليف الإستراتيجي الأكبر لقوات الإحتلال الغربي الصليبي بقيادة أمريكا” الشيطان الأكبر” في القاموس السياسي” للثورة الإسلامية“). وفي أفغانستان ( أقلية تنعم بالحماية الغربية الأمريكية في نظام كرزاي العميل). وفي لبنان (العلمانية ذات الأصول الشيعية المتمثلة في حركة أمل الإمتداد السياسي ذات الخلفية الطائفية للنظام السوري) (والأصولية الشيعية ذات العلاقة العضوية والمرجعية المباشرة بإيران ). وفي اليمن ( حركة الحوثي التي رفعت عاقرتها في توجيه سلاحها للنظام اليمني رافضة لاستباحة المخابرات الأمريكية للبلاد على قاعدة تعقب عناصر القاعدة في غير تأييد للتنظيم في إطار ما أسمته حربها على الإرهاب، والتي تم إجهاضها) وغيرها من الأماكن في المنطقة العربية وفي العالم الإسلامي.
وهكذا مستفيدا من الوجود الأجنبي بإظهار مناهضته له تارة وبالتحالف معه أخرى، سواء عبر ملاحقه الطائفية والمذهبية أو عبر تقاطع مصالحه معه. هذا الوجود المبغوض جماهيريا في المنطقة والمحسوب على غيره من الأنظمة هو الذي يعمل على أن يكون محسوبا له من خلال إظهار مناهضته، مما يكون له به من التأيد الشعبي ما لا يكون به لغيره من الأنظمة، وما يكون لها به من رفض. فهو النظام المستفيد من الوجود الأجنبي:
أ- من حيث أنه يلتقي في مناهضته له مع الجموع الواسعة من جماهير شعوب المنطقة والأمة مقابل احتماء النظام العربي خاصة به، وتأييده والقبول به وسط رفض شعبي واسع له، مما يتحقق له به الإستقطاب المطلوب، وما يقوم به من حرب بالوكالة معه ومن تحالفات لأغراض طائفية وسياسية واستراتيجية كما في لبنان وسوريا.
ب- ومن حيث أنه مستفيد من تقاطع المصالح، بإبرام صفقات معه لصالحه ولصالح الشيعة والتشيع كما في أفغانستان وفي العراق، ولغير صالح المنطقة وأمة العرب والمسلمين من غير الشيعة منهم طبعا.
فالذي بدا واضحا أن المشكلة في المنطقة العربية والشرق الأوسط وفي العالم الإسلامي عموما، هي الأنظمة الفاسدة، والوجود الصهيوني، والأجنبي الغربي. ولمن كان يريد البحث عن حل، خاصة لمعضلة المنطقة العربية التي أصبحت مسرحا للصراع العالمي من أجل النفوذ والطاقة، فليس أقل من أن لا نحيلها إلى صراع طائفي وعرقي وأثني لا يستفيد منه في النهاية إلا الغرب الصليبي والصهيونية العالمية. ويجب أن تتجه الهمم والمجهودات كلها نحو توحيد الموقف من العدو المشترك للأمة كلها، والذي يهدد القابل به والرافض له، والمعادي والموالي له، والمناهض والمساند له. وعلى النظام العربي أن ينتهي من سياسة معاداة الشعوب وحركة التحرر والإصلاح في أوطان شعوب أمة العرب والمسلمين، ومن موالاة الأجنبي ومهادنة الصهيونية الحليف الإستراتيجي للغرب، الذي أصبح لا يشك أحد في عداوته للأمة وفي تهديده المستمر لها. وعلى النظام الإيراني أن ينتهي من توظيف الوجود الأجنبي بالمنطقة، ومن قبول النظام العربي به، لغايات وأهداف عرقية طائفية مذهبية تكفيرية. وأن يعدل خطابه وموقفه ليكون نظام دولة إسلامية وليس دولة شيعية. وأن يعمل على: 1- توحيد المسلمين لا على تفريقهم على خلفية طائفية مذهبية، ولا على قاعدة ” ليس مسلما من لم يكن شيعيا“.
2- عدم النظر للأقليات الشيعية في العالمين العربي والإسلامي كما ينظر اليهود للأقليات اليهودية في الحارات قديما وفي العالم حديثا.
3- وان يتجاوز مراجع الشيعة ومفكروهم وقياداتهم في إيران وخارجها الخلافات التاريخية التي مازالوا يبنون
عليها مواقفهم واجتهاداتهم الفقهية ويقيمون من خلالها مواقفهم من الآخر المخالف الطائفي والمذهبي والسياسي.
4- الإنتهاء عن سياسة التبشير للتشيع في البلاد العربية الإسلامية إذا كان هذا النظام لا يعتبرها بلاد كفر كما يزعم مراجع الشيعة وقياداتهم ومفكروهم وإنهاء هذه الخطط وهذا التمويل.
كما على النظام العربي العلماني والتقليدي:
1- أن ينتهي من صداقة العدو ومن معاداة الشعوب.
2- وأن يقطع مع سياسة وثقافة التمكين للأجنبي، ومع محاربة حركة التحرر والإصلاح في الوطن العربي. 3- العمل على القطع مع ثقافة التكفير وعدم إحيائها، ومد الجسور مع النظام الإيراني لإقامة علاقات حوار وحسن جوار وتعاون وتكامل باتجاه توحيد الصف بعد توحيد الموقف من مجمل قضايا المنطقة، وخاصة في ما لا يجب أن يكون محل خلاف، وهو الجانب المتعلق بالعلاقة بالأجنبي، والتي يجب أن تتظافر الجهود لتحويلها من علاقة ولاء وتحالف كتلك التي يقيمها معه النظام الرسمي العربي، والتي تؤمن بها بعض مكونات الطائفة العلمانية في المنطقة العربية والعالم الإسلامي، وعلاقة تعاون وتآلف كتلك التي يقيمها معه النظام الإيراني، إلى علاقة اقتراب وابتعاد بحسب ما يتحقق للأمة من مصالح وما يجنبها من أضرار وخسائر.
وعلى شعوب الأمة أن تتحمل مسؤولياتها في المساهمة الجادة والنشيطة في إحداث من التغييرات ما هي في حاجة إليه بما يقرب شعوب الأمة وعموم المستضعفين بعضهم من بعض باتجاه:
1- وحدة الموقف من الإمبريالية والصهيونية والإحتلال والإستبداد.
2- ووحدة الصف في التحرر والتحرير.
أ- من الإستبداد بالمساهمة والمساندة والمؤازرة.
ب- ومن الإحتلال بالتأييد والتعاون والتحالف وبكل ما يوحد الأمة في إطار المشترك من الهموم والمشاغل والإهتمامات ومن المبادئ والقيم والثوابت والمقدسات.
ج- وبالعمل بكل جدية وصدق على تجاوز النعرات العرقية والمذهبية، وعدم الإلتفات للفتاوى التقليدية القديمة التي تقسم الأمة إلى طوائف ومذاهب، والتي تجد لها أصلا ومبررا في التاريخ ولا تجد لها مبررا ولا أصلا في الواقع، والتي لم تعد الأمة اليوم في حاجة إليها. وهي في أمس الحاجة إلى ما يوحدها أمام أعدائها الذين يتداعون عليها كما تداعى الأكلة على قصعتها وأن لا تعود إليها، وليبق السني على سنته أو أن يتحول عنها إذا أراد وبمحض إرادته وخارج تأثير أي حركة تبشير وأي صفقة شراء وبيع للذمم، وليبق الشيعي على تشيعه أو أن يتحول عنه بمحض إرادته وباختياره الحر إذا أراد. ويجب الإنتهاء عن الإنشغال بعمل كل طائفة على توسيع طائفتها على حساب الأخرى. ولتحذر الأمة المنقسمة اليوم إلى سنة وشيعة وعلمانية من أصل شيعي وأخرى من أصل سني من جعل المعركة بين هذه الطوائف الثلاث باتجاه تكفير الشيعة للسنة كما هو ظاهر الحال اليوم في العراق خاصة، وبدعم إيراني للأسف الشديد واضح، وبغطاء أمريكي غربي صهيوني، والعمل على تصفيتهم واستئصالهم وتهجيرهم. وتكفير السنة للشيعة مقابل ذلك وبناء عليه، والدخول في ردود أفعال تكون مبررا لوجود الأجنبي بالمنطقة وبالأوطان ولبقائه، وليتواصل الصراع والإقتتال بين أبناء الأمة الواحدة. وتكفير الحركة العلمانية ذات المرجعية الغربية الإنسانية التي تجد لها أصلا في المسيحية التوراتية لكل من الشيعة والسنة استنادا إلى أصولهم الإسلامية القرآنية السنية، والتي تجد لها في الصراع الطائفي مبررا للقول بفساد النظام الإسلامي الذي لا تكتمل، ولعلها لا تصح أصلا عبادة الأمة لله إلا به، والذي لا تعترف به هذه الطائفة أصلا، وبصلاح النظام العلماني الذي لا يصلح للأمة في عبادتها لله، ولعلها لا تصح به أصلا. وبعيدا عن كل هذه الإنقسامات الطائفية والمذهبية والعرقية، لم يعد أمام العرب والمسلمين إذا ما كانوا يريدون الحرية والكرامة والإستقلال، إلا أن يبحثوا في ثقافتهم وفي الثقافة الإنسانية عن ما يوحد الأمة بما يقبل به أكثر أبناء ها بمختلف ألوانهم وأعراقهم ومعتقداتهم وطوائفهم ومذاهبهم الإسلامية والعلمانية.
وليس ثمة أكثر مرونة من النظام الإسلامي إذا ما أحسن التعامل معه وتطبيقه بعيدا عن التضييق والتعصب والتلفيق والتلبيس، وزيادته ما ليس منه وإنقاص منه ما فيه، لتجد فيه كل مكونات المجتمع المختلفة حقوقها وحاجاتها، وفق مقتضيات المصلحة العامة، ووفق خصوصيات الأعراق والمعتقدات. وبذلك وبذلك فقط تكون الأمة قد وضعت أقدامها على طريق الإستقلال الذي لا يتحقق إلا بالإستقلال الثقافي، والذي من خلاله يكون الإستقلال السياسي. وتخرج الأغلبية الإسلامية من حرج البقاء على طبيعة نظام سياسي وثقافي لا علاقة له بتاريخها وحضارتها وثقافتها وأمجادها ودينها، والذي يجد له أصلا في الديانتين المسيحية واليهودية وغيرهما من المعتقدات والأديان. وهو النظام الذي تجد فيه الأقليات الدينية من غير المسلمين في البلاد ذات الأغلبية الإسلامية ما لا يخل بعقائدها ومعتقداتها، وما لا ينقص من قيمة مقدساتها، في الوقت الذي يجد فيه المسلمون أنفسهم أبعد ما يكون عن ثوابت دينهم وعقيدتهم التي لا تصح بها طاعتهم لله وعبادتهم له،ولا أصالتهم وتاريخهم وحضارتهم. ولا يتحقق لهم به استقلالهم، ولا تتحقق لهم به وحدتهم وحريتهم ومصالحهم التي لا وجود ولا مستقبل لهم بدونها.
” تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين “.
بقلم: علي شرطاني
قفصــة - تونـــس